مليارات الدولارات من الأرباح الغربية محاصرة في روسيا

الشركات من الدول «غير الودية» جمعت أكثر من 18 مليار دولار منذ بدء الحرب

سيارات راكنة أمام مبنى البنك المركزي الروسي في موسكو في 15 سبتمبر 2015 (رويترز)
سيارات راكنة أمام مبنى البنك المركزي الروسي في موسكو في 15 سبتمبر 2015 (رويترز)
TT

مليارات الدولارات من الأرباح الغربية محاصرة في روسيا

سيارات راكنة أمام مبنى البنك المركزي الروسي في موسكو في 15 سبتمبر 2015 (رويترز)
سيارات راكنة أمام مبنى البنك المركزي الروسي في موسكو في 15 سبتمبر 2015 (رويترز)

حققت الشركات الغربية التي استمرت في العمل في روسيا منذ حربها على أوكرانيا أرباحاً بمليارات الدولارات، لكن الكرملين منعها من الوصول إلى الأموال في محاولة لتضييق الخناق على الدول «غير الصديقة»، وفق تقرير مفصل في صحيفة «فاينانشيال تايمز».

استحوذت مجموعات من هذه الدول على 18 مليار دولار من أصل 20 مليار دولار من الأرباح الروسية التي أبلغت عنها الشركات الأجنبية لعام 2022 وحده، وفقاً للأرقام التي جمعتها كلية كييف للاقتصاد، و199 مليار دولار من إجمالي إيراداتها الروسية البالغ 217 مليار دولار.

وقال أندري أونوبريينكو، نائب مدير التطوير في سوق الأوراق المالية، الذي جمع البيانات: «ربما نمت الأرقام بشكل كبير منذ ذلك الحين، على الرغم من أنه من غير الممكن تقييم المبلغ بالضبط، لأن معظم الشركات الدولية العاملة في روسيا تكشف فقط عن نتائجها المحلية سنوياً».

ظلت الأرباح المحلية لشركات من «بي بي» النفطية إلى «سيتي غروب» محتجزة في روسيا منذ فرض حظر على توزيع أرباح الأسهم في العام الماضي على الشركات من الدول «غير الصديقة»، بما في ذلك الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وجميع أعضاء الاتحاد الأوروبي. وفي حين أنه يمكن الموافقة على مثل هذه المعاملات في ظل ظروف استثنائية، إلا أنه لم يتم إصدار سوى عدد قليل من تصاريح السحب.

وقال الرئيس التنفيذي لإحدى الشركات الكبرى التي يقع مقرها في بلد غير مصنف على أنه غير ودود: «إن عشرات المليارات من الدولارات عالقة في روسيا... ولا توجد طريقة لإخراجها».

ولا يعكس حجم الإيرادات والأرباح الأهمية الدائمة للشركات الغربية للاقتصاد الروسي فحسب، بل يعكس أيضاً المعضلة التي تواجهها هذه الشركات بشأن ما يجب فعله بعملياتها في الدولة، وفق «فاينانشيال تايمز».

وتحاول العديد من الشركات الأجنبية بيع فروعها الروسية، لكن أي صفقة تتطلب موافقة موسكو، وتخضع لخصومات كبيرة في الأسعار. وفي الأيام الأخيرة، أعلنت شركة التبغ البريطانية - الأميركية وشركة الشاحنات السويدية «فولفو» عن اتفاقيات لنقل أصولها في البلاد إلى مالكيها المحليين.

ومن بين الشركات ذات الأصل «غير الودي» التي لا تزال ناشطة في روسيا، أعلن بنك «رايفايزن» النمساوي عن أكبر أرباح لعام 2022 في البلاد عند ملياري دولار.

كما حصلت المجموعتان الأميركيتان «فيليب موريس» و«بيبسيكو» على 775 مليون دولار و718 مليون دولار على التوالي. وحققت شركة الشاحنات السويدية «سكانيا» ربحاً روسياً بقيمة 621 مليون دولار في عام 2022 مما جعلها أكبر مصدر للدخل بين الشركات التي انسحبت منذ ذلك الحين من البلاد.

وعلى الرغم من أن «رايفايزن»، أكبر مقرض غربي يعمل في روسيا، قال إنه «لا يستطيع الوصول» إلى أرباحه في البلاد، فإنه لم يشطب قيمة النشاط التجاري.

وحققت الشركات التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها أكبر ربح إجمالي قدره 4.9 مليار دولار، تليها الشركات الألمانية والنمساوية والسويسرية بـ4 مليارات دولار و1.9 مليار دولار و مليار دولار على التوالي.

وقد وجدت بعض الشركات أساليب للتغلب على القيود. دفعت الشركة الروسية التابعة لمجموعة الغذاء الأميركية (مارس) العام الماضي 56.1 في المائة من أرباح الأسهم لشركتها الأم من خلال «تعويضها عن ديونها»، وفقاً لبيانها المالي السنوي لعام 2022.

وفي العام الماضي، دفعت شعبة روسيا في شركة اليابان للتبغ الدولية، وهي مجموعة السجائر الكبيرة الوحيدة التي لم تلتزم بالسعي للخروج من البلاد، 180 مليون دولار لمساهمها الوحيد «جي تي آي» ألمانيا، مع توزيع 20 في المائة منها بعد حرب روسيا على أوكرانيا، وفقاً لبيان المجموعة لعام 2022.

وقالت الشركة لصحيفة «فاينانشيال تايمز» إنها سددت المدفوعات من أرباحها لعام 2021، بينما لم يتم دفع أي أرباح من قبل الكيان التجاري الروسي مقارنة بنتائج عام 2022.

وأعلنت «فيليب موريس» عن عدم وجود توزيعات أرباح من روسيا في عام 2022. في عام 2021، دفعت أعمالها الروسية حوالي 6 في المائة من صافي إيراداتها كأرباح إلى الشركة الأم.

وقالت ألكسندرا بروكوبينكو، الباحثة غير المقيمة في مركز كارنيغي روسيا أوراسيا، إن المسؤولين الروس لم يحددوا بعد «استراتيجية واضحة للتعامل مع الأصول المجمدة. ومع ذلك، وبالنظر إلى الرغبة القوية للكيانات الأجنبية في استعادة أرباحها، من المرجح أن تستكشف استخدامها كرافعة - على سبيل المثال لحث السلطات الغربية على إلغاء تجميد الأصول الروسية».

وخففت وزارة المالية الروسية الشهر الماضي قواعد توزيع الأرباح، لكنها أضفت أيضاً طابعاً رسمياً على إطار عمل للشركات «الجيدة» و«المشاغبة»، كما يدعو الكرملين أولئك الذين يريدون الانفصال عن البلاد.

وقال شخص مشارك في صفقات الخروج: «السماح بتوزيع الأرباح أصبح منذ فترة طويلة نوعاً من التشجيع على السلوك الجيد، الذي يتضمن توضيح أنك تريد البقاء في روسيا».

وبالنسبة لشركة ذات أصل «غير ودي»، فإن إعادة الأرباح إلى الوطن «معقدة بالفعل مثل بيع شركة في روسيا»، كما قال هذا الشخص: «فقد أحد عملائي الأمل في الحصول على أي أرباح من هناك وقام بشطب كل شيء».

وحتى بعض الشركات من البلدان «الصديقة» تكافح من أجل إعادة أرباحها إلى الوطن.

وتضيف الأموال التي يتعذر الوصول إليها إلى التكاليف التي تواجهها الشركات الدولية من تداعيات هجوم روسيا على أوكرانيا. وذكرت صحيفة «فاينانشيال تايمز» الشهر الماضي أن الشركات الأوروبية أبلغت عن عمليات شطب وخسائر بقيمة 100 مليار دولار على الأقل من عملياتها في روسيا منذ الحرب العام الماضي.

مجموعة الطاقة الألمانية «فينترشال»، التي سجلت هذا العام انخفاضاً غير نقدي بقيمة 7 مليارات دولار بعد أن صادرت الكرملين أعمالها الروسية، لديها «حوالي 2 مليار دولار من الفائدة النقدية العاملة... معلقة بسبب قيود الأرباح».

وقالت «فينترشال» الشهر الماضي: «إن الغالبية العظمى من الأموال التي تم توليدها في مشاريعنا المشتركة الروسية منذ عام 2022 قد تبددت»، مضيفة أنه لم يتم دفع أي أرباح من روسيا لعام 2022.

وتمنع روسيا شركات الطاقة الهندية من إعادة حوالي 400 مليون دولار من الأرباح، وفقاً لمسؤول النفط الهندي رانجيت راث.

وقال رئيس مجلس إدارة شركة «أويل إنديا» والعضو المنتدب في مايو (أيار): «لقد تلقينا توزيعات الأرباح بانتظام وهي موجودة في حسابات مصرفية في روسيا».

ومددت موسكو حظر توزيع الأرباح لمجموعات الطاقة الهندية رداً على أن مبلغاً كبيراً من المال من تصدير النفط الروسي عالق في الهند، وفقاً للرئيس التنفيذي لشركة روسية كبيرة تعمل في الهند.

وقال الرئيس التنفيذي: «الروبية المستخدمة للدفع لا يمكن تحويلها إلى أي عملة أخرى» في إشارة إلى ضوابط رأس المال الصارمة في الهند. «لا يمكن استخدامها إلا لشراء سلع في الهند، لكن شراء شيء بقيمة مليارات الدولارات للتصدير إلى روسيا يمثل تحدياً».

وأضاف الرئيس التنفيذي أن موسكو «تخشى حقاً هروب رأس المال - انظر إلى ما يحدث للروبل»، في إشارة إلى الانخفاض الحاد للعملة الروسية مقابل الدولار في الأشهر الأخيرة.

في مارس (آذار)، قبل أن يبدأ الروبل هبوطه الحاد، اقترح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تخفيف قيود الأرباح من خلال السماح لـ«الأصدقاء والشركاء الموثوق بهم» من أصل «غير ودي» بسحب بعض أرباحهم إذا أرادوا أيضاً الاستثمار داخل البلاد.

وبدلاً من ذلك، كان تمديد الحظر عليهم بعد خمسة أشهر من بين المقترحات التي صاغتها وزارة المالية الروسية على عجل لوقف تراجع الروبل.

وعلى الرغم من أن روسيا تمكنت من جلب بعض الدعم للروبل باستخدام أدوات أخرى، فإن المزيد من الانخفاض قد يدفع إلى إعادة تقييم قيود رأس المال.


مقالات ذات صلة

الأسواق الخليجية تتراجع قبيل انتهاء مهلة ترمب لإيران

الاقتصاد مستثمران يراقبان شاشة التداول في السوق المالية السعودية بالعاصمة الرياض (أ.ف.ب)

الأسواق الخليجية تتراجع قبيل انتهاء مهلة ترمب لإيران

تراجعت أسواق الأسهم الخليجية في ختام تعاملات يوم الثلاثاء، في ظل حالة من الحذر بين المستثمرين قبيل انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإيران.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد شعار شركة «إيه إس إم إل» في مقرها الرئيسي بمدينة فيلدهوفن (رويترز)

أسهم «إيه إس إم إل» تهبط استجابة لتحركات المشرِّعين الأميركيين ضد التصدير للصين

انخفضت أسهم شركة «إيه إس إم إل» الهولندية، الثلاثاء، في أول جلسة تداول، عقب اقتراح مشرِّعين أميركيين قانوناً قد يفرض قيوداً إضافية على مبيعات الشركة إلى الصين.

«الشرق الأوسط» (أمستردام)
الاقتصاد شخص يطل من سطح في منطقة الأعمال بلندن مع برج غيركن في الخلفية (رويترز)

ضغوط الحرب ترفع تكاليف الخدمات في بريطانيا بأسرع وتيرة منذ 5 سنوات

أظهرت بيانات صادرة عن مؤسسة «ستاندرد آند بورز» أن شركات قطاع الخدمات في المملكة المتحدة شهدت أكبر قفزة شهرية في التكاليف منذ عام 2021 خلال شهر مارس (آذار).

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص العاصمة السعودية الرياض (واس)

خاص تمويل المنشآت الصغيرة ينتقل إلى «قلب» الاقتصاد غير النفطي في السعودية

في مؤشر يعكس تحولاً عميقاً في بنية التمويل داخل الاقتصاد السعودي سجَّلت التسهيلات الائتمانية للمنشآت الصغيرة والمتوسطة مستوىً قياسياً غير مسبوق بنهاية 2025.

زينب علي (الرياض)
الاقتصاد فني يمر بجانب طائرة «بوينغ 737 ماكس 8» في مطار سوكارنو - هاتا الدولي - جاكرتا (رويترز)

إندونيسيا تسمح لشركات الطيران برفع أسعار التذاكر حتى 13 %

قال وزير الاقتصاد الإندونيسي، إيرلانغا هارتارتو، الاثنين، إن الحكومة ستسمح لشركات الطيران برفع أسعار التذاكر عبر زيادة رسوم الوقود.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا )

السلطات المصرية تلاحق تجار العملة لـ«لجم السوق السوداء»

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
TT

السلطات المصرية تلاحق تجار العملة لـ«لجم السوق السوداء»

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)

وسط ارتفاع قياسي للدولار الأميركي، تلاحق السلطات المصرية تجار العملة لـ«لجم السوق السوداء»، حيث أكدت وزارة الداخلية أنها تواصل ضرباتها الأمنية لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات خارج السوق المصرفية لما تمثله من تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي.

وأفادت «الداخلية» في بيان، الثلاثاء، بأن جهودها أسفرت خلال 24 ساعة عن «ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة بقيمة مالية تجاوزت 9 ملايين جنيه»، وهو مبلغ يعادل نحو 165 ألف دولار.

يأتي هذا في وقت واصلت العملة الأميركية، الثلاثاء، موجة الارتفاعات التي سجلتها على مدار الأيام الماضية، وسجلت في معظم البنوك المصرية أدنى مستوى وهو 54.5 جنيه.

ووجَّه الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكومة، الاثنين، بـ«ضرورة مواصلة العمل على تدبير الاحتياجات الدولارية لتوفير مستلزمات الإنتاج، وتعزيز مخزون استراتيجي من السلع المختلفة». وشدد على تواصل التنسيق بين الحكومة والبنك المركزي المصري لضمان الحفاظ على سعر صرف مرن ومُوحد للعملة الأجنبية.

وتواجه الحكومة ضغوطاً متزايدة بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، مما دعا إلى «قرارات استثنائية» في البلاد تضمنت رفع أسعار المحروقات والكهرباء وتذاكر القطارات ومترو الأنفاق، فضلاً عن إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، وإغلاق المحال التجارية والمقاهي في التاسعة مساءً، وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقرات المصالح الحكومية، وتطبيق «العمل عن بُعد» يوم الأحد من كل أسبوع.

وأعلنت «الداخلية» على مدى الأيام الثلاثة الماضية ضبط مبالغ مالية متحصلة من قضايا «الاتجار في العملة» قُدِّرت بـ«نحو 22 مليون جنيه»، وفق إفادات رسمية.

وأكد مصدر أمني مطلع «تواصل جهود التصدي لجرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي»، مشيراً إلى تكثيف الحملات الأمنية لضبط المخالفين ودعم استقرار السوق.

وينص القانون المصري على معاقبة من يمارس «الاتجار في العملة» بالحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات ولا تزيد على 10 سنوات، وبغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تتجاوز 5 ملايين جنيه، بينما تصل عقوبة شركات الصرافة المخالفة إلى إلغاء الترخيص وشطب القيد من السجل.

مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)

ويتحدث المستشار الاقتصادي وخبير أسواق المال، وائل النحاس، عن أهمية جهود السلطات المصرية لضبط قضايا الاتجار في العملة في الوقت الحالي، موضحاً: «بعض من يشتري الدولار الآن لا يفعل ذلك من أجل الاستيراد، أو حتى الاكتناز لتحقيق أرباح مستقبلية، إنما بهدف التجارة غير المشروعة».

ويضيف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «لا يوجد سبب الآن للسوق السوداء، فالعائد داخل القطاع المصرفي الرسمي أعلى من العائد والمضاربات، ومن يريد الحصول على الدولار من البنوك سواء لهدف الاستيراد أو للسفر يحصل عليه بشكل ميسر وفق الإجراءات المتبعة في هذا الشأن».

وشهدت مصر أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار وسعره في «السوق السوداء» التي جاوز فيها آنذاك مستوى 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع وعلى الخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«اتباع سعر صرف مرن للجنيه» ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى ما يتجاوز 50 جنيهاً.

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة بوسط القاهرة (رويترز)

ويشير النحاس في هذا الصدد إلى نجاح البنك المركزي في السيطرة على سعر الصرف داخل القطاع المصرفي، على الرغم من وجود «شبه نقص» في العملة خلال الفترة الأخيرة، خصوصاً مع تأثر تحويلات المصريين بالخارج وإيرادات قناة السويس بسبب الحرب الإيرانية.

تأتي جهود وزارة الداخلية في وقت تواصل فيه الحكومة جهودها لضبط الأسواق ومواجهة أي غلاء في الأسعار وترشيد استهلاك الطاقة والنفقات. وأكد وزير المالية أحمد كجوك أن جميع جهات الدولة ملتزمة بترشيد المصروفات والإنفاق على الحتميات وضمان استمرار النشاط الاقتصادي والإنتاجي.

وقال في تصريحات، الثلاثاء، إن الحكومة «حريصة على توفير الاعتمادات المالية اللازمة للحفاظ على استقرار الخدمات الأساسية للمواطنين»، مؤكداً ترشيد الصرف على بنود التدريب والسفر والفعاليات وباقي البنود التي يمكن تأجيلها في الوقت الراهن.

وأضاف أنه «تم إبطاء وإرجاء العمل بالمشروعات كثيفة الاستخدام للطاقة في ظل الظروف الحالية»، وأن هناك «تنسيقاً كاملاً بين وزارتي المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية لترشيد الإنفاق الرأسمالي، وعدم البدء في تنفيذ أي مشروعات جديدة».

Your Premium trial has ended


النفط «المادي» يكسر حاجز الـ150 دولاراً... وفجوة قياسية تفصله عن «العقود الآجلة»

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

النفط «المادي» يكسر حاجز الـ150 دولاراً... وفجوة قياسية تفصله عن «العقود الآجلة»

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

سجلت أسعار النفط الخام «المادي» (Physical Oil) مستويات قياسية تاريخية، حيث اقتربت من حاجز الـ150 دولاراً للبرميل، متجاوزة بكثير أسعار العقود الآجلة «الورقية» المتداولة في البورصات. ويعكس هذا الانفجار السعري أزمة إمدادات خانقة ناتجة عن تداعيات الحرب، التي أدت إلى إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، مما وضع المصافي العالمية في مواجهة مباشرة مع نقص مادي حاد في البراميل الجاهزة للتسليم.

تسببت الأزمة الراهنة في توقف ما لا يقل عن 12 مليون برميل يومياً من النفط القادم من الشرق الأوسط، وهو ما يعادل نحو 12 في المائة من إجمالي الإمدادات العالمية. هذا الإغلاق الفعلي للمضيق دفع بأسعار عقود «برنت» الآجلة للوصول إلى 119.50 دولار للبرميل الشهر الماضي (وهو أعلى مستوى منذ 2022). لكن هذا الرقم لا يعكس الحقيقة المرة التي تواجهها المصافي؛ إذ إن العقود الآجلة الحالية هي لتسليم شهر يونيو (حزيران)، بينما تحتاج المصافي إلى النفط «الآن».

وفي مؤشر على حجم الكارثة، أظهرت بيانات «إل إس إي سي» أن السعر الفعلي لخام «فوراتيس» بحر الشمال قفز يوم الثلاثاء إلى 146.09 دولار للبرميل. وهذا الرقم لا يمثل فقط سعراً قياسياً جديداً، بل إنه يكسر الرقم التاريخي المسجل في عام 2008 (147.50 دولار للبرميل لبرنت) بالنظر إلى طبيعة العلاوات السعرية الحالية، ليصبح الأعلى على الإطلاق لهذا الخام.

خزانات النفط والمنشآت في مجمع يوسو الصناعي الوطني في كوريا الجنوبية (أ.ف.ب)

النفط «الآن» وليس غداً

ويؤكد عدي إمسيروفيتش، أحد كبار تجار النفط المخضرمين، أن المحرك الأساسي لهذه القفزات هو حالة «الذعر» بشأن التوفر المادي للشحنات. ويقول: «عندما يكون هناك نقص حقيقي وملموس، لا يفكر المتعاملون في تسليمات يوليو (تموز) أو عقود يونيو الورقية، بل يتركز تفكيرهم على تأمين النفط فوراً».

هذا التهافت المادي أدى إلى اتساع الفجوة بين «برنت المؤرخ - وهو المعيار المادي للشحنات الفورية - وبين عقود برنت الآجلة لشهر يونيو بمقدار 20 دولاراً كاملة، وهو فارق استثنائي يظهر حجم التوتر في الجزء الأقرب للتسليم من منحنى الأسعار.

سباق المصافي وأزمة المشتقات

المصافي الأوروبية والآسيوية، التي وجدت نفسها محرومة فجأة من النفط الخليجي، دخلت في منافسة محمومة للحصول على البدائل من خامات أفريقيا وبحر الشمال. ولم يتوقف الأمر عند الخام؛ بل امتدت النيران إلى أسعار المشتقات المكررة في أوروبا التي سجلت مستويات وصفت بالمرعبة:

وقود الطائرات: حوّم عند 226.40 دولار للبرميل، مقترباً من ذروته التاريخية المسجلة في منتصف مارس (آذار).

الديزل: استقر عند 203.59 دولار للبرميل، وهو رقم يقل قليلاً عن مستويات 2022 القياسية لكنه يضغط بقوة على قطاعات النقل والصناعة.

من جانبه، أشار مصرف «مورغان ستانلي» في تقرير حديث إلى أن السوق حالياً تتسابق للحصول على «براميل فورية قابلة للاستخدام». ويرى محللو البنك أن الأسواق العالمية دخلت مرحلة «التدافع المحموم» لتأمين براميل نفطية فورية قابلة للاستخدام الفني في المصافي.

وحسب التقرير، فإن المصافي لا تستطيع الانتظار حتى وصول شحنات بديلة قد تستغرق أسابيع للدوران حول طريق رأس الرجاء الصالح، مما جعل «البرميل الموجود الآن» أغلى من أي وقت مضى، بغض النظر عن سعره في بورصات العقود الآجلة.

ولفت التقرير الانتباه إلى ظاهرة تقنية تسمى «الباكورديشن الحاد»؛ حيث يظهر الإجهاد بشكل صارخ في الجزء الأقرب من المؤشر القياسي للمشكلة المادية المباشرة.

ويشرح محللو «مورغان ستانلي» أن الفجوة التي اتسعت إلى 20 دولاراً بين برنت «المادي» و«الورقي» هي «صافرة إنذار» تشير إلى أن الأسواق لم تعد تثق باستمرارية تدفق الإمدادات، وهي تعوض النقص الفوري بأي تكلفة كانت.


صندوق النقد الدولي: الحرب تسرّع نزوح رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة

شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: الحرب تسرّع نزوح رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة

شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)

حذَّر صندوق النقد الدولي من أنَّ الصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط بات يُشكِّل «اختباراً قاسياً» لاستقرار الأسواق الناشئة، حيث تسبب في عكس مسار تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية؛ نتيجة الحساسية المفرطة للمستثمرين غير المصرفيِّين تجاه الأزمات.

وأوضح الصندوق في فصل تحليلي ضمن «تقرير الاستقرار المالي العالمي» لعام 2026، قبل انطلاق اجتماعات الربيع الخاصة بصندوق النقد والبنك الدوليَّين، التي تنعقد الأسبوع المقبل، أنَّ اعتماد الدول الناشئة المتزايد على «المقرضين غير المصرفيين» ضاعف من وطأة هذه الصدمات، مما جعل هروب الاستثمارات أسرع وأكثر حدة مما كان عليه في فترات التمويل المصرفي التقليدي.

وكانت رئيسة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، قالت لـ«رويترز»، الاثنين، إن الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي.

وقد تسببت الحرب في أسوأ اضطراب على الإطلاق في إمدادات الطاقة العالمية، حيث توقف إنتاج ملايين البراميل من النفط؛ بسبب الحصار الإيراني الفعلي لمضيق هرمز، وهو ممر حيوي لشحن خُمس إنتاج النفط والغاز في العالم. وحتى لو تمَّ حلُّ النزاع سريعاً، فمن المتوقع أن يخفِّض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو الاقتصادي ويرفع توقعاته للتضخم، وفقاً لما صرَّحت به غورغييفا لـ«رويترز».

4 تريليونات دولار تحت التهديد

وكشف التقرير أن تدفقات المَحافظ الاستثمارية إلى الأسواق الناشئة شهدت قفزةً هائلةً بمقدار 8 أضعاف منذ الأزمة المالية العالمية، لتصل قيمتها التراكمية إلى نحو 4 تريليونات دولار بحلول عام 2025. وأصبحت الديون هي المحرك الأساسي، حيث تمثل التزامات ديون المَحافظ حالياً 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في الأسواق الناشئة، ارتفاعاً من 9 في المائة فقط في عام 2006. ويقدِّم المستثمرون غير المصرفيين - مثل صناديق التحوط وصناديق الاستثمار المشترك - نحو 80 في المائة من هذا الرأسمال، وهي نسبة تضاعفت عمّا كانت عليه قبل 20 عاماً.

آليات الهروب

ويشرح التحليل الفني للصندوق كيف تتحوَّل التوترات الجيوسياسية إلى نزوح مالي؛ فعندما ترتفع مخاطر الحرب، يرتفع مؤشر الخوف العالمي (VIX). وتؤدي زيادة بمقدار انحراف معياري واحد في هذا المؤشر (وهو ما يشبه القفزة التي حدثت عند رفع الاحتياطي الفيدرالي الفائدة في 2022) إلى خروج تدفقات ديون تعادل 1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الفصلي للدول الناشئة.

وتعدّ صناديق الاستثمار المشترك وصناديق التحوط الأكثر تأثراً، حيث تتراجع حيازاتها من الأوراق المالية للأسواق الناشئة بنسبة تصل إلى 1.3 في المائة فور وقوع الصدمة، نظراً لاستخدامها «الرافعة المالية» التي تضطرها للبيع السريع لتغطية هوامش المخاطرة.

الصناديق السلبية و«الائتمان الخاص»

ونبّه الصندوق إلى خطر «الاستراتيجيات المعتمدة على المؤشرات»، حيث تقوم الصناديق السلبية وصناديق المؤشرات المتداولة (ETFs) بتعديل مَحافظها آلياً؛ مما يؤدي إلى «عمليات بيع متزامنة» تزيد من وطأة تراجع الأسعار. كما سلّط الضوء على قطاع «الائتمان الخاص» الذي نما 5 أضعاف ليصل حجمه ما بين 50 و100 مليار دولار، ووصفه الصندوق بالقطاع «المعتم» الذي تفتقر بياناته للشفافية، مما يصعّب على صانعي السياسات رصد الثغرات المالية قبل انفجارها.

توصيات لحماية الاستقرار المالي

وفي ظلِّ استمرار حالة عدم اليقين الناجمة عن الحرب، دعا صندوق النقد الحكومات في الأسواق الناشئة إلى تبني استراتيجيات دفاعية تشمل: تعزيز الهوامش المالية؛ حيث إن الدول التي تمتلك احتياطات نقدية وافرة ومؤسسات قوية تعاني بنسبة أقل من تخارج الأموال، والسماح للعملات بالتحرك لامتصاص الصدمات، مع تدخلات محدودة في سوق الصرف عند الضرورة القصوى، ومحاكاة سيناريوهات صدمات اقتصادية قاسية لضمان قدرة المؤسسات المالية على الصمود أمام التوقف المفاجئ للتمويل الخارجي.