ماكرون في حفل تنصيبه: حان لفرنسا أن ترتقي لمستوى التحديات الراهنة

شدد على رص صفوف الفرنسيين وتمسك بتنفيذ وعوده السابقة

ماكرون مصافحا الرئيس السابق فرنسوا هولاند عند مدخل قصر الإليزيه أمس (أ.ف.ب) ... ومع زوجته بريجيت في باحة قصر الإليزيه (أ.ف.ب)
ماكرون مصافحا الرئيس السابق فرنسوا هولاند عند مدخل قصر الإليزيه أمس (أ.ف.ب) ... ومع زوجته بريجيت في باحة قصر الإليزيه (أ.ف.ب)
TT

ماكرون في حفل تنصيبه: حان لفرنسا أن ترتقي لمستوى التحديات الراهنة

ماكرون مصافحا الرئيس السابق فرنسوا هولاند عند مدخل قصر الإليزيه أمس (أ.ف.ب) ... ومع زوجته بريجيت في باحة قصر الإليزيه (أ.ف.ب)
ماكرون مصافحا الرئيس السابق فرنسوا هولاند عند مدخل قصر الإليزيه أمس (أ.ف.ب) ... ومع زوجته بريجيت في باحة قصر الإليزيه (أ.ف.ب)

في الساعة العاشرة ودقيقتين صباحا، دخلت سيارة مصفحة استقلها الرئيس الفرنسي الجديد باحة قصر الإليزيه، اصطف عن يمينها مستشارو الرئيس السابق فرنسوا هولاند ومستشاروه ومساعدو وموظفو القصر الرئاسي لاستقبال الرئيس القادم، وتوديع الرئيس المغادر. أما على اليسار فقد تزاحم الصحافيون على أفضل المواقع لالتقاط أجمل الصور في هذا اليوم التاريخي للجمهورية الفرنسية، حيث يستضيف القصر أصغر رئيس «39 عاما» في تاريخ الجمهورية.
في الداخل، وتحديدا في صالة الأعياد «صالون مورا» المسماة على اسم الجنرال مورا الذي كان أحد أهم جنرالات الإمبراطور نابليون الأول، وقف 300 مدعو متأهبين بانتظار الرئيس المنتخب، بينهم كبار الدولة من رؤساء مجلس الشيوخ والنواب والوزراء والمجلس الدستوري والوزراء، وسياسيون من اليمين واليسار وممثلو السلطات الدينية وعائلة ماكرون.
أكثر من ثلاث ساعات دام انتظار الصحافة لأن التقليد الرئاسي يقول إن الرئيس الوافد والمغادر يعقدان خلوة تدوم في العادة أقل من 40 دقيقة تخصص لاطلاع الرئيس الجديد على «أسرار» الدولة الفرنسية، وعلى المحادثات والاتصالات أو التفاهمات السرية التي حصلت في عهد الرئيس المغادر، ولكن خصوصا لنقل «شيفرة» استخدام السلاح النووي التي تعطى للرئيس، باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة الفرنسية، والجهة التي تعطي الأوامر بموافقة رئيس أركان القوات المسلحة باستخدام هذا النوع من السلاح.
في نحو الحادية عشرة صباحا ألقى ماكرون أول خطاب له كرئيس للجمهورية بعد أن أعلن رئيس المجلس الدستوري، الوزير السابق لوران فابيوس، أن الأخير تسلم رسميا سلطاته الدستورية وبعد أن سلم أعلى ميدالية لجوقة الشرف تمنح لرئيس الجمهورية. وبعكس التقليد الذي يقول إن رئيس المجلس الدستوري يكتفي بإعلان نتائج الانتخابات رسميا، استرسل فابيوس في كلمته وكأنه يرسم «خريطة طريق» للعهد الجديد. وتذكر المراقبون أن فابيوس كان يحلم برئاسة الجمهورية. ولعل ما يجمع بينه وبين ماكرون ليس فقط أن كليهما كانا وزيرين في عهد هولاند، بل إن فابيوس كان أصغر رئيس حكومة في تاريخ الجمهورية الفرنسية إذ كان عمره 37 عاما. واستشهد فابيوس بالكاتب الفرنسي الشهير شاتوبريان ليصف ماكرون بـ«رجل عصره»، مذكرا بأن الحملة الانتخابية «قلبت الأشياء رأسا على عقب» في فرنسا، وتوجه إلى الرئيس الجديد قائلا: «إن خيار الفرنسيين السيد جعلك الرجل المكلف بتمثيله أينما كان، هنا في مناطق فرنسا، وما وراء البحار وأوروبا والعالم. أنت رئيس للجمهورية ورئيس الدولة وقائد الجيوش الفرنسية ورئيس جمهورية علمانية ديمقراطية اجتماعية ولج السهر عليها وعلى دفعها إلى الأمام وتجسيد قيمه ولغتها ورص صفوفها».
في كلمته التي زادت قليلا عن عشر دقائق، عاد ماكرون إلى الأساسيات التي قامت عليها حملته الانتخابية، ولم يدخل في التفاصيل، بل رسم صورة المبادئ والأهداف العامة التي سيسعى لتحقيقها والتي «لن يحيده عنها أي شيء». كما شدد على أهمية فرنسا على اعتبار أن «العالم وأوروبا يحتاجان اليوم أكثر من أي وقت مضى لفرنسا قوية وواثقة من نفسها ومن قدرها، ولفرنسا التي تحمل عاليا صوت الحرية والتضامن. إنهم يحتاجون لفرنسا التي تعرف أن تبتدع الغد»، ما يعكس رغبته في إعادة إحياء ثقة الفرنسيين ببلدهم وبأهميتهم في عالم اليوم.
وأضاف ماكرون مبرزا أن فرنسا هذه لها موقعها داخل الاتحاد الأوروبي «الذي نحتاج إليه، والذي يحتاج بدوره لإعادة تأسيس وإطلاق لأنه يحمينا ويسمح لنا بأن نحمل للعالم قيمنا».
وبحسب ماكرون فإن فرنسا تحتاج لأوروبا «أكثر فاعلية وأكثر ديمقراطية وأن تكون ذات طابع سياسي أكبر، لأنها أداة لقوتنا ولسيادتنا وسأعمل من أجل ذلك».
ولا يجهل ماكرون التحديات التي سيواجهها داخليا وخارجيا. وقد خص ذلك بعبارة واحدة: «سنتحمل كافة مسؤولياتنا لنأتي كل مرة تدعو الحاجة بالرد المناسب على الأزمات الكبرى المعاصرة، أكان ذلك أزمة الهجرة، التحدي المناخي، المنحنيات التسلطية أو تجاوزات الرأسمالية العالمية، وبالطبع الإرهاب».
أما بخصوص الداخل الفرنسي، فقد اعتبر ماكرون أن انتخابه في 7 من مايو (أيار) يعني أن الفرنسيين اختاروا «الأمل وروح الغلبة». ولذا يرى أنه «حان الوقت لأن ترتقي فرنسا لمستوى التحديات الراهنة». وفي رسالة موجهة للذين اتهموه بأنه مرشح النخبة ورأس المال ومجموعات الضغط، قال ماكرون إن «الانقسامات والتشققات التي تضرب المجتمع الفرنسي يتعين التغلب عليها، سواء كانت اقتصادية، اجتماعية أو سياسية وأخلاقية»، مضيفا أن أول تحد يسعى لمواجهته هو «إعادة الثقة للفرنسيين التي فقدوها منذ زمن». ولمن يعتقد أن الصعوبات التي سيلاقيها ستجعله يغير سياسته أو توجهاته، رد ماكرون بقوله إنه «لن يتراجع أبدا عن التزاماته: العمل سيتم تحريره، والشركات ستدعم والمبادرات ستشجع»، دون أن ينسى التأكيد على أن الفرنسيين «ستوفر لهم الحماية».
وفي موضوع الإرهاب قال الرئيس الجديد: «سنقوم بكل ما يجعل فرنسا بلدا آمنا ونعززه». أما بخصوص الذين يتخوفون على العلمانية ولمن اتهموه بأنه يحابي المجموعات الدينية، فقد رد قائلا إن «العلمانية سيتم الدفاع عنها.. وقوى الأمن والمخابرات والجيش ستعزز».
وبعد خطابه واستعراض قطع من القوات الفرنسية بأجنحتها الأربعة (أسلحة البر والجو والبحر والدرك) في حديقة الإليزيه، انطلق ماكرون في سيارة قيادة عسكرية مكشوفة إلى قوس النصر، واصطف الفرنسيون والسياح على طرفي الجادة وسط تدابير أمنية صارمة. وسار الموكب الرئاسي مسبوقا بكوكبة من خيالة الحرس الجمهوري وبأخرى وراءه وبعشرات الدراجين العسكريين بثيابهم الاحتفالية. وحرص ماكرون أن يقطع مسافة 150 مترا سيرا على الأقدام لتحية الحاضرين، وشد على كثير من الأيدي التي امتدت إليه. وكان رافعا يديه طيلة الطريق التي قادته إلى قوس النصر. وفي هذا السياق رأى مراقبون أن الوقت الطويل الذي كرسه ماكرون لتحية القادة العسكريين في حديقة الإليزيه ثم تحت قوس النصر، وامتطاء عربة قيادة عسكرية للوصول إلى موقع الشعلة تعكس رغبته في إرسال إشارات إلى القوات المسلحة بأنه سيكون مستمعا لمطالبها.
وعصر أمس توجه ماكرون إلى مستشفى كلامار العسكري لعيادة أفراد من الجيش أصيبوا بجروح خلال قيامهم بمهماتهم. وختم ماكرون يومه الرسمي، كما يقتضي التقليد، بزيارة بروتوكولية إلى مقر بلدية باريس حيث استقبلته عمدتها الاشتراكية آن هيدالغو.
واليوم سيقوم ماكرون بأول زيارة خارجية، إذ يتوجه كما وعد خلال حملته الانتخابية إلى ألمانيا للقاء المستشارة ميركل. ويعول ماكرون على تفاهمه مع ميركل من أجل إعادة إطلاق الاتحاد الأوروبي. ولكن قبل ذلك عليه أن يعلن عن اسم رئيس الحكومة الجديد الذي اختاره، وأن يهتم بالحملة الانتخابية التشريعية التي يريد منها أن توفر له الأكثرية البرلمانية التي يحتاجها لتنفيذ برنامجه.



«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويتر» للأنباء».

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة لبعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».