الثروة العالمية تنخفض للمرة الأولى منذ أزمة 2008 المالية

روسيا واحدة من أكبر الزيادات في العالم رغم العقوبات عليها وبمقدار 600 مليار دولار في 2022

ارتفاع الفائدة والتضخم سببان في تراجع الثروة العالمية (أ.ف.ب)
ارتفاع الفائدة والتضخم سببان في تراجع الثروة العالمية (أ.ف.ب)
TT

الثروة العالمية تنخفض للمرة الأولى منذ أزمة 2008 المالية

ارتفاع الفائدة والتضخم سببان في تراجع الثروة العالمية (أ.ف.ب)
ارتفاع الفائدة والتضخم سببان في تراجع الثروة العالمية (أ.ف.ب)

تراجعت الثروة العالمية، العام الماضي، مع ارتفاع أسعار الفائدة وانتشار التضخم، وذلك للمرة الأولى منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008. إذ انخفض المجموع الكلي لجميع الثروات الخاصة في العالم بنسبة 2.4 في المائة إلى 454.4 تريليون دولار العام الماضي. لكن، وفي وقت كانت الولايات المتحدة تعاني فيه من أعلى خسارة إجمالية للثروة في 2022، كانت روسيا مثلاً تشكّل «استثناء»، حيث ارتفعت الثروة الروسية بمقدار 600 مليار دولار في عام 2022، وذلك على الرغم من العقوبات المفروضة على روسيا، التي قال رئيسها فلاديمير بوتين إنها قد تضر باقتصاد بلاده.

في تقرير الثروة العالمية السنوي الـ14، قال عملاقا المصارف السويسرية «يو بي إس» و«كريدي سويس»، وهما الآن مصرف واحد تابع للأول بعدما استحوذ عليه هذا العام، إن 11.3 تريليون دولار من الثروة الخاصة فُقدت في عام 2022، مما أدى إلى انخفاض إجمالي الثروة في جميع أنحاء العالم إلى 454.4 تريليون دولار. وكان السبب الأبرز في ذلك الخسائر في أسواق الأسهم والسندات، التي تؤثر بشكل غير متناسب على الأثرياء.

في البداية، يعرّف التقرير صافي الثروة أو «الثروة» على أنها قيمة الأصول المالية للأسرة والأصول العقارية، مثل الممتلكات، مطروحاً منها ديونها.

وقام مؤلفو التقرير بتحليل التغيرات المقدّرة في الثروة لـ5.4 مليار بالغ على مستوى العالم في عام 2022، مع تفصيل التقلبات عبر مستويات الثروة المختلفة.

وفقاً للتقرير، انخفضت الثروة العالمية لكل شخص بالغ بنسبة 3.6 في المائة، أو 3198 دولاراً، لتصل إلى 84718 دولاراً بحلول نهاية العام.

وجاء جزء كبير من الانخفاض من ارتفاع الدولار إلى جانب الأسواق المالية المضطربة، حيث تعرضت الأسهم لأسوأ ضربة لها العام الماضي منذ الأزمة المالية عام 2008.

ونتيجة لذلك، فقد 3.5 مليون شخص حول العالم مكانتهم بوصفهم «مليونيرات» العام الماضي بعدما انخفض عدد البالغين الذين تزيد أصولهم على مليون دولار من 62.9 مليون في نهاية عام 2021 إلى 59.4 مليون في نهاية عام 2022، كما وجد التقرير. وانخفض عدد أصحاب الملايين في الولايات المتحدة بمقدار 1.8 مليون ليصل إلى 22.7 مليون، حيث تخلت البلاد عن أكبر عدد (17260) من الأشخاص الذين يعدّون من «أصحاب الثروات الفائقة» بثروة تزيد على 50 مليون دولار، وهو ما كان أكثر من أي دولة أخرى. ولكن لا يزال عددهم أكبر بكثير من أي بلد آخر. وجاءت الصين في المرتبة الثانية من حيث العدد، حيث بلغ عددهم 6.2 مليون.

ومع ذلك، لم تكن أخباراً سيئة في كل مكان، فعلى الرغم من التراجع، وجد التقرير أن عدد أصحاب الملايين من الدولارات كان 4 أضعاف عددهم في مطلع القرن.

إذ قفز متوسط الثروة العالمية، الذي وُصف بأنه «مؤشر أكثر وضوحاً لكيفية أداء الشخص العادي»، بنسبة 3 في المائة في عام 2022. هذا يعني أنه بينما تراجعت الثروة الإجمالية، كان الشخص العادي أفضل حالاً بحلول نهاية العام.

الولايات المتحدة تعاني من أعلى خسارة

عندما يتعلق الأمر بالدول، عانت الولايات المتحدة من أعلى خسارة إجمالية للثروة في عام 2022، وفقاً للتقرير. وتخلت عن 5.9 تريليون دولار من ثروتها الخاصة العام الماضي، مقارنة بمكاسب بلغت 19.5 تريليون دولار في العام السابق.

ووصف مؤلفو التقرير خسارة الثروة الأميركية بأنها «أول تراجع في سلسلة ملحوظة من المكاسب المحققة منذ الأزمة المالية العالمية».

ومع ذلك، أشارت نتائج التقرير إلى أن الخسائر كانت ملحوظة بشكل كبير في الطرف العلوي من مقياس الثروة الأميركي.

ففي حين ظل الاقتصاد الأميركي مرناً العام الماضي بفضل الإنفاق الاستهلاكي القوي وسوق العمل القوية، تضرر المستثمرون الأثرياء من عمليات بيع كبيرة في سوق الأسهم، حيث تضرر العمال بسبب التسريح الجماعي للعمال.

ولكن على الرغم من أن ما يقرب من 1.8 مليون أميركي فقدوا وضعهم بوصفهم «مليونيرات» في عام 2022، وجد التقرير أن متوسط الثروة لكل شخص بالغ ارتفع بمقدار 14460 دولاراً إلى 107740 دولاراً، مما يشير إلى تحسّن الظروف المالية للأميركي.

وفي تحليل لـ20 دولة غنية مدرجة في التقرير، كانت الولايات المتحدة واحدة من 5 دول فقط شهدت زيادة في متوسط الثروة لكل شخص بالغ العام الماضي.

كما شعر الأثرياء في البلاد بألم أكبر من خسائر الثروة الخاصة الأميركية في العام الماضي أكثر من أولئك الذين لديهم صافي ثروة أقل.

الروس يزدادون ثراءً

وتركزت خسارة الثروة العالمية بشكل كبير في المناطق الأكثر ثراءً، بحسب تقرير «يو بي إس» و«كريدي سويس»، حيث تخلت أميركا الشمالية وأوروبا عن 10.9 تريليون دولار.

وبالمقارنة، سجلت منطقة آسيا والمحيط الهادئ خسائر بلغت 2.1 تريليون دولار، في حين تمتعت أميركا اللاتينية، بدعم من ارتفاع متوسط للعملة بنسبة 6 في المائة مقابل الدولار، بزيادة في الثروة الخاصة قدرها 2.4 تريليون دولار.

في الطرف الآخر من المقياس، شهدت روسيا واحدة من أكبر الزيادات في الثروة في العالم، على الرغم من تعرضها لموجة من العقوبات التجارية الدولية نتيجة لحربها على أوكرانيا.

ففي العام الماضي، أشارت البيانات إلى أن أغنى «الأوليغارشية» في روسيا خسروا بشكل جماعي عشرات الملايين من الدولارات نتيجة مباشرة للعقوبات، بينما اعترف الرئيس فلاديمير بوتين في وقت سابق من هذا العام بأن العقوبات قد تضر باقتصاد بلاده.

ومع ذلك، فإن أرقام تقرير الثروة العالمية تروي قصة أخرى: ارتفعت الثروة الروسية بمقدار 600 مليار دولار في عام 2022، مع اكتساب البلاد 56 ألف مليونيراً العام الماضي، وشهدت زيادة عدد الأفراد ذوي الثروات العالية.

وقال التقرير إنه إضافة إلى روسيا، كانت المكسيك (بزيادة 655 مليار دولار)، والهند (بزيادة 675 مليار دولار) والبرازيل (بزيادة 1.1 تريليون دولار) هي الدول التي شهدت أكبر زيادة في الثروة العام الماضي.

مستقبل الثروة

في حين أن تأثير التقلبات المالية في العام الماضي أثر على بعض التركيبة السكانية أكثر من غيرها، كان الاستراتيجيون في «كريدي سويس» متفائلين بشأن مستقبل الثروة.

وقالت نانيت هيشلر-فايد هيربي كبيرة مسؤولي الاستثمار في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا والرئيسة العالمية للاقتصاد والبحوث، وريتشارد كيرسلي العضو المنتدب لأبحاث أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا للأوراق المالية، في التقرير، إن توقعات «كريدي سويس» أظهرت أن الثروة العالمية ستزيد بنسبة 38 في المائة على مدى السنوات الخمس المقبلة.

وقالا إن «نمو البلدان المتوسطة الدخل سيكون المحرك الرئيسي للاتجاهات العالمية... نقدر أن تصل الثروة لكل شخص بالغ إلى 110270 دولاراً في عام 2027، وأن يصل عدد أصحاب الملايين إلى 86 مليوناً، بينما من المرجح أن يرتفع عدد الأفراد أصحاب الثروات الفائقة إلى 372 ألف فرد».


مقالات ذات صلة

مخاوف حرب إيران تدفع لأكبر تخارج من الأصول اليابانية في عقدين

الاقتصاد رجل يقف أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

مخاوف حرب إيران تدفع لأكبر تخارج من الأصول اليابانية في عقدين

شهدت الأسهم اليابانية أكبر تدفق أسبوعي لرؤوس الأموال الأجنبية الخارجة منذ عقدين، خلال الأسبوع المنتهي في 28 مارس (آذار) الماضي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد متداولون كوريون جنوبيون يعملون أمام شاشات في بنك هانا في سيول (إ.ب.أ)

بورصة سيول تهوي بأكثر من 3% مع تبدد آمال الهدنة

شهدت الأسواق المالية في كوريا الجنوبية تحولات دراماتيكية خلال تعاملات يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد الموظفون الجدد في «شركة الخطوط الجوية اليابانية» يحتفلون ببداية عملهم داخل مقر الشركة بالعاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

تحسن معنويات الأعمال في اليابان رغم ظلال حرب إيران

أظهر مسحٌ يحظى بمتابعة دقيقة أن اليابان شهدت تحسناً في معنويات الأعمال وارتفاعاً في توقعات التضخم لدى الشركات خلال الأشهر الثلاثة المنتهية بمارس (آذار) الماضي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد شعار «أوبك» (رويترز)

روسيا: ارتفاع الأسعار يتصدر أجندة الاجتماع المرتقب للجنة «أوبك بلس»

قالت وزارة الخارجية الروسية إنها تتوقع أن تناقش لجنة مراقبة «أوبك بلس» الارتفاع الأخير في أسعار النفط خلال اجتماعها المقرر عقده في 5 أبريل (نيسان).

«الشرق الأوسط» (موسكو)
خاص جانب من منافسات كأس العالم للرياضات الإلكترونية في الرياض (واس)

خاص سوق الألعاب السعودية تقترب من 2.4 مليار دولار بنهاية 2025

بلغ حجم سوق الألعاب الإلكترونية في السعودية نحو 2.39 مليار دولار خلال عام 2025، في وقت تشهد فيه الصناعة تحولاً متسارعاً مدفوعاً بنمو قاعدة اللاعبين.

زينب علي (الرياض)

مخاوف حرب إيران تدفع لأكبر تخارج من الأصول اليابانية في عقدين

رجل يقف أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
رجل يقف أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
TT

مخاوف حرب إيران تدفع لأكبر تخارج من الأصول اليابانية في عقدين

رجل يقف أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
رجل يقف أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

شهدت الأسهم اليابانية أكبر تدفق أسبوعي لرؤوس الأموال الأجنبية الخارجة منذ عقدين، خلال الأسبوع المنتهي في 28 مارس (آذار) الماضي، حيث أدى ارتفاع أسعار النفط، مدفوعاً بالحرب في الشرق الأوسط، إلى ازدياد المخاوف من ضعف النمو العالمي وأرباح الشركات. وباع المستثمرون الأجانب ما قيمته 4.45 تريليون ين (27.92 مليار دولار) من الأسهم اليابانية، مسجِّلين بذلك أكبر صافي مبيعات أسبوعي منذ يناير (كانون الثاني) 2005 على الأقل، وهو التاريخ الذي بدأت فيه وزارة المالية اليابانية بجمع هذه الإحصاءات. وقام المستثمرون الأجانب ببيع أسهم يابانية بقيمة نحو 8.35 تريليون ين منذ بدء الحرب في إيران في 28 فبراير (شباط). وشهدت الأسواق تراجعاً حاداً يوم الخميس مع تصاعد المخاوف من الحرب في إيران، حيث انخفضت أسعار الأسهم وارتفعت أسعار النفط بعد تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأنَّ واشنطن قد تشنُّ ضربةً «شديدة للغاية» على إيران في غضون أسابيع، مما بدَّد الآمال في وضوح موعد انتهاء الصراع في الشرق الأوسط. كما شهدت السندات اليابانية تدفقات أجنبية خارجة حادة بلغت 6.81 تريليون ين، وهي الأكبر خلال أسبوع منذ ديسمبر (كانون الأول) 2022. وتخلى المستثمرون الأجانب عن سندات يابانية طويلة الأجل بقيمة 2.65 تريليون ين، وسندات قصيرة الأجل بقيمة 4.16 تريليون ين، مسجِّلين بذلك أكبر صافي مبيعات أسبوعي لهم منذ 27 ديسمبر 2025. وفي المقابل، أضاف المستثمرون اليابانيون صافي 140.6 مليار ين إلى أسهمهم الأجنبية، مواصلين بذلك سلسلة مشترياتهم الصافية للأسبوع السادس على التوالي. ومع ذلك، باعوا سندات أجنبية طويلة الأجل بقيمة 945.4 مليار ين، وسندات قصيرة الأجل بقيمة 224.4 مليار ين.

• تراجع «نيكي»

وفي التعاملات اليومية، انخفض مؤشر «نيكي» الياباني للأسهم بأكثر من 2 في المائة يوم الخميس، متراجعاً عن مكاسبه خلال الجلسة، بعد أن تلاشت الآمال في إنهاء سريع للصراع في الشرق الأوسط، إثر تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشنِّ مزيد من الضربات على إيران. وأغلق مؤشر «نيكي» منخفضاً بنسبة 2.38 في المائة عند 52.463.27 نقطة، بعد أن ارتفع بنسبة 0.97 في المائة في وقت سابق من الجلسة. كما تراجع مؤشر «توبكس» الأوسع نطاقاً عن مكاسبه المبكرة، منهياً الجلسة منخفضاً بنسبة 1.61 في المائة عند 3.611.67 نقطة. وفي خطاب متلفز، قال ترمب إن الجيش الأميركي قد حقَّق أهدافه تقريباً في إيران. لكنه لم يقدِّم جدولاً زمنياً واضحاً لإنهاء الحرب المستمرة منذ شهر، وتعهد بقصف البلاد حتى تعود إلى «العصور الحجرية». وقال كازواكي شيمادا، كبير الاستراتيجيين في شركة «إيواي كوزمو» للأوراق المالية: «لم يكن في خطابه أي جديد. لو أعلن إنهاء الحرب فوراً، لكانت سوق الأسهم قد شهدت ارتفاعاً ملحوظاً». وأضاف: «بدلاً من ذلك، بدأ المستثمرون ببيع الأسهم لجني أرباحهم من الارتفاع الأخير، وكأنهم كانوا يتوقَّعون ذلك». وشهد المؤشر ارتفاعاً هذا الأسبوع على أمل خفض التصعيد في الحرب، بعد أن سجَّل أسوأ أداء شهري له منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008 في مارس. وارتفع مؤشر «نيكي» إلى متوسطه المتحرك لـ25 يوماً عند نحو 54.258 نقطة في وقت سابق من الجلسة، وهو ما عدّه شيمادا إشارة إلى أن مؤشر «نيكي» قد بلغ أدنى مستوياته.

• ارتفاع العوائد

وبالتزامن مع تراجع الأسهم، ارتفعت عوائد السندات الحكومية اليابانية يوم الخميس، بعد أن بدَّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الآمال في إنهاء سريع للحرب في الشرق الأوسط، مما أثَّر سلباً على نتائج مزاد السندات القياسية لأجل 10 سنوات. وقفز عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات بمقدار 9 نقاط أساس ليصل إلى 2.39 في المائة، مُسجِّلاً أعلى مستوى له منذ فبراير 1999، والذي تم قياسه يوم الاثنين. وقفز عائد السندات لأجل 20 عاماً بمقدار 15 نقطة أساس ليصل إلى 3.21 في المائة، وارتفع عائد السندات لأجل 30 عاماً بمقدار 9 نقاط أساس ليصل إلى 3.705 في المائة. وتتحرَّك العوائد عكسياً مع أسعار السندات. وقال شويتشي أوساكي، مدير محافظ أول في شركة «ميغي ياسودا» لإدارة الأصول: «ازدادت حالة عدم اليقين بشأن حرب الشرق الأوسط بعد خطاب ترمب، مما أثَّر على مزاد سندات الـ10 سنوات». وأضاف: «ربما كان المزاد مدعوماً بطلب من المتعاملين الذين احتاجوا لتغطية مراكز البيع المكشوف». بلغت نسبة العرض إلى التغطية في المزاد، وهي مقياس للطلب، 2.57 مرة، مقارنةً بـ3.3 مرة في المزاد السابق. وتتعرَّض عوائد سندات الحكومة اليابانية لضغوط تصاعدية، ويتوخَّى المستثمرون الحذر في شراء السندات وسط توقعات السوق برفع «بنك اليابان» أسعار الفائدة في وقت مبكر من هذا الشهر. وأدى ضعف الين وارتفاع أسعار النفط إلى زيادة مخاطر التضخم، مما عزَّز التوقعات برفع أسعار الفائدة مبكراً. وقد تراجع الين بعد خطاب ترمب. وقال كينتارو هاتونو، رئيس قسم الدخل الثابت العالمي في شركة إدارة الأصول «أسيت مانجمنت وان»: «إضافةً إلى ذلك، هناك عوامل تدعم رفع بنك اليابان أسعار الفائدة، حيث يُتوقَّع أن تُشدِّد البنوك المركزية الكبرى سياساتها النقدية». وتزداد توقعات شركات الوساطة العالمية بأن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة في وقت مبكر من شهر أبريل (نيسان)، بينما تُقلل من توقعات خفض «بنك إنجلترا» أسعار الفائدة، بعد أن حذَّر صناع السياسات من أن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران تُؤجج مخاطر التضخم. وأضاف هاتونو: «إذا استمرَّت اليابان في سياستها النقدية المنخفضة، فإنَّ الفجوة في أسعار الفائدة ستتسع، وهذا قد يُضعف الين أكثر».


بعد عام من «تعريفات يوم التحرير»... الدولار يستعيد قوته كملاذ آمن

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
TT

بعد عام من «تعريفات يوم التحرير»... الدولار يستعيد قوته كملاذ آمن

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

بعد مرور عام على فرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعريفات «يوم التحرير» الشاملة، يبدو الدولار في وضع أقوى بكثير، إذ استعيدت مكانته كملاذ آمن في ظل الحرب الدائرة في الشرق الأوسط.

فقد ارتفع الدولار بنحو 1.6 في المائة في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026، مسجلاً أفضل أداء ربع سنوي له منذ أواخر 2024، مدعوماً بمكانة الولايات المتحدة كمصدر للطاقة، ولجوء المستثمرين إلى السيولة النقدية في ظل حالة عدم اليقين العالمية، وفق «رويترز».

ويمثل هذا تناقضاً صارخاً مع الوضع قبل عام، حين أدت تعريفات ترمب إلى انخفاض حاد في قيمة الدولار، كرد فعل من المستثمرين على تصاعد حالة عدم اليقين بشأن السياسات الأميركية، فضلاً عن الهجمات الكلامية التي شنّها ترمب على مجلس الاحتياطي الفيدرالي وابتعاده عن الحلفاء والمؤسسات الدولية.

على سبيل المثال، انخفض مؤشر الدولار، الذي يقيس قيمة العملة الأميركية مقابل سلة من العملات العالمية الرئيسية، بنسبة تقارب 10 في المائة خلال العام الماضي، مسجلاً أسوأ أداء له منذ عام 2017.

ارتفاع الآن... ولكن إلى متى؟

على الرغم من انتعاش الدولار مطلع عام 2026، يشير المحللون إلى أن العملة لا تزال تواجه ضغوطاً هبوطية على المدى الطويل، في ظل استمرار التساؤلات بشأن هيمنتها على التجارة والتمويل العالميين.

احتياطيات النقد الأجنبي

تراقب البنوك المركزية من كثب أي مؤشرات على تحول الدول عن الدولار. وتشير أحدث بيانات لجنة احتياطيات النقد الأجنبي التابعة لصندوق النقد الدولي للربع الأخير من عام 2025 إلى انخفاض تدريجي طفيف في حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية.

ورغم ذلك، تظل عملات مثل اليورو واليوان أبرز المستفيدين من أي تراجع في حصة الدولار، لكن التحولات الأخيرة كانت طفيفة جداً بحيث لم تؤثر بشكل ملموس على مكانة الدولار الإجمالية. ولا يُتوقع أن يفقد الدولار موقعه كأكبر عملة احتياطية في العالم في أي وقت قريب، نظراً لهيمنة الولايات المتحدة على الاقتصاد العالمي والتجارة وأسواق الدين.

الاستثمار الأجنبي

تفوق قيمة الأصول الأميركية التي يمتلكها المستثمرون الأجانب بكثير على قيمة الأصول التي يمتلكها المستثمرون الأميركيون في الخارج، بفضل التدفقات الاستثمارية الخارجية المستمرة، مما يعزز قوة العملة الأميركية. ومع ذلك، يشير المحللون إلى أن أي تباطؤ في هذه التدفقات قد يؤثر سلباً على قوة الدولار.


صدمة الطاقة تختبر توقعات التضخم ومستقبل أسعار الفائدة

مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
TT

صدمة الطاقة تختبر توقعات التضخم ومستقبل أسعار الفائدة

مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

يواجه محافظو البنوك المركزية حول العالم مهمة بالغة التعقيد، تكاد تلامس المستحيل: فهم سلوك الشركات، والنقابات العمالية، والأسر في الوقت الفعلي، لتقدير كيفية تفاعلهم مع أوضاعهم المالية في ظل صدمة طاقة جديدة.

ويدرس صناع السياسات خيار رفع أسعار الفائدة لمواجهة الضغوط التضخمية المتزايدة، لكن اتخاذ هذه الخطوة يبقى مشروطاً بقناعتهم بأن ارتفاع تكاليف الطاقة الناتج عن الحرب في إيران سينتقل إلى بقية الأسعار، بما يؤدي إلى ترسيخ توقعات تضخم أعلى على مستوى الاقتصاد ككل، وفق «رويترز».

يتسوق الناس في أحد متاجر نيويورك (رويترز)

غير أن التحدي الأبرز يكمن في صعوبة قياس هذه التوقعات بدقة. فعلى الرغم من امتلاك البنوك المركزية طيفاً واسعاً من الأدوات، بما في ذلك الاستطلاعات والمؤشرات السوقية والنماذج التحليلية، فإنَّ جميعها تعاني من أوجه قصور، إن لم تكن عيوباً جوهرية.

ومنذ جائحة «كوفيد-19»، كثَّفت البنوك المركزية جهودها لتطوير أدوات جديدة تسدّ فجوات البيانات السلوكية، غير أن قياس توقعات التضخم لا يزال أقرب إلى فن قائم على التقدير منه إلى علم دقيق.

حذر متزايد في قرارات الفائدة

هذا الغموض قد يدفع صناع السياسات إلى رفع سقف الحذر قبل الإقدام على تشديد السياسة النقدية، إذ يفضّلون عادة انتظار دلائل أكثر صلابة، لتقليل مخاطر اتخاذ قرارات خاطئة.

وقال توم باركين، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند، إن فهم طريقة تفكير واضعي الأسعار يمثل عنصراً حاسماً، مضيفاً أن قرار رفع الفائدة سيعتمد على ما إذا كانت توقعات التضخم ستبدأ بالفعل في التحرك صعوداً، وهو ما لم يتحقق بعد، وفق تقديره.

تحولات سلوكية منذ 2022

يتمثل أحد أبرز التعقيدات في تغير سلوك الأفراد والشركات. ففي عام 2022، ومع محدودية الخبرة في التعامل مع التضخم السريع، كانت عمليات تعديل الأسعار والأجور تتسم بالجمود النسبي.

لكن، وفق ما أشارت إليه إيزابيل شنابل، عضو مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، فإن تجربة التضخم المؤلمة في السنوات الأخيرة جعلت التوقعات أكثر هشاشة، وبالتالي أكثر حساسية لصدمات أسعار الطاقة.

وبالنسبة للشركات، لم يعد تعديل الأسعار حدثاً سنوياً كما كان قبل الجائحة، بل أصبح أكثر تكراراً، مما يجعل وتيرة التغيير - وليس حجمه فقط - مؤشراً مهماً على تحولات التوقعات.

أدوات تقليدية... وقيود واضحة

لطالما اعتمدت البنوك المركزية على الاستطلاعات ومؤشرات السوق لتقدير توقعات التضخم. غير أن هذه الأدوات تعاني من قيود واضحة؛ فالاستطلاعات تُجرى بوتيرة محدودة ولا تواكب التحولات السريعة، كما أن آفاقها الزمنية لا تتماشى دائماً مع احتياجات صناع القرار.

أما المؤشرات السوقية، فتتأثر بعلاوات المخاطر التي يطلبها المستثمرون، مما يجعلها تعكس مزيجاً من التوقعات الفعلية ومعنويات السوق، وبالتالي تُضعف دقتها.

وتكمن أهمية هذه التقديرات في أن المستثمرين باتوا يتوقعون حالياً رفع البنك المركزي الأوروبي لأسعار الفائدة مرتين أو ثلاث مرات هذا العام، وبنك إنجلترا مرتين، في حين تراجعت توقعات خفض الفائدة من قبل «الاحتياطي الفيدرالي» خلال عام 2026.

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

ابتكار لسد فجوات المعرفة

لمواجهة هذه التحديات، طوَّرت البنوك المركزية أدوات جديدة، تشمل متابعة توقعات الأجور من خلال اتفاقيات النقابات، وإجراء استطلاعات مباشرة مع الشركات، والتواصل مع المديرين التنفيذيين لرصد سلوك التسعير.

كما تراقب وتيرة تغيّر الأسعار بشكل أكثر دقة، وتعمل على تحسين النماذج الاقتصادية التي أخفقت سابقاً في توقُّع موجة التضخم المرتبطة بالجائحة والحرب في أوكرانيا.

ويُعد فهم الفروق بين صدمة التضخم الحالية وتلك التي شهدها العالم قبل أربع سنوات أمراً محورياً في رسم السياسات، إذ تختلف الظروف جذرياً اليوم.

بيئة اقتصادية مختلفة

فأسعار الفائدة مرتفعة بالفعل، والسياسات المالية أكثر تشدُّداً، وسوق العمل تُظهر بوادر تباطؤ، كما أن الأسر لم تعد تمتلك فوائض نقدية كبيرة كما كان الحال خلال الجائحة.

وفي هذا السياق، أشار محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، إلى أن الاقتصاد يدخل هذه المرحلة مع تباطؤ تدريجي في التضخم، وضعف في سوق العمل، ونمو دون إمكاناته.

كما تؤكد الشركات، وفق ما تنقله البنوك المركزية، تراجع قدرتها على تمرير زيادات الأسعار، مما يعكس ضعفاً في القوة التسعيرية عبر معظم القطاعات.

توازن دقيق ومخاطر قائمة

ورغم الثقة النسبية الحالية في استقرار توقعات التضخم على المدى الطويل، فإن استمرار الحرب وارتفاع أسعار الطاقة قد يؤديان إلى تغيير هذا المسار.

فمع ارتفاع تكاليف المعيشة اليومية، مثل الوقود، تزداد احتمالات ترسخ توقعات تضخم أعلى، غير أن توقيت حدوث ذلك يظل غير واضح، مما يترك لصناع السياسات مساحة واسعة للاجتهاد والتقدير.

وفي هذا الإطار، لخَّص بريموز دولينك، مسؤول السياسات في البنك المركزي الأوروبي، المشهد بالقول: إن علم الاقتصاد، رغم اعتماده على التحليل، لا يخلو بطبيعته من عنصر الحكم الشخصي والتقدير.