مفاوضات أميركية ـ روسية لإقامة «منطقة آمنة» جنوب سوريا... وإبعاد إيران

واشنطن قررت «الدفاع» عن مناطق المعارضة وقصفت ميليشيا طهران قرب حدود العراق

فصائل معارضة تصد هجوم قوات النظام في درعا أمس (وكالة قاسيون)
فصائل معارضة تصد هجوم قوات النظام في درعا أمس (وكالة قاسيون)
TT

مفاوضات أميركية ـ روسية لإقامة «منطقة آمنة» جنوب سوريا... وإبعاد إيران

فصائل معارضة تصد هجوم قوات النظام في درعا أمس (وكالة قاسيون)
فصائل معارضة تصد هجوم قوات النظام في درعا أمس (وكالة قاسيون)

خلال اجتماع عسكريين ودبلوماسيين أميركيين وروس في عمان قبل أيام لبحث إقامة «منطقة آمنة» تقع بين دمشق والأردن، تقدمت مجموعة من القوات النظامية وميليشيا إيرانية من تدمر باتجاه معسكر التنف الذي يضم وحدات خاصة أميركية وبريطانية ونرويجية قرب حدود العراق. أبلغ الجيش الأميركي عبر قناة الاتصال مع نظيره الروسي ضمن اتفاق «منع الصدام» رسالة عاجلة مفادها بوجوب وقف تقدم القافلة العسكرية. بعد قليل، جاء الرد الروسي بأن قوات النظام توقفت، لكن ميليشيا أخرى استمرت بالتقدم. وجهت قاذفات أميركية ضربات تحذيرية... ثم دمرت بعضها.
كانت هذه أول حادثة من نوعها. الجيش الأميركي «يدافع» عن أرض خاضعة لسيطرة فصائل «الجيش السوري الحر» التي يدعمها. وهي تختلف عن الضربات الصاروخية على مطار الشعيرات قبل أسابيع؛ لأن الأخيرة جاءت بعد هجوم كيماوي على خان شيخون وضمن اعتبارات تتعلق بالموقف من روسيا و«الخط الأحمر» واستخدام الكيماوي وانقلاب إدارة دونالد ترمب على تردد إدارة باراك أوباما.
في يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) العام الماضي، تعرض معسكر التنف لقصف من قاذفات روسية أكثر من مرة. كانت بعض الغارات على وشك إصابة وحدات أميركية وبريطانية. وقتذاك، حصل «توتر» بين وزير الدفاع الأميركي أشتون كارتر والبيت الأبيض لأن أوباما لم يعط تفويضاً بالرد على الاستهداف الروسي.
في 18 مايو (أيار)، جاء قصف القاذفات الأميركية لميليشيا إيرانية موالية لدمشق بعد أيام من إبلاغ وزير الخارجية الأميركية ريكس تيلرسون الكرملين، بأنه لا مانع لدى واشنطن من أن تكون مناطق النظام «تحت سيطرة روسيا، لكن شرط إبعاد الحرس الثوري الإيراني من هذه المناطق»، وأن إدارة ترمب «متمسكة بخروج الأسد من مستقبل سوريا مع مرونة إزاء موعد وكيفية خروجه». أيضاً، أبلغ الأميركيون نظراءهم الروس بأنهم غير مهتمين بالمفاوضات السياسية في جنيف و«يراقبون» اجتماعات آستانة لإقامة أربع مناطق «خفض التصعيد»، لكن واشنطن أرادت اختبار نيات موسكو ومدى قدرتها على الطلاق مع طهران وقررت فتح مفاوضات عسكرية ودبلوماسية مع الروس في عمان للبدء بإقامة «منطقة آمنة» جنوب سوريا.
عليه، عقدت جلسات لمسؤولين أميركيين وروس في العاصمة الأردنية، شارك فيها المبعوث الأميركي إلى التحالف الدولي ضد «داعش» بريت ماغورك ومساعد نائب وزير الخارجية مايكل راتني. اللافت، أنه خلال الاجتماع الثنائي، تبلغ ماغورك أن قاذفات أميركية قصفت ميليشيا إيرانية وهو قام بدوره بإبلاغ نظرائه الروس الجالسين أمامه، لكنهم لم ينسحبوا من الاجتماع، بل واصلوا بحث التفاصيل.
من المقرر أن تعقد جلسة أخرى في عمان لبحث «المنطقة الآمنة»، ذلك أن التفكير الغربي يقترح التفاهم مع موسكو لضم درعا والقنيطرة والجولان وجزء من ريف السويداء امتدادا إلى معسكر التنف ومعبر الوليد مع العراق، بحيث تقام في مناطق المعارضة مجالس محلية وممرات إنسانية وعودة للنازحين واللاجئين ومشروعات إعادة أعمار، مع احتمال التوصل إلى تفاهم على وجود رمزي لدمشق على معبر نصيب مع الأردن ورفع العلم السوري الرسمي في نقاط معينة في «الشريط الأمني» الذي «يجب أن يكون خالياً من ميليشيا إيران و(حزب الله)». في هذا المجال، لوحظ إعلان وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو أنه أجرى «اتصالات بناءة» مع نظيره الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان إزاء «منطقة آمنة» جنوب سوريا. وقال مصدر دبلوماسي: إن موسكو اقترحت «عودة قوات النظام من دون الميليشيا إلى الجنوب، لكن واشنطن تمسكت بالتفاهم مع موسكو بإقامة المنطقة الآمنة».

تحرير الرقة و«جزيرة» دير الزور
بالتوازي مع هذا المشروع الأول، الذي تريده دول غربية اختبارا لنيات موسكو ومدى قدرتها على ضبط طهران وحلفائها، هناك مشروع أميركي ثان في شمال شرقي البلاد يقوم أكثر على المقاربة العسكرية. واشنطن حسمت أمرها في الاعتماد على «قوات سوريا الديمقراطية» بما في ذلك «وحدات حماية الشعب» الكردية لتحرير الرقة من «داعش» رغم تحفظات أنقرة وغضب الرئيس رجب طيب إردوغان ضمن تصور مفاده أن تحرير الرقة لن يحصل قبل خريف العام الحالي، لكن واشنطن وحلفاءها منفتحون على بحث خطط لـ«استقرار الرقة ما بعد التحرير» بحيث يكون الدور العربي أوضح ويتضمن بقاءهم في مدينتهم تحت مجلس مدني يديرها. ولأن بعض الدول، حذر واشنطن من احتمال تسليم «وحدات حماية الشعب» مناطق تحررها إلى قوات النظام برعاية روسية كما حصل شرق حلب، هناك فكرة بالضغط على «وحدات حماية الشعب» كي تبتعد سياسيا وعسكرياً من دمشق مقابل حوافز سياسية تتعلق بالاعتراف بحقوق الأكراد وكيانهم السوري، إضافة إلى القواعد العسكرية التي أقامها الجيش الأميركي دعماً للأكراد.
في حال نجحت «المنطقة الآمنة» جنوب سوريا بتفاهم أميركي - روسي - أردني، يمكن الانتقال إلى تطبيق منطقة «خفض التصعيد» في إدلب بتفاهم أميركي - روسي - تركي. موسكو التي تفاوض واشنطن في عمان جنوباً تفاوض أنقرة وطهران شمالاً. وبرزت أهمية الاجتماعات الروسية - التركية - الإيرانية لرسم حدود مناطق «خفض التوتر» الأربع لإقرار في 4 يونيو تمهيداً لنشر مراقبين من هذه الدول ثم من دول أخرى بعد صدور قرار من مجلس الأمن. أنقرة تريد توسيع منطقة إدلب لتشمل قسماً واسعاً من الريف الغربي لحلب والريف الشرقي للاذقية، لكن دولاً أخرى تشترط قراراً تركياً حاسما بـ«القضاء على (جبهة النصرة) وخنقها وفاعلية أكبر مما فعلته ضد (داعش) ضمن عملية درع الفرات»، في إشارة إلى «الصفقة» التي شملت مقايضة خروج المعارضة من شرق حلب مقابل «ضوء أخضر» روسي لتوغل الجيش التركي وحلفائه من جرابلس شمال سوريا.
وبين «المنطقة الجنوبية» ومحافظة الرقة، تظهر «عقدة» دير الزور التي تدور فيها معارك بين قوات النظام بغطاء جوي روسي وتنظيم داعش. بعض المسؤولين الأميركيين يريد استعجال عزل دير الزور لطرد «داعش» والنظام منها، في حين يرى آخرون بإمكانية قبول وجود النظام وروسيا في حال حصل تفاهم مع موسكو التي توفر الغطاء الجوي لقوات النظام ومطارها العسكري قرب المدينة. وقال مسؤول غربي: «قد تقبل واشنطن وجود دمشق وموسكو في دير الزور، لكن لن تقبل وجود طهران. واضح أن الأميركيين قرروا الدفاع عن أراض تسيطر عليها المعارضة، لكن لن تأخذ مناطق النظام حالياً».
مسارات المعارك على الأرض تدل إلى سباق للقبض على الأرض وتعزيز المواقع في الميدان السوري بالتوازي مع المفاوضات العسكرية والسياسية في عمان وآستانة؛ إذ إن الجيش الروسي وسع مناطق انتشاره إلى السويداء وأطراف درعا، وبات ينشر شرطته العسكرية بدل الميليشيا الإيرانية في مناطق «المصالحات»، لكنه يقدم الدعم الجوي لقوات النظام و«حزب الله» في طرد «داعش» من شرق حلب، وصولاً إلى الضفة الغربية لنهر الفرات ويوفر الغطاء الجوي للتقدم من تدمر إلى دير الزور والبوكمال قرب الحدود العراقية. جاء هذا بعدما سبقه الجيش الأميركي للسيطرة على سد الفرات ومطار الطبقة العسكري ودعمت استعادة سد «البعث» ضمن معركة تحرير الرقة، إضافة إلى استمرار الدعم الغربي لـ«الجيش الحر» في درعا لصد هجمات قوات النظام نحو حدود الأردن.
إدارة الرئيس ترمب تعتقد أن السيطرة بتفاهم وتنافس مع الكرملين على «المنطقة الجنوبية» وتعزيز المواقع العسكرية شمال شرقي سوريا، ستؤدي إلى اختراق «الهلال الشيعي» من إيران إلى العراق ووسط سوريا و«حزب الله» في لبنان، إضافة إلى أنه ستنهي خطة طهران لتوفير خط إمداد بري إلى البحر المتوسط واحتمال تنفيذ طموح قديم بإقامة قاعدة. بل إن إدارة ترمب أنه بذلك تتم هزيمة «داعش» وتقليص النفوذ الإيراني بأقل كلفة عسكرية واقتصادية.
في المقابل، كثفت طهران من دعمها للميليشيا التابعة لها لخلط الأوراق الأميركية في البادية السورية وعدم قبول الخطوط التي ترسمها واشنطن في سوريا وهي تضغط على واشنطن التي تعتبر هزيمة «داعش» في الموصل بدعم تنظيمات محسوبة على إيران أولوية أيضا، بل إن بعض الميليشيا اقترب من حدود العراق، وتوعد بعبور الحدود للمشاركة في معارك دير الزور أو الرقة.
يضاف إلى ذلك، أن إيران تستعجل تعزيز القبض على الأرض بين دمشق وحدود لبنان و«حزام» دمشق عبر العمليات العسكرية والتغيرات الديموغرافية للتأثير على القرار السياسي في العاصمة السورية، بصرف النظر عن النظام وزيادة اعتماد موسكو عليها في خضم المفاوضات الأميركية - الروسية، في وقت لا تزال موسكو تفاوض واشنطن وتتفاهم مع أنقرة وطهران حول المناطق الأربع لـ«خفض التوتر». وهناك من يطرح احتمال مقايضة لاحقة بين الدول المنخرطة في الأرض السورية لتحديد حدود السيطرة وتظهير «مناطق النفوذ» إلى حين الجلوس على طاولة المحاصصة في النظام السياسي المقبل.



اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أمس، أن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلّم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة، وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

من جانبه، أكد محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، لـ«الشرق الأوسط»، أن مستوى التنسيق مع السعودية «عالٍ جداً»، منوهاً بحسمها مسألة إخراج قوات «المجلس الانتقالي» من المحافظة خلال وقت قياسي، والتزامها توفير الغذاء والحوافز، وتقديمها وعوداً بتنفيذ حزمة مشروعات كبيرة لتطوير البنية التحتية.

وقال الخنبشي إن الأوضاع في حضرموت بدأت تعود إلى طبيعتها، وشدَّد على أن المحافظة «يجب أن تكون رقماً سياسياً فاعلاً في أي تسوية مقبلة»، لافتاً إلى لقاءات سيجريها مع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية فيها خلال الأيام المقبلة؛ للتوافق على رؤية موحدة تمثلهم في «مؤتمر الحوار الجنوبي» الذي تستضيفه الرياض قريباً.

من جهته، أكد السفير الأميركي لدى اليمن، ستيفن فاغن، دعم بلاده إجراء «الحوار الجنوبي» الشامل، وأهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار، وذلك خلال اجتماع مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.


العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».