وزير الاقتصاد التونسي لـ«الشرق الأوسط»: ندفع ثمن الانتقال الديمقراطي

قال إن الحكومة وضعت 6 أولويات لاستعادة التوازنات المالية

سمير سعيد وزير الاقتصاد والتخطيط التونسي (تصوير: عدنان مهدلي)
سمير سعيد وزير الاقتصاد والتخطيط التونسي (تصوير: عدنان مهدلي)
TT

وزير الاقتصاد التونسي لـ«الشرق الأوسط»: ندفع ثمن الانتقال الديمقراطي

سمير سعيد وزير الاقتصاد والتخطيط التونسي (تصوير: عدنان مهدلي)
سمير سعيد وزير الاقتصاد والتخطيط التونسي (تصوير: عدنان مهدلي)

اعتبر وزير الاقتصاد التونسي سمير سعيد، أن بلاده تدفع «ثمن الانتقال الديمقراطي» منذ 2011، لكنه أكد «نجاح السيطرة على التضخم». 

وقال سعيد لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت ثورة الربيع العربي من تونس، لذلك تدفع تونس ثمن الانتقال الديمقراطي، وهو ما تسبب في ركود خلال الـ12 سنة الأخيرة، وهذا طبيعي في كل الثورات التي حصلت في العالم، ومع ذلك تونس محافظة على الاستقرار، بالإضافة إلى سلسلة الأزمات المتتالية التي أثّرت بشكل عميق على التوجهات المالية للدولة التونسية، ومنها صدمات خارجية وداخلية متمثلة في العمليات الإرهابية التي صارت في 2015 وأثرت بشكل مباشر على السياحة التي تعد قطاعاً جوهرياً، ثم جاءت أزمة (كوفيد-19)، وفي نفس الأسبوع الذي تغلبنا فيه على أزمة كوفيد اندلعت حرب أوكرانيا وروسيا، وإضافةً إلى هذا كله تغييرات المناخ التي تعصف بشمال أفريقيا، وهي أكثر المناطق المتضررة رغم عدم تسببها بذلك».

وحسب الوزير سعيد، فإن التضخم المالي كان له تأثير على النمو الاقتصادي، ولكن تونس نجحت في السيطرة على التضخم الذي وصلت ذروته 10.3 في المائة «وهو نفس التضخم الذي وصلت إليه أميركا وأوروبا، بينما تونس كان من 6 إلى 10 في المائة وبدأ في التراجع، في وقت ارتفع في كثير من الدول من 1 إلى 10 في المائة. كذلك المديونية العمومية ارتفعت في حدود 80 في المائة ولكن استطاعت الحكومة السيطرة عليها، والعجز في ميزانية الدولة التي تم التحكم فيها تدريجياً من خلال الإصلاحات التي تقوم بها الحكومة».

إصلاحات لاستعادة التوازن المالي

وأوضح وزير الاقتصاد والتخطيط أن الحكومة التونسية تعمل على كل المسارات الاقتصادية بالتوازي، كي تتمكن من استعادة التوازنات المالية في المدى المتوسط لخلق أفضل مناخ للاقتصاد التشاركي. وأضاف أن المخطط التنموي 2023-2025 الذي تم تصميمه في إطار رؤية استراتيجية 2035، يتضمن 6 محاور أساسية وإصلاحات ضرورية لإعادة استرجاع التوازنات المالية على المدى المتوسط. وتركزت الخطة التنموية على النهوض بالعنصر البشري والاقتصاد المعرفي والاقتصاد التنافسي والبيئة والعدالة الاجتماعية إضافةً إلى العدالة بين المناطق.

وبيّن سعيد أن الإصلاحات التي اقترحتها وزارته على صندوق النقد الدولي جاءت لمعالجة وضع الشركات العمومية وإعادة توجيه الدعم إلى مستحقيه في قطاع النفط والمواد الأساسية ومراجعة منظومة الضرائب كي تكون أكثر عدالة وإنصافاً، إضافة إلى وضع 185 إجراءً تحسينياً لمناخ الاستثمار بالتنسيق العميق مع القطاع الخاص.

وأوضح وزير الاقتصاد أنه رغم قلة الموارد المالية العمومية، أنجزت وزارته المخطط التنموي في 2025 الذي تمت فيه دراسة كل احتياجات البنية التحتية والاستثمار العمومي، كما أن جزءاً منه سيتم عبر شراكات القطاعين الخاص والعام لتخفيف العبء عن المالية العمومية، إضافةً إلى تعزيز تحسين مناخ الأعمال بالاستغناء عن عدد من التراخيص بلغ 69 ترخيصاً ما بين 2021 و2022 لتحريك المبادرة الاقتصادية للقطاع الخاص.

دور البنك الإسلامي

وحسب سعيد، فإن البنك الإسلامي للتنمية من الممولين الرئيسيين للبنية التحتية في تونس، مبيناً أنه تم اعتماد قرض بقيمة ملياري دولار، قُدِّم منه 1.1 مليار دولار لبناء السدود والمشاريع الخاصة بإنتاج الكهرباء والنقل الكهربائي ونقل الغاز الطبيعي والكثير من مشاريع التنمية الفلاحية المندمجة، لما لها من أهمية في الأمن الغذائي والتشغيل.

وأوضح سعيد أن الدول الواقعة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المنضوية تحت مجموعة البنك الإسلامي للتنمية بسبب الصدمات الخارجية التي أثّرت على توازنات الدول المالية، طلبت من بنك التنمية الإسلامي بشكل خاص، تمويلاً استثنائياً بقروض ميسّرة كي تضع آليات جديدة للتخفيف من أعباء خدمات الدين وتمكّن المدانين من الإبقاء على التزاماتهم في السداد. وذهب إلى أن هذه الدول طالبت في الاجتماعات السنوية التي أقامها البنك الإسلامي للتنمية مؤخراً، الدول الإسلامية والعربية والأفريقية بتعزيز التعامل الاقتصادي البينيّ للاستفادة من الخبرات وتحويل المعرفة وتكثيف العلاقة الاقتصادية والبحوث في المجالات ذات الحاجة المشتركة مثل الشح المائي، والتغيير المناخي، وتحلية المياه وإعادة استخدامها لمجابهة الشح المائي، لمعالجة مشكلات المنطقة واستغلال الثروة البشرية وإيقاف نزيف الأدمغة العربية.

تحديات اقتصادية

وعن الوضع الاقتصادي في تونس، قال سعيد: «هناك أزمات متتالية تمر على الدول النامية المستوردة للنفط والمواد الأساسية، والتي وجدت نفسها في وضعية غير مسبوقة من خلل في التوازنات المالية جراء ارتفاع أسعار المواد الأساسية والمواد النفطية، هذه المصاريف لم تكن في الحسبان وجاءت على حساب استثمارات تنموية واستثمارات لمجابهة المناخ وتبعياته من تأثيرات وعوامل طبيعية، والاستعداد لذلك باستثمارات ضخمة تحديداً في الشرق الأوسط ومنطقة شمال أفريقيا». وأشار إلى التحديات التي تواجه الاقتصاد التونسي والتي منها الاستثمارات في العنصر البشري في التعليم والصحة، والمصاريف الاجتماعية خصوصاً لذوي الدخل المحدود التي تأثرت بشكل كبير جداً بتبعيات «كوفيد-19» ثم الحرب الأوكرانية.


مقالات ذات صلة

الصين تُعطي الأولوية لأمن الطاقة والتفوق التكنولوجي في 2026

الاقتصاد رجل يمر أمام مقر البنك المركزي في وسط العاصمة الصينية بكين (رويترز)

الصين تُعطي الأولوية لأمن الطاقة والتفوق التكنولوجي في 2026

تعهدت القيادة الصينية العليا، يوم الثلاثاء، بتعزيز أمن الطاقة في البلاد مع السعي لتحقيق تنمية تكنولوجية سريعة واكتفاء ذاتي أكبر

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول (رويترز)

باول يودِّع رئاسة «الفيدرالي» متمسكاً بمقعد المحافظ

يستعد جيروم باول غداً (الأربعاء)، لاعتلاء منصة المؤتمر الصحافي في «الاحتياطي الفيدرالي» للمرة الأخيرة بصفته رئيساً في لحظة تاريخية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مشاة في أحد شوارع مدينة شنغهاي الصينية بينما تبدو خلفهم شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم (إ.ب.أ)

تذبذب في أسواق الصين بحثاً عن «اتجاه واضح»

استقرت الأسهم الصينية إلى حد كبير يوم الثلاثاء، بينما تراجعت أسهم هونغ كونغ وسط ترقب المستثمرين مزيداً من المحفزات، في ظل تفاؤل بشأن الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (بكين)
خاص العاصمة السعودية الرياض (واس)

خاص «الهروب إلى الاستقرار» ينعش عقارات السعودية

في وقت تعيد فيه الاضطرابات الجيوسياسية رسم خريطة الاستثمارات الإقليمية، برزت السعودية بوصفها «قلعة للاستقرار»، وملاذاً آمناً لرؤوس الأموال.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
الاقتصاد أوراق نقدية من اليوان  والروبل وسط أعلام الصين وروسيا (رويترز)

لتأمين السيولة… المركزي الروسي يفرض احتياطيات إلزامية باليوان

دعت محافظة البنك المركزي الروسي، إلفيرا نابيولينا، يوم الثلاثاء، إلى إلزام البنوك التجارية بالاحتفاظ باحتياطيات من اليوان.

«الشرق الأوسط» (موسكو )

الصين تُعطي الأولوية لأمن الطاقة والتفوق التكنولوجي في 2026

رجل يمر أمام مقر البنك المركزي في وسط العاصمة الصينية بكين (رويترز)
رجل يمر أمام مقر البنك المركزي في وسط العاصمة الصينية بكين (رويترز)
TT

الصين تُعطي الأولوية لأمن الطاقة والتفوق التكنولوجي في 2026

رجل يمر أمام مقر البنك المركزي في وسط العاصمة الصينية بكين (رويترز)
رجل يمر أمام مقر البنك المركزي في وسط العاصمة الصينية بكين (رويترز)

تعهدت القيادة الصينية العليا، يوم الثلاثاء، بتعزيز أمن الطاقة في البلاد مع السعي لتحقيق تنمية تكنولوجية سريعة واكتفاء ذاتي أكبر، في ظل تأثر الاقتصاد بالحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

ونما ثاني أكبر اقتصاد في العالم بنسبة 5.0 في المائة في الربع الأول، وهو أعلى مستوى من النطاق المستهدف للعام بأكمله، الذي يتراوح بين 4.5 و5.0 في المائة، مما يُظهر مرونة أكبر من كثير من الدول الأخرى في مواجهة الصراع، ويعود الفضل في ذلك جزئياً إلى وفرة احتياطيات النفط وتنوع مصادر الطاقة.

ومع ذلك، يُهدد ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الخام بزيادة تكاليف الإنتاج وتقليص هوامش الربح الضئيلة أصلاً في المصانع التي تُوظف مئات الملايين من الأشخاص. كما أن تذبذب الاقتصاد العالمي قد يُبطئ الطلب على الصادرات الصينية.

• الاستجابة للصدمات

نقلت وكالة أنباء «شينخوا» الرسمية عن المكتب السياسي؛ وهو أعلى هيئة لصنع القرار في الحزب الشيوعي الحاكم، قوله إن الاقتصاد بدأ هذا العام بدايةً أفضل من المتوقع. لكنه أضاف: «تجب علينا الاستجابة بشكل منهجي للصدمات والتحديات الخارجية، وتحسين مستويات ضمان أمن موارد الطاقة، ومواجهة مختلف حالات عدم اليقين بثقة التنمية عالية الجودة».

وتشير عبارة «التنمية عالية الجودة» إلى السعي لتحقيق التقدم العلمي والتكنولوجي، بهدف الارتقاء بالصين على سلم القيمة المضافة.

وقال تشيوي تشانغ، كبير الاقتصاديين في شركة «بينبوينت» لإدارة الأصول، إن بيان الاجتماع «يُظهر أن الحكومة تُدرك الصعوبات والتحديات التي يواجهها الاقتصاد». ومن المرجح أن يتباطأ الزخم الاقتصادي في الربع الثاني من العام، بسبب عدم استقرار البيئة الخارجية وارتفاع أسعار الطاقة.

وأكد المكتب السياسي الصيني ضرورة تسريع بناء نظام صناعي حديث، وتعزيز تبني الذكاء الاصطناعي في مختلف قطاعات الاقتصاد، والسعي إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي العلمي والتكنولوجي، فضلاً عن تعزيز السيطرة على سلاسل التوريد.

وفي خريطة الطريق الخمسية الأخيرة التي أُعلن عنها في مارس (آذار)، حددت الصين الهيمنة التكنولوجية وسلاسل التوريد المحلية أهدافاً أساسية للأمن القومي، مما خيّب آمال من دعوا بكين إلى إعادة توجيه اقتصادها نحو الاستهلاك، والمساهمة بشكل أكبر في الطلب العالمي.

وتماشياً مع وثائق السياسة السابقة، أشار المكتب السياسي أيضاً إلى ضرورة تعزيز الاستهلاك، ودعم استقرار قطاع العقارات المتعثر، وحماية سوق العمل، والحد من فائض الطاقة الإنتاجية الصناعية، وهي سياسات من شأنها الحد من اختلالات العرض والطلب العميقة في الاقتصاد.

لكن هذه النقاط ذُكرت في مرتبة متأخرة من البيان، مما يوحي بأن بكين تُعطي الأولوية للهيمنة الصناعية والتكنولوجية على حساب أهداف السياسة الأخرى.

وقال ماركو صن، كبير محللي الأسواق المالية في بنك «إم يو إف جي»: «لا يزال المكتب السياسي ملتزماً بالتنمية عالية الجودة، والاستخدام الأمثل للموارد المحلية لتحقيق نمو تكنولوجي متقدم».

• الحوافز الاقتصادية

يقول المحللون إن وفرة احتياطيات النفط، والاستخدام المكثف للفحم، والانتشار الواسع للطاقة الشمسية وطاقة الرياح والمركبات الكهربائية، منحت الصين فرصاً أفضل لتجاوز تداعيات إغلاق مضيق هرمز، مقارنةً بكثير من الاقتصادات الأوروبية والآسيوية.

لكن الصين ليست بمنأى عن تداعيات النزاع. ونمت الشحنات بنسبة 2.5 في المائة فقط الشهر الماضي، متراجعةً بشكل حاد من 21.8 في المائة في الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى فبراير (شباط). وظهرت ارتفاع تكاليف المدخلات في بيانات التضخم لشهر مارس (آذار)، حيث ارتفعت أسعار المصانع من الانكماش لأول مرة منذ أكثر من 3 سنوات، دون أي مؤشر على انتعاش الاستهلاك.

وأكد المكتب السياسي الصيني مجدداً على موقف الصين المالي «الاستباقي» وسياستها النقدية «الميسرة بشكل مناسب»، وهي لغة مماثلة لتلك المستخدمة في اجتماعاته السابقة، مما يشير إلى عدم وجود خطط تحفيزية إضافية وشيكة... لكنّ المحللين لم يستبعدوا مزيداً من التيسير المالي أو النقدي لاحقاً، إذا تفاقمت آثار الحرب الإيرانية. وقال تشانغ من شركة «بينبوينت»: «إذا تحول نمو الصادرات إلى سلبي، أتوقع مزيداً من الدعم السياسي من الحكومة».


باول يودِّع رئاسة «الفيدرالي» متمسكاً بمقعد المحافظ

رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول (رويترز)
رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول (رويترز)
TT

باول يودِّع رئاسة «الفيدرالي» متمسكاً بمقعد المحافظ

رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول (رويترز)
رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول (رويترز)

يستعد جيروم باول غداً (الأربعاء)، لاعتلاء منصة المؤتمر الصحافي في «الاحتياطي الفيدرالي» للمرة الأخيرة بصفته رئيساً في لحظة تاريخية تطوي صفحة واحدة من أكثر الفترات النقدية اضطراباً. ومع اقتراب موعد انتهاء ولايته الرسمية في 15 مايو (أيار) المقبل، تبرز إلى الواجهة استراتيجية «البقاء» التي ينتهجها باول؛ حيث يخطط للاستمرار كـ«محافظ» داخل المجلس حتى عام 2028، في خطوة فسَّرها مراقبون بأنها محاولة لتحصين المؤسسة ضد مشروع «الانقلاب النقدي» الذي يقوده خلفه المرتقب كيفين وارش.

على الرغم من قرار وزارة العدل الأميركية الأخير بإغلاق التحقيق الجنائي في قضية «تجاوز تكاليف ترميم مقر الفيدرالي» وإحالتها إلى المفتش العام للبنك، فإن باول لا يزال يربط رحيله بـ«الشفافية والنهائية التامة» للتحقيق. وتعود جذور القضية إلى اتهامات حول تضليل الكونغرس بشأن تكاليف التجديدات التي قفزت من 1.9 مليار دولار في 2021 إلى نحو 2.5 مليار دولار حالياً.

وبينما كانت التحقيقات الجنائية تعوق تأكيد تعيين خلفه كيفين وارش بسبب «فيتو» من السيناتور الجمهوري توم تيليس، أدى قرار المدعية العامة جينين بيرو، إحالة الملف إلى الرقابة الداخلية إلى فك العقدة السياسية مؤقتاً. ومع ذلك، يرى محللون أن باول يرفض الخروج من «الباب الضيق»، مفضلاً البقاء في موقعه بصفة محافظ حتى يتأكد من تبرئة ساحته تماماً من انتقادات ترمب، الذي صعّد من لهجته واصفاً المشروع بالهدر المالي الصارخ، ومتعهداً بـ«الوصول إلى حقيقة الأمر».

رجل يمر أمام مبنى الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

صدام الرؤى

لا تتوقف المعركة عند الجانب القانوني، بل تمتد إلى فلسفة إدارة السياسة النقدية؛ حيث أعلن كيفين وارش صراحةً عن سعيه لإحداث «تغيير في النظام».

وبينما أرسى باول قواعد الشفافية المطلقة والتواصل الدائم مع الأسواق، يتبنى وارش نهجاً مغايراً يدعو فيه إلى:

• تقليص الظهور الإعلامي: الحد من تصريحات أعضاء «الاحتياطي الفيدرالي» لمنع تذبذب الأسواق.

• الغموض الاستراتيجي: تقنين «التوجيهات المستقبلية» لترك مساحة أكبر للمناورة قبل الاجتماعات.

• مصير المؤتمرات الصحافية: عدم الالتزام بعقد مؤتمر صحافي دوري، وهو العُرف الذي يعده المستثمرون اليوم «بوصلة الأسواق العالمية».

الاستمرارية المؤسسية وثقل موازن

في هذا السياق، يرى غريغوري داكو، كبير الاقتصاديين في «إرنست يونغ»، أن بقاء باول في المجلس سيعمل كـ«ثقل موازن» يضمن الاستمرارية المؤسسية ويمنع تحول البنك إلى أداة أكثر «مركزية وتسييساً» تحت إدارة وارش.

هذا الموقف يعيد للأذهان تجربة تاريخية نادرة بطلها مارينر إيكلز (1948-1951)، الذي بقي محافظاً بعد انتهاء رئاسته ليحمي استقلالية البنك في مواجهة ضغوط الخزانة الأميركية لتمويل ديون الحرب العالمية الثانية، وهي المواجهة التي انتهت بـ«اتفاق 1951» الشهير الذي كرس انفصال القرار النقدي عن الرغبات السياسية للحكومة.

بينما يترقب المستثمرون نبرة باول في اجتماع الغد، يظل السؤال المعلق: هل سيكون «خيار البقاء» كافياً لتهدئة مخاوف الأسواق من تحولات «عصر وارش» القادم؟ إن تقرير المفتش العام المرتقب، ومصير استئناف وزارة العدل، سيحددان ما إذا كان باول سيغادر بسلام، أم سيظل «حارساً» للمعبد النقدي ضد رياح التغيير العاصفة القادمة من البيت الأبيض، ليؤكد أن استقلالية «الاحتياطي الفيدرالي» معركة إرادات تُخاض حتى اللحظة الأخيرة.


تذبذب في أسواق الصين بحثاً عن «اتجاه واضح»

مشاة في أحد شوارع مدينة شنغهاي الصينية بينما تبدو خلفهم شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم (إ.ب.أ)
مشاة في أحد شوارع مدينة شنغهاي الصينية بينما تبدو خلفهم شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم (إ.ب.أ)
TT

تذبذب في أسواق الصين بحثاً عن «اتجاه واضح»

مشاة في أحد شوارع مدينة شنغهاي الصينية بينما تبدو خلفهم شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم (إ.ب.أ)
مشاة في أحد شوارع مدينة شنغهاي الصينية بينما تبدو خلفهم شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم (إ.ب.أ)

استقرت الأسهم الصينية إلى حد كبير يوم الثلاثاء، بينما تراجعت أسهم هونغ كونغ وسط ترقب المستثمرين مزيداً من المحفزات في ظل تفاؤل بشأن الذكاء الاصطناعي.

وعند استراحة منتصف النهار، ارتفع مؤشر «سي إس آي 300» الصيني للأسهم القيادية بنسبة 0.06 في المائة، بينما انخفض مؤشر «شنغهاي» المركب 0.07 في المائة، وانخفض مؤشر «هانغ سينغ» في هونغ كونغ 0.67 في المائة. وتراجعت أسهم شركة «كاتل»، الرائدة في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية، في هونغ كونغ بنسبة 6.9 في المائة بعد أن أكملت الشركة طرحاً خاصاً للأسهم يوم الثلاثاء لجمع 5 مليارات دولار. وبيعت الأسهم بخصم 7 في المائة عن سعر إغلاق يوم الاثنين.

وقال المحللون إن المستثمرين يتبنون نهج الترقب والانتظار؛ إذ يدرسون سلسلة من تقارير أرباح الربع الأول لشركات التكنولوجيا الصينية، بالإضافة إلى اتخاذ مراكز استثمارية محدودة قبل عطلة عيد العمال التي تستمر 5 أيام وتبدأ في 1 مايو (أيار) المقبل. وأشار محللو شركة «نانهوا فيوتشرز» في مذكرة إلى أن تركيز السوق تحول من تعافي السيولة إلى الأرباح. وأضافت شركة «بوفا سيكيوريتيز» في مذكرة يوم الثلاثاء: «لم يُسفر تبني الصين الذكاء الاصطناعي بعدُ عن تأثير ملموس على الوظائف أو الأرباح». وأوضحوا أن هذا يفسر سبب تخلف انتعاش قطاع التكنولوجيا الصيني عن نظرائه في آسيا والولايات المتحدة. وخسرت أسهم شركات الإنترنت الصينية الكبرى المدرجة في بورصة هونغ كونغ 1.2 في المائة بحلول منتصف النهار. وانخفض هذا القطاع الفرعي بأكثر من 10 في المائة حتى الآن هذا العام. ويُضاف إلى العوامل التي تُؤثر سلباً على المعنويات، أمر الصين شركةَ التكنولوجيا الأميركية العملاقة «ميتا» بالتراجع عن استحواذها على شركة «مانوس» الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي؛ مما يُثير مخاوف بشأن تشديد بكين قبضتها على المواهب والتكنولوجيا الصينية في مجال الذكاء الاصطناعي.

وفي الصين، قادت أسهم البرمجيات والدفاع الانخفاض، بينما تفوق أداء قطاع العقارات. وانخفض مؤشر «شنتشن» الأصغر بنسبة 0.54 في المائة، وتراجع مؤشر «تشينيكست» المركب للشركات الناشئة 0.54 في المائة، وانخفض مؤشر «ستار 50» التكنولوجي في شنغهاي 0.22 في المائة.

* استقرار اليوان

في غضون ذلك، تُدوول اليوان الصيني ضمن نطاق ضيق مقابل الدولار يوم الثلاثاء، حيث ركز المتداولون على اجتماع «مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي)» المرتقب هذا الأسبوع بحثاً عن مؤشرات بشأن مسار سياسة أسعار الفائدة.

كما أسهم انخفاض سعر الفائدة المتوسط في الحد من ارتفاع قيمة اليوان. وبحلول الساعة الـ03:00 بتوقيت غرينتش، انخفض سعر اليوان الفوري بنسبة 0.04 في المائة إلى 6.8305 مقابل الدولار، بعد أن تراوح بين 6.8270 و6.8313 يوان للدولار. وقبل افتتاح السوق، حدد «بنك الشعب (المركزي الصيني)» سعر الفائدة المتوسط عند 6.8589 للدولار، مقابل 6.8579 في الجلسة السابقة، أي أقل بـ307 نقاط من تقديرات «رويترز».

ويُسمح لليوان الفوري بالتداول بنسبة اثنين في المائة أعلى أو أسفل نقطة المنتصف الثابتة يومياً.

ويجتمع صناع السياسة النقدية في «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» بواشنطن هذا الأسبوع في اجتماع قد يكون الأخير لجيروم باول رئيساً لـ«المجلس»، حيث من المقرر اتخاذ قرار بشأن أسعار الفائدة يوم الأربعاء. وبينما تتوقع الأسواق أن يُبقي «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة دون تغيير، فإنها تنتظر إشارة أوضح من لهجته بشأن مسار أسعار الفائدة بعد تنحيه عن منصبه.

وأشار محللون في شركة «هواتاي فيوتشرز» في مذكرة إلى أن حالة عدم اليقين بشأن سياسة أسعار الفائدة الأميركية، إلى جانب المخاطر الجيوسياسية، قد دعمتا الدولار مؤقتاً. وأضافوا أنه على الرغم من تراجع طفيف، فإن توجيهات الصين بشأن تثبيت اليوان «ظلت قوية بشكل عام»، مدفوعةً بمرونة الصادرات. وارتفع اليوان بنسبة 1.0 في المائة مقابل الدولار هذا الشهر، وبنسبة 2.4 في المائة هذا العام. وقال محللون إنه من المرجح أن يستمر اليوان في التفوق على العملات الآسيوية الأخرى؛ لأنه برز بوصفه فائزاً نسبياً في أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية. وقالت جوانا تشوا، الخبيرة الاقتصادية في «سيتي»، إن الحدث الرئيسي التالي الذي تجب مراقبته هو القمة الرئاسية الأميركية - الصينية في مايو المقبل. ويعتقد «البنك» أن المخاطر في العلاقات الأميركية - الصينية ستبقى تحت السيطرة، ويتوقع أن يصل اليوان إلى 6.8 مقابل الدولار خلال 3 أشهر، و6.7 خلال ما بين 6 أشهر و12 شهراً.

وبلغ سعر صرف اليوان في السوق الخارجية 6.8312 يوان للدولار، بانخفاض قدره نحو 0.08 في المائة خلال التداولات الآسيوية.