مرض السكري... حقائق مقلقة عن مستقبل المرض عالمياً

«السكري يحتاج وقفة أهل»... ورشة عمل طبية سعودية

مرض السكري... حقائق مقلقة عن مستقبل المرض عالمياً
TT

مرض السكري... حقائق مقلقة عن مستقبل المرض عالمياً

مرض السكري... حقائق مقلقة عن مستقبل المرض عالمياً

تشير تقارير الاتحاد الفيدرالي الدولي للسكري إلى أن هناك نحو 382 مليون شخص مصاب بداء السكَّري في العالم، ويعيش 316 مليوناً آخرون مع اضطراب تحمُّل الغلوكوز وهم في عرضة لتطوُّره إلى داء السكري من النوع الثاني، وسوف يصل العدد إلى 592 مليوناً بحلول عام 2035. ويعيش 80 في المائة من العدد الكلي للمصابين في البلدان ذات الدخل المادي المنخفض والمتوسط. ومع وجود 175 مليون حالة غير مشخَّصة في الوقت الحاضر، فإن عدداً كبيراً من المصابين بداء السكَّري يتقدمون نحو مرحلة المضاعفات من غير أن يكونوا مدركين ذلك.
وتتوقع منظمة الصحة العالمية في تقاريرها أن يصبح مرض السكري سابع مسبب للوفاة الرئيسية في العالم بحلول عام 2030، كما تتوقع ارتفاع مجموع الوفيات الناجمة عن السكري بأكثر من 50 في المائة في السنوات العشر المقبلة، حيث يموت شخص حالياً كل 6 ثوانٍ بسبب داء السكري.
*إقليمياً ومحلياً
تعتبر المملكة والكويت وقطر من بين 10 دول ذات معدل الانتشار الأعلى لداء السكري. ويعزى ذلك إلى التغييرات الاجتماعية والاقتصادية في دول الخليج التي أدت إلى التغيرات السلبية في نمط الحياة مثل نقص النشاط البدني، مما أدى إلى زيادة انتشار السمنة، وبالتالي زيادة خطر الإصابة بالمرض التي تجاوزت 10 في المائة في كثير من دول المجلس، مما يعني أن المجتمع الخليجي أصبح مصاباً أو سيصاب بالسكري بنسبة تزيد على 20 في المائة، وهي نسبة مرتفعة جداً إذا ما قورنت بالدول الأخرى.
* ورشة عمل
وتعتبر السعودية من ضمن العشرة الأوائل في دول العالم التي ينتشر فيها هذا المرض، حيث تحتل المركز السابع بوجود ما يقرب من 4 ملايين شخص مصاب يمثلون نحو 24 في المائة من الفئة العمرية بين 20 و79 سنة، إضافة إلى أكثر من مليون ونصف المليون مصاب من غير تشخيص، ويموت بسبب السكري ومضاعفاته أكثر من 22 ألفاً سنوياً.
«السكري يحتاج وقفة أهل»، هو عنوان ورشة عمل متخصصة، انطلقت فعالياتها في مدينة جدة يوم 20 يونيو (حزيران) الحالي تجاوباً مع الحقائق والأرقام الواردة أعلاه. افتتح الورشة الدكتور محمد حسن باجبير، مساعد مدير الشؤون الصحية للخدمات الطبية المساعدة بصحة جدة نيابة عن وكيل وزارة الصحة للخدمات العلاجية، الدكتور طريف الأعمى. شارك في البرنامج العلمي نخبة من الأطباء المتخصصين والاستشاريين. تم تسليط الضوء في ورشة العمل على أهمية الدور النفسي والمعنوي الذي يمكن أن تلعبه الأسرة والمجتمع في التخفيف على مريض السكري ومساعدته في تجاوز مراحل العلاج والتعايش مع المرض بطريقة صحية وسليمة.
* طفل السكري في المدرسة
تحدث في الندوة الدكتور عبد العزيز عبد الله التويم، استشاري أمراض غدد وسكري الأطفال في مدينة الملك عبد العزيز الطبية للحرس الوطني بجدة نائب رئيس الجمعية السعودية لطب الأطفال، عن أهم المشكلات التي قد تواجه أطفال السكري في المدارس، حيث تصل الإصابة بالسكري من النوع الأول بين الأطفال السعوديين إلى نسبة 4 في المائة من مجموع نسبة مرضى السكري، إضافة إلى أن نحو 35.5 في المائة من أطفال المملكة يعانون من السمنة التي ترفع بدورها نسبة الإصابة بالسكري.
ومن أهم تلك المشكلات انخفاض مستوى السكر أثناء الدراسة، وارتفاع مستوى السكر في الدم، وعدم الرغبة في المشاركة في التمارين الرياضية، والشعور بالإحباط والمصاعب النفسية.
وأضاف أن انخفاض سكر الدم حالة طارئة، تحدث بسبب عدم تناول الوجبة أو تأخيرها، زيادة في التمارين الرياضية أو بسبب زيادة في جرعة الإنسولين (خطأ). وأهم الأعراض الشعور بالجوع، وتصبب العرق، والشحوب، والدوار (الدوخة) والإغماء. وإذا لوحظ على الطفل المصاب بالسكري أي تصرف غريب يجب إعطاؤه طعاماً حلواً على الفور كعصير الفاكهة أو الحلوى أو التمر. وإذا لم يتوفر تحليل السكر بالجهاز وكان هناك شك هل السكر مرتفع أم منخفض تجب المعالجة على أن لدى الطفل انخفاضاً، لأن انخفاض السكر أخطر من ارتفاعه، وقد يؤدي (إذا لم يعالج بسرعة) إلى تشنجات أو غيبوبة أو موت.
وحول التأثير النفسي للسكري على الأطفال والعائلة، أفاد د. التويم بأن بعض المدارس تحاول وضع العراقيل نحو عدم قبول طفل السكري في المدرسة خوفاً من تحمل المسؤولية وهذا خطأ. ومن جانب آخر، هناك كثير من الأهالي يقومون بإخراج الطفل من المدرسة عند اكتشاف إصابته بالسكري، ومنهم من يؤخر التحاقه بالمدرسة، وهذا أيضاً خطأ، بسبب القلق من انخفاض مستوى السكر أثناء الدراسة وصعوبة متابعة علاج وتحاليل السكري، وقد تتأثر العلاقة الاجتماعية والزوجية بين الأب والأم، بسبب إصابة الطفل بالسكري.
* غذاء صحي متوازن
كما تحدث في الندوة الدكتور خالد بن علي المدني، استشاري التغذية العلاجية ونائب رئيس الجمعية السعودية للغذاء والتغذية حول التغيرات التي طرأت على نمط الحياة، ونصح بالآتي:
- تجنب الدهون غير المشبعة، وتشمل الأطعمة التي تحتوي على الدهون المتحولة، وبعض الخضراوات، ورقائق البسكويت والكعك، والأطعمة الخفيفة المعلبة.
- أن تكون الدهون المشبعة أقل من 7 في المائة من إجمالي السعرات الحرارية.
- أن تصل الدهون غير المشبعة إلى 10 في المائة، والدهون الأحادية غير المشبعة إلى 20 في المائة من إجمالي السعرات الحرارية.
- أن يكون إجمالي الدهون من 25 إلى 35 في المائة، والكربوهيدرات من 50 إلى 60 في المائة، والبروتين 15 في المائة تقريباً من إجمالي السعرات الحرارية، والألياف من 20 إلى 30 غراماً يومياً.
- أن يظل الكولسترول أقل من 200 ملغم/ يوم.
كما تحدث في الندوة أيضاً الدكتور عبد الوهاب أحمد باوهاب استشاري الأمراض الباطنة وأمراض الغدد الصم والاستقلاب رئيس وحدة الغدد الصم والاستقلاب بمستشفى الملك فهد العام بجدة، مؤكداً أن داء السكري يرتبط ويتزامن، في الغالب، مع أمراض أخرى تضاعف من مخاطره مثل ارتفاع ضغط الدم، وفرط الكولسترول والدهون والسمنة والمضاعفات التي تشمل الفشل الكلوي، والسكتة القلبية والدماغية والقدم السكري واعتلال شبكية العين السكري، «فإنه بذلك يشكل أعباء اقتصادية واجتماعية ونفسية على جميع دول العالم».
ويقدر عبء داء السكَّري بـ548 مليار دولار نفقات صحية في عام 2013، وهي تمثل 11 في المائة من الإنفاق العالمي الكلي. ويتوقع أن ترتفع إلى 627 مليار دولار عام 2035.
وبالنسبة للإنفاق الصحي الناتج عن داء السكَّري بدول الخليج، فتشير تقديرات عام 2013 إلى أنها كانت على الترتيب التالي: السعودية 23.87 في المائة، الكويت 23.09 في المائة، قطر 22.87 في المائة، البحرين 21.84 في المائة ثم الإمارات 18.98 في المائة. وفقاً لأطلس السكري السادس (IDF Diabetes Atlas. 6th Edition 2013).
أما عن السعودية، فقد صرح وزير الصحة السعودي العام الماضي 1437هـ بأن أمراض السمنة والسكري تهدد اقتصادات الخليج والعالم (الشرق الأوسط، العدد رقم 13477، 22 أكتوبر (تشرين الأول) 2015)، ويتوقع مدير عام المكتب التنفيذي السابق لمجلس وزراء الصحة بدول مجلس التعاون الخليجي أن تنفق 40 في المائة من ميزانية وزارة الصحة في المملكة على مرض السكري بحلول عام 2030.
** توصيات صحية
وأكد المتحدثون في ورشة العمل أنه ليس عيباً أن يصاب شخص بالسكري، ولكن من الواجب عليه وعلى أسرته ومجتمعه وصانعي القرار في بلده مراعاة الآتي:
- أن يشمل التأمين الطبي مرض السكري.
- استحداث برامج تدريبية تخصصية «للسكري» للممارسين الصحيين.
- دعم الأبحاث وخصوصاً المتعلقة بالتكلفة الاقتصادية للتخطيط الجيد لمحاربة المرض وعبئه الاقتصادي.
- إعادة النظر في أنظمة الخدمات الصحية المقدمة لمرضى السكري من حيث البنية التحتية وتوفير المستلزمات الطبية وكفاءة العاملين المختصين.
- دعم برامج الوقاية الثانوية وقياس الأداء.
- اعتماد الملف الإلكتروني وتطبيق أنظمة العلاج الحديثة الإلكترونية.
- استخدام تطبيقات الشبكة الإلكترونية لتقديم خدمة طبية فعالة وتقليل التكلفة.
- بالنسبة لأطفال السكري، يجب على الإدارة المدرسية توفير الخدمات الصحية المناسبة، ممرض أو مدرس ملم بالتعامل مع السكري على الأقل.
- توفير الوجبات الغذائية الصحية في مقصف المدرسة.
- توفير الإبرة التي ترفع السكر عند حدوث انخفاضه (إبرة الجلوكاجون) والإنسولين في ثلاجة المدرسة.
- توفير كتيب يحتوي على أعراض السكري وطرق التعامل معه ورقم تليفون وجوال الطبيب المعالج والأهل.



«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.