النظام المصرفي العالمي أمام توقعات «غير وردية» في 2024

اضطرابات الـ2023 اختبرت مرونته ووضعته في منعطف حاسم مع تنامي الضغوط العقارية

تواجه المصارف توقعات سلبية في عام 2024، بسبب تباطؤ النمو العالمي وارتفاع مخاطر تخلف المقترضين عن سداد القروض والضغط على الربحية (رويترز)
تواجه المصارف توقعات سلبية في عام 2024، بسبب تباطؤ النمو العالمي وارتفاع مخاطر تخلف المقترضين عن سداد القروض والضغط على الربحية (رويترز)
TT

النظام المصرفي العالمي أمام توقعات «غير وردية» في 2024

تواجه المصارف توقعات سلبية في عام 2024، بسبب تباطؤ النمو العالمي وارتفاع مخاطر تخلف المقترضين عن سداد القروض والضغط على الربحية (رويترز)
تواجه المصارف توقعات سلبية في عام 2024، بسبب تباطؤ النمو العالمي وارتفاع مخاطر تخلف المقترضين عن سداد القروض والضغط على الربحية (رويترز)

يُعد القطاع المصرفي أحد أهم دعائم الاقتصاد العالمي الأساسية الداعمة للنمو والاستقرار المالي. إلا أنه واجه تحديات كبيرة عام 2023، تمثلت في ارتفاع أسعار الفائدة، وتراجع السيولة، وازدياد مخاطر الائتمان.

فقد دفعت الظروف الاقتصادية الهشة التي يشهدها العالم، المصارف المركزية إلى اللجوء إلى دورة من التشديد النقدي من أجل مواجهة التقلبات الاقتصادية وتحقيق استقرار في الأسعار بأمل كبح جماح التضخم، الذي كان العامل الأهم والأوحد الذي عكّر الأسواق المالية العالمية على مدار العامين الماضيين.

قليلة هي الدول التي لم تتضرر اقتصاداتها جرّاء الارتفاع الجنوني لمعدلات التضخم، التي تفاقمت في عام 2022 بفعل ارتفاع أسعار النفط والاضطرابات في سلاسل الإمداد بعد بدء عملية التعافي الاقتصادي عقب تفشي جائحة «كورونا»؛ لتأتي الحرب الروسية - الأوكرانية فتطيح بكل أمل في بلوغ معدلات نمو اقتصادي كانت متوقعة بشدة في 2022.

ويعني التشديد النقدي أن تلجأ المصارف المركزية الى سلاح الفائدة بهدف السيطرة على الارتفاع الجنوني للتضخم. فزيادة أسعار الفائدة تعني أن المصارف المركزية تعمل على تقليص المعروض من الأموال المتاحة لإجراء عمليات شراء، وهذا بدوره يجعل الحصول على الأموال أكثر تكلفة.

وعندما تقوم المصارف المركزية بزيادة معدل الخصم - وهو سعر الفائدة الذي تفرضه على المؤسسات المالية للاقتراض – فإن من شأن ذلك أن يرفع على الفور تكاليف الاقتراض قصير الأجل بالنسبة للمؤسسات المالية.

لكن التشديد الائتماني بعد سنوات من الفائدة المنخفضة وعمليات الإقراض السهلة، كشف عن مواطن ضعف كانت خافية تجسدت في إخفاق مصارف أميركية في مواجهة تداعيات ارتفاع أسعار الفائدة.

هل هي «أزمة مالية مصغرة»؟

في ربيع العام 2023، شهد القطاع المصرفي في الولايات المتحدة سلسلة من الإخفاقات كان لها ارتدادتها عالمياً، حيث انهارت في أقل من أسبوع ثلاثة من أبرز المصارف المقرضة للعملات المشفرة في الولايات المتحدة، هي مصارف «سيلفرغيت» و«سيليكون فالي» و«سيغناتشور».

وامتد ذعر السوق بسرعة إلى أوروبا، حيث انهار مصرف «كريدي سويس»، وهو المؤسسة العريقة المدرجة على قائمة المصارف العالمية ذات الأهمية النظامية.

كما تعرضت مصارف أخرى عديدة في منطقة اليورو، ومن بينها «دويتشه بنك»، للضغوط، مما دفع المستثمرين إلى بيع أسهمهم بشكل جماعي.

تدخلت الحكومات والمصارف المركزية بسرعة لتمنع انتشار الذعر المالي، عبر تقديم حزم إنقاذ تاريخية وصفقات طارئة للمؤسسات المالية المتعثرة. وعلى الرغم من مزاعم السلطات حينها بأن هذه التدخلات لم تكن عمليات إنقاذ من دافعي الضرائب، فإن معظم الأموال جاءت في الواقع من أموال التأمين التي تدفعها المصارف، أو تم تقديمها لها على شكل قروض.

وفي محاولة لتجنب انهيار النظام المالي السويسري، طلبت الحكومة السويسرية من بنك «يو بي إس» شراء منافسه بنك «كريدي سويس» مقابل ثلاثة مليارات فرنك سويسري (3.25 مليار دولار). وجاء إعلان الاستحواذ في 20 مارس (آذار)، بعد أن فشل المصرف الوطني السويسري في تهدئة أزمة الثقة باستخدام مساندة سيولة بقيمة 50 مليار فرنك (54 مليار دولار).

وذكرت هيئة الرقابة المالية السويسرية (فينما) في تقريرها الأول المفصل عن أزمة بنك «كريدي سويس» أن إجراءاتها فيما يتعلق بالسيولة لم تكن قادرة على تجنب الفشل الوشيك للمصرف في منتصف مارس (آذار) 2023، مشيرة إلى أنه من أجل التعامل مع أزمات السيولة، يجب أن تكون عمليات اختبار الضغط المناسبة متاحة في المستقبل.

عدوى المشاعر

يعتقد بعض المراقبين أن الاضطرابات المالية التي شهدتها الأسواق في شهر مارس (آذار) الماضي، التي دفعت وكالة «موديز» إلى خفض تصنيفها للعديد من المصارف المهمة في الولايات المتحدة، كانت ناجمة عن حالة من «عدوى المشاعر» أكثر من كونها نتيجة لمشاكل اقتصادية حقيقية. ومع ذلك، يدرك صانعو السياسات أن المخاوف من الأزمات المالية يمكن أن تصبح حقيقة واقعة بسرعة. لذلك، كان هدفهم الأول في خضم الفوضى، طمأنة الأسواق من خلال توجيه رسالة واضحة، مفادها أن عدم الاستقرار الحالي ناتج عن حالات فردية، ولا علاقة له بما حدث في الأزمة المالية العالمية عام 2008.

تقييم الرقابة

ترى «ماكينزي» أن الاضطرابات الأخيرة في القطاعين المصرفي الأميركي والأوروبي أظهرت مثالاً على بعض المخاطر التي تواجه القطاع المالي، بما في ذلك الآثار الجانبية غير المقصودة للسياسة النقدية والمخاطر السيادية. كما أظهرت أن ممارسات إدارة المخاطر الداخلية في المصارف لم تكن كافية، لا سيما وأن السلطات الرقابية لم تكن على دراية بالمخاطر التي كانت تواجهها.

وفي ظل ارتفاع أسعار الفائدة وتفاقم الضغوط المالية، قد يضطر صانعو السياسات إلى اتخاذ قرارات صعبة لتحقيق الاستقرار المالي. لذا، من المهم أن تكون المصارف المركزية شفافة بشأن أهدافها وسياساتها، حيث يمكن أن يؤدي استمرار ارتفاع أسعار الفائدة إلى تراجع القيمة السوقية للأصول المُصنفة كأصول عالية الجودة، مما قد يؤثر سلباً على مؤشرات كفاية رأس المال والسيولة والربحية.

ماذا عن عام 2024؟

في ظل المزيج غير الصحي من زيادة التضخم وارتفاع أسعار الفائدة وضعف النمو، تواجه المصارف خطراً متنامياً للتعرض لخسائر فادحة في قيمة سنداتها، وارتفاع تكاليف تمويلها، وانخفاض الطلب على قروضها. كما أن الصراعات والحروب تزيد من حالة عدم اليقين المحيطة بالآفاق المالية العالمية، مما قد يؤدي إلى مزيد من التقلبات في الأسواق المالية وانخفاض الثقة فيها.

ووسط هذه التحديات، من المهم أن تتخذ المصارف إجراءات احترازية شاملة لإعداد نفسها لسيناريوهات مختلفة لتطور أدائها في عام 2024.

وتؤكد الضغوط التي شهدتها الأسواق المصرفية في الولايات المتحدة وسويسرا أهمية تنفيذ إصلاحات «بازل 3»، المرتبطة بكفاية رأس المال المصرفي واختبار الضغط ومخاطر السيولة.

من هنا يمكن فهم التحذير الذي أطلقه منذ أيام المصرف المركزي الأوروبي، حين قال إنه يتعين على مصارف منطقة اليورو الاستعداد لـ«مصادر تمويل أكثر تقلباً» وسط مخاطر جيوسياسية متزايدة، حيث حذر من عدم اليقين الذي يسيطر على التوقعات بالنسبة للمصارف الأوروبية.

وقال إن المصارف الأوروبية نجت من عواصف 2023 بشكل جيد وأنهت العام برأسمال قوي وأرباح سيولة، لكن التوقعات الاقتصادية الكلية الضعيفة وشروط التمويل المشددة لا تزال تشكل مصدراً للمخاطر بالنسبة لها.

وقالت رئيسة «المركزي الأوروبي»، كريستين لاغارد: «إن مجموعة أدوات سياسة المركزي الأوروبي مجهزة بالكامل لتوفير دعم السيولة للنظام المالي في منطقة اليورو إذا لزم الأمر، وللحفاظ على الانتقال السلس للسياسة النقدية».

ولا شك أن ما يعانيه قطاع العقارات في العديد من الدول نتيجة التباطؤ الاقتصادي وتراجع السيولة وارتفاع تكلفة التمويل، سوف يكون له الأثر الكبير على سلامة القطاع المصرفي.

ففي الولايات المتحدة مثلاً، تمثل مجموعة من المصارف التي يقل مجموع أصولها عن 250 مليار دولار نحو ثلاثة أرباع الإقراض المصرفي في سوق العقارات التجارية، وبالتالي قد يؤدي تدهور جودة الأصول إلى تداعيات حادة على ربحية هذه المصارف وعلى حجم الإقبال على الإقراض المصرفي.

تشير توقعات «غولدمان ساكس» إلى أن المصارف الصينية قد تتحمل العبء الأكبر من أزمة قطاع العقارات (رويترز)

أما في الصين، التي تواجه أزمة حادة في قطاعها العقاري، الذي يمثل نحو 30 في المائة من حجم الناتج المحلي الإجمالي، فيبدو أن قطاع المصارف هو الذي سيدفع فاتورة ضخمة من هذه الأزمة الطاحنة. إذ أظهرت توقعات «غولدمان ساكس»، أن المصارف الصينية قد تتحمل العبء الأكبر من تداعيات اضطراب قطاع العقارات بعد تراجع مبيعات المنازل وتزايد حالات التخلف عن سداد الديون.

من جهتها، توقعت وكالة التصنيف الائتماني «موديز» أن تواجه المصارف توقعات سلبية في عام 2024، بسبب تباطؤ النمو العالمي وارتفاع مخاطر تخلف المقترضين عن سداد القروض والضغط على الربحية. وأشارت إلى أن رفع أسعار الفائدة من قبل المصارف المركزية وارتفاع معدلات البطالة في الاقتصادات المتقدمة سيضعف جودة الأصول، مضيفة أن التعرض للعقارات في الولايات المتحدة وأوروبا يشكل خطراً متزايداً.

على سبيل المثال، تكبدت المصارف الأميركية خسائر قياسية بلغت 19 مليار دولار في الربع الثاني بسبب القروض المتعثرة، وهي أعلى مستوى منذ الربع الثاني من عام 2020.



صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.