«مسار إجباري» لمصر للسيطرة على دولار السوق السوداء

قرض «صندوق النقد» قد يصل إلى 12 مليار دولار... و«المركزي» إلى تثبيت الفائدة

آلة حاسبة بجانب أوراق نقدية من الدولار الأميركي الذي يرتفع ارتفاعاً شبه يومي في مصر (رويترز)
آلة حاسبة بجانب أوراق نقدية من الدولار الأميركي الذي يرتفع ارتفاعاً شبه يومي في مصر (رويترز)
TT

«مسار إجباري» لمصر للسيطرة على دولار السوق السوداء

آلة حاسبة بجانب أوراق نقدية من الدولار الأميركي الذي يرتفع ارتفاعاً شبه يومي في مصر (رويترز)
آلة حاسبة بجانب أوراق نقدية من الدولار الأميركي الذي يرتفع ارتفاعاً شبه يومي في مصر (رويترز)

رغم أن خفض قيمة العملة يعني تراجع القوى الشرائية للمستهلكين، وزيادة الأسعار، ومن ثم معدلات التضخم، وبالتالي لا يحبذه كثيرون من خبراء الاقتصاد، والمستهلكين أيضاً، فإن الوضع الاقتصادي «القاتم» في مصر جعل تجاراً ومستهلكين يرون أنه يتجه في «مسار إجباري» آجلاً أم عاجلاً، ذلك لأن تسعير كل شيء في البلاد بات يعتمد على دولار السوق السوداء، الذي يزيد عن سعر الدولار في البنوك الحكومية عن الضعف.

«طالما أن أسعار جميع السلع والمنتجات تسعّر بدولار السوق السوداء، فلماذا لا يتم خفض رسمي، حتى يتم القضاء على السوق السوداء، ومن ثم يعود الدولار للبنوك مرة أخرى، ووقتها سيتم توفير الدولار للمستوردين لشراء حاجتهم من مستلزمات الإنتاج، فيزيد المعروض من المنتجات في السوق.. وقتها فقط ستنخفض الأسعار»، وفق إيهاب عجايبي، وهو تاجر موبيليا، لـ«الشرق الأوسط»، الذي وصف وضع الاقتصاد المصري الحالي بـ«القاتم» ما جعله في «مسار واحد إجباري».

وتناقش مصر حالياً استكمال برنامجها التمويلي مع صندوق النقد الدولي، بقيمة 3 مليارات دولار، مع مطالب بزيادته نظراً للأوضاع الراهنة. ومن ضمن شروط الصندوق مرونة في سعر الصرف، مع كبح معدلات التضخم في البلاد.

انخفض الجنيه بأكثر من النصف مقابل الدولار منذ مارس (آذار) 2022. ورغم التخفيضات المتكررة في قيمة العملة، يبلغ سعر الدولار أكثر من 60 جنيهاً مصرياً في السوق السوداء، وفق غروبات لتداول العملة، مقارنة بسعر رسمي يبلغ 31 جنيهاً.

وتوجد حالياً بعثة من صندوق النقد الدولي في القاهرة، لعمل المراجعتين الأولى والثانية المتأخرتين، منذ أواخر العام الماضي.

وربط اقتصاديون وجود بعثة الصندوق مع قرب اجتماع البنك المركزي المصري، يوم الخميس المقبل، للنظر في أسعار الفائدة، وتوقع البعض إعلان خفض حاد في قيمة الجنيه مع رفع أسعار الفائدة بنحو 3 في المائة، مع رفع قيمة قرض الصندوق إلى ما يقارب 10 مليارات دولار.

ومع صعوبة التنبؤ بما ستؤول إليه الأوضاع الاقتصادية في مصر، يزداد استشراف الأوضاع والتوقعات المستقبلية للاقتصاد صعوبة أيضاً، بالنظر إلى وضع الحكومة الحالية، التي يطالب كثيرون بتغييرها، وبثّ دماء جديدة بأفكار جديدة في الاقتصاد خارج الصندوق.

الأزمة تأخذ منحى خطيرا

طالب النائب أحمد سمير، عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس الشيوخ المصري، بتغيير السياسات الاقتصادية في مصر، من خلال تغيير حكومي قد يساهم في تهدئة الأزمة الاقتصادية الحالية، قائلاً: «الوضع الاقتصادي حالياً يزداد صعوبة نظراً لتأثر جميع أسعار السلع بارتفاعات الدولار».

وقال سمير لـ«الشرق الأوسط»: «بلغ حد الأزمة في مصر إلى وجود سوقين للدولار... والمشكلة الكبرى عدم وفرة الدولار... والمشكلة هنا أنه لن يأتي مستثمر في دولة بها سعران للعملة... ومع عدم وجود استثمارات جديدة لن يوجد إنتاج... وبالتالي تتفاقم الأزمة».

ورصدت «الشرق الأوسط» منذ أكثر من شهرين حتى الآن زيادة المتعاملين في تجارة الدولار بالسوق السوداء، وتخلي منتجين ومصنعين عن أعمالهم الأساسية، وتفرغهم للمتاجرة في الدولار. وأرجع بعضهم ذلك إلى قلة خبرة الحكومة الحالية، بل «فشلها» في تسيير الأمور.

ويرى سمير أن «الحل السريع» للسيطرة على الأوضاع الحالية، قبل أن «تخرج عن السيطرة»، هو «زيادة القرض من صندوق النقد الدولي وخفض العملة مع جودة إنفاق أموال القرض، حتى نتحصل على شهادة ثقة نستخدمها لجذب استثمارات أجنبية جديدة تنعش الاقتصاد المصري سريعاً». أما الحل المستدام فيتمثل في «الاهتمام بالصناعة والإنتاج المحلي. الأمر الذي سيجذب استثمارات أيضاً».

وعن حصول مصر على نحو 3 «شهادات ثقة» بعد كل خفض لعملتها، من دون أن يفلح الأمر، قال سمير: «مع هذا، الخفض قد يكون أكثر تحفيزاً وجذباً للمستثمر الأجنبي... ووقتها ستنتهي الضغوط من وكالات التصنيف الائتماني التي تخفض تصنيف مصر وقدرتها على سداد الديون».

كانت وكالة «موديز» قد خفّضت في يناير (كانون الثاني) الحالي نظرتها المستقبلية لتصنيف الإصدارات الحكومية المصرية من مستقرة إلى سلبية. وذلك بعد أن سبقتها وكالة «فيتش» و«ستاندرد آند بورز».

وتوقع سمير أن «يصل قيمة القرض من صندوق النقد الدولي إلى 12 مليار دولار» من مناقشات حالية بين 6 و8 مليارات دولار، مشيراً إلى أهمية ترشيد «مشروعات البنية التحتية» في الوقت الحالي وعدم التوسع بشكل غير مدروس.

السيناريو الأرجح

من جهته، أوضح هيثم الجندي المحلل الاقتصادي أن «السيناريو الأمثل حالياً هو أن تتمكن السلطات المصرية من تدبير سيولة كبيرة بالنقد الأجنبي، تتضمن قرضاً يصل حجمه إلى 10 مليارات دولار على الأقل من صندوق النقد الدولي، وتمويلاً من الشركاء الخليجيين والغربيين لتنفيذ تخفيض رابع ناجح للجنيه يقضي على السوق السوداء».

وعن السيناريو الأرجح، يرى الجندي، لـ«الشرق الأوسط»، أن «يبقى الوضع على ما هو عليه باستمرار انتعاش السوق السوداء مع إعطاء الدولة الأولوية لسداد مستحقات الدين الخارجي على حساب الاستيراد، مع احتمالية مبادلة ديون باستثمارات مع الدائنين الثنائيين وسداد السندات الدولية التي لا يمكن التأخر عن سداد واحدة منها من دون إعادة هيكلة شاملة للدين».

أما عن السيناريو الأسوأ فـ«هو أن تتخلف الدولة عن السداد، وهو أمر فرصته تتزايد بعد قرار (موديز) بخفض نظرتها المستقبلية للتصنيف الائتماني لمصر، وإشاراتها إلى أن التمويل الخارجي قد لا يكفي لتجنب إعادة هيكلة الدين، خاصة مع تضرر كافة مصادر دخل الدولة من النقد الأجنبي، وآخرها حركة الملاحة عبر قناة السويس».

وأشار الجندي هنا إلى أن رفع أسعار الفائدة «سيكون مفيداً فقط بجذب مستثمري المحافظ الأجانب، في حال التمكن من إجراء الخفض الرابع للجنيه. لكن لن يساهم بدرجة تذكر في السيطرة على التضخم الناتج عن نقص المعروض، وليس زيادة في الطلب».

البنك المركزي

تتوقع مؤسسة «كابيتال إيكونوميكس» البحثية أن يبقي البنك المركزي المصري أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه المقبل، الخميس المقبل، ما لم يتم الإعلان عن اتفاق جديد مع صندوق النقد الدولي.

وتباطأ معدل التضخم السنوي في مصر ليصل إلى 33.7 في المائة في ديسمبر (كانون الأول) من 34.6 في المائة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وفقاً للبيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

كما توقعت شركة «إتش سي» للأوراق المالية أن يثبت «المركزي» سعر الفائدة أيضاً في الاجتماع المقبل.

وقالت هبة منير، محللة الاقتصاد الكلي في شركة «إتش سي»: «نتوقع أن تبقي لجنة السياسات النقدية على أسعار الفائدة للإيداع والإقراض لليلة واحدة في اجتماعها في 1 فبراير (شباط)، في ظل عدم حدوث تغيير في سعر الصرف الرسمي»، مضيفة: «لا نستبعد رفع سعر الفائدة في حال تغير سعر الصرف الرسمي».

وبحسب جدول اجتماعات لجنة السياسات النقدية بالبنك المركزي المصري، من المقرر أن تعقد اللجنة نحو 8 اجتماعات على النحو التالي؛ أول فبراير - 28 مارس (آذار) - 23 مايو (أيار) - 18 يوليو (تموز) - 5 سبتمبر (أيلول) - 17 أكتوبر (تشرين الأول) - 21 نوفمبر - 26 ديسمبر.

كانت لجنة السياسات النقدية قد قررت في اجتماعها الأخير في 21 ديسمبر 2023 الإبقاء على سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة، وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي عند مستوى 19.25 في المائة، و20.25 في المائة، و19.75 في المائة على الترتيب، كما تم الإبقاء على سعر الائتمان والخصم عند مستوى 19.75 في المائة.


مقالات ذات صلة

مصر: رفع الحد الأدنى للأجور

شمال افريقيا جانب من اجتماع الحكومة المصرية الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)

مصر: رفع الحد الأدنى للأجور

أعلن رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، الأربعاء، زيادة الحد الأدنى للأجور في الموازنة المالية الجديدة، التي يبدأ العمل بها في يوليو (تموز) المقبل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
تحليل إخباري جانب من اجتماع الحكومة المصرية الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)

تحليل إخباري ما الخيارات البديلة لـ«الإغلاق المبكر» في مصر؟

تدفع توجهات الحكومة المصرية نحو تخفيف قرارات «الإغلاق المبكر» مؤقتاً خلال أعياد المسيحيين تساؤلات حول ما إذا كان بإمكانها اتخاذ قرارات بديلة لترشيد الطاقة.

أحمد جمال (القاهرة)
الاقتصاد جانب من معرض ومؤتمر «إيجبس 2026» المنعقد في القاهرة (إكس)

مصر وقبرص توقِّعان اتفاقية إطارية للتعاون في مجال الغاز

وقَّعت مصر وقبرص اتفاقية إطارية للتعاون في مجال الغاز، خلال معرض «إيجبس 2026» يوم الاثنين، المنعقد في القاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)

«إتش سي»: ضغوط تضخمية وتراجع للجنيه وسط تثبيت متوقع للفائدة في مصر

قالت شركة «إتش سي» القابضة للاستثمار، إن الوضع الخارجي للاقتصاد المصري أظهر مؤشرات قوية قبل اندلاع حرب إيران، مما «خفّف من حدة الصدمات الخارجية نسبياً».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري في لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

هل تضطر مصر لتمديد اتفاقها مع «صندوق النقد»؟

تثير التداعيات الاقتصادية للحرب الإيرانية على مصر، تساؤلات بشأن مدى لجوء القاهرة لتمديد اتفاقها مع صندوق النقد الدولي، بعد انتهاء «الاتفاق» بنهاية العام الحالي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«موانئ» السعودية تطلق خدمتَي شحن جديدتين عبر ميناء جدة

إحدى السفن راسية في ميناء جدة الإسلامي (موانئ)
إحدى السفن راسية في ميناء جدة الإسلامي (موانئ)
TT

«موانئ» السعودية تطلق خدمتَي شحن جديدتين عبر ميناء جدة

إحدى السفن راسية في ميناء جدة الإسلامي (موانئ)
إحدى السفن راسية في ميناء جدة الإسلامي (موانئ)

أعلنت الهيئة العامة للموانئ (موانئ) توسُّع عمليات شركة «باسيفيك إنترناشيونال لاينز» في ميناء جدة الإسلامي، عبر تدشين خدمتَي الشحن «آر جي إس» و«آر إس تو»، في خطوة تعكس تنامي دور الميناء بوصفه محوراً لوجيستياً رئيسياً على البحر الأحمر، وتعزِّز كفاءة الربط الملاحي مع الأسواق الإقليمية والعالمية، وفق الهيئة. وقالت «موانئ» إن الخدمة الأولى «آر جي إس» ستربط الميناء بـ4 موانئ تشمل نهافا شيفا، وموندرا في الهند، إضافة إلى جيبوتي وبربرة في الصومال، بطاقة استيعابية تصل إلى 1810 حاوية قياسية. وأضافت أن خدمة «آر إس تو» توسِّع نطاق الربط ليشمل 9 موانئ عالمية، من بينها موانئ رئيسية في الصين وسنغافورة، إلى جانب موانئ إقليمية مثل السخنة في مصر والعقبة في الأردن، بطاقة استيعابية تبلغ 11923 حاوية قياسية، في مؤشر على تنامي السعة التشغيلية للميناء وتعزيز قدرته على استيعاب خطوط الشحن العالمية. وأوضحت أن هذا التوسُّع يأتي ضمن جهود مستمرة لرفع كفاءة الأداء التشغيلي وتحسين تصنيف السعودية في مؤشرات الخدمات اللوجيستية العالمية، إلى جانب دعم نمو الصادرات الوطنية وتوسيع شبكة الربط البحري. ويُعد ميناء جدة الإسلامي من أكبر الموانئ في المنطقة، إذ يضم 62 رصيفاً متعدد الأغراض، إضافة إلى مناطق لوجيستية متكاملة ومحطات متخصصة لمناولة الحاويات، بطاقة استيعابية تصل إلى 130 مليون طن سنوياً، ما يعزِّز قدرته على التعامل مع الزيادة المتوقعة في أحجام التجارة.


عقود «وول ستريت» الآجلة تتراجع بعد تحذيرات ترمب لإيران

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

عقود «وول ستريت» الآجلة تتراجع بعد تحذيرات ترمب لإيران

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

انخفضت العقود الآجلة التي تتبع مؤشرات وول ستريت الرئيسية يوم الخميس في الجلسة الأخيرة من أسبوع قصير بسبب العطلة، بعد أن أشار الرئيس دونالد ترمب إلى احتمال شنّ هجمات أكثر شراسة على إيران، مما خفّض التوقعات بنهاية سريعة للصراع في الشرق الأوسط.

وفي خطاب طال انتظاره للأمة يوم الأربعاء، أكد ترمب أن العمليات العسكرية ستُكثّف خلال الأسبوعين أو الثلاثة أسابيع المقبلة، وذلك بعد يوم من تصريحاته لـ«رويترز» بأن الولايات المتحدة ستنسحب من إيران «بسرعة كبيرة». كما لوّح بإمكانية استهداف البنية التحتية للطاقة الإيرانية، مما دفع أسعار النفط للارتفاع بنحو 7 في المائة، ليصل سعر خام برنت إلى 108 دولارات للبرميل. وارتفعت أسهم شركات الطاقة الأميركية، حيث سجلت أسهم «إكسون موبيل» و«شيفرون» زيادات بنسبة 3 في المائة و2.6 في المائة على التوالي في تداولات ما قبل افتتاح السوق.

وقال روس مولد، مدير الاستثمار في شركة «إيه جيه بيل»: «الغموض يمثل نقطة ضعف الأسواق، وبين الرسائل المتضاربة من ترمب، والادعاءات المتنازع عليها من كلا الجانبين، وعدم وضوح خطة لحل النزاع، تتعرض الأسواق لضغوط كبيرة».

ومع ذلك، من المتوقع أن تسجل مؤشرات وول ستريت الثلاثة أكبر ارتفاع أسبوعي لها خلال أربعة أشهر، ليكون هذا الأسبوع أول مكاسبها خلال ستة أشهر، بعد أن رحبت الأسواق سابقاً بمؤشرات على قرب نهاية الحرب.

وفي الساعة 4:53 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، انخفضت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» بمقدار 443 نقطة، أو 0.95 في المائة، وانخفضت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 75.25 نقطة، أو 1.14 في المائة، فيما تراجع مؤشر «ناسداك 100» بمقدار 357.75 نقطة، أو 1.48 في المائة. كما انخفض مؤشر «راسل 2000»، الحساس لأسعار الفائدة، بنسبة 1.5 في المائة، في حين ارتفع مؤشر تقلبات السوق بمقدار 1.86 نقطة ليصل إلى 26.40، بعد أن سجل أدنى مستوى له في أكثر من أسبوع يوم الأربعاء.

وقد أدَّى الغموض المحيط بالجدول الزمني وأهداف النزاع إلى تراجع الأسواق العالمية في مارس (آذار)، حيث سجَّل مؤشرا «ستاندرد آند بورز 500» و«ناسداك» أكبر خسارة شهرية لهما في العام، فيما سجَّلت أسعار خام برنت أقوى أداء شهري لها على الإطلاق. وأدَّت المخاوف من أن ارتفاع تكاليف الطاقة قد يعيد إشعال الضغوط التضخمية إلى زيادة حالة عدم اليقين بشأن توقعات السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي، إذ يتوقع المشاركون في سوق المال عدم وجود أي تخفيف من جانب «الاحتياطي الفيدرالي» هذا العام، وفق أداة «فيد ووتش»، بعد أن كانت التوقُّعات تشير قبل بدء الحرب لاحتمال خفضين، مع انعكاس الرهانات لاحقاً لاحتمال رفع سعر الفائدة بنسبة 50 في المائة في ديسمبر (كانون الأول).

وينصبُّ التركيز الآن على التطورات المتعلقة بشركة «سبيس إكس» التابعة لإيلون ماسك، التي قدَّمت طلباً سرياً للاكتتاب العام الأولي في الولايات المتحدة يوم الأربعاء، ومن المتوقع أن تستهدف قيمة سوقية تبلغ 1.75 تريليون دولار، وفق تقرير «رويترز» نقلاً عن مصدرين مطلعين. كما شهدت أسهم شركات منافسة أصغر حجماً، مثل «روكيت لاب» و«بلانيت لابز» و«إنتويتيف ماشينز»، ارتفاعاً يوم الأربعاء تحسباً لتجدد اهتمام المستثمرين بالقطاع.

أما على صعيد البيانات، فسيسبق صدور تقرير الوظائف غير الزراعية يوم الجمعة قراءة أسبوعية لطلبات إعانة البطالة، فيما ستظل الأسواق الأميركية مغلقة بمناسبة عطلة الجمعة العظيمة. كما سيتم متابعة تصريحات رئيسة بنك «الاحتياطي الفيدرالي» في دالاس، لوري لوغان، لاحقاً خلال اليوم. وفي تحركات ما قبل افتتاح السوق، قفزت أسهم شركة «غلوبال ستار» بنسبة 12. في المائة بعد تقرير أفاد بأن أمازون تجري محادثات للاستحواذ على شركة أقمار الاتصالات في المدار الأرضي المنخفض.


«بوابة التنف» السورية تفتح شريان طاقة عراقياً لمواجهة حصار «هرمز»

صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)
صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)
TT

«بوابة التنف» السورية تفتح شريان طاقة عراقياً لمواجهة حصار «هرمز»

صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)
صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)

في خطوة تعكس تحولاً استراتيجياً في مسارات الطاقة الإقليمية، بدأت بغداد رسمياً تصدير النفط الخام براً عبر الأراضي السورية، في مسعى لتجاوز حالة الشلل التي ضربت ممرات التجارة البحرية التقليدية. وتأتي هذه الخطوة، التي وصفتها دمشق بأنها عودة إلى أنها «بوصلة العبور» ومنصة حيوية للطاقة العالمية، في وقت تعصف فيه التحولات الجيوسياسية بالمنطقة؛ مما يفرض واقعاً اقتصادياً جديداً يعتمد على التكامل البري بين البلدين.

أولى قوافل صهاريج الفيول العراقي انطلقت عبر منفذ «التنف - الوليد» الحدودي، متجهة نحو مصفاة بانياس على الساحل السوري، لتشكل بذلك تدشيناً فعلياً لمرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي. وذكرت «وكالة الأنباء السورية (سانا)» في هذا الإطار أن حمولة 299 شاحنةَ صهريجٍ تنقل الوقود العراقي ستُحمّل بعد ذلك للتصدير.

وكان معبر التنف مغلقاً منذ عام 2015 عندما سيطر «داعش» عليه. وفي عام 2016، أنشأت القوات المدعومة من الولايات المتحدة قاعدة عسكرية في التنف. وسيطرت القوات السورية على القاعدة الشهر الماضي؛ مما مهد الطريق لإعادة فتح المعبر.

صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)

«بوصلة العبور»

ومع بدء أولى قوافل صهاريج الفيول العراقي دخول الأراضي السورية من خلال منفذ «التنف - الوليد»، متجهة نحو مصفاة بانياس على الساحل السوري، كتب وزير الطاقة السوري، محمد البشير، في حسابه على منصة «إكس»: «من الحدود السورية - العراقية إلى النواقل البحرية في بانياس... سوريا تعود لتكون بوصلة العبور ومنصة التصدير الاستراتيجية للطاقة العالمية». ورأى أن هذه الخطوة «تعزز المصالح الوطنية وتدفع بعجلة التكامل الاقتصادي العربي إلى آفاق أوسع».

وأعلنت «الهيئة العامة للمنافذ والجمارك» أن هذه الخطوة «محطة مهمة في مسار تطوير التعاون الاقتصادي بين البلدين، من خلال تنشيط خطوط التجارة والطاقة، بما يعزّز فرص التكامل الاقتصادي ويدعم حركة التبادل التجاري خلال المرحلة المقبلة»، مؤكدة جاهزيتها لتقديم كل التسهيلات وضمان سرعة وكفاءة الإجراءات.

وكان مدير العلاقات العامة في «الهيئة»، مازن علوش، أعلن، الثلاثاء، عبر صفحته على «فيسبوك»، إعادة افتتاح منفذ التنف - الوليد، مؤكداً بدء دخول أولى قوافل صهاريج النفط العراقي باتجاه مصب بانياس النفطي.

توازياً، أجرى وفد من رئاسة «الهيئة» جولة ميدانية للاطلاع على جاهزية منفذ «اليعربية - ربيعة»، تمهيداً لاستكمال تفعيل العمل فيه مطلع شهر مايو (أيار) المقبل، إلى جانب متابعة واقع منفذ «سيمالكا - فيشخابور» في إطار استكمال الإجراءات اللازمة لإدخاله ضمن منظومة عمل «الهيئة» بينما استؤنفت حركة المسافرين على منفذ «البوكمال - القائم».

وبالتوازي مع افتتاح «منفذ الوليد»، تتجه الجهود الحكومية السورية إلى تفعيل منفذ «اليعربية - ربيعة» مطلع مايو المقبل، واستكمال الإجراءات في منفذ «سيمالكا - فيشخابور»، لتعزيز شبكة الربط الحدودي الشاملة.

من جهته، أعلن مدير ناحية الوليد العراقية، مجاهد مرضي الدليمي، في تصريح لـ«وكالة الأنباء العراقية (واع)»، أن «(منفذ الوليد) الحدودي شهد الافتتاح التجريبي ومباشرة دخول صهاريج النفط الخام بين العراق وسوريا». وذكر أن أكثر من 150 صهريجاً موجوداً حالياً في انتظار دخول الأراضي السورية، متوقعاً أن يبلغ معدل دخول الصهاريج نحو 500 صهريج يومياً حداً أدنى.

ويحظى التعاون النفطي بين سوريا والعراق بدعم إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب. فقد صرّح المبعوث الخاص إلى سوريا، توم برّاك، لـ«المجلس الأطلسي» الأسبوع الماضي، بأن سوريا يمكن أن تكون «الحل» لأزمة الطاقة الناجمة عن الوضع في مضيق هرمز، مُشيداً بإمكانية تطوير خطوط أنابيب بالبلاد، بما في ذلك من العراق.

«سوريا خيار حيوي»

تكتسب هذه العملية أهمية مضاعفة بالنظر إلى اشتعال الجبهات الإقليمية وتصاعد حدة الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة ثانية، وما نتج عنه من تهديدات مباشرة للملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية.

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش أن «العراق، بصفته أحد كبار منتجي النفط، وجد في سوريا خياراً حيوياً ومتاحاً لاستمرار تدفق صادراته، خصوصاً مع تعذر التصدير البحري الآمن»، مؤكداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن التوجه الحالي «يهدف إلى رفع معدل الدخول إلى ما بين 500 و700 صهريج يومياً حداً أدنى».

وفي ظل تعرض الجانب السوري من الحدود منذ اندلاع الحرب الإقليمية غير المسبوقة، لهجمات بطائرات مسيرّة وقصف بالقذائف من الجانب العراقي؛ منها هجوم بطائرة مسيَّرة السبت الماضي، انطلقت من العراق، على قاعدة التنف في جنوب شرقي البلاد، يبرز التساؤل بشأن مدى إمكانية استمرار فتح المنافذ بين البلدين ومواصلة عملية تصدير النفط العراقي عبر الأراضي السورية في ظل هذه التوترات الأمنية.

يقول عياش: «لا شك في أن العراق من أكبر الدول الخليجية تضرراً من الحرب (الحالية)... نظراً إلى أنه أحد كبار المنتجين والمصدرين للنفط ويعتمد بشكل كبير على عوائد التصدير، ولذلك كان لا بد من البحث عن البدائل الممكنة لاستمرار التصدير وكانت سوريا خياراً متاحاً فعلاً... لكن استدامة التصدير تعتمد على موازنة الحاجة المالية والنفطية (خصوصاً مع استمرار الحرب وتعذر التصدير عبر مضيق هرمز) مقابل التحديات الأمنية الميدانية في منطقة النشاط العسكري».

صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)

ويسعى العراق إلى زيادة التصدير عبر سوريا إلى ما بين 600 و700 شاحنة يومياً؛ مما يجعله خياراً حيوياً ومُتفقاً عليه بين البلدين. ويعُدّ هذا الخيار، وفق عياش، «تطبيقاً واقعياً لمفاهيم الاقتصاد المكاني بوصفه حلاً مرحلياً لاستمرار التصدير، بحيث يتاح الوقت والإمكانات لإعادة إحياء خط الأنابيب الذي يصل بين العراق وسوريا، وصولاً إلى مرفأ بانياس النفطي على ساحل البحر المتوسط. فالتصدير عبر الأنابيب أكبر جدوى وأقل تكلفة وأعلى أماناً، حيث تشوب المنطقة الحدودية بين سوريا والعراق بعض التوترات الأمنية وتتعرض أحياناً لسقوط القذائف، مما يشكل خطراً مباشراً على أمن الشاحنات والطواقم».

وكان العراق خفّض إنتاجه من النفط بنحو 80 في المائة إلى 800 ألف برميل بسبب صعوبة الشحن.

جولة تفقدية لوفد من رئاسة «الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية» على منفذ «اليعربية» الحدودي مع العراق (الهيئة)

تسيير رغم المخاطر

ولكن رغم المخاطر، فقد بدأ تسيير أولى القوافل الفعلية؛ مما يشير إلى محاولة المضي قدماً رغم الظروف الإقليمية. ورأى عياش أن «الاستمرار في هذه العملية يعتمد بشكل أساسي على مدى قدرة القوات الأمنية في البلدين على تأمين الطريق الحيوية للصهاريج، ومدى توفر الإمكانات المادية والفنية والتقنية اللازمة لإعادة إحياء خطوط الأنابيب ومحطات الضخ التابعة لها والواقعة في الأراضي العراقية والسورية».

عوائد اقتصادية وإنعاش للخزينة السورية

ووفقاً للتقديرات الاقتصادية والاتفاقيات الجاري تفعيلها حالياً، يُتوقع - وفق عياش - أن «تحقق عملية تصدير النفط العراقي عبر الأراضي السورية عوائد ومنافع مالية وفنية مباشرة وغير مباشرة لسوريا، حيث تقدر الدراسات الاقتصادية عوائد رسوم العبور بما بين 150 مليوناً و200 مليون دولار سنوياً في حال جرى تشغيل الخط بطاقة تصديرية عالية».

كما تستفيد الخزينة السورية من رسوم الموانئ، ورسوم استخدام المستودعات والتفريغ، بالإضافة إلى عوائد خدمات الطريق للشاحنات. كما يُتوقع تشغيل ما بين 600 و700 شاحنة يومياً؛ «مما يعني إنفاقاً كبيراً على الوقود (للشاحنات السورية المشاركة)، والصيانة، ورسوم الطرق؛ مما يحرك العجلة الاقتصادية في المناطق التي تمر بها القوافل».

وتوقع عياش أن توفر هذه العملية لسوريا «إمكانية الحصول على حصص من النفط أو المشتقات بأسعار تفضيلية أو في جزء من أجور العبور؛ مما يخفف فاتورة استيراد الطاقة». وقال: «تعدّ هذه العوائد حيوية لسوريا في ظل الظروف الراهنة، حيث تسهم في إنعاش النشاط الاقتصادي وتوفير العملة الصعبة، رغم أن أرقام الأرباح النهائية تعتمد على الكميات الفعلية المصدرة واستقرار الوضع الأمني على الحدود، فهذا شرط أساسي لتأمين واستمرار التصدير عبر المسار السوري».