ماكس هيستينغز... سيرة إعلامي بدأ مشواره في ساحات المعركة

رئيس تحرير «التلغراف» الأسبق لـ «الشرق الأوسط» : على الصحافي أن يكون حراً طليقاً في الميدان

السير ماكس هيستينغز أمام سوميرسيت هاوس بلندن حيث حاورته «الشرق الأوسط»  (تصوير: جيمس حنا) - صورة أرشيفية لهيستينغز أثناء تغطيته  حرب الفوكلاند في عام 1982 أعادت  الـ«ديلي ميل» نشرها
السير ماكس هيستينغز أمام سوميرسيت هاوس بلندن حيث حاورته «الشرق الأوسط» (تصوير: جيمس حنا) - صورة أرشيفية لهيستينغز أثناء تغطيته حرب الفوكلاند في عام 1982 أعادت الـ«ديلي ميل» نشرها
TT

ماكس هيستينغز... سيرة إعلامي بدأ مشواره في ساحات المعركة

السير ماكس هيستينغز أمام سوميرسيت هاوس بلندن حيث حاورته «الشرق الأوسط»  (تصوير: جيمس حنا) - صورة أرشيفية لهيستينغز أثناء تغطيته  حرب الفوكلاند في عام 1982 أعادت  الـ«ديلي ميل» نشرها
السير ماكس هيستينغز أمام سوميرسيت هاوس بلندن حيث حاورته «الشرق الأوسط» (تصوير: جيمس حنا) - صورة أرشيفية لهيستينغز أثناء تغطيته حرب الفوكلاند في عام 1982 أعادت الـ«ديلي ميل» نشرها

بعد أشهر من الملاحقة والانتظار، استطاعت مديرة أعمال الصحافي البريطاني اللامع ماكس هيستينغز ترتيب لقاء يجمعني به لمدة ساعة من جدوله اليومي الحافل. التقيته في مقهى مبنى «سوميرسيت هاوس» اللندني العريق. سبعيني، طويل القامة، يرتدي معطفاً كلاسيكياً ويحمل شنطة جلدية قديمة، تخيلت لوهلة أنها كانت ترافقه في مغامراته السابقة. قهوته من دون حليب أو سكر، منديله من قماش، ولهجته أرستقراطية.
أرخ في 6 كتب تفاصيل الحروب ودفن بين صفحاتها أسرار الاستخبارات. أن تحاور أهم المراسلين الحربيين في بريطانيا ليس أمراً سهلاً، لذلك حضرت عشرات الأسئلة مسبقاً.
سألته أولاً عن أولى تجاربه في تغطية الحروب، واعترف لي أنه كان صغيراً وطائشاً حينها. إجابته بددت انطباعي الأول. فصياغته المتقنة وكنز مصطلحاته تدل على خبرة السنوات، لكن، يقبع وراءها شاب تحدى السلطة وكسر القوانين يوماً. عندها، تخليت عن النص واسترسلنا في الحديث. صراحته صادمة وخفة ظله ساخرة، وآراؤه عميقة ومثيرة للجدل.
شكرته على وقته أخيراً، هو ليباشر عمله في كتابه الجديد عن فيتنام، وأنا لإيجاد المقدمة الملائمة لتصاحب هذا الحوار الشيق. لكن، قبل أن نفترق قال لي: اخترت إجراء الحوار معك اليوم، رغم أنني أرفض عشرات المقابلات مع الصحف البريطانية، لأنني أريد الوصول إلى القراء العرب. وفيما يلي نص الحوار:

* نشأت في منزل لأب وأم كانا أعلاماً في الصحافة، فوالدك كان مراسلاً حربياً، ووالدتك كانت رئيسة تحرير مجلة الأزياء الأميركية «هاربرز بازار»، كيف أثر ذلك على اختيارك لمهنة الصحافة؟
- في مطلع شبابي، أردت أن أكون جندياً، لكنني سرعان ما اكتشفت أنني لا أمتلك الانضباط اللازم للالتحاق بالجيش، أو القدرة البدنية لأكون جندياً جيداً، فعكفت على الكتابة، وبدأت مسيرتي الإعلامية في التلفزيون، ومن ثم انتقلت إلى الصحافة الورقية.
* كيف كانت تجربتك كمراسل حربي في مختلف أنحاء العالم؟
- أعتقد أن جميع الصحافيين الشباب لديهم حلم السفر والتجوال؛ كنت من المحظوظين لبدء مسيرتي الصحافية في وقت كان العالم يشهد أحداثاً مثيرة. تلقيت منحة لأدرس المهارات الصحافية في الولايات المتحدة عام 1967. وخلال إقامتي هناك، زرت البيت الأبيض، وقابلت رؤساء أميركيين، منهم ليندون جونسون ورونالد ريغان وريتشارد نيكسون ونائب الرئيس الأسبق هوبرت هامفري. قمت بتغطية انتخابات عام 1968 الرئاسية هناك. كما كنت شاهداً على أحداث فاجعة ومحورية في الولايات المتحدة، كاغتيال مارتن لوثر كينغ وروبرت كينيدي والاحتجاجات وغيرها. كما قمت بتغطية الحرب في فيتنام. كان عمري 24 عاماً عندما زرت البلاد للمرة الأولى، كنت صغيراً وطائشاً... لكن التجربة أسرتني.
* ماذا عن تجربتك في تغطية حرب الفوكلاند؟
- في جزر الفوكلاند، أدرت أكبر خبطة صحافية في تاريخي المهني، لأن جميع زملائي من الصحافيين الحربيين لم يريدوا الذهاب إلى هناك، ليقينهم أن الحرب لن تقع، وأنه سيتم اللجوء إلى تسوية دبلوماسية، لكن الحرب وقعت بالفعل، وكنت هناك لتوثيقها، لحسن حظي. برأيي، إن أسس هذه الحرب كانت «غبية»، ومجرد منافسة على امتلاك «عقار» بين بريطانيا والأرجنتين. لكن صحافياً كانت التجربة رائعة، إلا أن البرد كان قارساً. ولأنني كنت الصحافي الوحيد هناك، كانت جميع الصحف تنشر مقالاتي وتغطيتي اليومية. وقد كتبت كتاباً ناجحاً عن تجربتي هناك.
* ذكرت للتو أنك كنت محظوظاً، وفي سيرتك تذكر أيضاً أن زوجتك قالت إنك محظوظ مهنياً... ما دور الحظ في مسيرتك المهنية؟
- للحظ دور هام في نجاحي، وكانت بدايتي موفقة. المناخ الإعلامي كان يرتكز على العلاقات والمحاباة، وأتيحت لي فرصة الالتحاق بهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في عمر الـ17 لأن والدي كان متعاوناً معهم. وأول وظيفة لي في صحيفة ورقية أتيحت لي لأن والدتي كانت تعمل في ذلك المجال. لكن الأمر تغير. واليوم، في عمر الـ71، انظر إلى الوراء وأقول: الكثير من زملائي لقوا حتفهم أثناء عملهم كمراسلين حربيين، ولكنني ما زلت على قيد الحياة مع أنني مررت بتجارب خطرة. لكن إلى جانب الحظ، الأمر الذي يجعل الصحافي متميزاً ومتقدماً في مسيرته هو تحدي السلطة، فعلى الصحافي الماهر أن يكسر القوانين بين فينة والأخرى إلى جانب القلم الجميل وموهبة الكتابة.
* في كتابك «الذهاب إلى الحروب»، هناك فصل يهم القراء العرب عن إسرائيل، وتجربتك هناك، هل تغيرت آرائك عن الدولة الإسرائيلية منذ ذلك الحين؟
- كنت في السابق من مؤيدي إسرائيل خلال أواخر ستينات ومطلع سبعينات القرن الماضي. لكن في أواخر السبعينات، أصبحت شاهداً على عدوان إسرائيل ومعاملتها للشعب الفلسطيني، وأفعال الحكومات الإسرائيلية الظالمة، ولم أعد أحب إسرائيل. واليوم، أنا من أشد معارضي الحكومة الإسرائيلية. وسيأتي يوم تندم فيه الدولة الإسرائيلية على ممارساتها الظالمة.
* ما موقفك الحالي تجاه الوضع في منطقة الشرق الأوسط؟
- هذا الملف معقد جداً، لكنني أعتقد أننا أخفقنا في سياساتنا في الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة. بدأت تلك الإخفاقات منذ حرب العراق عام 2003. أنا كنت ضد التدخل في سوريا لضبابية الخطة البريطانية، رغم أنني أعارض الأسد، لكن لا أظن أن على بريطانيا هجر الشرق الأوسط، إلا أن تدخلاتها يجب أن تكون دبلوماسية وسياسية وليست عسكرية.
خلال مسيرتي المهنية، كتبت الكثير من الكتب عن الاستخبارات. وبرأيي، إن الاستخبارات البريطانية منظومة قوية جداً، ولديها معلومات كثيرة عن الشرق الأوسط، إلا أننا نفتقر إلى معرفة بحيثيات العلاقات القبلية والاجتماعية هناك. لذلك يجب أن لا نعتمد فقط على استخباراتنا، بل يجب العمل على تطوير مهاراتنا الدبلوماسية. لست من أكبر المتفائلين بفترة رئاسة ترمب، إلا أن إخفاقات أوباما في الشرق الأوسط تضغط على الرئيس الحالي لإعادة رسم سياسات جديدة في المنطقة.
* كيف تقيم المناخ الإعلامي اليوم؟ هل تدنت الجودة مع ازدياد المطبوعات والقنوات؟
- كتب صحافي بريطاني في عام 1968، حول تغطية الأخبار آنذاك، وقال إن: هنالك كماً هائلاً من المعلومات مقابل نسبة قليلة من المعرفة. وهذه الجملة كانت صحيحة في حينها، وأكثر صحة اليوم.
أثناء عملي مع الـ«بي بي سي» خلال السبعينات، كان يتوفر للمراسلين مخصصات مالية ضخمة، ليجوبوا العالم مع طاقم متكامل. وكنت أسافر بين القارات حينها. وكل رحلة كانت تستغرق 4 - 5 أسابيع، في سبيل إنتاج وثائقيات لا تتعدى مدتها النصف ساعة. أما اليوم، لا نجد ذلك. كان لدينا الدعم المالي والفرص. فعندما كنت رئيس تحرير صحيفة «التلغراف»، كان لدينا نحو 19 مراسل في الخارج والميزانية الملائمة لتغطيتهم. أما اليوم، فتغير الأمر. هناك الكثير من الوسائل لتلقي ونشر المعلومات، ولكنها تفتقر إلى المعرفة. أرى أن هناك قلة في الكوادر المتخصصة. ففي السابق، عندما كنت أعمل في الصحافة الورقية، كان هنالك زملاء لي مختصون بتغطية شؤون الدفاع. وكانوا يعرفون جميع حيثيات الملف، وحتى أنواع الأسلحة والترسانات. أما اليوم، لا يعرف معظم المراسلين الأمنيين الفرق بين الكتيبة واللواء.
* كيف بإمكاننا تصحيح هذا إذن؟
- علينا دراسة الأمور والتمعن بها لتكوين الآراء قبل النشر والتسرع. وقد نغير آراءنا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، غيرت رأيي أكثر من مرة عن أوروبا. كنت من معارضي الانضمام للاتحاد الأوروبي في السابق، لكنني الآن من معارضي الخروج منه. برأيي الأمر التراجيدي حول «بريكست» أن من صوتوا للخروج يريدون إعادة بريطانيا إلى زمن كتابات أغاثا كريستي في خمسينات القرن الماضي. كنت موجوداً حيناً، ولم تكن الأمور رائعة، والحنين إلى الماضي والنوستالجيا أمر محزن. «بريكست» درس لنا، وآمل أن نتعلم منه في المستقبل.
* كرئيس تحرير سابق لصحيفة «التلغراف» في أواخر ثمانينات القرن الماضي وإلى منتصف التسعينات، كان ضمن كادرك أحد أبرز مناصري «بريكست»، وهو وزير الخارجية بوريس جونسون، إذ كان يشغر وظيفة محرر ثم مراسل الصحيفة لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل، ومن ثم رفضت طلبه بتعيينه كمراسل حربي، وقمت بترقيته إلى مساعد رئيس تحرير وكبير كتاب الرأي. كيف تصف العلاقة بينكما؟
- برأيي الشخصي، بوريس ليس مؤهلاً لأي منصب حكومي، إلا أنه صحافي ممتاز. كان بوريس من أحد الصحافيين المفضلين لدي خلال فترة رئاسة تحريري لـ«التلغراف»، وذكرته في سيرتي الذاتية. كان صحافياً موهوباً، لكن غير منضبط. وهو اليوم، كوزير خارجية البلاد، رجل موهوب جدا، لكنه يفتقر إلى حس المسؤولية.
* عند تعيينك كرئيس تحرير «التلغراف»، قمت بتحويل الخسارات المادية السنوية إلى أرباح مضاعفة، كيف استطعت فعل ذلك؟
- تسلمي رئاسة تحرير «التلغراف» كان تحدياً مخيفاً لي لأنه كان أول منصب قيادي في حياتي في سن التاسعة والثلاثين. وقد عارض كثير من الناس قرار تعييني، ومنهم روبرت مردوخ. لكنني لطالما كنت على يقين أن بإمكان المرء تولي القيادة إن قام بتحديد الأهداف، وتحمل المسؤولية عند التعرض للعقبات والمشكلات، والاستثمار بالطاقات المنتجة والكوادر الموهوبة، والاستغناء عن الموظفين غير المهنيين. وواحدة من الموظفات التي اضطررت أن أقيلها كانت كريمة رئيسة الوزراء مارغريت ثاتشر. وظننت حينها أن ثاتشر ستعتبر قرار الإقالة مهنياً، إلا أنه أغضبها، واحتل الصفحات الأولى لجميع الصحف الأخرى. واعتقد الجميع أنه ستتم إقالتي، وحتى أنا ظننت ذلك لوهلة. لكنني نجوت، وكسبت احترام أهل الصحافة. لكن علاقتي مع الحكومة كانت متوترة لأنني خرقت تقليد تأييد «التلغراف» الأعمى لحكومة المحافظين، وبدأنا بانتقاد بعض القرارات الصادرة عن حكومة ثاتشر، وشعرت حينها بخيبة الأمل و«الخيانة» إلى حد ما، لكن مالك الصحيفة كونراد بلاك أيد جميع قراراتي.
* كيف تقيم الصحف البريطانية اليوم؟
- أعتقد أن «التايمز» التي يملكها روبرت مردوخ صحيفة جيدة، وتجسد أفضل مثال لنموذج الصحيفة الرصينة التي تحتوي على كثير من الآراء والأبواب. لكن جدير بالذكر أن مردوخ يمتلك «فوكس نيوز» في أميركا، القناة التي اعتبرها تفتقر إلى المهنية أو المصداقية.
* ذكرت في سيرتك الذاتية أن سبب نجاح صحيفة «صنداي تايمز» كان اعتمادها على السبق الصحافي، لكنك قلت أن «التلغراف» لم تعتمد على الشيء نفسه لكسب شهرتها. إذن ما الذي يميز الأخيرة؟
- كان لـ«التلغراف» دور مختلف. كنا دوماً صحيفة توفر المعلومات لقرائها، ولهذا كان كادر مراسلينا هائل. وفي الثمانينات، كنا ننشر أكثر من 17 خبراً وقصة على صفحتنا الأولى من شتى أنحاء العالم. كانت صحيفة رصينة ذات أخبار دولية، لكن اليوم للأسف خسر القراء شهيتهم لتلقي الأخبار الجادة والدولية، وباتوا مهتمين بأخبار النجوم، وبات قراء مطبوعات جادة مثل الـ«فايننشال تايمز» و«الإيكونوميست» أقلية.
* ما نصيحتك للصحافيين الشباب اليوم الذين يطمحون للمساهمة في إنعاش الصحف الرصينة والأخبار الجادة؟
- مهنة الصحافة باتت تحدياً صعباً اليوم. فعندما أزور «بي بي سي»، وأتحدث مع موظفيها الشباب، يؤسفي تدني الرواتب التي يتقاضونها، وغياب الضمانات والعقود الدائمة. ولم يكن هذا الحال في السابق، فجميع موظفي «التلغراف» كانوا يتقاضون رواتب مناسبة. برأيي، الصحافي المميز هو الذي يعتبر القصة التي يعمل عليها أهم أولوية في حياته إلى حين نشرها، ويفعل المستحيل لجمع المعلومات والحقائق. على الصحافي أن يكون كالنمر في كل الأحيان، ويصل طموحه إلى حد الجنون. وأعرف كثيراً ممن امتهنوا الصحافة، إلا أنهم لم يلمعوا، والسبب ليس لأنهم افتقروا إلى الذكاء، بل لأنهم لم يولوا كل الاهتمام لقصصهم.
* أذن هل اضطررت يوماً لعمل المستحيل لنشر قصة عملت عليها؟
- نعم، حدث هذا خلال أوائل مهماتي كمراسل حربي لصحيفة «إيفنينغ ستاندرد» لتغطية الحرب الأهلية النيجيرية. كنت مع أحد أقدم أصدقائي مراسل صحيفة «التايمز»، واستطعنا تحصيل سبق صحافي من بيافرا. واتجهنا إلى لاغوس بحثاً عن هاتف للاتصال بلندن لنقل الخبر. وكنت على علم أنه إن اضطررت الانتظار حتى الوصول إلى لاغوس للتواصل مع صحيفتي، سيسبقني زميلي بالسبق لأن «التايمز» تنشر صباحاً و«ستاندرد» مطبوعة مسائية. فقررت إجراء مكالمة من بنين على الطريق إلى لاغوس. وطوال رحلتي أنا وزميلي من بيافرا إلى بنين، درست جميع الطرق في رأسي لمنع زميلي من الوصول إلى هاتف قبلي، حتى خطر على بالي أن أترجل من سيارة الأجرة وأتركه وحده. كنت في الثانية والعشرين من عمري، وطموحي كبير جداً، والسبق الصحافي على رأس أولوياتي.
* تذكر أيضًا في سيرتك الذاتية أن مقبرة الصحافيين هي الجلوس وراء مكاتبهم، لماذا؟
- على الصحافي أن يكون حراً طليقاً في الميدان، ليتعرف على الشخصيات المثيرة للاهتمام، ويجمع قصصاً والسبق الصحافي، لكن في يومنا هذا، أصبح الصحافي ملزم بعدة مهام، منها التحرير وكتابة قصص للنسخة الورقية والإلكترونية، إلى جانب التفاعل على وسائل التواصل أيضاً، ما يستنزف من وقته في الميدان.
* لو كنت لا تزال رئيس تحرير "التلغراف" اليوم، فكيف كنت ستديرها؟
- لم أقم بنقد «التلغراف» منذ أن تركتها، لأنني لا أومن بالالتفات إلى الوراء والنقد. وأواظب الآن على كتابة كتاب حول حرب فيتنام، وهذا يستغرق كل تركيزي.



لماذا يهتم الإعلام العالمي بحروب ويتجاهل أخرى؟

لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
TT

لماذا يهتم الإعلام العالمي بحروب ويتجاهل أخرى؟

لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)

في حين تتصدر بعض الحروب والنزاعات اهتمامات وسائل الإعلام الدولية، فإن حروباً أخرى قد تكون أكثر مأساوية، تتوارى ولا تجد طريقها إلى العناوين الرئيسية. وهذا ما أرجعه خبراء لأسباب عدة من بينها هيمنة الغرب على الإعلام، وقلة اهتمامه بالصراعات في الدول الفقيرة، إضافةً إلى مستوى تعقيد نزاعٍ ما وطول أمده.

في تقرير نشره «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، أخيراً، ذكر أنه بخلاف نزاعَي أوكرانيا والشرق الأوسط، «من غير المرجح أن تحظى حروب أخرى باهتمام الإعلام الدولي». ولفت التقرير إلى أنه «بدءاً من عام 2025، كان هناك 59 نزاعاً نشطاً بين دول حول العالم، وهو أعلى عدد منذ الحرب العالمية الثانية وفقاً لمعهد الاقتصاد والسلام».

أيضاً تضمّن تقرير «معهد رويترز» مقابلات مع ثلاثة صحافيين من بوركينا فاسو وأوغندا وإثيوبيا سبق لهم تغطية نزاعات وحروب، أعربوا كلهم عن إحباطهم من ضعف التغطية لقصص لها تأثير إنساني عميق.

ثم أشار التقرير إلى أن «الأزمات في الدول الفقيرة، خصوصاً في أفريقيا، تحظى باهتمام أقل من غيرها... وأنه خلال عام 2024 رصد المجلس النرويجي للنازحين تغطية إعلامية ضئيلة لأكثر أزمات النزوح، ثمانٍ منها كانت في أفريقيا، حيث تصدّرت الكاميرون وإثيوبيا وموزمبيق القائمة».

الأهمية الجيوسياسية

وأضاف أن «التغطية الإعلامية للنزاعات تعكس رؤية ضيقة تشكلها الأهمية الجيوسياسية أكثر من الإلحاح الإنساني». ثم لاحظ أن نتائج دراسة لـ«المرصد الأوروبي للصحافة» بيّنت إن «نحو 10 في المائة فقط من وقت البث في نشرات الأخبار العامة في ألمانيا وسويسرا والنمسا يُخصص لدول الجنوب العالمي».

محمد عبد الحميد عبد الرحمن، الصحافي السوداني ورئيس تحرير القسم العربي في إذاعة هولندا العالمية ومدير وكالة السودان للأبناء سابقاً، رأى أن «هناك علاقة معقدة بين الإعلام والسياسة والرأي العام». وأوضح في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أن «الإعلام في أثناء الحرب لا يغطي ولا يعكس الواقع كما هو، بل يعكس ما يُعد مهماً أو قابلاً للتسويق أو يخدم سرديات معينة، لذلك تختلف التغطية من حرب إلى أخرى». ثم أردف: «المصالح الجيوسياسية، خصوصاً للدول الكبرى وحلفائها، وتحديداً أميركا ودول غرب أوروبا، هي التي تحدد مدى وكيفية تغطية الحروب ومبرّراتها وفظائعها ومترتباتها الإنسانية الفادحة».

ومن ثم، أضاف عبد الرحمن، الذي عمل خلال مسيرته المهنية مراسلاً حربياً في السودان والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا: «الاهتمام الإعلامي الدولي بالحروب يتناسب طردياً مع مدى تأثيرها على مصالح القوى الدولية والإقليمية واستراتيجياتها إلى حد ما»، لافتاً إلى تراجع الاهتمام بالوضع في السودان مع اندلاع حرب غزة، وتراجع الاهتمام بغزة في ظل استحواذ أوكرانيا على الاهتمام.

بعدها تطرّق الصحافي السوداني إلى «عوامل أخرى تؤثر في تغطية الحروب؛ من بينها البُعد الجغرافي لموقع الحرب عن مواقع مؤسسات الإعلام الدولية الكبرى، حيث غالباً ما تهم النزاعات التي يصعب الوصول إليها». وفي مقارنة بين حرب أوكرانيا والنزاع الممتد منذ عقود في الكونغو الديمقراطية، قال عبد الرحمن إن «وسائل الإعلام تتجنّب الخوض في النزاعات المعقّدة التي تتطلّب معرفة معقولة بخلفياتها، وتميل إلى التركيز على النزاعات التي يمكن تبسيطها إلى نزاع بين قوى شريرة وأخرى خيّرة ومظلومة».

الدمار في غزة (آ ف ب)

ملاحقة الجديد وهجر الحروب الطويلة

وأردف: «الصحافيون وأجهزة الإعلام عادةً ما يميلون إلى ملاحقة الجديد والابتعاد عن الحروب الطويلة، فكل كارثة تسرق الأضواء من سابقاتها، لكن رغم ذلك تلعب التغطية الإعلامية دوراً مهماً جداً، بل وحاسماً في بعض الأحيان، لتشكيل الرأي والضغط على أطراف النزاع والمجتمع الدولي للتخفيف من حدة النزاع أو تصعيده حسب المصالح المعرَّضة للخطر جرّاء استمرار الحرب».

من ناحية أخرى، وفق محمد عبد الحميد عبد الرحمن، «التغطية المتحيزة أو المتأثرة بالمصالح قد تعمل في بعض الأحيان على إطالة أمد الحرب؛ ذلك إلى أن استمرار تغطية نزاعٍ ما لفترة طويلة لا يعني بالضرورة استمرار اهتمام الرأي العام به، بسبب ما يمكن أن نسميه إرهاق التغطية والمتابعة والتعاطف».

وتابع: «لا تؤدي التغطية المكثفة بالضرورة إلى إنهاء النزاعات والميل إلى إنهائها كما نلاحظ بوضوح في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي... لأن المواقف الدولية تحكمها المصالح والتحالفات ولا تخضع في معظم الأحيان للضغط الإعلامي».

على صعيد متصل، وفق تقرير «معهد رويترز»، فإن «النزاعات بين الدول المستقلة تحظى بتغطية أكبر من النزاعات الداخلية؛ نظراً إلى تأثيرها الأوسع على السياسة العالمية والاستقرار الاقتصادي. أما النزاعات في المناطق الأقل تأثيراً اقتصادياً، فمن المرجح تجاهلها بغضّ النظر عن شدّتها أو آثارها الإنسانية... يلعب القرب الثقافي دوراً في تحديد الخبر المهم، وغالباً ما تحظى النزاعات التي يشعر الجمهور الغربي بأنها أقرب إليه بتغطية كبرى».

هنا أرجع يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، غياب بعض الحروب عن العناوين الرئيسية، جزئياً، إلى «هيمنة الغرب على وسائل الإعلام والاتصال». وقال لـ«الشرق الأوسط» خلال حوار معه، إن «تجانس المحتوى الإعلامي يزيد من تفاقم أوجه عدم المساواة أو الاختلال في التوزيع العالمي للمحتوى الإعلامي».

وقارن بين حجم التغطية الإعلامية للحروب الجارية في أوكرانيا وإيران، وحجم التغطية للحروب المستعصية المستمرة منذ عقود في الصومال والسودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، فنبّه إلى أن «توزيع وسائل الإعلام يفترض ضمناً هيمنة السياسة والاتصال ورأس المال».

لجنة ماكبرايد

كذلك تطرّق إكو إلى إنشاء «اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال» عام 1977 برئاسة الآيرلندي شون ماكبرايد (حامل جائزة نوبل للسلام)، ومشاركة ممثلين من 15 دولة أخرى. وقال إن اللجنة أعدَّت فيما بعد تقريراً بعنوان «أصوات متعددة... عالم واحد»، عُرف بـ«تقرير ماكبرايد»، شدد على «وجود اختلال فادح بين الشمال والجنوب، لا تزال أصداؤه تتردد إلى اليوم».

وللعلم، كان إكو قد أجرى عام 1991 دراسة حول تغطية الصحف النيجيرية للأزمات الإقليمية والدولية، كدراسة حالة عن ليبيريا وحرب الخليج. وذكر أن «الدراسة أظهرت أن وسائل الإعلام الغربية آنذاك، لا سيما (سي إن إن) الأميركية و(بي بي سي) البريطانية كانتا تقودان السرديات المتعلقة بالحروب... وهذا الوضع لم يتغير، إذ ما زال الإعلام الغربي يهيمن على سرديات الحروب حتى الآن».

أما بالنسبة إلى «حرب غزة»، فقد أورد تقرير «معهد رويترز» أنه «رغم التغطية الكبيرة للحرب في غزة، فإن بعض الضحايا يحظون باهتمام إعلامي أكبر من غيرهم. حيث كانت التغطية الإعلامية لكل قتيل إسرائيلي أعلى بـ33 مرة من نظيرتها للقتيل الفلسطيني في محتوى (بي بي سي) خلال سنة».

وهنا علّق خالد القضاة، عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين، في لقاء مع «الشرق الأوسط» فقال إن «الواقع يؤكد أن موضوع الحياد الإعلامي غير موجود، فبعض المؤسسات الإعلامية هي انعكاسات لسياسات دولية وتنسجم مع مواقفها فيما يتعلق بالحروب والنزاعات».

وأوضح أن «تغطية النزاعات والحروب تختلف بين المتابعة داخل دولة النزاع نفسها والتي تتعرض لانحيازات حسب مواقف الدولة وأطراف الصراع، والتغطية في المؤسسات الدولية التي تنحاز أيضاً إلى مواقف دولها واهتمامات شعوبها». وشدد من ثم على «ضرورة التنوع في مؤسسات الإعلام من أجل تقليل درجة الانحياز في تغطية النزاعات وضبط المصطلحات والمواقف وزيادة الاهتمام بالنزاعات المهملة».


ما تأثير تحديثات «إكس» للروابط الخارجية على المحتوى والجمهور؟

شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
TT

ما تأثير تحديثات «إكس» للروابط الخارجية على المحتوى والجمهور؟

شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)

على الرغم من تراجع منصة «إكس» عن دعم الأخبار المعززة بروابط خارجية، فإن تعديلات خوارزمية أخيرة أجرتها المنصة «قد تعيد المحتوى الإخباري إلى واجهة الاهتمامات بشرط تغيير عقيدة النشر التقليدية».

هذا التحول لم يعد مجرّد تكهّن تقني؛ بل أثبتته الأرقام في دراسة حديثة أجراها مختبر «نيمن لاب» للصحافة التابع لجامعة هارفارد الأميركية، وأشارت إلى «عقوبات خوارزمية» غير مُعلنة تواجهها الروابط الخارجية، مقابل مكافآت لمنتجي المحتوى داخل المنصة.

الدراسة، التي نشرت نتائجها في أبريل (نيسان) الحالي، أوضحت أن «الناشرين الذين يعتمدون على نشر عنوان الخبر مرفقاً برابط يُخرج المستخدم من التطبيق لصالح بقائه على المنصة الإخبارية مالكة الخبر، باتوا يعانون من تراجع حاد في معدلات الوصول».

بينما رصدت الدراسة عدة عوامل أخرى قد تدفع بالأخبار إلى الواجهة. مثلاً، وجدت أن التغريدات التي تبدأ بعبارة «خبر عاجل» حققت تفاعلاً يزيد بمقدار 4 أضعاف بشرط أن يكون المحتوى مكتوباً بأسلوب «أصلي» يغني القارئ عن الخروج من المنصة.

أيضاً، حذّرت الدراسة من أن الخوارزمية أصبحت تتعامل بصرامة مع مقاطع الفيديو «المعاد تدويرها» من منصات أخرى؛ إذ يُخفض الوصول للفيديوهات التي تحمل علامات مائية لمنصة أخرى مثل «تيك توك» بنسبة تصل إلى 90 في المائة.

مستشار الإعلام الرقمي، رامي الطراونة، قال لـ«الشرق الأوسط» معلقاً إن «إكس» تسعى - حالها كحال جميع المنصات – إلى تعزيز وقت مكوث المستخدمين عليها لأطول مدة ممكنة. وأوضح أن الهدف هو بقاء المستخدم، غير أن «المنصة معنية كذلك بالحفاظ على طابع وصبغة محتواها الإخباري الملخص والمركز، مستغلة ميل المتابعين إلى تجربة مبسطة تتضمّن أقل عدد ممكن من التنقل والنقرات مع أكبر زخم من المعلومات (المعلبة) في المكان نفسه». وتابع: «لذلك فإن المنشورات التي تكتفي برابط وعنوان دون تفاصيل لم تَعُد تحظى بمكانتها السابقة، بينما باتت الأفضلية أوضح للمحتوى الذي يقدم الخبر نفسه داخل المنشور».

حسب الطراونة فإن «إكس» لا تعادي الأخبار؛ لكنها لم تعد تكافئ «الكسل التحريري»، على حد قوله. قبل أن يضيف: «لقد صار الوصول يُبنى على جودة الصياغة داخل (إكس) لا على مجرد رابط وانتظار جهد من المتابعين». ودلل على ذلك بأن محتوى «إكس» من المنشورات النصية والفيديو يمثل مصدر تغذية أساسي لـ«غروك» (نموذج ذكاء اصطناعي توليدي خاص طورته المنصة أخيراً)، الذي تستثمر فيه «إكس» بشكل كبير، وهو ما يضيف بعداً وقيمة إضافية لأهمية نشر المحتوى الكامل على المنصة من وجهة نظر ملاكها».

أيضاً وفق الطراونة فإن «الممارسة الأنسب حالياً لمواكبة تغيرات المنصة وخوارزميتها، هي ببساطة أن يبدأ المنشور بخلاصة خبرية قوية ومباشرة، تتضمن أهم معلومة أو تطور أو رقم، ثم يستكمل السياق عبر شرح أو محتوى مرئي سريع». وأردف: «كلما كان المحتوى أصلياً ومباشراً وسهل الالتقاط في لحظة الحدث، زادت فرص ظهوره ضمن التدفقات والملخصات الفورية». أما عن فرص الربح أمام الناشرين داخل المنصة، فقال: «رغم تقلبات (إكس) ما تزال أدوات الربح فيه تمثل فرصة مفيدة، إذا استُخدمت كرافعة تمويل لا كموجه تحريري... ويمكن للمؤسسات الإخبارية الاستفادة من الاشتراكات، ومشاركة الإيرادات، وتحقيق الدخل من الفيديو، ثم إعادة توظيف جزء من هذه العوائد لدعم انتشار المحتوى الجاد والعام ذي القيمة».

من جهة ثانية، في نقاش مطلع الشهر الحالي، جمع رئيس قسم المنتجات في «إكس»، نيكيتا بير، وصحافيين في الـ«نيويورك تايمز»، عبر المنصة، اتهمت الصحيفة المنصة بأنها «تحد من التفاعل على الأخبار»، لكن بير نفى، وأرجع التراجع إلى أسلوب الصحيفة. إذ قال إنها «لم تغير أسلوب صياغة عناوينها منذ 20 سنة، ووصف ذلك بـ«الأسلوب القديم» الذي لا يتناسب مع الخوارزمية، وأن المشكلة في «طريقة النشر» التي لا تشجع المستخدم على التفاعل.

من جانبه، اعتبر أحمد البرماوي، رئيس تحرير منصة «فولو آي سي تي» للاقتصاد الرقمي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أنه «لا تزال فرص انتشار المحتوى الإخباري على منصة (إكس) قائمة، لكنها شهدت تحولاً واضحاً في آليات الوصول للجمهور». ثم أوضح أنه لم يعد أمام المؤسسات الإخبارية «خيار أحادي بين جذب الزيارات إلى مواقعها أو الاكتفاء بالنشر داخل المنصة»، بل أصبح الاتجاه نحو «نموذج هجين هو الأكثر واقعية وفاعلية».

وأضاف أن «الاعتماد الكامل على الروابط لم يعد يحقق النتائج المرجوة، في ظل القيود التي تفرضها الخوارزميات، بينما يحمل الاعتماد الكامل على النشر داخل المنصة مخاطر تتعلق بالتحكم في الوصول». وتابع: «لذا تميل المؤسسات الناجحة إلى المزج بين تقديم محتوى متكامل وجذاب داخل (إكس) مع استخدام الروابط بشكل انتقائي وذكي، وهذا التحول يعكس حقيقة أن (إكس) لم تعد مجرد وسيلة لتوزيع المحتوى؛ بل منصة نشر قائمة بذاتها تتطلب استراتيجيات تحريرية مخصصة».

أخيراً، على صعيد تحقيق الإيرادات، يرى البرماوي أنه «يمكن للناشرين الاستفادة عبر مسارين: الأول مباشر من خلال برامج تحقيق الدخل المرتبطة بنسبة التفاعل والمشاهدات. والثاني غير مباشر عبر بناء جمهور قوي يمكن توظيفه لاحقاً في الشراكات الإعلانية أو توجيهه إلى منصات أخرى».


جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
TT

جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)

عادت قرارات «حظر النشر» لتتصدَّر المشهد الإعلامي في مصر، مثيرةً نقاشاً متصاعداً حول الحدود الفاصلة بين متطلبات العدالة وحق المجتمع في المعرفة، وبين ما يُكشَف للرأي العام وما يُحجَب عنه باسم «سرية التحقيقات». فكلما اشتعلت قضية في الفضاء العام، عاد السؤال ذاته ليفرض حضوره: أين تنتهي حرية النشر وتبدأ ضرورات الحماية القضائية؟

وانفتح الباب واسعاً أمام موجة جدل في مصر أعقبت قرار قضائي بـ«حظر النشر» في 3 قضايا أخيراً، وُصفت بأنها تمس «صورة المجتمع»، من بينها واقعة «انتحار سيدة في الإسكندرية»، وقضيتان تتعلقان بـ«اعتداءات جنسية على قُصّر من قبل أقارب»، في أحداث أعادت إلى الواجهة إشكاليات التناول الإعلامي للقضايا الحساسة، خصوصاً بعد تداول منصات إلكترونية مواد مكتوبة ومُصوَّرة عُدَّت صادمةً أو غير منضبطة مهنياً.

الإجراء السابق الذي اتخذته النيابة المصرية، الأسبوع الماضي، بـ«حظر النشر» عزته إلى «الحرص على حماية سير التحقيقات... ومنع تداول معلومات غير دقيقة أو غير مكتملة قد تؤثر في الرأي العام أو تمس خصوصية الضحايا وأسرهم».

غير أنَّ القرار، كما هي الحال في قرارات مماثلة خلال السنوات الأخيرة، لم يظل محصوراً في إطاره القانوني؛ بل تحوَّل إلى نقاش عام واسع امتد من غرف الأخبار إلى منصات التواصل. وبينما عدّ صحافيون في منصات رقمية إخبارية أن «حظر النشر» يضعهم أمام معضلة مهنية بين الالتزام القانوني من جهة، ومواكبة اهتمام الجمهور المتزايد من جهة أخرى، يرى برلمانيون وخبراء أنه يُعدُّ جزءاً من أدوات حماية التحقيقات في قضايا حساسة، وأنَّ «الهدف ليس حجب المعلومات عن المجتمع، وإنما ضبط توقيت نشرها».

نقيب الصحافيين المصريين، خالد البلشي، سارع إلى إعلان موقف قطعي «رافض لحظر النشر»، معتقداً أنه «لا يمكن أن يكون وسيلة للتعامل مع القضايا - مهما كانت تفاصيلها - في ظلِّ انتشار وسائل التواصل والتدفق الهائل والعابر للحدود للمعلومات». وإذ ذهب إلى اعتبار أن «المجتمعات تُحمَى بالحقائق لا بحجبها»، فإنَّه رأى أن «العلاج يكون دائماً بالنشر المهني الملتزم بالمعايير القانونية والمهنية».

وعلى مدار العقد الأخير شهدت مصر عدداً من قرارات «حظر النشر» في قضايا جنائية واجتماعية. ففي عام 2025 صدر قرار بـ«حظر النشر» في واقعة وفاة القاضي سمير بدر عبد السلام. وفي عام 2022 صدر قرار مماثل في قضية مقتل الإعلامية شيماء جمال على يد زوجها، كما طُبِّق «الحظر» في قضية مقتل الطالبة نيرة أشرف، وشمل الحظر أيضاً قضية «شقة الزمالك» الخاصة بحيازة آثار.

أما في سنوات سابقة، فقد امتد «حظر النشر» إلى قضايا ذات طابع أخلاقي وسياسي؛ ففي عام 2019 شمل قضية «الفيديوهات الفاضحة» المرتبطة بعدد من الفنانات ومخرج شهير. وفي عام 2015 فُرض الحظر في قضية مقتل ناشطة يسارية.

ويستند «حظر النشر» في مصر إلى مجموعة من النصوص التي تتيح لجهات التحقيق أو المحاكم «فرض السرية على بعض القضايا». ويجرِّم قانون العقوبات نشر تفاصيل التحقيقات في حال صدور قرار بالحظر، مع إمكانية توقيع عقوبات تصل إلى الحبس والغرامة.

رئيس «اللجنة التشريعية» بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، محمد عيد محجوب، قدَّم رؤيةً داعمةً لاستخدام «حظر النشر» في حدود معينة، عادّاً أنه «ضرورة إجرائية» في مراحل التحقيق الأولى، و«ليس بدعة مصرية». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الهدف الأساسي هو حماية مجريات الاستدلال، ومنع التأثير على الشهود، أو توجيه الرأي العام قبل اكتمال الصورة، محذِّراً من أنَّ تداول المعلومات غير المكتملة قد يؤدي إلى «حالة من اللبس والبلبلة بالمجتمع».

ويشار إلى أنه في بريطانيا يقيّد «قانون ازدراء المحكمة» الصادر عام 1981 النشر المؤثر على العدالة وفق مبدأ المسؤولية الصارمة، ويمنح المحاكم «سلطة تأجيل أو تقييد نشر تفاصيل القضايا لحماية سير المحاكمة، مع السماح بالتغطية العادلة والدقيقة».

ورغم سريان قرارات النيابة المصرية بـ«حظر النشر» في القضايا الثلاث التي شغلت الرأي العام أخيراً، فإنَّ النيابة قد باشرت، الثلاثاء الماضي، التحقيق في وقائع انتهاك لهذا «الحظر». ويقول متابعون إن «أغلبها وقع عبر حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي».

عضو «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» في مصر، عبد المحسن سلامة، قال إن «(حظر النشر) هو الاستثناء وليس القاعدة، ويأتي لضرورات معينة ولصالح كل الأطراف، وبهدف حماية المجتمع وخصوصيات الضحايا وذويهم وأسرهم». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «لجان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تتابع (بدقة) مدى التزام وسائل الإعلام المحلية، والأجنبية العاملة في مصر، بقرار النيابة بشأن (حظر النشر) في القضايا المنظورة أمام جهات التحقيق راهناً، وذلك من خلال لجنتَي (الرصد والشكاوى)».

ويوضِّح سلامة أن «أي خروقات يتم رصدها تُعرَض على المجلس لاتخاذ ما يراه مناسباً بحقِّ المؤسسات المخالفة»، ويشير إلى أن «نسبة هذه الخروقات، سواء في القرار الحالي أو في القرارات السابقة تبدو محدودةً وفي نطاق ضيق». وأكد أن «قرارات حظر النشر تهدف إلى الحيلولة دون تحويل تلك القضايا المنظورة أمام المحاكم إلى مادة للتكهنات والتحليلات التي قد تخالف المعايير والقيم المهنية الراسخة».

أستاذة الصحافة في جامعة القاهرة، الدكتورة ليلى عبد المجيد، ترى أن «حرية النشر تظل الأصل في العمل الإعلامي»، لكنها «حرية محكومة بضوابط مهنية وقانونية هدفها حماية الأفراد، وضمان عدم الإضرار بالمجتمع».

وتوضِّح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «بعض القضايا، خصوصاً ذات الطابع الإنساني الحاد أو المرتبط بالأمن، أو الجرائم الحساسة، تستدعي قدراً من التوازن في التغطية الإعلامية بما يمنع الانزلاق إلى الإثارة أو انتهاك الخصوصية». وتلفت إلى أنَّ الإفراط في التفاصيل أو تقديمها دون سياق مهني قد يؤدي إلى آثار اجتماعية سلبية، من بينها احتمالات التقليد لدى بعض الفئات الهشة، خصوصاً الشباب والمراهقين.

غير أنَّ نقيب الصحافيين المصريين، ومع تمسكه بموقفه الرافض لقرارات «حظر النشر» والذي أعاد تأكيده لـ«الشرق الأوسط»، دعا الصحافيين والإعلاميين إلى «مراعاة الدقة المهنية والمسؤولية المجتمعية». وجدَّد دعوته إلى ضرورة «إطلاق التزام مهني طوعي وجماعي داخل الوسط الصحافي لضبط الأداء، وتطوير مواثيق وأكواد التناول الإعلامي، إلى جانب التدريب والمساءلة المهنية النقابية»، مؤكداً أن «الصحافة المنضبطة قانونياً ومهنياً هي الضمان الحقيقي لحماية المجتمع وحقوق جميع الأطراف».

لكن د. ليلى عبد المجيد ترى أن «التحدي الأكبر خلال المرحلة الراهنة يتمثل في تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، التي غيرت جذرياً طبيعة تداول المعلومات، إذ لم يعد النشر مقتصراً على المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل أصبح متاحاً للجميع؛ ما أدى إلى انتشار محتوى غير موثق يختلط فيه الخبر بالرأي والتكهن».

وتشير إلى أن «هذا الواقع الجديد يفرض تحديات إضافية على (حظر النشر) إذ لم يعد من السهل ضبط تدفق المعلومات عبر جهة واحدة، ما يطرح تساؤلات حول مدى فاعلية هذا الإجراء في العصر الرقمي».

ومن زاوية قانونية وحقوقية، يقدِّم المحامي والناشط المصري، طارق العوضي، مقاربةً وسطيةً، يتحدَّث فيها عن أن «(حظر النشر) يجب أن يُفهم بوصفه أداةً استثنائيةً لا قاعدة عامة». ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «التوازن بين حرية الإعلام ومتطلبات العدالة التزام دستوري يتطلب استخدام هذا الإجراء بحذر شديد، بما يضمن عدم تحوله إلى وسيلة لحجب المعلومات عن الرأي العام بشكل دائم أو غير مُبرَّر».