تفاقم المعاناة الإنسانية في حلب.. والنظام يسعى لـ«حسم عسكري» قبل تسلم ترامب السلطة

المعارضة تتلقى عرضًا بالتجمع في ثلاث نقاط مقابل توفير «انتقال آمن» إلى إدلب

امرأة يحملها أحد أفراد عائلتها أثناء نزوح الآلاف من شرق حلب أمس إلى مناطق سيطرة النظام في غربها (أ.ف.ب)  - صورة وزعتها وكالة «سانا» الرسمية تظهر نزوح الآلاف من شرق حلب أمس إلى مناطق سيطرة النظام في غربها (رويترز)
امرأة يحملها أحد أفراد عائلتها أثناء نزوح الآلاف من شرق حلب أمس إلى مناطق سيطرة النظام في غربها (أ.ف.ب) - صورة وزعتها وكالة «سانا» الرسمية تظهر نزوح الآلاف من شرق حلب أمس إلى مناطق سيطرة النظام في غربها (رويترز)
TT

تفاقم المعاناة الإنسانية في حلب.. والنظام يسعى لـ«حسم عسكري» قبل تسلم ترامب السلطة

امرأة يحملها أحد أفراد عائلتها أثناء نزوح الآلاف من شرق حلب أمس إلى مناطق سيطرة النظام في غربها (أ.ف.ب)  - صورة وزعتها وكالة «سانا» الرسمية تظهر نزوح الآلاف من شرق حلب أمس إلى مناطق سيطرة النظام في غربها (رويترز)
امرأة يحملها أحد أفراد عائلتها أثناء نزوح الآلاف من شرق حلب أمس إلى مناطق سيطرة النظام في غربها (أ.ف.ب) - صورة وزعتها وكالة «سانا» الرسمية تظهر نزوح الآلاف من شرق حلب أمس إلى مناطق سيطرة النظام في غربها (رويترز)


تلقت قوات المعارضة السورية في مدينة حلب، أمس، مبادرة من «الهلال الأحمر السوري»، تتضمن تحييد ثلاث مناطق في الأحياء الشرقية عن القصف «ستكون بمثابة نقطة تجميع لقوات المعارضة في المدينة، استعدادا لإخراجها من الأحياء الشرقية باتجاه إدلب»، بموازاة استمرار النظام وحلفائه في أعنف حملة قصف وهجمات تستهدف تلك الأحياء، سعيًا لإخراج المعارضة منها «قبل تسلم الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب السلطة» في يناير (كانون الثاني) المقبل.
وتواكبت التطورات في حلب، التي خلفت أزمة إنسانية بالغة، مع تسليم أممي بالأمر الواقع، عبر عنه مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، بالقول إنه لا يستطيع تحديد مدة صمود شرق مدينة حلب السورية مع استمرار القتال المستعر هناك. وقال دي ميستورا، أمام البرلمان الأوروبي، في إشارة إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة السورية وتعمل قوات النظام والقوات الموالية لها حاليا على اقتحامها: «بوضوح لا يمكنني أن أنكر.. هذا تصعيد عسكري ولا يمكنني أن أحدد لكم إلى متى سيظل شرق حلب باقيًا».
ويشير سير المعارك في حلب إلى أن النظام وحلفاءه عازمون على المضي بحملة التصعيد العسكري للسيطرة على كامل الأحياء الشرقية المحاصرة التي «باتت تفتقد، حتى، مياه الشرب»، بحسب ما قال القيادي العسكري المعارض في قطاع حلب، محمد الشامي لـ«الشرق الأوسط»، مؤكدًا أن المقاتلين «لا يستطيعون الصمود أمام موجة قصف غير مسبوق»، موضحًا أن «راجمات الصواريخ لا تتوقف عن القصف، وتطلق في كل عملية قصف مائتي صاروخ دفعة واحدة، يليها قصف بالبراميل المتفجرة وغارات جوية تنفذها طائرات الميغ السورية وطائرات روسية تلقي بصواريخ محمولة في مظلات».
وقال الشامي: «في ظل هذا الضغط العسكري، تلقت قوات المعارضة مبادرة من الهلال الأحمر السوري، تقترح نقل المبادرة إلى النظام في حال الموافقة عليها من قبل المعارضة، تفيد بتحييد ثلاث مناطق عن القصف النظامي، يمكن أن تكون بستان القصر، والكلاسة، والمشهد أو منطقة سيف الدولة، وهي خطوط جبهة مفتوحة مع النظام في جنوب غربي الأحياء الشرقية المحاذية لمنطقة الراموسة، استعدادا لنقل المقاتلين المعارضين الذين لا يريدون التخلي عن أسلحتهم، بأسلحتهم الفردية والمتوسطة إلى ريف إدلب في وقت لاحق». وإذ أشار إلى أن قوات المعارضة لم تجب على المبادرة ولم تحدد موقفها منها بعد، قال إن المبادرة «سرية، يتذرع الهلال الأحمر فيها بأن تكون مخرجًا لتجنب مزيد من سفك الدماء في المدينة، ويعرض انتقالاً آمنًا للمقاتلين»، مشيرًا إلى أن وساطة «الهلال الأحمر» تمت عبر المجموعة نفسها التي أدخلت المساعدات إلى كفريا والفوعة أول من أمس. وأكد الشامي أن «المعارضين سيحددون خياراتهم ويختارون الحل الأمثل خلال هذا الأسبوع».
وبحسب «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، فإن أعداد المقاتلين المعارضين في أحياء حلب الشرقية، وحاملي السلاح ضمن الشرطة المحلية، يقدرون بنحو 14 ألف مقاتل، و«هو رقم كبير قد لا تستطيع إدلب تحمله، خصوصا أنها تكتظ بالمقاتلين المعارضين».
وتشير المبادرة إلى أن النظام يجبر المعارضين، تحت الضغط العسكري، للخروج من أحياء حلب الشرقية، في وقت يواصل النظام هجماته وتوغله في الأحياء بعد أيام على تقدمه وتقدم القوات الكردية في ثلثي الأحياء الشرقية المحاصرة.
وقال مسؤول كبير في التحالف العسكري الذي يقاتل دعما للنظام، إن قوات النظام وحلفاءها يهدفون لانتزاع السيطرة على شرق حلب بالكامل من أيدي المعارضة قبل تسلم الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب السلطة في يناير المقبل، ملتزمين بجدول زمني تؤيده روسيا للعملية بعد تحقيق مكاسب كبيرة في الأيام الماضية.
غير أن المسؤول الذي طلب عدم الكشف عن اسمه أشار إلى أن المرحلة التالية من حملة حلب قد تكون أشد صعوبة مع سعي النظام وحلفائه للسيطرة على مناطق أكثر كثافة سكانية بالمدينة.
ويحمل التصريح الأخير إشارات إلى استعجال النظام «الحسم» في حلب، قبل وصول ترامب إلى سدة الرئاسة. وقال عضو الائتلاف الوطني السوري المعارض، هشام مروة، إن الحل العسكري الذي يتبعه النظام وروسيا في حلب «لن يخفت صوت الثورة، ولا ينهي العنف». وأضاف مروة لـ«الشرق الأوسط» أن الإدارة الجمهورية الجديدة «سرعان ما ستكتشف أن الروس ليسوا شركاء في محاربة الإرهاب وإرساء السلام، وهو ما يدفع موسكو للاستعجال في الحسم العسكري»، مشددًا على أن روسيا «تركز على ضرب المعارضة المعتدلة وليس (داعش)، وهو ما سيؤكد للأميركيين أن القضية مرتبطة بتمكين الأسد، وتوظيف التطورات السورية ضمن قضايا استراتيجية يستفيد منها الروس في قضايا استراتيجية تهمها على مستوى أوكرانيا أو الدرع الصاروخي أو العقوبات الاقتصادية عليها».
وقال مروة: «رسالة الخارجية الأميركية قبل يومين عن موضوع تحميل روسيا مسؤولية الجرائم بسوريا، لا يعكس توافقا بين الإدارة الأميركية وروسيا حول حلب»، في إشارة إلى تحميل الولايات المتحدة خلال الموجز الصحافي للمتحدث باسم الخارجية الأميركية، جون كيربي، أول من أمس، روسيا «المسؤولية القصوى» عما يرتكبه النظام ضد المدنيين السوريين في مختلف أنحاء البلاد. ولفت مروة إلى أن هناك «أزمة دولية حول حلب، ورفضا من جميع أصدقاء الشعب السوري اقتحامها لكونه كسرًا نفسيًا لقوى الثورة والمعارضة بسوريا».
وفي زحام المواقف الدولية المنددة، يتواصل القصف في حلب، حيث أعلن «الائتلاف الوطني السوري» أن طائرات النظام «ارتكبت مجزرة مروعة بحق سكان حي (باب النيرب) في حلب راح ضحيتها 25 شهيدًا معظمهم من النساء والأطفال، وذلك أثناء نزوحهم خوفًا من القصف الوحشي المستمر على المدينة منذ نحو 14 يوما».
وقال الدفاع المدني السوري إن الطيران الحربي التابع للنظام استهدف سكان الحي عند توجههم سيرًا على الأقدام باتجاه مناطق سيطرة النظام في حلب الغربية. وأدان الائتلاف الوطني الجريمة، محملا المجتمع الدولي، الذي يكتفي بالصمت دون القيام بما من شأنه إنقاذ الأبرياء، المسؤولية إزاء التقصير في حماية المدنيين وعدم وقف العدوان.
من جهتها، قالت روسيا إن تقدم قوات النظام في حلب «غير بدرجة كبيرة الوضع على الأرض ومكن أكثر من 80 ألف مدني من الوصول إلى المساعدات الإنسانية بعد استخدام المتشددين لهم على مدى سنوات دروعا بشرية».
وقال الميجور جنرال إيجور كوناشنيكوف، المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية في بيان: «تمكن الجنود السوريون من تغيير الوضع بشكل كبير خلال الأربع والعشرين ساعة الأخيرة وذلك بفضل العمليات المخططة بشكل جيد جدا وبتأن». وأضاف: «بشكل عملي حُررت تماما نصف الأراضي التي احتلها مقاتلو المعارضة في السنوات الأخيرة في الجزء الشرقي من حلب».
وتركزت الاشتباكات العنيفة بين الطرفين، أمس، في حييي طريق الباب والشعار الملاصقين لحيي جبل بدرو والصاخور الاستراتيجي، اللذين خسرتهما الفصائل، الاثنين، بينما يبدو النظام عازمًا على البدء «بالمرحلة الثانية من عمليته العسكرية الهادفة إلى تحرير الأحياء الشرقية من حلب باقتحام الأحياء الجنوبية منها». وفي سيطرة النظام على حي طريق الباب، يغدو بمقدوره الوصول إلى حي الشعار، أحد أبرز معاقل المعارضة أيضًا.
* الأمم المتحدة: 6 آلاف مدني يفرون نحو مناطق أخرى
وانعكست تلك التطورات العسكرية على الوضع الإنساني، حيث وصفت الأمم المتحدة، أمس، الوضع في شرق مدينة حلب السورية بـ«المخيف» بعدما دفع التقدم السريع لقوات النظام السوري داخل مناطق سيطرة الفصائل المعارضة نحو 16 ألف مدني إلى الفرار نحو مناطق أخرى.
ومع استمرار عمليات الفرار من مناطق الاشتباك بين قوات النظام والفصائل في حلب، أعرب رئيس العمليات الإنسانية في الأمم المتحدة، ستيفن أوبراين، أمس، عن «غاية القلق على مصير المدنيين بسبب الوضع المقلق والمخيف في مدينة حلب». وقال أوبراين إن «كثافة الهجمات على أحياء شرق حلب في الأيام الأخيرة أجبرت نحو 16 ألف شخص على الفرار إلى مناطق أخرى من المدينة».
وفي مواجهة هذا التدفق، يستعد برنامج الأغذية العالمي لتلبية احتياجات العائلات الواصلة حديثا إلى القسم الغربي من حلب الخاضع لسيطرة القوات الحكومية.
وقال ناطق في جنيف إن نقل المساعدة إلى شرق حلب الخاضع لسيطرة المعارضة يبقى مهمة محفوفة بمخاطر كبرى بالنسبة للأمم المتحدة التي لا تزال تنتظر موافقة النظام. ولا يشمل هذا العدد من النازحين جراء القتال، الآلاف من المدنيين الذين نزحوا داخل الأحياء الشرقية خلال الأيام الثلاثة الأخيرة، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان. وأحصى المرصد أمس فرار أكثر من سبعة آلاف مدني إلى حي الشيخ مقصود ذي الغالبية الكردية، وأكثر من خمسة آلاف إلى مناطق تحت سيطرة قوات النظام، بعد حصيلة سابقة، الأحد، أفادت بنزوح عشرة آلاف مدني خارج الأحياء الشرقية.
وقالت المتحدثة باسم برنامج الأغذية العالمي، بتينا لوشر، في جنيف، إن المدنيين في شرق حلب يواجهون ظروفا «رهيبة» واصفة الوضع بأنه «انحدار بطيء نحو الجحيم».
وحتى بدء الهجوم، كان يعيش أكثر من 250 ألف شخص في الأحياء الشرقية في ظروف صعبة نتيجة حصار بدأته قوات النظام قبل نحو أربعة أشهر. ودخلت آخر قافلة مساعدات إنسانية إلى مناطقهم في يوليو (تموز) الماضي.
 



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».