ازدياد التدفقات الدولارية على مصر وسط مطالب بـ«حُسن إدارتها»

القاهرة تستقبل بشكل شبه يومي أخباراً اقتصادية إيجابية منذ الإعلان عن صفقة «رأس الحكمة»

آلة حاسبة بجانب أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
آلة حاسبة بجانب أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
TT

ازدياد التدفقات الدولارية على مصر وسط مطالب بـ«حُسن إدارتها»

آلة حاسبة بجانب أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
آلة حاسبة بجانب أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

تلقى الاقتصاد المصري مؤخراً دفعة قوية من الأحداث والأخبار الإيجابية التي جاءت بعد الإعلان عن صفقة «رأس الحكمة» في أواخر شهر فبراير (شباط) الماضي، وتعويم العملة ورفع الفائدة بنسبة 6 في المائة في الأسبوع الأول من شهر مارس (آذار)، كانت أهمها التدفقات الدولارية التي إن أحسنت الإدارة الحالية إداراتها فقد تخرج من عنق الزجاجة، لكنها ستظل حبيسة بداخلها، فترة من الزمن تتحدد بمدى تحركها في التحول إلى اقتصاد منتج.

ومصر، التي تعتمد على 4 قطاعات لجذب العملة الأجنبية: السياحة، وتحويلات المصريين في الخارج، وقناة السويس، والصادرات، شهدت ضربات خارجية وداخلية الفترة الأخيرة، ما جعلها تقع في أزمات متلاحقة، وأسهم في ذلك انكشاف اقتصادها على الخارج دون حماية حقيقية.

وبالنظر إلى القطاعات الثلاثة، السياحة وتحويلات المصريين في الخارج، وقناة السويس، نجد أنها شهدت تأثراً كبيراً بما يحدث من متغيرات اقتصادية وجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط والعالم، حتى إن السياحة تأثرت بتداعيات الحرب في غزة، ما يصَعب من نجاح الحكومة للوصول إلى مستهدف 30 مليون سائح بحلول 2028، وفق تصريحات وزير السياحة أحمد عيسي، وإن كانت قد حققت انتعاشاً رغم ذلك.

وتراجعت تحويلات المصريين في الخارج بنسبة كبيرة، بلغت نحو 30 في المائة، من 32 مليار دولار حققتها قبل الأزمة، نظراً لانتعاش السوق السوداء للدولار. كما تراجعت إيرادات قناة السويس بنسبة 50 في المائة بسبب الاضطرابات الملاحية في البحر الأحمر.

يتبقى قطاع الصادرات، وهو الذي تستطيع الإدارة المصرية التحكم في زيادة إيراداته من عدمه، وهو ما ظهر في ارتفاع صادرات مصر الزراعية خلال الربع الأول من عام 2024 لتتجاوز 2.2 مليون طن بقيمة 1.5 مليار دولار، بزيادة قدرها 300 مليون دولار عن الفترة نفسها من العام السابق.

وهذه الطفرة في مجال الصادرات الزراعية جاءت بعد أن ‏نجحت مصر في فتح 95 سوقاً خلال السنوات العشر الماضية، وتصدير أكثر من 400 ‏سلعة زراعية لـ160دولة، وفق وزير الزراعة السيد القصير.

وهذا يعني أن مصر بدأت مؤخراً في الاهتمام بقطاع الصادرات؛ لأنه يعد من أهم مصادر العملات الأجنبية، خصوصاً مع تخفيض العملة المصرية، الذي يعطي زخماً للصادرات أمام منافستها من الدول الأخرى، إذ يجعلها أرخص.

بداية التحولات

منذ أن أعلنت مصر في 23 فبراير عن صفقة «رأس الحكمة» بقيمة 35 مليار دولار، والتي تعد أكبر استثمار مباشر في تاريخ البلاد، وفق رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، بدأ الاقتصاد المصري يتنفس الصعداء، وتراجعت التعاملات في السوق السوداء على الفور، بينما عادت الاستثمارات الأجنبية لأدوات الدين المصرية بعد تعويم العملة، ورفع الفائدة 6 في المائة في اجتماع استثنائي يوم 6 مارس.

في اليوم نفسه، أُعْلِنَ عن التوصل لاتفاق مع صندوق النقد الدولي لزيادة قيمة قرض تمويلي من 3 مليارات دولار إلى 8 مليارات دولار، تبعها إعلان من الاتحاد الأوروبي بقروض ومنح ومساعدات تصل إلى 8.1 مليار دولار، مع رفع التعاون فيما بينهما إلى شراكة استراتيجية.

وفي غضون أيام قليلة، أعلن البنك الدولي عن حزمة دعم مالي لمصر بقيمة 6 مليارات دولار، ورفعت وكالتا «موديز» و«ستاندرد أند بورز»، نظرتهما المستقبلية للاقتصاد المصري إلى إيجابية، مع قرب رفع التصنيف الائتماني.

ووقَّعت الحكومة المصرية مذكرات تفاهم مع 7 كيانات دولية للطاقة والبنية التحتية في محاولة لجذب 40 مليار دولار من الاستثمارات في مشاريع الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة على مدى 10 سنوات، وإعلان مجموعة «Danieli» الإيطالية لاستثمار ما يصل إلى 4 مليارات دولار لإنشاء مجمع لصناعة الصلب الأخضر في مصر.

الوضع الآن

في منتصف مارس، قال مدبولي إن تحويلات المصريين العاملين بالخارج بدأت تعود تدريجياً إلى معدلاتها الطبيعية، خصوصاً في ظل انحسار السوق السوداء لعدم وجود فارق بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء.

وتوقع بنك «غولدمان ساكس»، عودة تدريجية للتحويلات، بعد هذه الإجراءات، لتصل إلى نحو 30 مليار دولار خلال العام الحالي، مع توقعات بتجاوزها 33 مليار دولار في عام 2027.

وأظهر أداء ميزان المدفوعات خلال الربع الأول من العام المالي الحالي 2023 - 2024 تراجعاً في تحويلات المصريين العاملين بالخارج بنسبة 29.9 في المائة على أساس سنوي مقارنة بنفس الربع من العام المالي السابق، لتصل إلى 4.5 مليار دولار مقارنة بنحو 6.4 مليار دولار في الربع نفسه من العام المالي السابق. يبدأ العام المالي في مصر أول يوليو (تموز) وينتهي آخر يونيو (حزيران) من العام التالي.

وتوقعت سارة سعادة، محللة الاقتصاد الكلي في «سي آي كابيتال»، في مذكرة بحثية، أن تعود تحويلات المصريين في الخارج لمعدلاتها الطبيعية خلال العام الحالي عند مستويات 31.6 مليار دولار التي سجلتها قبل أزمة شح الدولار.

وكشفت وثيقة التوجهات الاستراتيجية للاقتصاد المصري للفترة الرئاسية الجديدة 2024 - 2030 استهداف الدولة زيادة تحويلات المصريين العاملين بالخارج بنسبة 10 في المائة سنوياً خلال هذه الفترة، لتبلغ بنهايتها نحو 53 مليار دولار في 2030.

وفي 25 مارس، أعلن رئيس الوزراء أن الحكومة تمكنت بالتعاون مع الجهاز المصرفي من توفير العملة الصعبة، وإنهاء الإجراءات الخاصة بخروج كل البضائع من الموانئ، لكنه أشار وقتها إلى أن أصحاب البضائع يرفضون الإفراج عنها بحجة أن أمامهم مهلة شهر دون دفع غرامة أو تكلفة الأرضيات بالموانئ، وانتظاراً لانخفاض قيمة الدولار لتحقيق مكاسب.

وقد شهدت الموانئ المصرية تكدساً للبضائع والسلع، نتيجة عدم توافر الدولار، ما قلل من معروض السلع والخدمات، حتى شهدت الأسعار ارتفاعاً بشكل شبه يومي. ومن شأن الإفراج عن كل السلع أن تعود الأسعار لمعدلاتها.

تكلفة الديون

يوم الخميس الماضي، جمعت وزارة المالية 25 مليار جنيه من بيع أذون خزانة لأجل عام، و35 مليار جنيه من بيع أذون خزانة لأجل 6 أشهر في عطاء، وفق الموقع الإلكتروني للبنك المركزي، والذي أفاد بتراجع متوسط العائد على الأذون أجل عام إلى 25.9 في المائة من 32.3 في المائة في وقت سابق من الشهر الحالي، كما تراجع العائد على الأذون أجل 6 أشهر إلى 25.74 في المائة، من 31.84 في المائة في وقت سابق من الشهر.

ويظهر هذا ازدياد جاذبية أدوات الدين المحلية قصيرة الأجل للمستثمرين الأجانب، منذ التعويم.

وباع أيضاً البنك المركزي المصري، الأسبوع الماضي، نيابة عن وزارة المالية، سندات خزانة لأجل 3 سنوات ذات العائد الثابت، (يبلغ 25.46 في المائة نزولاً من 26.23 في المائة)، بقيمة 2.9 مليار جنيه.

يأتي هذا بعد أن تراجعت تكلفة التأمين على الديون السيادية لمصر بشكل حاد، لتصل العقود أجل 5 سنوات إلى نحو 5 في المائة مقابل 9.85 في المائة سابقاً، وأكثر من 16 في المائة قبل الإعلان عن صفقة «رأس الحكمة». وهو المستوى الذي تصل إليه عادة الدول المتخلفة عن السداد.

حُسن إدارة التدفقات

طالب الخبير الاقتصادي الدكتور شريف هنري بـ«حُسن إدارة» التدفقات النقدية من الدولار، وعدم تثبيت سعر الصرف بعد الحصول على قرض صندوق النقد الدولي، مثلما حدث في الفترات السابقة.

ومن المقرر أن تستقبل مصر الدفعة الأولى من قرض صندوق النقد الدولي، البالغة 820 مليون دولار، الأسبوع المقبل، وفق تصريحات مدبولي.

ويعقد صندوق النقد الدولي مؤتمراً صحافياً، الاثنين، للإعلان رسمياً عن الموافقة على زيادة القرض ورؤيته للاقتصاد المصري.

ورأى هنري لـ«الشرق الأوسط»، أن «التوترات الإقليمية تدعم اقتصاد مصر ودورها، الذي يتعزز يوماً بعد يوم، وذلك بعد أن ظهر للجميع أهمية دور مصر في المنطقة والإقليم...». وأشار هنا إلى تصريحات صندوق النقد الدولي في حديثه عن مصر وتأثر اقتصادها منذ بداية حرب إسرائيل - غزة، في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ما كان له الأثر الأكبر في الموافقة على زيادة القرض من 3 مليارات دولار إلى 8 مليارات دولار، فضلاً عن تعويم العملة.

وقال هنري: «على مصر أن تركز على قطاعات: الصناعة والسياحة والتصدير، وهذا هو الوقت المناسب... إذ إن جميع دول العالم ترى أهمية دور مصر الآن، وهذا يعطي زخماً لهذه القطاعات الاقتصادية، بل يساعدها على النجاح وتحقيق مستهدفاتها...».

وأوضح أن هناك وعوداً أوروبية بدعم تكنولوجي لمعظم القطاعات الاقتصادية في مصر، ما يساعد على تسريع وتيرة تحقيق المستهدفات في كل القطاعات الاقتصادية المصرية، وأيضاً فتح أسواق جديدة للصادرات، فضلاً عن الدعم السياحي.

ومن جانبه، توقع المحلل الاقتصادي والمالي، هيثم الجندي، زيادة التدفقات الدولارية نحو مصر، بعد هذه الإجراءات الإصلاحية للاقتصاد، مؤكداً أن «النصف الثاني من العام الحالي سيشهد مزيداً من التدفقات بشكل ملحوظ، مع بدء موجة تيسير نقدي عالمي».

وأكد الجندي لـ«الشرق الأوسط»، أهمية استمرار «الإصلاحات» و«حسن إدارة» التدفقات أيضاً، ما ينعكس وقتها على جذب استثمارات أجنبية مباشرة حقيقية.


مقالات ذات صلة

قفزات «الإيجار الجديد» تُعمّق معاناة أسر مصرية

شمال افريقيا بنايات في منطقة فيصل بالجيزة (الشرق الأوسط)

قفزات «الإيجار الجديد» تُعمّق معاناة أسر مصرية

بعد ثلاثة شهور سيكون على الثلاثينية سارة أحمد جمع أغراضها تمهيداً للانتقال من الشقة التي تسكنها حالياً في شبرا الخيمة بمحافظة القليوبية (شمال القاهرة)

رحاب عليوة (القاهرة)
الاقتصاد كريستالينا غورغييفا في مؤتمرها الصحافي خلال اجتماعات الربيع في واشنطن (إ.ب.أ)

صندوق النقد الدولي لا يناقش زيادة برنامج القروض لمصر

قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، الأربعاء، إن الصندوق لا يناقش حالياً زيادة برنامج القروض المقدم لمصر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ارتفعت إيرادات السياحة بمصر إلى 10.2 مليار دولار في 6 أشهر (أرشيفية - الشرق الأوسط)

مصر: تراجع عجز الحساب الجاري إلى 9.5 مليار دولار في 6 أشهر

أعلن ​البنك المركزي المصري ‌أن ​عجز ‌الحساب ⁠الجاري ​تراجع إلى 9.5 مليار ⁠دولار خلال النصف الأول من العام المالي الجاري.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

الودائع الخليجية في «المركزي» المصري... أداة دعم «مستقرة» لا تتأثر بمناوشات «السوشيال ميديا»

تشكل «الودائع الخليجية» في البنك المركزي المصري «أحد روافد» دعم الاقتصاد المصري خلال السنوات الأخيرة، وفق اقتصاديين وبرلمانيين مصريين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد وزير المالية المصري أحمد كجوك خلال اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية بدول «البريكس» بموسكو (الشرق الأوسط)

مصر تستهدف خفض حجم الدين الخارجي في الموازنة الجديدة

أعلن وزير المالية المصري، أحمد كجوك، السبت، ملامح الموازنة العامة الجديدة للدولة للعام المالي 2026 - 2027.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.