إسرائيل تُحصي جراحها الاقتصادية: 67 مليار دولار ضريبة الحرب بعد 200 يوم

الموازنة تواجه 7 مليارات عجزاً... والدين في طريقه لبلوغ 67% من الناتج المحلي

فلسطينيون يبحثون عن أشياء يمكن إنقاذها بين أنقاض مبنى سكني دمرته الغارات الإسرائيلية (رويترز)
فلسطينيون يبحثون عن أشياء يمكن إنقاذها بين أنقاض مبنى سكني دمرته الغارات الإسرائيلية (رويترز)
TT

إسرائيل تُحصي جراحها الاقتصادية: 67 مليار دولار ضريبة الحرب بعد 200 يوم

فلسطينيون يبحثون عن أشياء يمكن إنقاذها بين أنقاض مبنى سكني دمرته الغارات الإسرائيلية (رويترز)
فلسطينيون يبحثون عن أشياء يمكن إنقاذها بين أنقاض مبنى سكني دمرته الغارات الإسرائيلية (رويترز)

تلقي الحرب الجارية بين إسرائيل و«حماس» بثقلها على كاهل الاقتصاد الإسرائيلي ليدفع بذلك فاتورة باهظةً هي الأغلى في تاريخ الحروب التي خاضتها إسرائيل؛ إذ يشهد اقتصادها انهياراً واضحاً نتيجة التكاليف المرتفعة والخسائر المالية المباشرة وغير المباشرة. وبعد 200 يوم من الحرب، أصبحت الخسائر الاقتصادية دليلاً واضحاً على حجم المعاناة الفادحة، وهو أمر تعكسه البيانات والأرقام الرسمية التي تنذر بالمزيد من التطورات السلبية المحتملة. ووفقاً لـ«بنك إسرائيل»، فإن فاتورة خسائر تل أبيب في الحرب على قطاع غزة بلغت 67 مليار دولار على أقل تقدير حتى الآن.

انكماش اقتصادي وديون هائلة

شهد الاقتصاد الإسرائيلي انكماشاً كبيراً خلال الربع الأخير من العام الماضي، بنسبة 21 في المائة على أساس سنوي؛ إذ ألقت الحرب بظلالها على عملية إعداد موازنة السنة الحالية، مما اضطر الحكومة إلى اتخاذ قرارات صعبة تمثلت في تعزيز الإنفاق العسكري على حساب قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والاستثمار. كما رفع الواقع المالي الضاغط نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي من 60 في المائة عام 2022، إلى 62.1 في المائة العام الماضي، وسط توقعات بأن يرتفع في 2024 إلى 67 في المائة.

وفي عام 2023، حقق الاقتصاد نمواً إجمالياً بنسبة 2 في المائة مقارنة بعام 2022، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، وهو انخفاض ملحوظ عن النمو المسجل في العام السابق والذي بلغ 6.5 في المائة.

ومنذ بداية عام 2024، سجلت الموازنة الإسرائيلية عجزاً تراكمياً بقيمة 26 مليار شيكل؛ أي ما يعادل نحو 7 مليارات دولار. وبحسب صحيفة «معاريف» الإسرائيلية، وصل العجز الشهري للموازنة في مارس (آذار) إلى 15 مليار شيكل؛ أي نحو 4 مليارات دولار، وهو ما يعادل 6.2 في المائة من الناتج المحلي.

وفي موازاة ذلك، ارتفع الإنفاق الحكومي بنسبة هائلة بلغت 88 في المائة خلال الأشهر الثلاثة الأولى التي أعقبت اندلاع الحرب، مقارنة بالربع السابق. وعلى النقيض من ذلك، انخفض إنفاق المستهلكين بشكل حاد بنسبة 27 في المائة في الوقت الذي تراجع فيه إجمالي دخل الإسرائيليين 20 في المائة، في حين شهدت كل من الواردات والصادرات تراجعاً كبيراً بنسبة 42 في المائة و18 في المائة على التوالي.

ووفقاً لوزارة المالية، جمعت إسرائيل ديوناً بقيمة هائلة بلغت 160 مليار شيكل (43 مليار دولار) في 2023، منها 81 مليار شيكل تمّ اقتراضها منذ اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر (تشرين الأول).

وفي الشهر الماضي، جمعت إسرائيل مبلغاً قياسياً قدره 8 مليارات دولار في أول بيع لسندات دولية لها منذ هجمات 7 أكتوبر، مع ارتفاع الطلب حتى بعد أن أعطت وكالة «موديز» لإسرائيل أول خفض على الإطلاق لتصنيفها الائتماني السيادي في فبراير (شباط).

وكانت الحكومة جمعت في عام 2023 نحو 116 مليار شيكل، أو 72 في المائة من الإجمالي، محلياً، منها 25 في المائة تم اقتراضها من الخارج والباقي في شكل ديون محلية غير قابلة للتداول.

وقالت الوزارة إن الدين العام الإسرائيلي نما بنسبة 8.7 في المائة في العام الماضي ليصل إلى 1.13 تريليون شيكل، مدعوماً جزئياً بارتفاع التضخم وأسعار الفائدة.

ضربات موجعة للسياحة

تتعرض السياحة في إسرائيل لضربات موجعة تنذر بتراجع ملحوظ في إيراداتها، وذلك بعد سلسلة من الإلغاءات التي طالت مختلف الأنشطة والفعاليات السياحية. فبعد توقف الخدمات الفندقية وتراجع أعداد الزوار بشكلٍ ملحوظ، أُعلن أخيراً عن إلغاء الموسم السياحي في «جبل حرمون»، المعروف باسم «جبل الشيخ» أيضاً، والذي يُعد أشهر وجهة للتزلج على الثلوج في إسرائيل.

وأكدت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» أن إغلاق «جبل حرمون»، الذي استقطب 400 ألف زائر خلال موسم شتاء 2022-2023، يُشكل ضربة قاسية وقاصمة لقطاع السياحة الإسرائيلي الذي كان يعاني أصلاً من تبعات الصراع الأخير في المنطقة. فقد كانت فعاليات «جبل حرمون» تجذب سنوياً أعداداً كبيرة من السياح، محليين وأجانب، مما كان يُدر أرباحاً طائلة على الخزينة الإسرائيلية.

كما أكدت تصريحات الرئيس التنفيذي لمنطقة جبل حرمون للتزلج، رفائيل نافي، على أن إغلاق الجبل لم يُؤثر فقط على موظفيه البالغ عددهم 300 شخص، بل طال تأثيره أيضاً مختلف القطاعات الاقتصادية في المنطقة.

وشهد قطاع السياحة نمواً طوال عام 2023؛ إذ استقبلت إسرائيل ما يقرب من 3.01 مليون سائح، مما أدى إلى ضخ 4.85 مليار دولار، لكن القطاع السياحي واجه انهياراً كبيراً نتيجة أحداث السابع من أكتوبر الماضي، ليدخل بعد ذلك عام 2024 بالكثير من التحديات والشكوك حول مستقبله.

وبحسب مركز الإحصاء الإسرائيلي، زار 180 ألف سائح إسرائيل خلال الربع الأخير من العام الماضي، وهو ما يمثل تراجعاً بنسبة 81.5 في المائة على أساس سنوي مقارنة بعام 2022، عندما بلغ عدد السياح في الربع الأخير 930 ألف سائح.

التصنيف الائتماني في خطر

وفي خطوة مفاجئة، خفضت وكالة التصنيف الائتماني «ستاندرد آند بورز» التصنيف الائتماني طويل الأجل لإسرائيل من «أيه أيه -» إلى «أيه +»، وذلك بعد تصاعد حدة التوتر مع إيران في الآونة الأخيرة. كما توقعت أن يرتفع عجز الموازنة الحكومية الإسرائيلية 8 في المائة في 2024 مقارنة بـ6.7 في المائة في 2023.

وكان من المقرر أن تُصدر «ستاندرد آند بورز» تصنيفها الدوري لإسرائيل الشهر المقبل، إلا أن التطورات الأخيرة على الساحة الجيوسياسية، وتحديداً تصاعد حدة التوتر مع إيران، دفعتها إلى اتخاذ هكذا خطوة. ويُبنى التصنيف الائتماني الحالي لإسرائيل على افتراض عدم توسع الصراع في المنطقة. وإذا حدث مثل هذا التصعيد، فمن المرجح أن تقدم «ستاندرد آند بورز» على خفض تصنيف إسرائيل مرة أخرى.

كما خفضت وكالة «موديز» التصنيف الائتماني السيادي لإسرائيل للمرة الأولى من «أيه 1» إلى «أيه 2» في أوائل فبراير 2024. ويُعزى هذا التخفيض إلى المخاوف المتزايدة بشأن الحرب المستمرة في غزة وتأثيرها السلبي المحتمل على اقتصاد إسرائيل على المدى الطويل. وتوقعت ارتفاع أعباء الدين في إسرائيل عن توقعات ما قبل الحرب، وأن يصل الإنفاق الدفاعي إلى ضعف مستوى عام 2022 تقريباً بحلول نهاية هذا العام.

وأشارت «موديز» إلى أنها فعلت ذلك بعد تقييم لها يبين أن «النزاع العسكري المستمر مع (حماس) وتداعياته وعواقبه الأوسع نطاقاً يزيد المخاطر السياسية لإسرائيل، ويضعف أيضاً مؤسساتها التنفيذية والتشريعيّة وقوّتها المالية في المستقبل المنظور».

أما وكالة «فيتش»، فتوقعت أن يبلغ عجز الموازنة العامة الإسرائيلية لعام 2024 نحو 8.6 في المائة، وأن يصل إجمالي العجز إلى 33 مليار دولار. كما توقعت أن يبلغ العجز لعام 2025 نحو 3.9 في المائة بدلاً من 2.8 في المائة، في حين أنه سوف تبلغ نسبة العجز لإجمالي الناتج المحلي في 2024 مستوى 65.7 في المائة. كما رجحت ارتفاع الإنفاق الإسرائيلي العام 12.5 في المائة في 2023 بسبب الحرب.

تحديات ما قبل الحرب

لم يكن التباطؤ الاقتصادي مفاجئاً في إسرائيل؛ فقد كان الاقتصاد يواجه العديد من التحديات منذ بداية العام؛ إذ أدت الإصلاحات القضائية التي اقترحتها الحكومة اليمينية المتطرفة للحد من سلطة المحكمة العليا إلى اضطرابات سياسية واحتجاجات وتباطؤ الاستثمارات في قطاع التكنولوجيا الفائقة وإضعاف الشيكل. كما ساهم ارتفاع أسعار الفائدة وارتفاع معدلات التضخم والتوقعات بحدوث ركود اقتصادي عالمي في تفاقم مشاكل الاقتصاد.

وقبل الحرب، كان اقتصاد البلاد في تراجع مستمر. وشهدت الحكومة انخفاض إيراداتها بنسبة 8 في المائة في سبتمبر (أيلول)، بعد فترة أولية صعبة استمرت ثمانية أشهر من السنة المالية.

وفي يونيو (حزيران) الماضي، أصدر صندوق النقد الدولي تقريراً عن إسرائيل توقع فيه تباطؤ النمو الاقتصادي إلى نحو 2.5 في المائة في عام 2023. وأشار التقرير إلى عدة عوامل لهذا التباطؤ، بما في ذلك ارتفاع التضخم (5 في المائة في عام 2022) والإصلاحات القانونية المثيرة للجدل التي أجرتها الحكومة.

هل التعافي ممكن؟

من المرجح أن يكون لأي حرب تأثير سلبي على مالية إسرائيل؛ إذ تنفق الحكومة أكثر من 4 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي على الجيش، وتتلقى 3.8 مليار دولار مساعدة سنوية من الولايات المتحدة لشراء الأسلحة.

يُذكر أنه في عام 1973 كادت تكلفة الأسلحة وتعبئة 200 ألف جندي احتياطي لحرب السادس من أكتوبر أن تؤدي إلى إفلاس إسرائيل.

من جهته، قدر المصرف المركزي أن سنة واحدة من انتفاضة 2002 كلفت 3.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

ومع استمرار الحرب، فإن المخاطر المحتملة المرتبطة بها سوف تتصاعد بشكل متزايد. وفي الوقت الحالي، هناك اتجاه تصاعدي في تكاليف الاقتراض، في حين أن القاعدة الضريبية آخذة في الانخفاض. علاوة على ذلك، فإن محركات النمو الرئيسية للاقتصاد الإسرائيلي، وخاصة الاستهلاك الخاص والاستثمار، وصلت إلى طريق مسدودة.

وتشهد الإيرادات الضريبية للدولة اتجاهاً تنازلياً مثيراً للقلق يصاحبه ارتفاع كبير في العجز قد يصل إلى ضعف المعدل المتوقع في البداية وهو 1.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. كما أن مؤشر ثقة المستهلك، وهو مؤشر يهدف إلى تقييم المستوى العام للتفاؤل لدى عامة الناس، كشف عن تراجع ملحوظ.

وعليه، من المتوقع أن يكون للحرب المستمرة تأثير كبير على الاقتصاد الإسرائيلي، مما يؤدي إلى تباطؤ في النمو خلال العامين الماليين الحالي والمقبل. وسيترافق ذلك مع زيادة كبيرة في عجز الموازنة؛ إذ تخصص الحكومة أموالاً إضافية لدعم الجيش وتقديم المساعدة للمدنيين ودعم الشركات المتضررة من الحرب.

وهناك اختلافات ملحوظة تشير إلى إمكانية فترة تعافٍ طويلة، إذا كان هذا التعافي ممكناً؛ إذ خسرت بورصة تل أبيب، في أكتوبر 2023 وحده، 27 مليار دولار، وهو ما يمثل أكبر خسارة شهرية لها منذ أكثر من ثلاث سنوات، ومن المتوقع أن تزيد الخسائر أكثر.


مقالات ذات صلة

«مجلس السلام»: خطة غزة تحتاج إلى إحراز تقدم سريع والمحادثات «ليست سهلة»

المشرق العربي جانب من الدمار في قطاع غزة جراء الحرب (رويترز - أرشيفية)

«مجلس السلام»: خطة غزة تحتاج إلى إحراز تقدم سريع والمحادثات «ليست سهلة»

قال كبير مبعوثي «مجلس السلام» إلى غزة، اليوم (الاثنين)، إنه «متفائل إلى حد ما» بإمكان التوصل إلى اتفاق بشأن خطة نزع سلاح حركة «حماس».

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون إلى جانب مقاتلين من فصائل غزة عقب اشتباكات مع ميليشيات مدعومة من إسرائيل في خان يونس جنوب القطاع (صورة من فيديو بثته رويترز)

71.4 مليار دولار احتياجات غزة للتعافي وإعادة الإعمار بعد الحرب

ذكر تقرير مشترك للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي الاثنين أن احتياجات قطاع غزة من أجل التعافي ​وإعادة الإعمار تقدر بنحو 71.4 مليار دولار  

«الشرق الأوسط» (رام الله)
خاص فلسطينيون إلى جانب مقاتلين من فصائل غزة عقب اشتباكات مع ميليشيات مدعومة من إسرائيل في خان يونس جنوب القطاع يوم الاثنين (صورة من فيديو بثته رويترز) p-circle

خاص عصابات مدعومة إسرائيلياً تستعرض قدراتها في شمال غزة وجنوبها

نفذت عصابات مسلحة تدعمها إسرائيل وتتمركز بمناطق سيطرتها شرق الخط الأصفر في غزة تحركات متزامنة لاستعراض القدرات العسكرية واللوجيستية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون في خان يونس جنوب قطاع غزة اليوم (رويترز)

تحذيرات من تفاقم الأوضاع الصحية في غزة وسط دعوات لدعم دولي عاجل

حذّر مسؤول صحي فلسطيني، اليوم الاثنين، من تفاقم الأوضاع الإنسانية والصحية بقطاع غزة، في ظل ما وصفه بتدهور كبير بالمنظومة العلاجية ونقص حاد بالخدمات.

«الشرق الأوسط» (غزة)
أوروبا نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو (يسار) والممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية نائبة الرئيس كايا كالاس (وسط) ورئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى (يمين) خلال الاجتماع التاسع للتحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين ببروكسل (أ.ف.ب)

الاتحاد الأوروبي يؤكّد دعمه للسلطة الفلسطينية وحل الدولتين

أكّد الأوروبيون دعمهم للسلطة الفلسطينية وحل الدولتين، اليوم الاثنين، في وقتٍ تصرف الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران الأنظار عن غزة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

هدوء الأسعار السكنية يعيد توازن العقارات في السعودية

مشروع وحدات سكنية في السعودية (واس)
مشروع وحدات سكنية في السعودية (واس)
TT

هدوء الأسعار السكنية يعيد توازن العقارات في السعودية

مشروع وحدات سكنية في السعودية (واس)
مشروع وحدات سكنية في السعودية (واس)

يعكس هدوء الأسعار في القطاع السكني بالسوق العقارية السعودية تحوّلاً لافتاً نحو مرحلة أكثر توازناً واستدامة، بعد سنوات من الارتفاعات المتسارعة، وذلك بعد أن كشفت أحدث البيانات الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء عن تراجع في الرقم القياسي لأسعار العقارات بنسبة 1.6 في المائة خلال الربع الأول من عام 2026، وذلك مقارنة بالفترة المماثلة من العام الماضي، نتيجةً لانخفاض القطاع السكني. فالتراجع المسجّل خلال الربع الأول من عام 2026، جاء كمؤشر على إعادة تصحيح طبيعية للأسعار، تسهم في تعزيز كفاءة السوق ومواءمتها مع مستويات الطلب الفعلي.

وفي الوقت الذي يقود فيه القطاع السكني هذا التحول، تواصل القطاعات الأخرى إظهار قدر من التماسك، ما يعزز من صورة سوق عقارية أكثر نضجاً وقدرة على الاستقرار في مواجهة المتغيرات الاقتصادية. ويؤكد مختصون في حديثهم إلى «الشرق الأوسط»، أهمية هذا التراجع في رفع نسبة تملك المسكن الأول للمواطن، مع إتاحة العقارات بأسعار متوازنة في السوق المحلية، موضحين أن العرض يستمر في الارتفاع أمام الطلب، متوقعين في الوقت ذاته أن تشهد المنظومة تراجعاً خلال الفترة المقبلة.

تأثيرات قرارات ولي العهد

وأوضح المختص في الشأن العقاري رئيس «مجموعة أماكن الدولية» خالد الجاسر، لـ«الشرق الأوسط»، أن قرارات ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان كان لها تأثير مباشر وغير مباشر على القطاع، وأسهمت في هذا الانخفاض، ما يعكس مرحلة تصحيح وتنظيم.

وكشف عن أبرز تأثيرات قرارات ولي العهد في ضبط أسعار الأراضي البيضاء والحد من الاحتكار، ورفع كفاءة السوق وتقليل المضاربات، والتوجيه نحو التملك الحقيقي بدلاً من الاستثمار العشوائي، بالإضافة إلى تشديد بعض السياسات التمويلية للحد من التضخم العقاري، وأشار إلى أهمية مشاريع الإسكان الحكومية والخاصة، التي أسهمت في رفع عدد الوحدات المتاحة، وفرض رسوم الأراضي البيضاء، ما أسهم في تقليل تخزينها دون تطوير، إلى جانب زيادة تكلفة التمويل العقاري، ما يقلل من الطلب. وبيّن الجاسر أن التوجه الحكومي في الانخفاض كان «مقصوداً جزئياً» لدعم المواطن، ومن أهم تلك المحفزات: برامج مثل «سكني» التي تقدم دعماً مباشراً، وتسهيلات التمويل المدعوم من الدولة، وزيادة الخيارات بأسعار تنافسية، وأيضاً ضبط السوق لمنع تضخم الأسعار غير المبرر.

نمو متوازن

ويرى أن الأسعار أصبحت أقرب للقيمة الحقيقية، وأقساط أقل نسبياً مقارنة بالسنوات السابقة، وأن هناك فرصاً أكبر لامتلاك أول مسكن مع تقليل المخاطر المالية طويلة المدى.

وتوقع رئيس «مجموعة أماكن الدولية» أن تميل الأسعار إلى الاستقرار في الفترة المقبلة مع نمو متوازن وليس ارتفاعات حادة، وكذلك استمرار المشاريع الكبرى (مثل مشروع نيوم وغيره)، ما يدعم الطلب، وأن السوق ستتجه نحو الجودة بدل الكمية. وأكد الجاسر أن هذا الانخفاض في المؤشر العقاري سينعكس على معدل التضخم في السعودية.

الحد من ارتفاع الأسعار

من جهته، قال الرئيس التنفيذي لشركة منصات العقارية خالد المبيض، لـ«الشرق الأوسط»، أن انخفاض الرقم القياسي لأسعار العقارات بنسبة 1.6 في المائة خلال الربع الأول من العام الحالي يعد إشارة إلى دخول السوق مرحلة أكثر توازناً، خصوصاً في القطاع السكني الذي قاد التراجع بنسبة 3.6 في المائة. وواصل المبيض أن هذه المؤشرات لا تعني ضعفاً عاماً في السوق، بقدر ما تعكس إعادة تموضع للأسعار بعد موجات ارتفاع سابقة، بينما يظل القطاع التجاري والزراعي في مسار مختلف وأكثر تماسكاً.

الأراضي السكنية

وشهد القطاع السكني انخفاضاً سنوياً بنسبة 3.6 في المائة في الربع الأول. وتعود أسباب هذا التراجع إلى انخفاض أسعار مكونات رئيسية في هذه المنظومة، وهي:

- الأراضي السكنية: سجَّلت انخفاضاً بنسبة 3.9 في المائة.

- الفلل: شهدت التراجع الأكبر في هذا القطاع بنسبة 6.1 في المائة.

- الشقق: انخفضت أسعارها بنسبة 1.1 في المائة.

الأدوار السكنية: خالفت الاتجاه العام للقطاع وسجَّلت ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.6 في المائة.

العقارات التجارية والزراعية

في المقابل، أظهرت العقارات التجارية والزراعية صموداً ونمواً خلال الفترة نفسها. وسجَّل القطاع التجاري ارتفاعاً إيجابياً بنسبة 3.4 في المائة، مدعوماً بارتفاع أسعار قطع الأراضي التجارية 3.6 في المائة، والعمائر 2.6 في المائة، في حين تراجعت أسعار المعارض والمحلات 3.5 في المائة. أما القطاع الزراعي، فحافظ على وتيرة نمو قوية بلغت 11.8 في المائة، متأثراً بشكل مباشر بارتفاع أسعار الأراضي الزراعية بنفس النسبة.

المناطق الإدارية

أظهرت المناطق الإدارية تبايناً كبيراً في مستويات الأسعار، حيث حقَّقت المنطقة الشرقية أعلى ارتفاع في الأسعار بنسبة 6.9 في المائة، تلتها نجران 3.5 في المائة، ثم تبوك وعسير.

وبالنسبة إلى المناطق المنخفضة، سجَّلت الباحة أكبر تراجع بنسبة 9.2 في المائة، تلتها حائل 8.0 في المائة، والحدود الشمالية 6.6 في المائة. وفي المدن الكبرى، سجلت منطقة الرياض انخفاضاً بنسبة 4.4 في المائة، بينما كان التراجع في مكة المكرمة طفيفاً بنسبة 0.7 في المائة. وعلى أساس ربع سنوي مقارنة بالربع الرابع من عام 2025، سجَّل المؤشر العام انخفاضاً طفيفاً بنسبة 0.2 في المائة.


مع تشديد الحظر... الصين تُقلّص صادرات الوقود دون حظرها

ناقلة نفط عملاقة أمام ساحل مدينة قينغداو شرق الصين (أ.ب)
ناقلة نفط عملاقة أمام ساحل مدينة قينغداو شرق الصين (أ.ب)
TT

مع تشديد الحظر... الصين تُقلّص صادرات الوقود دون حظرها

ناقلة نفط عملاقة أمام ساحل مدينة قينغداو شرق الصين (أ.ب)
ناقلة نفط عملاقة أمام ساحل مدينة قينغداو شرق الصين (أ.ب)

تُقلّص الصين صادرات الوقود المكرر بدلاً من حظرها، حيث تستقبل دول من بينها ماليزيا وأستراليا، الإمدادات حتى بعد أن مددت بكين القيود المفروضة الشهر الماضي إلى أبريل (نيسان)، وذلك وفقاً لبيانات الشحن والتجار.

كان خفض الصادرات في أبريل أعمق مما كان عليه في مارس (آذار)، وفقاً لشركة «فورتيكسا» المتخصصة في تتبع ناقلات النفط، حيث بلغ إجمالي شحنات الديزل ووقود الطائرات والبنزين إلى وجهات أخرى غير هونغ كونغ 320 ألف طن متري في الأسبوعين الأولين من هذا الشهر؛ أي سدس مستويات العام الماضي فقط.

ولطالما فرضت الصين، رابع أكبر مُصدّر للوقود النظيف في آسيا، قيوداً على صادراتها من الوقود عبر نظام الحصص. وجاءت هذه القيود عقب اندلاع الحرب مع إيران، في وقتٍ خفّضت فيه مصافي التكرير في آسيا والشرق الأوسط إنتاجها بسبب صعوبة تأمين النفط الخام، مما زاد من شحّ الإمدادات في أسواق الوقود.

ووفقاً لبيانات شركة «فورتيكسا»، شملت شحنات الصين في أبريل 234 ألف طن مُجمّعة إلى فيتنام وإندونيسيا وماليزيا وأستراليا والفلبين، بالإضافة إلى 82 ألف طن إلى جنوب آسيا عبر سنغافورة.

في الوقت نفسه، حافظت مصافي التكرير على مستويات شحن عالية إلى هونغ كونغ، مستفيدةً من هوامش الربح التي ارتفعت نتيجة الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وفقاً لتجار وبيانات الشحن.

وفي منتصف مارس، أصدرت بكين قراراً بحظر صادرات الوقود لإعطاء الأولوية لإمداداتها المحلية، حسبما أفادت به مصادر في ذلك الوقت. وتستثني القيود، التي لم تعلنها الصين رسمياً، هونغ كونغ وماكاو، بالإضافة إلى تزويد الطائرات بالوقود للرحلات الدولية وبيع وقود السفن للشاحنين في الرحلات الدولية.

صادرات مارس

وأفادت مصادر بأن الصين مدَّدت قيودها إلى أبريل لتعويض خفض الإنتاج في مصافي التكرير المملوكة للدولة بشكل رئيسي، مع استثناءات لكميات صغيرة للمشترين الإقليميين الذين طلبوا المساعدة لتخفيف نقص الوقود. وبينما سارعت مصافي التكرير في شحن بعض البضائع قبل صدور أمر مارس، تخضع صادرات أبريل لتدقيق أشد، وفقاً لتجار ومحللين.

وقال مدير تجارة الوقود في شركة مملوكة للدولة لوكالة «رويترز»، رافضاً الكشف عن اسمه نظراً لحساسية الموضوع، إن بكين ستتولى «ترتيب جميع الشحنات» في أبريل باستثناء تلك المتجهة إلى هونغ كونغ، مما سيؤدي إلى انخفاض حاد في الصادرات مقارنةً بشهر مارس.

وفي مارس، بلغت صادرات أنواع الوقود الثلاثة إلى أسواق تشمل سنغافورة وماليزيا والفلبين وأستراليا وفيتنام وبنغلاديش 436 ألف برميل يومياً، بانخفاض قدره 20 في المائة عن 551 ألف برميل يومياً في فبراير (شباط)، وفقاً لشركة «فورتيكسا».

وأظهرت بيانات شركة «كيبلر» انخفاض الصادرات من خارج هونغ كونغ بمقدار الثلث لتصل إلى 250 ألف برميل يومياً في مارس، مقارنةً بـ375 ألف برميل يومياً في فبراير. ولا تتطابق بيانات جهات التتبع دائماً بسبب اختلافات محتملة في التصنيف.

وقال المحلل زمير يوسف، من شركة «كيبلر»: «ظلت التدفقات إلى ماليزيا وفيتنام قريبة من مستويات ما قبل الحظر، مما يشير إلى أن بكين تتخذ قرارات تخصيص مدروسة بدلاً من فرض قيود شاملة». ويتسق هذا مع استعداد وزارة الخارجية المعلن للتعاون مع دول جنوب شرق آسيا المجاورة في مجال أمن الطاقة.

وأظهرت حساباتٌ مبنيةٌ على بياناتٍ جمركيةٍ نُشرت يوم السبت، أن صادرات شهر مارس من الديزل والبنزين ووقود الطائرات مجتمعةً -بما في ذلك إلى هونغ كونغ- كانت ثابتةً مقارنةً بشهر فبراير، لكنها انخفضت بنسبة الربع عن العام السابق لتصل إلى 2.58 مليون طن، حيث تراجع البنزين بنسبة 68 في المائة خلال الشهر، وانخفض وقود الطائرات بنسبة 13.1 في المائة. بينما حافظ الديزل على استقراره. وتشمل الأرقام الجمركية شحنات البضائع والمبيعات من المستودعات الجمركية لتزويد الطائرات بالوقود وتزويد السفن بالوقود.

تدفقات هونغ كونغ مستقرة

وأظهرت بياناتٌ من مجموعة بورصة لندن للأوراق المالية وشركة «فورتيكسا» أن الشحنات الصينية من كيروسين الطائرات والديزل إلى هونغ كونغ لم تشهد تغييراً يُذكر، حيث بلغت 166 ألف برميل يومياً في مارس.

وقال تجارٌ إن مصافي التكرير التي حافظت على تدفقات هونغ كونغ مرتفعةً، حققت هوامش ربحٍ تصديريةً قوية.

واستقرت هوامش معالجة الديزل ووقود الطائرات في آسيا عند مستويات تزيد على ضعف وثلاثة أضعاف مستويات ما قبل النزاع، حيث بلغت نحو 45 دولار و56.50 دولار للبرميل على التوالي، في 20 أبريل، بعد أن سجلت مستويات قياسية في نهاية مارس.


إدارة ترمب تعيد 127 ملياراً من الرسوم الجمركية غير المشروعة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

إدارة ترمب تعيد 127 ملياراً من الرسوم الجمركية غير المشروعة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

فتحت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، بوابة إلكترونية جديدة لتمكين الشركات من المطالبة باسترداد الرسوم الجمركية التي دفعتها بسبب سياسات أبطلتها المحكمة العليا الأميركية في وقت سابق من هذا العام. وتتجاوب هذه الخطوة مع الحكم الذي أصدرته المحكمة العليا بعدم دستورية الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس ترمب بُعيد بدء رئاسته الثانية وبموجب قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية بغية «جعل أميركا غنيّة مجدداً». ويتوقع أن تُتاح استردادات بقيمة 127 مليار دولار في المرحلة الأولى، علماً بأن الاستردادات يمكن أن تصل إلى أكثر من 166 مليار دولار في وقت لاحق.

وعلى الرغم من أن المستهلكين لن يتلقوا شيكات استرداد مباشرة، فإن البعض قد يسترد أمواله من خلال شركات التوصيل مثل «فيديكس»، بالإضافة إلى الدعاوى القضائية الجماعية الجارية التي تستهدف كبرى متاجر التجزئة، مثل «كوستكو» و«راي بان» و«إيسيلور لوكسوتيكا» و«كاواساكي موتورز». وأمرت المحكمة العليا بأكثرية ستة أصوات مقابل ثلاثة أصوات في 20 فبراير (شباط) الماضي بأن الرئيس ترمب قد تجاوز صلاحيات الكونغرس في تحديد الضرائب عندما فرض معدلات ضريبية جديدة على واردات المنتجات من كل دول العالم تقريباً، مُشيرة إلى العجز التجاري الأميركي بصفته حالة طوارئ وطنية. وقرر قاضٍ في محكمة التجارة الدولية الأميركية لاحقاً أن الشركات الخاضعة لهذه الرسوم الجمركية يحق لها استردادها. وخلص تقرير صادر عن مؤسسة الضرائب في فبراير أيضاً إلى أن الرسوم هذه تُعادل زيادة ضريبية قدرها ألف دولار لكل أسرة. وتقتصر أهلية المرحلة الأولى على المستوردين الذين دفعوا هذا النوع من الرسوم الجمركية، على أن يكون المتقدم هو المستورد المسجل أو وسيط الجمارك المرخص الذي قدم البيان الجمركي.

• 330 ألف مستورد

وأفادت إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في ملفات المحكمة بأن أكثر من 330 ألف مستورد دفعوا زهاء 166 مليار دولار أميركي رسوماً على 53 مليون شحنة. مع ذلك، لا تستوفي كل هذه المدفوعات شروط استرداد المرحلة الأولى. ومن 330 ألف مستورد دفعوا الرسوم، لم يُكمل سوى 56497 مستورداً التسجيل في نظام الدفع الإلكتروني التابع لهيئة الجمارك وحماية الحدود حتى 14 أبريل (نيسان) الماضي، مما يجعلهم مؤهلين لاسترداد رسوم جمركية بقيمة إجمالية قدرها 127 مليار دولار، شاملة الفوائد. وسيتم التعامل مع باقي المستوردين والشحنات في مراحل لاحقة. وتعهدت «فيديكس»، التي كانت تجمع الرسوم مباشرة من المستهلكين، بإعادة المبالغ المستردة إلى العملاء الذين دفعوها. وأفادت في بيان بأن «هدفنا واضح: إذا تم إصدار أي مبالغ مستردة لـ(فيديكس)، فسنرد رسوم قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية المدفوعة إلى الشاحنين والمستهلكين الذين تحملوا هذه الرسوم».

وكانت الشركة توقفت عن تحصيل الرسوم بعد يومين من قرار المحكمة العليا. وكانت شركة «كوستكو» رفعت دعوى قضائية فيدرالية في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، طعنت فيها بكل رسوم قانون سلطات الطوارئ بوصفها غير قانونية، مطالبة بإصدار أمر برد كامل المبالغ المدفوعة، بما فيها الفوائد. والتزمت الشركة بتحويل أي مبالغ مستردة تتلقاها مباشرة إلى أصحابها.

ونقلت صحيفة «بيوجت ساوند بيزنس جورنال» عن الرئيس التنفيذي لـ«كوستكو» رون فاكريس قوله: «كما فعلنا في السابق، عندما نجحت الطعون القانونية في استرداد الرسوم التي تم تمريرها بشكل أو بآخر إلى أعضائنا، فإن التزامنا هو إيجاد أفضل طريقة لإعادة هذه القيمة من خلال خفض الأسعار». ورفعت شركات كبرى أخرى دعاوى قضائية مماثلة، بما في ذلك شركات تصنيع النظارات «راي بان» و«إيسيلور لوكسوتيكا» و«كاواساكي موتورز».

وتُقدر إدارة الجمارك وحماية الحدود أن تستمر عمليات استرداد الرسوم من 60 إلى 90 يوماً من تاريخ قبول الإقرار. ونقلت وكالة «أسوشييتد برس» عن الشريكة في شركة «آيس ميلر» ميغان سوبينو توقعها «حدوث بعض المشاكل» على غرار «أي برنامج إلكتروني». وقالت: «تُعدّ الدقة بالغة الأهمية أيضاً، إذ يمكن رفض الطلبات في حال وجود خطأ في التنسيق أو البيانات، كما أن معلومات الحساب المصرفي غير الصحيحة ستؤدي إلى تأخير أو منع الدفع».