التحالف وحلفاؤه يحاصرون «داعش» في الموصل... ويخنقونه في الرقة

المتحدث باسمه أكد انخفاض تدفق المقاتلين الأجانب إلى مائة شهرياً

نازحات عراقيات يمررن قرب مبانٍ مهدمة جنوبي الموصل أمس (أ.ف.ب)
نازحات عراقيات يمررن قرب مبانٍ مهدمة جنوبي الموصل أمس (أ.ف.ب)
TT

التحالف وحلفاؤه يحاصرون «داعش» في الموصل... ويخنقونه في الرقة

نازحات عراقيات يمررن قرب مبانٍ مهدمة جنوبي الموصل أمس (أ.ف.ب)
نازحات عراقيات يمررن قرب مبانٍ مهدمة جنوبي الموصل أمس (أ.ف.ب)

أكد الكولونيل رايان ديلون، المتحدث الأميركي الجديد باسم التحالف الدولي لمحاربة «داعش»، أن التنظيم الإرهابي محاصر في 3 أحياء فقط غرب الوصل، فيما يستعد نحو 50 ألف مقاتل في صفوف قوات سوريا الديمقراطية بدعم من التحالف الدولي لاستعادة مدينة الرقة السورية.
وأوضح المتحدث، في جلسة صحافية بلندن أمس، أن التنظيم الإرهابي يسيطر على أقل من 10 كيلومترات مربعة في مدينة الموصل، إلا أن هذه المساحة المتبقية صعبة «التطهير»، رافضاً تحديد برنامج زمني لانتهاء المعركة. وتابع أن «القوات العراقية تواجه عدواً يائساً يوجد في منطقة ضيقة ومن أصعب المناطق التي طهرتها القوات العراقية خلال هذه الحملة ضد (داعش)»، لافتاً إلى أن «غرب الموصل تعتبر البيئة القتالية الحضرية الأكثر تعقيداً وخطورة التي شهدتها أي قوات على مدى عقود».
وأضاف المتحدث الأميركي أن التحالف الدولي واصل دعمه للقوات العراقية، بـ34 غارة خلال الأسبوع الماضي، استهدفت قناصين ورشاشات وذخائر ومحركات وعبوات ناسفة ومصانع متخصصة في صناعة السيارات المفخخة.
وعن تهديد السيارات المفخخة تحديداً، وجهت الحكومة العراقية المدنيين بتفادي استعمال سيارات أو دراجات نارية حتى لا يتم خلطهم بمقاتلين من «داعش»، خصوصاً أن السيارات المفخخة أصبحت سلاح «داعش» المفضل في الموصل، على حد قوله. كما طالبت السلطات المدنيين بالنزوح من الموصل ومناطق القتال إذا أمكن.
وتحدث الكولونيل ديلون عن معاناة المدنيين العالقين في الموصل، وقال: «إننا نسمع كل يوم قصصاً مروعة من مدنيين نجحوا في الهروب من الموصل، يروون قصص آخرين لم يحالفهم الحظ وقضوا برصاص (داعش)، وغيرهم استخدموا دروعاً بشرية أن احتجزوا داخل مبانٍ برفقة المتطرفين في محاولة لجذب نيران القوات العراقية أو التحالف الدولي لإيقاع أكبر عدد من الضحايا».
وتابع الكولونيل أن «داعش» أدرك أنه لن يفوز في معركة الموصل، وأن هدفه أصبح هو إسقاط أكبر عدد من القتلى ومنع عودة الحياة إلى طبيعتها بعد الدمار الذي تسبب فيه.
بهذا الصدد، أفاد مصدر عسكري عراقي، أمس، بأن عشرات المدنيين فروا من مناطق المدينة القديمة، غرب الموصل، قبيل اقتحامها الوشيك استجابة لنداء عاجل أطلقته القيادة العسكرية العراقية.
وكانت قيادة العمليات المشتركة، طلبت مساء أول من أمس، من جميع سكان المدينة القديمة في الموصل مغادرة منازلهم بشكل فوري، قبيل البدء بعملية اقتحام لاستعادة ما تبقى من المنطقة التي يسيطر عليها «داعش». وقال النقيب جبار حسن، في تصريح صحافي، إن عشرات المدنيين فروا الليلة قبل الماضية وحتى صباح أمس من أطراف مناطق المدينة القديمة إلى مناطق خاضعة لسيطرة القوات العراقية. ونقلت عنه شبكة «رووداو» قوله إن «قوات الشرطة الاتحادية ومكافحة الإرهاب فتحت عدة منافذ آمنة لخروج المدنيين». ولفت حسن، إلى أن «الأهالي أبلغوا القوات الأمنية أن عناصر (داعش) يحتجزون عشرات المدنيين داخل المنازل ولا يسمحون لهم بالمغادرة». وأوضح أن «العملية العسكرية قد تبدأ خلال الساعات القليلة المقبلة».
وطلب الجيش العراقي مساء أمس من سكان أحياء الزنجيلي، والصحة الأولى، والشفاء، فضلاً عن أحياء المدينة القديمة؛ باب سنجار، والفاروق، ورأس الكور، والميدان، وباب الطوب، وباب جديد، وباب البيض، الخروج فوراً من مناطقهم.
وأكملت قوات الفرقة المدرعة التاسعة وقوات مساندة لها من مكافحة الإرهاب (التابعة للجيش العراقي)، وقوات الرّد السريع (تابعة لوزارة الداخلية) والشرطة الاتحادية، الاستعدادات لاقتحام أحياء الزنجيلي والصحة الأولى والشفاء، بعد تطويقها من جميع الجهات. وقال الملازم أول سمير داود المحسن، من الفرقة التاسعة بالجيش، إن «عناصر (داعش) في أحياء الشفاء والصحة الأولى والزنجيلي لا يملكون منفذاً للفرار، ولدينا معلومات أن أغلب المقاتلين في (داعش) هم من العراقيين». وتوقّع المحسن، أن يلجأ أغلب المقاتلين إلى رمي السلاح ومحاولة الفرار مع النازحين. وأوضح أن «القوات العراقية تخطط لاقتحام الأحياء الثلاثة في آن واحد، وبعملية عسكرية خاطفة بالتزامن مع اقتحام الأحياء المتبقية من المدينة القديمة وإعلان الموصل محررة بشكل كامل من سيطرة (داعش)».
في سياق آخر، ورداً على سؤال «الشرق الأوسط» حول جهود التحالف الدولي لوقف عودة المقاتلين الأجانب من سوريا والعراق إلى بلدانهم، لفت المتحدث إلى أن تركيا حليف حيوي في التحالف فيما يتعلق بوقف سيل المقاتلين الأجانب من وإلى مناطق النزاع. وخلال أوج سيطرة «داعش»، قيمنا أن ما بين 1500 و2000 مقاتل أجنبي كانوا يدخلون إلى المنطقة شهرياً. أما اليوم، فإننا نقيم أن نحو مائة شهرياً يتدفقون من وإلى المنطقة.
وعن سوريا، قال الكولونيل ديلون إنه بعد «تحرير قوات سوريا الديمقراطية للطبقة وسدها، تواصل القوات الحليفة حماية حياة المدنيين، عبر إزالة العبوات الناسفة والألغام وغيرها داخل المدينة وخارجها». وتابع أن «فوجاً من المقاتلين الجدد في صفوف قوات سوريا الديمقراطية يخرج هذا الأسبوع (بعد التدريب)». وأوضح الكولونيل رداً على سؤال «الشرق الأوسط» أن عدد المتطوعين الذين ينضمون إلى القتال ضد «داعش» يتزايد بعد كل عملية تحرير، لافتاً إلى أن هؤلاء الخريجين التزموا بمكافحة «داعش»، إذ شهدوا نجاح قوات سوريا الديمقراطية ضد التنظيم المتطرف في المعارك السابقة، كما أنهم يرفضون العيش تحت سيطرته مرة أخرى. وقد تم تدريب هؤلاء المجندين والمتطوعين على تكتيكات الوحدات الصغيرة، وإجراءات مكافحة العبوات الناسفة، والتعرف على الأسلحة الأساسية. وسيستخدمون هذه المهارات إما لتأمين مناطقهم، أو المشاركة في المسيرة نحو الرقة.
وفي جميع أنحاء وادي الرقة، تواصل قوات سوريا الديمقراطية استعادة مناطق من سيطرة «داعش». وقد استعادت، وفق تصريحات المتحدث باسم التحالف، أكثر من 400 كيلومتر مربع الأسبوع الماضي، وتواصل قوات سوريا الديمقراطية تشديد الخناق حول «داعش»، وتقدمها نحو الرقة. وأفاد ديلون بأن هذه القوات تتمركز حالياً على بعد نحو 3 كيلومترات من مدينة الرقة إلى الشمال، وإلى الشرق، وهم على أبواب سد البعث إلى الغرب مباشرة.
وعن جهود التحالف لدعم تقدم قوات سوريا الديمقراطية، أكد الكولونيل ديلون أن 67 غارة استهدفت، الأسبوع الماضي، مواقع القتال وجرافات وحفارات وأنظمة مدفعية وغيرها. إلى ذلك، استهدفت غارات التحالف 3 من كبار القادة والمخططين بتنظيم «داعش» قتلوا في هجمات للتحالف بالعراق وسوريا خلال الشهرين الماضيين. وأوضح المتحدث أن مصطفى جونيز وهو عضو بالتنظيم من تركيا قد قتل في ضربة جوية بمدينة الميادين السورية في 27 أبريل (نيسان). كما أكد مقتل أبو عاصم الجزائري، مخطط فرنسي - جزائري كان مسؤولاً عن تجنيد الشباب، وقتل بالمدينة نفسها يوم 11 مايو (أيار). أما القائد الثالث، فهو أبو خطاب الريال وهو قائد عسكري قتل في القائم بالعراق يوم 18 مايو، وكان مسؤولاً عن تنسيق عمليات الدرون.
أما عن عدد القوات الأميركية المنتشرة حالياً على الأرض في سوريا، فأكد المتحدث باسم التحالف الدولي لمحاربة «داعش» أنها تقدر بـ503، مشيراً إلى أن هذا العدد «لا يشمل قواتنا (غير الدائمة) التي تدخل وتخرج (من البلاد) خلال 180 يوماً». أما عدد المقاتلين في صفوف قوات سوريا الديمقراطية المشاركين في عملية استعادة الرقة، فيصل إلى 50 ألفاً.
وتأتي تصريحات المتحدث بعد يوم على إعلان كل من حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وإثيوبيا وجيبوتي انضمامهم الرسمي إلى التحالف الدولي. وقال الكولونيل ديلون إنه على دراية برفض الناتو المشاركة في العمليات القتالية، إلا أن تدريب القوات الحليفة جانب أساسي من عمل التحالف، لافتاً إلى أنه تم تدريب نحو 101 ألف عراقي في القوات المسلحة والشرطة وشرطة الحدود وقوات مكافحة الإرهاب.



تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام»، الذي ترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بحضور عربي إسرائيلي وغياب للسلطة الفلسطينية، فتح الباب لأفكار عديدة، اختصرتها واشنطن في أموال إعمار قطاع غزة، ونزع سلاح حركة «حماس»، بينما كانت المطالب العربية مرتبطة بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع كاملاً ونشر قوات الاستقرار الدولية وتمكين لجنة التكنوقراط من عملها دون عراقيل من تل أبيب.

تلك المخرجات لهذا الاجتماع الذي حضره ممثلون من أكثر من 40 دولة، ومراقبون من 12 دولة أخرى، يراه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، قد لا تنجح في اختبار التنفيذ، لأن هناك عراقيل عديدة أبرزها عدم الانسحاب الإسرائيلي، وعدم الوصول إلى تفاهمات واضحة بشأن نزع سلاح «حماس»، وهو ما سيعقد التنفيذ بصورة كبيرة وقد تقود الاتفاق لتعثر أو تجميد.

مخاوف

وأكد الرئيس الإندونيسي، برابوو سوبيانتو، ضرورة توخي الحذر من جهود يمكن أن تقوض عملية السلام في غزة، حسب ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية»، عن وكالة «أنتارا نيوز» الإندونيسية، الجمعة.

ويحمل التحذير الإندونيسي مخاوف من التنفيذ غداة مشاركته في تدشين ترمب «مجلس السلام»، الذي شهد تركيزاً على إعادة إعمار قطاع غزة الذي مزّقته الحرب الإسرائيلية، وتشكيل قوة استقرار دولية فيه.

وأعلن ترمب أن بلاده ستتبرع بمبلغ 10 مليارات دولار للمجلس، مشيراً إلى أن السعودية وكازاخستان وأذربيجان والإمارات والمغرب والبحرين وقطر وأوزبكستان والكويت ساهمت بأكثر من 7 مليارات دولار للحزمة الإغاثية لغزة.

وشدّد ترمب على نزع سلاح «حماس»، بقوله إن الحركة ستسلم أسلحتها كما وعدت، محذراً من «ردّ قاسٍ» إذا لم تفعل. وقال: «العالم الآن ينتظر (حماس) وهي العقبة الوحيدة التي تقف في طريقنا حالياً».

ولم يختلف معه وزير خارجية إسرائيل، جدعون ساعر، في كلمته، باجتماع مجلس السلام، معلناً دعمه خطة نزع سلاح «حماس» وغيرها من الفصائل، وسبقه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتأكيد قبل الاجتماع أنه «لن يكون هناك إعادة إعمار قبل نزع سلاح غزة».

فيما أعلن الجنرال جاسبر جيفرز، قائد قوة الاستقرار الدولية التي تم تشكيلها حديثاً، في كلمته بالاجتماع، أن إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا تعهدت جميعاً بإرسال قوات للمشاركة في الجهود. بالإضافة إلى ذلك، وافقت مصر والأردن، البلدان المحاذيان لقطاع غزة، على تدريب قوات الشرطة والأمن.

بينما أكدت مصر في كلمتها التي ألقاها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أهمية الحفاظ على الارتباط بين الضفة الغربية وغزة، لتمكين السلطة الفلسطينية من استئناف مسؤولياتها في القطاع، داعياً لتمكين الفلسطينيين من مباشرة أمورهم، وتمكين «لجنة التكنوقراط»، من مباشرة أعمالها من داخل القطاع وبكل مناطقه.

وتعهد رئيس مجلس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في كلمته، بتقديم الدوحة مليار دولار لدعم مهمة المجلس للتوصل إلى حل نهائي، مؤكداً أن مجلس السلام تحت قيادة ترمب «سيدفع للتنفيذ الكامل لخطة الـ20 بنداً دون تأخير».

الملاكمة الفلسطينية الهاوية النازحة فرح أبو القمسان أمام أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)

ويرى المحلل في الشؤون الإسرائيلية في مركز الأهرام للدراسات، الدكتور سعيد عكاشة، أن ما تم طرحه في «مجلس السلام» لا يحمل خططاً واضحة، وسيقود لارتباك في تنفيذ الاتفاق وربما تعثر وجمود، مشيراً إلى أن ترمب سارع في تحقيق إنجاز بتدشين المجلس دون التركيز على إنهاء العقبات والوصول إلى تفاهمات لها أولاً.

ويتفق معه المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، مشيراً إلى أن «تعهدات المجلس قد تتعثر في اختبار التنفيذ لأنه مُصَر على المضي في نقاط اقتصادية مثل جلب أموال للإعمار دون إعلان خطة واضحة أو نقاط أمنية مثل نزع سلاح (حماس) دون الحديث عن انسحاب إسرائيل أو مستقبل الحركة».

وتابع: «هذا البعد عن الالتزامات السياسية للمجلس يعد إشكالية وسيصطدم بتعقيدات أمنية تؤخر تنفيذ البنود الشائكة مثل نشر قوات الاستقرار أو انسحاب إسرائيل أو تمكين (لجنة التكنوقراط)».

أولوية «حماس»

بالمقابل، واصلت «حماس» عدم الصدام مع تصريحات ترمب التي يصدرها بشأن نزع سلاحها الأيام الأخيرة، معلنة في بيان الخميس، أن أي ترتيبات في قطاع غزة يجب أن تبدأ بـ«وقف كامل للعدوان الإسرائيلي».

وتعقيباً على الاجتماع، أكدت «حماس»، في بيان، مساء الخميس، أن «أي مسار سياسي أو ترتيبات تُناقش بشأن قطاع غزة ومستقبل شعبنا الفلسطيني يجب أن تنطلق من وقف كامل للعدوان ورفع الحصار وضمان الحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا، وفي مقدمتها حقه في الحرية وتقرير المصير».

فيما قال الوسيط الأميركي بشارة بحبح في تصريحات صحافية الخميس، إن نزع سلاح «حماس» مرهون بتقديم ضمانات وحماية عناصرها.

ويستبعد عكاشة أن يتوقف العدوان في غزة، كما تريد «حماس»، طالما لم يتم نزع السلاح، حسب ما تكشف عنه التصريحات الأميركية والإسرائيلية، مشيراً إلى أن «هذا المسار التي ترسمه الحركة يقول إنها تريد البقاء وهو ما لن يسمح باستكمال بنود الاتفاق وقد نفاجأ بعودة للحرب، في ظل عدم حسم واشنطن صلاحيات وموعد نشر قوات الاستقرار».

ويعتقد نزال أنه «لا يمكن التفاوض مع (حماس) على انتهاء وجودها وتقبل، لا بد أن يتم بحث مستقبلها، وإنهاء معادلة المقايضات والتوجه لتفاهمات حقيقية وجادة».


الحوثيون يعطّلون مشاريع خدمية في 5 محافظات يمنية

قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
TT

الحوثيون يعطّلون مشاريع خدمية في 5 محافظات يمنية

قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)

شهدت خمس محافظات يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية تعطيل عدد من المشاريع الخدمية الحيوية، في تطور وصفته مصادر حقوقية بأنه سعي من الجماعة الانقلابية لمفاقمة المعاناة الإنسانية والضغوط المعيشية على ملايين السكان.

وشملت عمليات الإيقاف والتعطيل مشاريع مياه وطرق رئيسية كانت تمثل شريان حياة لآلاف الأسر اليمنية، خصوصاً في المناطق الريفية التي تعاني أصلاً من ضعف الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات الفقر.

وتشير إفادات محلية إلى أن مشاريع عدة وصلت إلى مراحل متقدمة من التنفيذ بجهود مجتمعية وتمويلات محلية أو خيرية، قبل أن تتوقف بصورة مفاجئة نتيجة تدخلات مباشرة أو غير مباشرة من قبل مشرفين تابعين للجماعة الحوثية، الأمر الذي تسبب في حرمان آلاف المواطنين من خدمات حيوية، وفي مقدمتها مياه الشرب ووسائل التنقل الآمنة.

ويرى مراقبون أن تعطيل هذه المشاريع يأتي في توقيت تواجه فيه البلاد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل تدهور الاقتصاد وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل أي توقف في الخدمات الأساسية عاملاً مضاعفاً لمعاناة السكان.

نساء وأطفال في محافظة حجة يتدافعون للحصول على مياه للشرب تبرع بها فاعلو خير (فيسبوك)

في هذا السياق، تحولت أزمة المياه في محافظة عمران (50 كيلومتراً شمال صنعاء) إلى محور احتجاجات شعبية متواصلة في قرية ضحيان التابعة لمديرية خارف، حيث خرج السكان في مظاهرات غاضبة تنديداً بتعطيل مشروع مياه عمومي يخدم نحو ثلاثة آلاف نسمة. ورفع المحتجون لافتات تطالب بإعادة تشغيل المشروع ومحاسبة المتسببين في تعطيله، مؤكدين أن انقطاع المياه حوّل حياتهم اليومية إلى معاناة مستمرة.

وبحسب شهادات محلية، فإن المشروع توقف منذ أشهر طويلة نتيجة صراع بين مشرفين حوثيين على الإيرادات المالية الخاصة به، بعد اتهامات متبادلة بنهب العائدات وتحويلها لمصالح شخصية. وأدى ذلك الخلاف إلى توقف كامل للخدمة، تاركاً السكان دون مصدر منتظم لمياه الشرب.

ويؤكد أحد أبناء المنطقة (تحدث باسم مستعار) أن تجاهل مطالب الأهالي يعكس حجم الإهمال الذي تعانيه المناطق الريفية، محذراً من تداعيات صحية خطيرة مع استمرار انقطاع المياه، خصوصاً في ظل غياب البدائل وارتفاع أسعار نقل المياه من مناطق بعيدة.

وتشير مصادر حقوقية إلى أن أزمة المياه في عمران نموذج متكرر لواقع الخدمات في مناطق عدة، حيث تتحول المشاريع العامة إلى أدوات نفوذ وصراع، بدلاً من كونها وسائل لتحسين حياة السكان.

ابتزاز وتعطيل في إب

في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) أفادت مصادر محلية بتوقف مشروع مياه يخدم عشرات القرى في مديرية العدين غرب المحافظة، بعد ضغوط وعمليات ابتزاز تعرض لها القائمون على المشروع من قبل نافذين حوثيين. ويخدم المشروع سكان نحو خمسين قرية في عزلة «بني هات»، وكان يوفر المياه بأسعار منخفضة تتناسب مع الظروف الاقتصادية المتدهورة للأهالي.

وأوضحت المصادر أن القائمين على المشروع رفضوا دفع إتاوات مالية مفروضة عليهم، الأمر الذي أدى إلى إيقاف المشروع منذ مطلع الشهر الحالي. ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه السكان أصلاً من نقص مزمن في الخدمات الحكومية، ما جعل المشروع يمثل شرياناً أساسياً للحياة اليومية.

الحوثيون يستهدفون بالطيران المسيّر معدات لشق طريق للسكان جنوب تعز (إكس)

ويقول سكان محليون إن توقف المشروع أجبر كثيراً من الأسر على شراء المياه بأسعار مرتفعة، ما استنزف دخولهم المحدودة، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف النقل والوقود. كما حذر ناشطون من أن استمرار تعطيل المشاريع المجتمعية قد يدفع المبادرات المحلية إلى التراجع خوفاً من الضغوط أو الخسائر.

ويرى مراقبون أن فرض الإتاوات على المشاريع الخدمية يهدد بوقف المبادرات التنموية القائمة على الجهود المجتمعية، والتي أصبحت تمثل بديلاً شبه وحيد لتعويض غياب المؤسسات الحكومية الفاعلة.

استهداف الطرق

في محافظة تعز (جنوب غربي) توقفت أعمال شق طريق حيوي في مديرية سامع جنوب المدينة عقب استهداف معدة هندسية بطائرة مسيّرة، ما أدى إلى توقف كامل للمشروع الذي كان من المنتظر أن يسهم في ربط عدد من القرى المعزولة وتسهيل حركة السكان والبضائع.

وأثار الحادث موجة استياء واسعة بين الأهالي، الذين رأوا أن استهداف المشاريع الخدمية يمثل تهديداً مباشراً لحياتهم اليومية، مطالبين بتوفير حماية للمبادرات التنموية وضمان عدم تعرضها لأي أعمال عسكرية أو استهداف مباشر.

أما في محافظتَي ريمة وحجة (جنوب غربي وشمال غربي)، فقد اتهم مواطنون وناشطون الجماعة الحوثية بعرقلة مشاريع مياه وصيانة طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في تفاقم عزلة القرى الجبلية وارتفاع تكاليف التنقل والحصول على المياه. ويعاني أكثر من 120 ألف نسمة في حجة من شح حاد في مياه الشرب، في حين يواجه سكان ريمة صعوبات يومية بسبب تهالك الطرق ووعورة التضاريس.

جانب من احتجاجات سابقة أمام مبنى محافظة عمران الخاضعة للحوثيين (إكس)

وأجبر تدهور الطرق كثيراً من المرضى على قطع مسافات طويلة للوصول إلى المرافق الصحية، كما عاق وصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق نائية، ما فاقم الوضع الإنساني والصحي للسكان.

ويؤكد محللون أن تعطيل مشاريع المياه والطرق لا يقتصر أثره على الخدمات المباشرة فحسب، بل يمتد ليؤثر على قطاعات الصحة والتعليم والتجارة، ويعمق حالة الاعتماد على المساعدات الإنسانية.

وفي ظل هذه التطورات، دعا ناشطون ووجهاء محليون إلى تحييد المشاريع الخدمية عن الصراعات السياسية والعسكرية، والسماح باستكمالها باعتبارها ضرورة إنسانية مُلحّة.


«الرئاسي اليمني» يتوعد بالتصدي لعناصر التخريب والفوضى

عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)
عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)
TT

«الرئاسي اليمني» يتوعد بالتصدي لعناصر التخريب والفوضى

عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)
عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)

على خلفية محاولة عناصر موالية لما كان يُعرف بـ«المجلس الانتقالي الجنوبي» اقتحام القصر الرئاسي في عدن، شدد مجلس القيادة الرئاسي اليمني على أنه لن يسمح بحدوث فوضى في المدينة أو في سائر المحافظات الجنوبية، متهماً قوى إقليمية بالضلوع في تحركات مشبوهة لزعزعة الاستقرار وتقويض وحدة الصف.

وقال مصدر مسؤول في رئاسة مجلس القيادة، إن قيادة الدولة تابعت بأسف بالغ ما أقدمت عليه عناصر خارجة عن النظام والقانون من أعمال تحريض، وحشد مسلح ومحاولات متكررة للاعتداء على مؤسسات الدولة في العاصمة المؤقتة عدن، وما نجم عنها من سقوط ضحايا غداة انعقاد أول اجتماع للحكومة الجديدة التي شرعت في تحديد أولوياتها للنهوض بأوضاع المحافظات المحررة، وتحسين الخدمات، وتعزيز سُبل العيش الكريم للمواطنين.

وأوضح المصدر أن الأجهزة الأمنية تعاملت مع هذا التصعيد غير المسؤول بأقصى درجات ضبط النفس، وعملت على تفريق التجمعات التي حاولت قطع الطرقات وإثارة الشغب، واستهداف قوات الأمن بينما كانت تقوم بواجباتها الوطنية في حماية المنشآت السيادية وحفظ الأمن العام، وفقاً للقانون.

قوات الأمن تواجه أنصار «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل خلال اشتباكات أمام القصر الرئاسي في عدن (أ.ب)

وأعرب المصدر عن بالغ الأسف لسقوط ضحايا جرّاء هذا التصعيد المنظم، مؤكداً أن الجهات التي قامت بالتمويل، والتسليح، والتحريض، ودفع عسكريين بزي مدني إلى المواجهة مع قوات الأمن، تتحمل كامل المسؤولية السياسية والأخلاقية والقانونية عن إراقة مزيد من دماء اليمنيين، والمقامرة بأمن العاصمة المؤقتة، ومصالح أبنائها.

وأكد المصدر الرئاسي أن قيادة الدولة، مع احترامها الكامل لحق التعبير السلمي المكفول دستورياً، تُشدد على أن أي اعتداء على مؤسساتها الوطنية أو تعطيل لعملها، أو استخدام الشارع وسيلة ضغط لتحقيق أهداف سياسية غير مشروعة، يُعد مساساً بالشرعية الدستورية ومصالح المواطنين، وسيُواجه بحزم، ولن يُسمح بتكراره تحت أي ظرف.

رسالة حاسمة

وأشار المصدر في مجلس القيادة الرئاسي اليمني إلى أن انعقاد الحكومة الجديدة في العاصمة المؤقتة عدن، يمثل رسالة حاسمة على مضي الدولة في استعادة انتظام جميع مؤسساتها من الداخل، وتكريس نموذج الاستقرار، والبناء على جهود السعودية في تطبيع الأوضاع، وتحسين الخدمات العامة، والشروع في حزمة مشروعات إنمائية سريعة الأثر، بما يؤسس لمرحلة واعدة في حياة المواطنين.

وأكد المصدر أن التوقيت المتزامن لهذا التصعيد مع التحسن الملموس في الخدمات، والتحضيرات الجارية للمؤتمر الجنوبي برعاية السعودية، يُثير تساؤلات جدية حول الدور المشبوه لبعض القوى الإقليمية التي تسعى لإعادة إنتاج الفوضى وتعطيل أي مساعٍ لتوحيد الصف الوطني في مواجهة التهديد الوجودي المتمثل في الميليشيات الحوثية الإرهابية المدعومة من النظام الإيراني.

الحكومة اليمنية الجديدة عقدت أول اجتماع لها في عدن (إكس)

وشدد المصدر على أن الدولة لن تسمح بتحويل عدن والمحافظات الجنوبية إلى ساحة للفوضى، وتنفيذ مشروعات إقليمية مشبوهة، وأنها ماضية، بدعم من السعودية، في حماية مواطنيها ومصالحهم العليا، وردع أي أنشطة تستهدف زعزعة الأمن والاستقرار أو تعطيل مسار البناء وإعادة الإعمار، واستعادة مؤسسات الدولة.

كما دعا المصدر الرئاسي المواطنين في عدن وبقية المحافظات المحررة إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية لحماية المكتسبات المتحققة، وعدم الانجرار وراء دعوات الفوضى الصادرة عن عناصر فارين من وجه العدالة وكياناتها المنحلة المدعومة من الخارج، في إشارة إلى ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي».

واختتم المصدر الرئاسي تصريحه بالقول: «إن مستقبل الجنوب لن يُبنى بالاعتداء على مؤسسات الدولة أو تعطيلها، بل بإعادة إعمارها، وتحسين خدماتها، والمشاركة الواعية والمسؤولة في الحوار الجنوبي المرتقب».