موقف «الفيدرالي» الحذر قد يُفضي إلى خفض الفائدة في يونيو

باول يؤكد: «المركزي» لا يصبح أكثر تسامحاً مع ارتفاع التضخم

قد يدفع تباطؤ الاقتصاد ونمو الوظائف «الاحتياطي الفيدرالي» إلى خفض الفائدة من أجل دعم سوق العمل (رويترز)
قد يدفع تباطؤ الاقتصاد ونمو الوظائف «الاحتياطي الفيدرالي» إلى خفض الفائدة من أجل دعم سوق العمل (رويترز)
TT

موقف «الفيدرالي» الحذر قد يُفضي إلى خفض الفائدة في يونيو

قد يدفع تباطؤ الاقتصاد ونمو الوظائف «الاحتياطي الفيدرالي» إلى خفض الفائدة من أجل دعم سوق العمل (رويترز)
قد يدفع تباطؤ الاقتصاد ونمو الوظائف «الاحتياطي الفيدرالي» إلى خفض الفائدة من أجل دعم سوق العمل (رويترز)

يؤكد رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول أن المصرف المركزي الأميركي لا يصبح أكثر تسامحاً مع ارتفاع التضخم على الرغم من أن أحدث توقعات صناع السياسة النقدية رفعت توقعات التضخم للعام دون أن تؤدي إلى استجابة أكثر صرامة للسياسة النقدية.

ويرى مسؤولون سابقون في «الاحتياطي الفيدرالي» ومحللون آخرون أن باول يقترب مع ذلك من لحظة صعبة في محاولة التوفيق بين المخاطر الاقتصادية المتنافسة ومجموعة من صناع السياسة النقدية المنقسمة وجمهور يتوقع الآن بدء خفض أسعار الفائدة في يونيو (حزيران)، وفق «رويترز».

بيانات قادمة

وقد تدعم البيانات القادمة خفض أسعار الفائدة في يونيو إذا انخفض التضخم بشكل مقنع نحو هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة في الفترة الفاصلة بين الآن وحتى ذلك الحين، مع استئناف الاتجاه الذي شجع صناع السياسة النقدية العام الماضي على تحديد سعر الفائدة الفيدرالية عند المستوى الحالي البالغ 5.25 - 5.50 في المائة ووضع الأساس للتخفيف من التشديد النقدي الذي بدأ هذا العام.

ويرى آخرون أن الاقتصاد يتباطأ وأن نمو الوظائف يضعف في الأفق، ما يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى الخفض من أجل دعم سوق العمل.

إمكانية خفض لمرة واحدة

ومع ذلك، حتى لو تأكد أن التضخم أكثر ثباتاً مما كان متوقعاً في الأسابيع المقبلة وظل الاقتصاد قوياً، فلا يزال بإمكان «الفيدرالي» المضي قدماً في خفض يونيو من خلال صياغته على أنه تعديل لمرة واحدة وليس البداية المؤكدة لسلسلة من التخفيضات، وفقاً لما كتبه نائب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي السابق ريتشارد كلاريدا، الذي أصبح الآن مستشاراً اقتصادياً عالمياً لشركة «بيمكو» العملاقة للسندات، هذا الأسبوع في تقييمه للحظة المحورية التي تواجهها المصارف المركزية في اتصالاتها المتعلقة بالسياسة النقدية.

وقال كلاريدا إن التبرير المسبق لخفضات الأسعار المتوقع بدؤها هذا الصيف هو أن صناع السياسة النقدية ببساطة يحافظون على الأسعار متماشية مع الانخفاض في التضخم الذي لوحظ منذ العام الماضي، ويمكن أن يخفضوا المزيد إذا استمر التضخم في الانخفاض.

لكنه كتب: «إذا لم يتبع التضخم التوقعات واستقر عند مستوى معقول يبلغ 2.5 في المائة... فمن المرجح أن تتوقف المصارف المركزية عن خفض أسعار الفائدة»، وتعتمد على إيمانها بأنه من خلال الحفاظ على سياسة تقييدية لفترة طويلة بما فيه الكفاية، يمكنها التنبؤ بشكل موثوق بعودة التضخم في النهاية إلى هدف 2 في المائة.

مخاوف متعارضة

ومن شأن خفض أولي، يتم شرحه بلغة تميل نحو تعليق المزيد من التخفيضات إذا لم يتصرف التضخم كما هو متوقع، أن يتحوط من المخاطر التي تواجه جانبي أهداف «الاحتياطي الفيدرالي» المتعلقة بالتوظيف والتضخم، ويهدئ مخاوف مسؤولي «الفيدرالي» الأكثر قلقاً بشأن إلحاق الضرر بالنشاط الاقتصادي الحالي وكذلك أولئك الذين يخشون من التضخم المستدام.

وأعرب مسؤولو «الفيدرالي» مؤخراً عن آراء متباينة بشأن التضخم، حيث صرح محافظ «الفيدرالي» كريستوفر والر يوم الأربعاء أنه سيدعم إبقاء السياسة أكثر تشديداً عن المتوقع إذا لم تكن بيانات التضخم مشجعة، بينما صرح رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في شيكاغو أوستن غولسبي في وقت سابق من الأسبوع أن قراءات التضخم المرتفعة الأخيرة لا تتعارض مع الاتجاه نحو تخفيف الضغوط السعرية.

وفي مؤتمره الصحافي الذي أعقب اجتماع السياسة الأسبوع الماضي، قال باول إن بيانات الأسعار المرتفعة الأخيرة «لم تغير حقاً القصة العامة، وهي انخفاض التضخم تدريجياً على طريق غير معبدة دائماً نحو 2 في المائة»، وهي تعليقات تركت توقعات لخفض أسعار الفائدة في يونيو على حالها.

ويبدو أن جزءاً من هذه الرواية مدفوع باعتقاد صانعي السياسات بأن الاقتصاد يمر بلحظة نادرة تعمل فيها القوى التي يمكن أن تعطل أحياناً أفضل خطط المصارف المركزية لصالح «الاحتياطي الفيدرالي».

نظرة متفائلة

ونما الإنتاج بمعدل مفاجئ، ما يسمح للاقتصاد بالنمو بسرعة دون إضافة ضغوط على الأسعار؛ كما ساعدت الزيادة في القوى العاملة على إبقاء معدل البطالة منخفضاً دون دفع الأجور للارتفاع.

واستمرت أحدث مجموعة من التوقعات الاقتصادية لمجلس «الاحتياطي الفيدرالي» في نظرتها المتفائلة للاقتصاد، مع نمو اقتصادي أسرع ومعدل بطالة أقل قليلاً عما كان متوقعاً بدءاً من ديسمبر (كانون الأول)، مع استمرار انخفاض التضخم إلى هدف 2 في المائة على مدار العامين المقبلين ولكن بوتيرة أبطأ قليلاً.

ومع ذلك، من المرجح أن يزداد التشكيك في هذه الرؤية إذا كانت بيانات يوم الجمعة وأرقام التضخم الواردة الأخرى أعلى من المتوقع - وليس فقط من صقور التضخم الثابتين مثل والر ولكن أيضاً من آخرين، مثل رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في أتلانتا رافائيل بوستيك، وهو ناخب هذا العام على سياسة سعر الفائدة.

وفي تصريحات للصحافيين الأسبوع الماضي، قال بوستيك إنه خفض بالفعل توقعاته لعام 2024 من خفض بمقدار نصف نقطة في سعر الفائدة إلى خفض ربع نقطة. وأضاف: «وأنا أتطلع إلى وقت لاحق من العام مما قد أتوقعه. وليس غير ذلك للموافقة عليه».

توقعات متباينة

ويؤثر التضخم والبيانات الاقتصادية القادمة على صانعي السياسات في كلا الاتجاهين. وأظهرت التوقعات الأخيرة مجموعة كانت منقسمة بشكل حاد. ففي حين ظل الأساس سليماً عند ثلاثة تخفيضات بمقدار ربع نقطة في سعر الفائدة هذا العام، كان الانقسام 10 إلى 9 بين صانعي السياسات الذين يرون هذا العدد على الأقل، وأولئك الذين يتوقعون قدراً أقل من التيسير في المستقبل. ولكنهم كانوا أيضاً متقاربين بشكل وثيق. ومع رؤية 14 من أصل 19 مسؤولاً إما خفضين أو ثلاثة في أسعار الفائدة هذا العام، يمكن أن يتغير رأي الإجماع بسهولة.

وفي تحليل لشركة «إيفركور آي إس آي» باستخدام الأساليب التي يستخدمها موظفو «الاحتياطي الفيدرالي»، كتب كبير الاقتصاديين السابقين في «الفيدرالي» جون روبرتس هذا الأسبوع أن النظرة في هذه المرحلة تعتمد على ما إذا كان صناع السياسات يرفضون قراءات التضخم المرتفعة لشهري يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) على أنها «ضوضاء»، أو كدليل على أن الضغوط السعرية تتراجع بوتيرة أبطأ - مع رأي واحد يدعو إلى ثلاثة أو ربما حتى أربعة تخفيضات في أسعار الفائدة هذا العام، والآخر إلى اثنين فقط.

وفي الوقت الحالي، قال إن الإيمان بانخفاض التضخم، مدفوعاً بشعور بأن الاقتصاد يمكن أن ينمو أكثر دون ارتفاع الأسعار، يبدو أنه يقوض وجهة نظر أكثر تشدداً للعالم.

وكتب روبرتس أن جوهر صناع السياسة «يبدو أنهم يتعاملون مع الأخبار السيئة بشأن التضخم في يناير وفبراير على أنها حدث لمرة واحدة»، وهو تفسير يتوافق مع النظرة المتفائلة للاقتصاد والسياسة الأسهل في المستقبل.


مقالات ذات صلة

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

الاقتصاد فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد منظر جوي يظهر جسر البرج وبرج الشارد وبرج لندن (رويترز)

عودة «القلق» الاقتصادي... صدمة حرب إيران تضرب بريطانيا

تقول الحكومة البريطانية وبنك إنجلترا إنه من المبكر تقييم الأثر الاقتصادي لحرب إيران، إلا أن أولى علامات الضغوط بدأت تظهر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد وسطاء يتداولون على مكاتبهم داخل شركة وساطة في مومباي (رويترز)

الهند تفقد المستثمرين الأجانب بسبب صدمة أسعار النفط

ينسحب المستثمرون الأجانب من الأسهم والسندات الهندية بوتيرة قياسية، إذ أدى الارتفاع الحاد في أسعار النفط الناجم عن الحرب الإيرانية إلى تصاعد المخاوف التضخمية.

«الشرق الأوسط» (مومباي )
الاقتصاد مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

عضو في «المركزي الأوروبي»: لا للتسرع في رفع الفائدة رغم صدمة أسعار الطاقة

قال كريستودولوس باتساليدس، رئيس البنك المركزي القبرصي، إن البنك المركزي الأوروبي ينبغي ألا يتسرع في رفع أسعار الفائدة استجابةً لارتفاع تكاليف الطاقة.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)
الاقتصاد مخطط مؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)

الأسهم الأوروبية تتراجع وسط مخاوف على التضخم والنمو

تراجعت الأسهم الأوروبية وسط حالة من عدم اليقين بشأن حرب الشرق الأوسط، مع استمرار مخاوف المستثمرين بشأن تأثير الصراع على التضخم والنمو الاقتصادي العالمي.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.