الرميان لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تمتلك عوامل نادرة لتمكين «الألعاب والرياضات الإلكترونية» عالمياً

محافظ «صندوق الاستثمارات العامة» توقّع نمو القطاع في المملكة بنسبة 250% نهاية 2030

ياسر الرميان محافظ «صندوق الاستثمارات العامة» في مؤتمر الرياضة العالمية الجديدة الذي عقد أخيراً في الرياض (الشرق الأوسط)
ياسر الرميان محافظ «صندوق الاستثمارات العامة» في مؤتمر الرياضة العالمية الجديدة الذي عقد أخيراً في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

الرميان لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تمتلك عوامل نادرة لتمكين «الألعاب والرياضات الإلكترونية» عالمياً

ياسر الرميان محافظ «صندوق الاستثمارات العامة» في مؤتمر الرياضة العالمية الجديدة الذي عقد أخيراً في الرياض (الشرق الأوسط)
ياسر الرميان محافظ «صندوق الاستثمارات العامة» في مؤتمر الرياضة العالمية الجديدة الذي عقد أخيراً في الرياض (الشرق الأوسط)

 

وصف محافظ «صندوق الاستثمارات العامة» السعودي ياسر الرميان، قطاع الألعاب والرياضات الإلكترونية بأنه بات اليوم أشبه باقتصاد قائم بذاته مع قطاعات عديدة مصاحبة له، مشيراً إلى أنه يعد أحد أسرع القطاعات نمواً في العالم؛ إذ يتزايد عدد شركات هذا القطاع بالتوازي مع تنامي أعداد الجماهير، كما تتزايد أنواع الأجهزة والمنصّات المخصّصة له. وأشار الرميان في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط» إلى الاستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية التي أطلقها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، والتي تظهر أهميتها من خلال النظرة المتكاملة التي تقدّمها الاستراتيجية لكامل سلسلة القيمة في قطاع الألعاب والرياضات الإلكترونية، وذلك من خلال 86 مبادرة سيقوم بإطلاقها وإدارتها نحو 20 جهة حكومية بمشاركة القطاع الخاص، وتشمل حاضنات أعمال، وفعاليات كبرى، وأكاديميات تعليمية تضمن مواكبة وتيرة النمو المتسارعة في القطاع ضمن 8 محاور تشمل كامل سلسلة القيمة.

وتوقع محافظ «صندوق الاستثمارات العامة» أن يكون للمبادرات والمشاريع تأثير حيوي في تحقيق أثر اقتصادي من خلال المساهمة في الناتج المحلي الإجمالي بنحو 13.3 مليار دولار (50 مليار ريال) بشكل مباشر وغير مباشر؛ إذ تستهدف استراتيجية القطاع استحداث فرص عمل جديدة تصل إلى أكثر من 39 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة بحلول عام 2030.

خطط الصندوق

وحول خطط «صندوق الاستثمارات العامة» لدعم نمو قطاع الرياضات الإلكترونية في السعودية، أوضح الرميان أن الصندوق استثمر في هذا القطاع انطلاقاً من استراتيجيته الهادفة إلى الاستثمار في القطاعات الاستراتيجية؛ إذ من المتوقع أن ينمو القطاع عالمياً بمعدل نمو سنوي إجمالي يتجاوز 13 في المائة خلال عام 2023، علماً أن النمو المتوقع للقطاع في المملكة سيصل إلى 250 في المائة نهاية عام 2030.

وأضاف: «أعلن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان رئيس مجلس إدارة مجموعة (سافي) للألعاب الإلكترونية، المملوكة بالكامل لـ(صندوق الاستثمارات العامة)، استراتيجية (سافي) لتعزيز النمو من خلال الاستثمار في قطاع الألعاب والرياضات الإلكترونية، ووضع خطة طويلة المدى للاستثمار وتوظيف رأس المال بفاعلية ضمن القطاع، إلى جانب توفير فرص المشاركة للقطاع الخاص وترسيخ الشراكات مع الشركات العالمية في قطاع الألعاب الإلكترونية».

وشرح الرميان أن «سافي» قد «تأسّست خلال عام 2021 بهدف تعزيز خطط المملكة في هذا القطاع، والمساهمة في رسم مستقبل الألعاب الإلكترونية والترفيه محلياً وعالمياً»، موضحاً أن المجموعة استحوذت في هذا الإطار على شركتي «إي إس إل» (ESL)، و«فيس إت» (FACEIT)، الرائدتين في قطاع الرياضات الإلكترونية، وتم دمجهما تحت شركة «إي إس إل فيس إت غروب». كما استحوذت مجموعة «سافي» على شركة «سكوبلي آي إن سي» (Scopely Inc)، المتخصّصة في نشر وتطوير الألعاب الإلكترونية للهواتف الجوالة.

وتابع الرميان أن «سافي» تركز على الارتقاء بمهارات المهتمين بالألعاب والرياضات الإلكترونية، وذلك من خلال الأكاديميات والمسارات المتخصّصة، إلى جانب إتاحة فرص التدريب والتمويل بالتعاون مع مطوّري الألعاب الإلكترونية، مشدداً على أن استثمارات مجموعة «سافي» ستُسهم في استحداث العديد من الفرص لزيادة مشاركة اللاعبين ومحبّي الألعاب والرياضات الإلكترونية بالشراكة مع القطاع الخاص، ممّا ينتج عنه استحداث العديد من الوظائف للمواهب المحلية، وتطوير قدرات الابتكار بالمملكة في قطاع التقنية.

فوائد الاقتصاد السعودي

وعن نهج الصندوق في جذب الأحداث والفرق والمواهب الدولية للرياضات الإلكترونية إلى السعودية، والفوائد المتوقعة للاقتصاد المحلي ومنظومة الرياضات الإلكترونية، قال محافظ «صندوق الاستثمارات العامة»: «أصبحت المملكة محطّ أنظار العالم، ووجهةً لأكبر وأضخم البطولات الرياضية العالمية، لتمكين المهتمين بمجال الرياضات الإلكترونية، وجعلهم قادرين على المنافسة في أكبر محافل الرياضات الإلكترونية على مستوى العالم».

وأشار إلى أن إعلان ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أخيراً إطلاق بطولة كأس العالم للرياضات الإلكترونية، يأتي كالدليل الأبرز على المكانة العالمية للمملكة في هذا القطاع؛ إذ إن الحدث سيكون الأكبر من نوعه على مستوى العالم، وسوف تنظمه المملكة في الرياض سنوياً ابتداءً من صيف عام 2024، بما يُسهم في تعزيز الالتزام بتحقيق مستهدفات «رؤية 2030». وأكد أن الصندوق يعمل بدوره على مواكبة ذلك من خلال دراسة فرص الاستثمار في الألعاب الإلكترونية، والمرافق المخصّصة لها ولفعالياتها الكبرى؛ إذ ستعمل «سافي» من خلال عدة شركات على تنفيذ مشاريعها، ومنها شركة «66Nine» المتخصّصة في احتضان استوديوهات تصميم الألعاب والبنية التحتية، وشركة «فوف VOV» المتخصّصة في بناء مرافق المسابقات وتوفير التدريب، وشركة «ستريت ستديو Steer Studio» المتخصّصة في تصميم الألعاب الإلكترونية وفق أحدث التقنيات.

ولفت إلى أن «سافي» تعمل أيضاً بالتعاون مع الاتحاد السعودي للرياضات الإلكترونية، وسائر الشركاء على تنظيم الأنشطة الرياضية والمنتديات العالمية في القطاع، على أن تؤدّي استثمارات الصندوق ورعايته في مجال الرياضات الإلكترونية دوراً مهماً في تطوير القطاع داخل المملكة، وتحفيز نمو الصناعات ذات العلاقة في مجال الأنشطة الرياضية.

التنافسية والتميز في الاستثمار

وحول الطبيعة التنافسية لصناعة الرياضات الإلكترونية العالمية، وقدرة الصندوق على التمييز بين استثماراته في هذا القطاع وتعظيم العائدات مع ضمان الاستدامة على المدى الطويل، قال الرميان: «هناك أكثر من مستوى يجب التفكير فيه عند الحديث عن القطاع؛ منها الفرص الاستثمارية التي يقوم بدراستها الصندوق وفق معاييره للتوصّل إلى قرار ينسجم مع اعتباراته الاستثمارية والمعنية بتحقيق عوائد من استثمارات استراتيجية على المدى الطويل، وذلك في إطار مهام الصندوق بدعم التحول الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل للمملكة. أما المستوى الآخر فيكمن في المساهمة في بناء القدرات المحلية، وتطوير الكفاءات الوطنية، والبنى التحتية، وإطلاق قطاعات اقتصادية جديدة، وتنمية إمكانات القطاع الخاص ضمن قطاع الألعاب والرياضات الإلكترونية، وهذه الأهداف هي ما ستحقّقه استثماراتنا بما يضمن استدامة أثرها على المدى الطويل».

وشدد محافظ «صندوق الاستثمارات العامة» على أن الصندوق يأخذ في الاعتبار الطبيعة التنافسية لهذا القطاع، ويوازن في كل قراراته بين الأثر التنموي والمكاسب الاستثمارية المتوقعة في مختلف القطاعات ذات الأولوية ضمن استراتيجيته.

فرصة استراتيجية

وتطرق الرميان إلى العوامل التي دفعت «صندوق الاستثمارات العامة» للنظر إلى الرياضة الإلكترونية باعتبارها فرصة استثمارية استراتيجية، مؤكداً أن قطاع الألعاب والرياضات الإلكترونية هو أحد أكثر القطاعات ارتباطاً مع سائر القطاعات الاقتصادية العالمية، نظراً لصلته بالتطوّر الرقمي للقطاع والأنشطة، مثل السياحة والترفيه والفعاليات والاتصالات والإعلام والتقنية والخدمات المالية، وهي ضمن 13 قطاعاً استراتيجياً للصندوق. وأضاف: «هذه العوامل تمثّل فرصة استراتيجية لـ(صندوق الاستثمارات العامة) للاستثمار في هذا القطاع نظراً للفرص الكبيرة، ودوره في توفير البنية التحتية لقطاعات اقتصادية أخرى، إلى جانب بناء شراكات مع القطاع الخاص محلياً ودولياً، وتوفير منتجات تحسّن تجربة المستخدم، وتخدم مستهدفات تعزيز الترفيه والسياحة».

وأوضح أن «صندوق الاستثمارات العامة» ساهم في زيادة أعداد الزوّار إلى المملكة ودعم قطاع السياحة، وذلك من خلال دعمه للمناسبات الرياضية رفيعة المستوى التي يتم تنظيمها بالمملكة، حيث يعد قطاع السياحة عنصراً أساسياً في محفظة «صندوق الاستثمارات العامة»، وقال: «على سبيل المثال، إن استراتيجية مجموعة (سافي) تتضمن الاستثمار في العديد من البرامج والبنى التحتية المحلية والدولية من أجل توفير فرص التدريب والتعليم وريادة الأعمال، وكذلك جذب الشركات العالمية إلى المملكة من خلال الاستثمارات والشراكات التي ستُساهم في توفير المهارات ونقل المعرفة وبناء القدرات».

ولفت أن «سافي» ستُنشئ عدداً من استوديوهات تطوير الألعاب في السعودية، مما سيُسهم في تحقيق مستهدفات استراتيجية القطاع، وقال: «تواصل استراتيجية الصندوق تعظيم عائدات المملكة من خلال الاستثمار في القطاعات الاستراتيجية الواعدة، والتي تستند على رسم ملامح المستقبل، والريادة في الابتكار، والتميز في بناء العلاقات، وإلهام العالم، وتتماشى استثمارات الصندوق في قطاع الرياضات الإلكترونية مع استراتيجيته».

المكان المثالي لنمو القطاع

وسلّط محافظ «صندوق الاستثمارات العامة» الضوء على العوامل التي تجعل من السعودية المكان المثالي للنمو الاستثماري في هذا القطاع؛ إذ حدّد العنصر البشري الذي يعد الأساس في هذا القطاع، وقال: «هو ما لخّصه ولي العهد عند إطلاق الاستراتيجية؛ إذ أكد أن طاقة وإبداع الشباب السعودي وهواة الألعاب الإلكترونية هما المحرّك للاستراتيجية».

وزاد: «يُشكّل موقع المملكة جسراً جغرافياً بين العالم الغربي والشرقي، إلى جانب ما تتمتّع به من جيل يافع مهتم ومحب للألعاب الإلكترونية بما يصل إلى 21 مليون شخص تقريباً، كما أن 60 في المائة من سكّان المملكة هم دون 30 عاماً، وتضم المملكة حالياً 23.5 مليون من محبّي الألعاب، ما يقرب من 67 في المائة من سكّان البلاد».

ولفت إلى أن السعودية تمتلك كافة عوامل الجذب والتمكين لهذا القطاع، وهي عوامل يندر أن تجتمع في دولة واحدة؛ إذ تمتاز البنية التحتية الرقمية للمملكة بأنها من بين الأكثر تطوراً في العالم، وقال: «وفقاً لتقرير التنافسية الرقمية لعام 2021 الصادر عن المركز الأوروبي للتنافسية الرقمية، فقد تقدمت المملكة 20 درجة في المؤشر العام مقارنة بالعام السابق، كما تقدمت 86 درجة في محور النظام البيئي الرقمي متصدرة دول (مجموعة العشرين)».

وشدد على أن التقرير يعكس القفزات النوعية التي حقّقتها المملكة على مستوى البنية التحتية، وتنمية القدرات الرقمية، والمشاريع الرقمية الضخمة، إلى جانب عوامل جذب تشجع الابتكار وتدمج مطوّري الألعاب والأنشطة الترفيهية، بما يدعم مستهدفات «رؤية 2030».



لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.