6.7 مليون مصوت بالداخل والخارج ينتظرون «ساعة الصفر» في فنزويلا

الاستفتاء نظمته المعارضة ضد مشروع الرئيس مادورو لإنشاء جمعية تأسيسية

خوليو بورخيس زعيم البرلمان الذي يسيطر عليه المعارضة في فنزويلا يتحدث عقب تصويت نظمته المعارضة لقياس التأييد لخطة الرئيس نيكولا مادورو (رويترز)
خوليو بورخيس زعيم البرلمان الذي يسيطر عليه المعارضة في فنزويلا يتحدث عقب تصويت نظمته المعارضة لقياس التأييد لخطة الرئيس نيكولا مادورو (رويترز)
TT

6.7 مليون مصوت بالداخل والخارج ينتظرون «ساعة الصفر» في فنزويلا

خوليو بورخيس زعيم البرلمان الذي يسيطر عليه المعارضة في فنزويلا يتحدث عقب تصويت نظمته المعارضة لقياس التأييد لخطة الرئيس نيكولا مادورو (رويترز)
خوليو بورخيس زعيم البرلمان الذي يسيطر عليه المعارضة في فنزويلا يتحدث عقب تصويت نظمته المعارضة لقياس التأييد لخطة الرئيس نيكولا مادورو (رويترز)

شارك أكثر من 7.1 مليون فنزويلي أمس (الأحد) في الاستفتاء الرمزي الذي نظمته المعارضة ضد مشروع الرئيس نيكولاس مادورو لإنشاء جمعية تأسيسية، حسبما أعلن عمداء جامعات يشرفون على التنظيم وذلك بعد فرز 95 في المائة من الأصوات.
وصرحت سيسيليا غارسيا أروتشا عميدة الجامعة المركزية في فنزويلا أن البلاد «وجهت رسالة واضحة إلى السلطة التنفيذية وإلى العالم»، موضحة أن 6,492,381 شخصاً صوتوا في البلاد و693,789 ألفاً في الخارج.
ويهدف الاستفتاء الذي يقدم على أنه «عصيان مدني» ويجري من دون موافقة السلطات، إلى التعبير عن رفض الفنزويليين لمشروع الجمعية التأسيسية، حسب ما تقول المعارضة الممثلة في تحالف «طاولة الوحدة الديمقراطية».
وقالت مونيكا رودريغيز وقد بدا عليها الفرح بعدما صوتت الأحد في الاستفتاء الشعبي الرمزي الذي نظمته المعارضة ضد الرئيس نيكولاس مادورو ومشروعه تعديل الدستور: «أشعر كما لو أنني من القادة المحررين!».
ومن الولايات المتحدة إلى إسبانيا مرورا بكولومبيا والمكسيك، شارك عشرات الآلاف من الفنزويليين في أكثر من 500 مدينة في العالم في هذا «العصيان المدني» على حد قول المعارضة لتيار الرئيس الراحل هوغو تشافيز الذي حكم البلاد من 1999 حتى وفاته في 2013.
ففي فلوريدا، تابعت هذه السيدة البالغة من العمر 44 عاما وتعمل في التجارة، سيرها وسط الحشد وهي تدفع عربتها أمام أحد سبعة مراكز للتصويت في المنطقة التي تقيم فيها أكبر جالية فنزويلية في العالم.
واصطف الناخبون الذي وضعوا قبعات بلون العلم الفنزويلي ورفعوا إعلاما لبلدهم وهم يرددون النشيد الوطني أو يهتفون «حرية! حرية!». وقد بكى بعضهم وهم يضعون بطاقات التصويت في صندوق الاقتراع الذي يجري بلا موافقة السلطات ولا طابع ملزما له.
وقالت روزا تيخيرو دي رينا وي في الستين من العمر غادرت بلدها في 2010 لوكالة الصحافة الفرنسية: «هذه ليست انتخابات بل إعلان وهم (معسكر الرئيس) ينظرون إلينا».
وأشار خوسيه إيرنانديز مدير لجنة الفنزويليين في الخارج المرتبطة بتحالف المعارضة «طاولة الوحدة الديمقراطية» والمكلفة تنظيم التصويت: «نحن الفنزويليين أكثر بكثير مما تمثله الحكومة». وأضاف: «إنه جهد هائل وكل المدن تعاونت فيه»، مشيرا إلى أن «مشاركة الفنزويليين كانت رائعة».
وتفيد التقديرات أنه في جنوب فلوريدا وحده يفترض أن يكون هناك أكثر من مائة ألف مقترع، وهو رقم «أكبر من السجل الانتخابي للفنزويليين في الخارج للمجلس الانتخابي الوطني».
ويعيش نحو 273 ألف فنزويلي في الولايات المتحدة، حسب إحصاء 2015.
وستكون مهمة الجمعية التأسيسية التي سينتخب أعضاؤها البالغ عددهم 545، تعديل الدستور الحالي لضمان «السلم والاستقرار الاقتصادي» في فنزويلا، على حد قول مادورو.
وترفض المعارضة بشكل قاطع هذا التعديل الدستوري الذي ترى فيه وسيلة لبقاء الحكومة في السلطة عبر الالتفاف على البرلمان الذي تشكل فيه المعارضة أغلبية منذ 2016.
وفي لوس أنجليس، يرى الممثل الفنزويلي إدغار راميريز أنه «حان وقت الاحتجاج على كل ما خسرناه على جبهة المظاهرات وكل الذين ماتوا بسبب الاستهتار وغياب الأمن وغياب القيادة والشفافية في فنزويلا».
في إسبانيا حيث يقيم نحو سبعين ألف فنزويلي، فتحت مراكز اقتراع في مدريد وبرشلونة ومدن أخرى.
وقالت ماريا ديل بيريز (60 عاما) التي كانت تنتظر دورها تحت شمس مدريد الحارقة وهي ترفع علم فنزويلا «أريد أن يتمكن كل العالم من أن يرى أن ملايين الفنزويليين لا يدعمون نظام مادورو ويريدون العيش بسلام وديمقراطية».
وفي شتاء الأرجنتين البارد، اصطف مئات الأشخاص أمام خمسة مراكز للتصويت في بوينس آيرس. وأقيم 18 مركزا في جميع أنحاء الأرجنتين.
وبين 14 مركزا في البرازيل، صوت نحو 900 ناخب في مركز في ساو بولو.
وسجلت تحركات مماثلة في المكسيك وكولومبيا وتشيلي حيث ارتفع عدد المهاجرين الفنزويليين في السنوات الأخيرة.
ونشرت المفوضية السامية للاجئين التابعة للأمم المتحدة الجمعة أرقاما تتعلق بطلبات اللجوء التي تقدم بها فنزويليون. وقد بلغ عدد هؤلاء 52 ألف فنزويلي منذ يناير (كانون الثاني) أي أكثر من ضعف عددهم العام الماضي.
وقال مدير مطعم «أريبا فاكتوري» في شمال العاصمة المكسيكية لوكالة الصحافة الفرنسية: «كل ما نريده هو فنزويلا حرة. نظمنا كل ذلك لأننا لا نريد أن يبقى إخوتنا جائعين ويعانون من العنف».
من جهة أخرى، قالت المعارضة في فنزويلا إن عصابات مسلحة تسعى لتعطيل التصويت في ضاحية بكاراكاس قتلت بالرصاص «على ما يبدو» شخصين وأصابت أربعة آخرين خلال الاستفتاء.
وقال كارلوس أوكاريز متحدثا نيابة عن تحالف الوحدة الديمقراطي المعارض إن مسلحين «شبه عسكريين» ظهروا خلال الظهيرة في حي كاتيا في كاراكاس حيث كان آلاف الأشخاص يشاركون في استفتاء المعارضة.
وأضاف للصحافيين «هناك شخصان لقيا حتفهما فيما يبدو».
وتبحث المعارضة في فنزويلا اليوم (الاثنين) كيفية تصعيد الاحتجاجات ومنع تشكيل هيئة تشريعية جديدة تخشى أن تكرس هيمنة الحزب الاشتراكي، وذلك بعد أن اكتسبت زخما نتيجة للتصويت بأغلبية كبيرة ضد الرئيس اليساري نيكولاس مادورو في استفتاء شعبي غير رسمي.
وبعد شهور من مسيرات الشوارع التي سقط فيها قرابة مائة شخص أقنع ائتلاف الاتحاد الديمقراطي الملايين بالنزول إلى الشوارع أمس للمشاركة في استفتاء غير رسمي بهدف نزع الشرعية عن زعيم يصفه بأنه ديكتاتور.
ويعد زعماء المعارضة الآن «بساعة الصفر» في فنزويلا للمطالبة بانتخابات عامة وإحباط خطة مادورو لتشكيل هيئة تشريعية جديدة مثيرة للجدل تعرف باسم الجمعية التأسيسية في انتخابات مقررة يوم 30 يوليو (تموز).
وقد تشمل أساليب المعارضة إغلاق الطرق لفترات طويلة وتنظيم اعتصامات وإضراب العام أو ربما مسيرة إلى قصر ميرافلوريس الرئاسي على غرار ما حدث قبل انقلاب لم يدم طويلا ضد الرئيس الراحل هوجو تشافيز عام 2002.
وقال جوليو بورجيس رئيس البرلمان الذي تسيطر عليها المعارضة بعد منتصف الليل بقليل عندما أعلنت نتائج الاستفتاء «اليوم تقف فنزويلا بكرامة لقول إن الحرية لا تسير إلى الخلف وإن الديمقراطية غير قابلة للتفاوض. لا نريد جمعية تأسيسية مزيفة مفروضة علينا. لا نريد أن نكون كوبا. لا نريد أن نكون دولة بلا حرية».
ووصف مادورو الذي تنتهي فترته الرئاسية مطلع 2019 استفتاء المعارضة بأنه تدريب داخلي تجريه ولا يؤثر على حكومته.
وأضاف في رسالة وجهها للمعارضة أمس الأحد «لا تفقدوا صوابكم واهدأوا». وتعهد بأن تجلب الجمعية التأسيسية التي ستتشكل السلام للبلد الذي يعيش فيه 30 مليون شخص.
وفاز مادورو (54 عاما) الذي عمل سائق حافلات وتولى منصب وزير الخارجية لفترة طويلة في ظل حكم تشافيز بالانتخابات عام 2013 لكن نسب شعبيته تهاوت إلى ما يتجاوز 20 في المائة بقليل خلال أزمة اقتصادية طاحنة في البلد العضو بمنظمة أوبك.
ويعارض معظم مواطني فنزويلا الجمعية التأسيسية التي ستملك سلطة إعادة كتابة الدستور وحل الهيئة التشريعية الحالية التي تقودها المعارضة لكن مادورو يعتزم إجراء التصويت في غضون أسبوعين.
وقال أكاديميون راقبوا استفتاء المعارضة إن أنصارها صوتوا بأغلبية 98 في المائة لرفض الجمعية الجديدة وحث الجيش على الدفاع عن الدستور الحالي ودعم إجراء انتخابات قبل انتهاء فترة مادورو.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...