رياض حجاب: بداية تحالف عسكري لدعم السوريين... وإيران ترد بحشود غير مسبوقة

قال لـ«الشرق الأوسط» إن «جبهة النصرة» تلبس «أقنعة باهتة» لتنظيم «القاعدة»

رياض حجاب («الشرق الأوسط»)
رياض حجاب («الشرق الأوسط»)
TT

رياض حجاب: بداية تحالف عسكري لدعم السوريين... وإيران ترد بحشود غير مسبوقة

رياض حجاب («الشرق الأوسط»)
رياض حجاب («الشرق الأوسط»)

قال المنسق العام لـ«الهيئة التفاوضية العليا» السورية المعارضة، رياض حجاب، في حديث إلى «الشرق الأوسط» أمس، إنه يلاحظ لأول مرة «معالم حراك إقليمي فاعل، وتشكل تحالف عسكري واعد يتمتع بقيادة حازمة وطرح ميداني يهدف إلى رفع المعاناة عن الشعب السوري بعدما أخفقت الدبلوماسية الدولية»، لافتا إلى وجود «تدفق غير مسبوق للأسلحة في سوريا، وحشود غير مسبوقة لإيران وميليشياتها، وهناك عمليات انتشار وإعادة تموضع تقوم بها سائر القوى الفاعلة، حيث لا تلوح لنا في الأفق بوادر توافق دولي على أي من المشروعات المطروحة للتهدئة أو وقف القتال».
وقال حجاب في الحديث الذي جرى عبر الهاتف إن «هيئة تحرير الشام» و«فتح الشام» هي «أقنعة باهتة» لـ«جبهة النصرة» التابعة لتنظيم القاعدة الذي «لم يحل في أرض إلا دمرها، وكان وبالاً على أهلها»، داعياً «جميع العناصر الخارجية إلى مغادرة بلادنا، وندعو الشباب المغرر من أبنائنا إلى العودة لصوت العقل ونبذ أوهام التطرف وخزعبلات الفتاوى المارقة». وهنا نص الحديث.

* بعد لقائكم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ووزير الخارجية الألماني زيغمار غابريل، كيف ترون الموقف الأوروبي؟ هل أنتم واثقون أن باريس ستبقى ملتزمة العمل على الانتقال السياسي في سوريا في ظل حكم ماكرون؟
- من المبكر الحكم. أوروبا خرجت للتو من سلسلة انتخابات شكل فيها اليمين تحدياً للمنظومة التقليدية القائمة منذ عقود. كما أنها تصارع من أجل المحافظة على استقرارها السياسي والاقتصادي، وتخفيف الأضرار الناجمة من قرار بريطانيا الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، لكن تنامي مشكلات الهجرة واللجوء، ومخاطر الجماعات الإرهابية المتطرفة، وغيرها من التحديات تفرض عليها السعي للعب دور بارز في الملف السوري.
باريس كانت ولا تزال أحد أوثق أصدقاء الشعب السوري، وقدمت لنا الكثير من الدعم الدبلوماسي، وهي أحد أبرز مكونات التحالف الدولي ضد الإرهاب، وزادت في الآونة الأخيرة من تواجدها العسكري عبر إرسال فرق من القوات الخاصة؛ ما يؤكد التزامها القيام بدور أكثر فاعلية على الأرض. ولا شك أن حرص الرئيس ماكرون على استقبالنا وتأكيد التزامه معالجة الملف السوري، وما صدر عنه من تصريحات تؤكد عزم فرنسا على منع النظام من تكرار استخدام الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين، والإصرار على مغادرة بشار الأسد وزمرته؛ وغيرها من مواقف شجاعة تمثل في مجملها مؤشرات قوية على استمرار فرنسا في خطها الداعم للمطالب العادلة للشعب السوري.
كذلك الحال بالنسبة إلى الحكومة الألمانية التي تصدرت في الكثير من ملفات الأزمة السورية، وبخاصة فيما يتعلق باستقبال اللاجئين وفي دعم المسارات التفاوضية، بدا من الواضح في اجتماعاتنا الأخيرة مع مختلف المسؤولين في برلين أن الحكومة الألمانية عازمة على ممارسة دور فاعل، ونشعر بالكثير من الامتنان للدعم الألماني لمواقفنا في الأمم المتحدة وفي غيرها من المحافل الدولية.
* هل يمكن أن تفعل الدول الأوروبية شيئاً من دون أميركا؟
- من غير الممكن لأي دولة أن تتحرك منفردة في المشهد السوري. ساحة الصراع باتت أكثر تشابكاً وتعقيداً، وهناك تحالفات وتقاطعات يصعب تجاوزها على الصعد السياسية والعسكرية. والحكومات في ألمانيا وفرنسا وغيرها من الدول الأوروبية تعكف على صياغة سياستها الخارجية، وعلى إعادة تقييم تهديداتها الأمنية التي تمثل تفاعلات الأزمة السورية أحد محركاتها. كما أنها منخرطة في دبلوماسية حثيثة لتنسيق المواقف بينها كدول أوروبية، وكذلك في مد خطوط التواصل مع الإدارة الأميركية الجديدة التي لا تزال خطتها العسكرية في سوريا غير واضحة المعالم.
* كيف انعكست زيارة الرئيس دونالد ترمب إلى الرياض والقمم هناك على دعم المعارضة السورية؟
- بصورة كبيرة. لأول مرة منذ التدخل الميداني السافر لحلفاء النظام يلمح السوريون معالم حراك إقليمي فاعل، وتشكل تحالف عسكري واعد يتمتع بقيادة حازمة وطرح ميداني يهدف إلى رفع المعاناة عنهم بعدما أخفقت الدبلوماسية الدولية في تحقيق ذلك خلال السنوات الماضية.
الرياض تمثل بيضة القبان في الميزان العسكري والأمني في الشرق الأوسط، حيث دأبت على معالجة الأزمات وإطفاء الحرائق التي تشعلها إيران في المنطقة، ولا شك أن إعلان تشكيل التحالف الإسلامي في الرياض يمثل الخطوة الأولى لإنقاذ المنطقة من تهديد الميليشيات الطائفية والجماعات المتطرفة العابرة للحدود، وتوفير صمام أمان لبعض الجمهوريات التي تعاني من انهيار مؤسساتها العسكرية جراء الأحداث التي شهدتها في السنوات الماضية. لا شك في أن التحالف الجديد سيكون له دور كبير في استعادة التوازن وجعل المناطق الآمنة حقيقة على الأرض. ولا بد من التأكيد في هذا المجال على أن زيارة ترمب لم تكن سوى تدشين لعمل شاق قام به فريق واعد يتمتع برؤى استراتيجية بعيدة الأفق.
إضافة إلى الدعم المعنوي المتمثل في استعادة الأمل بإمكانية اتخاذ الأصدقاء إجراءات ميدانية لوقف معاناة السوريين؛ يمكن ملاحظة تحرك عجلة التغيير في المنطقة، حيث اندفعت إيران وحلفاؤها إلى إعادة التموضع بعدما تراجعت ميليشياتها أمام تقدم المعارضة في نقاط استراتيجية عدة.
* ما موقفكم من الأنباء عن دخول «الحشد العراقي» إلى سوريا؟
- نتابع أنباء دخول «الحشد العراقي» إلى سوريا، والذي يأتي ضمن استراتيجية إعادة تموضع شاملة تنفذها إيران في الجنوب السوري وعلى الحدود السورية - العراقية، ولا شك في أن ذلك يأتي ضمن استراتيجية إيرانية تهدف إلى إفساد التوافقات الدولية لإنشاء مناطق آمنة في البلاد. نعتبر الحشد العراقي قوة احتلال مثلها مثل جميع الميليشيات الطائفية وجماعات المرتزقة الذين جلبتهم إيران من مختلف البلدان لمشاركة النظام في جرائمه ضد الشعب السوري الأعزل، ودعونا، ولا نزال ندعو، إلى خروج سائر القوات الأجنبية وإحلالها بقوات حفظ سلام أممية تشرف على وقف القتال وتضمن امتثال سائر الأطراف بذلك.
وننبه في اتصالاتنا مع سائر الأصدقاء والأشقاء إلى المخاطر الإقليمية والدولية لعملية الانتشار الأخيرة التي تنفذها الجماعات التابعة لإيران، وما يمكن أن تجلبه من فوضى على المنطقة بأسرها.
* قيل أن هناك تحركاً أميركياً لإضعاف نفوذ إيران، هل جرى أي تنسيق معكم؟
- نحن على اطلاع بتوجهات واشنطن إضعاف النفوذ الإيراني، وناقشنا ذلك مع المسؤولين عن الملف السوري في وزارة الدفاع (البنتاغون)، لكن تفاصيل الخطة الأميركية لا تزال غير واضحة، كما أن الاستعدادات الأميركية لمواجهة انسياب الميليشيات العراقية واللبنانية وغيرها من المجموعات الطائفية لا تزال محل تساؤل؛ وذلك نظراً لتباطؤ رد الفعل، وعدم اتخاذ إجراءات كافية لوقف ذلك الانتشار، والاقتصار في الوقت الحالي على التصريحات الإعلامية والضربات الموضعية التي يبقى أثرها محدوداً على الأرض.
الحقيقة هي أن التحديات الميدانية تتزايد بصورة كبيرة في ظل دخول الروس طرفاً في عمليات إعادة التموضع والانتشار، ويتطلب الأمر موقفاً دولياً حاسما، وهذا ما نناقشه مع الحلفاء والأصدقاء.
* لديكم موقف رافض لـ«قوات سوريا الديمقراطية» التي تدعمها أميركا ضد «داعش»، لكن تراهنون بالوقت نفسه على أميركا؟
- لا نراهن على أميركا، بل نراهن على تشكيل تحالف دولي فاعل يضع حداً لأكبر كارثة إنسانية تشهدها البشرية في القرن الحادي والعشرين، ويأخذ على يد الظالم، ويدعم المطالب العادلة لشعبنا. نحن في صراع مركب تتداخل فيه الأطراف، وتتباين المواقف، وتختلف الوجهات، وعلينا إدارة ذلك الصراع فيما يحقق القدر الأكبر من المكاسب لشعبنا ويدرأ عنه القدر الأكبر من الخسائر، ولا بد من الاعتراف بأن الظاهرة الأكثر بروزاً في الوقت الحالي تتمثل في التباين بين مختلف المؤسسات الأميركية الفاعلة على الأرض؛ الأمر الذي يتيح لنا استثمار خطوط الصدع وتباين التوجهات داخل مؤسسات اتخاذ القرار لتحقيق مصالح السوريين.
المواقف الأميركية تباينت في الآونة الأخيرة فيما يتعلق بمسارات الدعم السياسي والعسكري وبقاء الأسد أو مغادرته، وفي نمط التفاهمات والتحالفات. الإدارة الجديدة تمر بمرحلة تحول في تحديد الموقف من الأزمة السورية، كما أنها تخوض صراعات داخلية في واشنطن، وينعكس ذلك بصورة واضحة على تعاملها مع الملف السوري.
موقفنا ثابت في الإصرار على رحيل الأسد وزمرته ممن تلطخت أيديهم بدماء السوريين وعلى صيانة وحدة الأراضي السورية ورفض مشروعات التقسيم الطائفي أو الإثني، ونسعى إلى إنشاء حراك محلي ودولي داعم لهذا التوجه، ولا يمكن أن نقبل بأي صفقة تجتزئ بلادنا أو تنتهك وحدتها تحت أي ظرف.
* «جبهة النصرة»... وجنيف
* ما موقفكم من «جبهة النصرة» باسميها الجديدين «هيئة تحرير الشام» و«فتح الشام»؟
- هي كلها أقنعة باهتة لتنظيم «القاعدة» الذي لم يحل في أرض إلا دمرها، وكان وبالاً على أهلها. ندعو جميع العناصر الخارجية إلى مغادرة بلادنا، وندعو الشباب المغرر من أبنائنا إلى العودة لصوت العقل، ونبذ أوهام التطرف وخزعبلات الفتاوى المارقة، وندعو المجتمع الدولي إلى وضع حد للقتل والظلم والتعصب والكراهية والطائفية والتمييز وغيرها من العوامل التي تشكل بيئة للتطرف ومحضناً لجماعات الإرهاب الدولي.
* هل تعتقد أن عملية جنيف في الوقت الراهن مهمة، أم أن التركيز كله على العمليات العسكرية على الأرض؟
- لا شك في أن عملية جنيف مهمة. هي تمثل مقياس تطور الأحداث على الأرض وهي المسار السياسي الوحيد الذي يتمتع بالشرعية الدولية، ويقوم على أساس مجموعة من القرارات الأممية التي توافق عليها المجتمع الدولي. نحن ملتزمون إنجاح الوساطة الأممية والتعاون المطلق مع جميع الجهود المخلصة لوقف الانتهاكات التي يرتكبها النظام وحلفاؤه ضد السوريين.
المشكلة الأساسية تكمن في سعي النظام وحلفائه لإفشال الوساطة الأممية بشتى السبل. من ذلك، التصعيد على الأرض كلما انعقدت جلسة مفاوضات جديدة، وتوظيف الجلسات في جنيف كفرصة للترويج الإعلامي للنظام وكسر عزلته، والإمعان في التلكؤ وإضاعة الوقت في محاولة يائسة لتحقيق حسم عسكري بعيد المنال.
وعندما ضاقت الأمور على النظام وحلفائه في عرقلة مسار جنيف؛ بادروا إلى إنشاء وعاء دبلوماسي رديف يهدف إلى معالجة الأمور الميدانية لإفراغ الوساطة الأممية من محتواها من جهة، وفرض الأمر الواقع عبر محاولة التوصل إلى تفاهمات إقليمية تعترف بالوجود العسكري لإيران وجماعاتها المتطرفة العابرة للحدود من جهة أخرى، علماً بأن النظام هو المستفيد الأكبر من إنشاء مرجعية بديلة عن جنيف لأنه يرغب في تجنب التغيير الحتمي وتفادي تطبيق القرارات الأممية التي تقوم جنيف على أسإسها كمرجعية، والتي لا تخدم النظام ولا تحقق أجندته الدموية.
* أين دور «الهيئة التفاوضية» في مسار «آستانة» الذي ترعاه روسيا وتركيا وإيران؟ هل بالفعل بات الدور للفصائل المسلحة؟
- نحن في خضم المعترك الدبلوماسي، ولن نخلي ساحة الصراع السياسي للخصم وسنلاحقه أينما ذهب، ولن نتوقف حتى تتحقق المطالب العادلة لشعبنا. رغم ما يشوب «آستانة» بصفتها وعاءً دبلوماسيا رديفا للوساطة الأممية؛ قررنا خوض غمار المعترك السياسي، وذلك من خلال توجيه الفريق المفاوض للذهاب وتشجيعه على المشاركة الفاعلة، وتقديم النصح والمشورة والإرشاد لأعضائه، ونجحنا في تحديد سقف «ميداني» في آستانة بحيث لا تتجاوز دورها أو تحاول الأطراف «الراعية» من خلالها التوصل إلى تسوية سياسية خارج دائرة المظلة الأممية.
ولا يخفى عليكم أن الكثير من الفصائل المشاركة في اجتماعات آستانة تمثل أبرز مكونات «الهيئة العليا».
* هل أنت قلق من أن سوريا ستقسم انطلاقا من مناطق «خفض التصعيد» الأربع؟
- يصعب تقديم إجابة مبسطة على هذا التساؤل، الجميع يتحدث عن: «إنجاح جهود الهدنة»، وإنشاء «مناطق آمنة»، وفرض «مناطق خفض تصعيد»، لكن الواقع على الأرض يختلف تماماً عما يصدر من تصريحات، هناك تكديس غير مسبوق للأسلحة التي أصبحت تتدفق في الآونة الأخيرة على مختلف أطراف الصراع، وهنالك حشود غير مسبوقة لإيران وميليشياتها، وهناك عمليات انتشار وإعادة تموضع تقوم بها سائر القوى الفاعلة، ولا تلوح لنا في الأفق بوادر توافق دولي على أي من المشروعات المطروحة للتهدئة أو وقف القتال. نأمل في أن يهيمن صوت العقل، وأن يكون للتحالف الإسلامي دور في إعادة التوازن ووقف القتال وإنشاء نظام مراقبة فاعل لضبط الامتثال، وأن يتم ذلك بعيداً عن محاولات بعض القوى الطامعة التوصل إلى اتفاقيات جانبية لاقتسام سوريا بينها إلى مناطق نفوذ.
* ظهر في الفترة الأخيرة انقسام إضافي في جسم المعارضة السياسية والعسكرية، كيف تقوم واقع المعارضة؟
- فكرة المعارضة في جميع الممارسات السياسية تقوم على تعزيز التنوع والتعدد واختلاف الرؤى، ولا يمكن إنشاء «جسد معارض» بالمعنى الحرفي لهذا المصطلح؛ لأن الفكرة من وجود جماعات متعددة للمعارضة هو توفير خيارات وبدائل وليس إنشاء كيان موحد.
التحدي الأكبر يكمن في أمرين أساسيين: أولهما، تحديد حد أدنى لمبادئ تتفق عليها جميع أطراف المعارضة، وهذا ما حققه مؤتمر الرياض من خلال وثيقة التأسيس التي تم إقرارها بالإجماع. الآخر، التوصل إلى حالة من التعاون والتنسيق لتحقيق الأهداف المشتركة، وهنا يقع مكمن الخلل؛ إذ إن الجهد الأكبر انصب منذ اللحظة الأولى لتأسيس «الهيئة العليا للمفاوضات» التوصل إلى نمط من التنسيق والعمل المشترك ومنع تحول التنوع والاختلاف إلى خلاف يعرقل تحقيق أهداف الثورة.
ولا بد من الاعتراف بأن تباين التوجهات واختلاف جهات الدعم، ومحاولات بعض المكونات فرض وجهات نظرها أو ممارسة دور الوصاية عبر الاستئثار بالنصيب الأكبر من التمثيل، وما إلى ذلك من المظاهر السلبية في أداء المعارضة فوتت علينا الكثير من الفرص، وبخاصة أن بعض الجهات الخارجية تراهن على كسر شوكة المعارضة والتشكيك في تمثيلها للمطالب العادلة للشعب السوري، وتسعى إلى إدخال عناصر لا يمكن اعتبارها جزءاً من المعارضة من حيث الممارسة أو المفهوم.
«الهيئة العليا» أخذت على عاتقها منذ اللحظة الأولى لتأسيسها تقريب وجهات النظر واستيعاب جميع الأطراف وتمثيل مختلف المكونات، ورأب التصدعات التي تظهر بين الفينة والأخرى، ونالنا الكثير من حملات التشويه والتخوين من قبل بعض الجهات التي دخلت المعترك السياسي حديثاً، ولا تزال قاصرة دون استيعاب مقتضيات العمل الدبلوماسي والممارسة الاحترافية.
بروز هذه الظواهر هو أمر طبيعي في المراحل الأولى لتشكل الكيانات السياسية الوليدة، ولا تثنينا هذه التحديات على الاستمرار في جهودنا الحثيثة لرأب الصدع، وعلى تذكير الجميع بضرورة التحلي بروح المسؤولية وبمقتضيات العمل المشترك فيما يحقق الصالح العام.
* ألا تظن بضرورة إقدام المعارضة على مراجعة خطابها وتحالفاتها في ضوء التغييرات في سوريا والإقليم والعالم؟
- لا شك في أن المعارضة خسرت على الصعد السياسية والميدانية والشعبية بسبب استشراء الخلاف بينها، وفقدانها موازنة الأولويات، وضعف استيعابها متطلبات المرحلة.
نعم. نحن في حاجة ملحة إلى مراجعة خطابنا السياسي، وإلى تصحيح مسار حراكنا الدبلوماسي، وإلى صياغة تحالفاتنا وأدوات ممارستنا.
كما يتعين علينا إعادة رسم خريطة علاقاتنا الداخلية والخارجية على ضوء التحولات العميقة التي تشهدها الساحة الإقليمية والدولية، وأن تنطلق جهودنا من ضرورة تحقيق التمثيل الشعبي داخلياً وحيازة الشرعية والاعتراف الدولي خارجياً. لكن قبل ذلك علينا أن نعمل على حل الخلافات داخل أجساد بعض مكونات المعارضة، التي تمنعها من إقامة علاقات صحية فيما بينها وبين المكونات الأخرى، وعلينا معالجة الكثير من الظواهر السلبية كظاهرة الاقتتال بين الفصائل على سبيل المثال، وأن نتوافق فيما بيننا على إيجاد آليات ناضجة للتعاون والتنسيق فيما يحقق مصالح الشعب، وليس مصالح بعض الفئات التي فقدت البوصلة وانخرطت في معارك هيمنة واستحواذ ضد شركائها بدلاً من أعدائها.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.