واشنطن وموسكو تتفقان على هدنة في معاقل النظام.. وروسيا ترفض ضم حلب

المبعوث الأميركي لسوريا: الاتصالات متواصلة لضمان الالتزام العام بالهدنة

سوريون يخرجون مصابين إثر قصف من طيران نظام الأسد على حي مأهول بالسكان في حلب أول من أمس (أ.ف.ب)
سوريون يخرجون مصابين إثر قصف من طيران نظام الأسد على حي مأهول بالسكان في حلب أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

واشنطن وموسكو تتفقان على هدنة في معاقل النظام.. وروسيا ترفض ضم حلب

سوريون يخرجون مصابين إثر قصف من طيران نظام الأسد على حي مأهول بالسكان في حلب أول من أمس (أ.ف.ب)
سوريون يخرجون مصابين إثر قصف من طيران نظام الأسد على حي مأهول بالسكان في حلب أول من أمس (أ.ف.ب)

اتفقت واشنطن وموسكو على هدنة تبدأ صباح اليوم على جبهتين رئيسيتين في معاقل النظام في سوريا، حيث يبدأ سريان الهدنة في الواحدة من صباح اليوم السبت وتستمر لمدة 24 ساعة في العاصمة دمشق والغوطة الشرقية و72 ساعة في محافظة اللاذقية حيث الأكثرية العلوية. وستضمن واشنطن وموسكو تنفيذ الاتفاق باعتبارهما ترأسان اللجنة الخاصة بوقف القتال في سوريا، مع أمل أن تلتزم جميع الأطراف بالتهدئة.
الملاحظ أن هدنة «تجميد القتال» لم تشمل مدينة حلب، التي قيل إن الجانب الروسي رفض الطلب الأميركي بضمها إلى الاتفاق. وأكد مصدر دبلوماسي من اللجنة الخاصة بوقف إطلاق النار المنبثقة عن «المجموعة الدولية لدعم سوريا» أن الجانبين الأميركي والروسي توصلا إلى اتفاق حول وقف الأعمال العدائية في سوريا أطلق عليه اسم «يوم الصمت». وأشار المصدر في حديث لوكالة «تاس» الروسية للأنباء أن الحديث يدور عن اتفاق يبدأ العمل به اعتبارًا من منتصف ليل 30 أبريل (نيسان) ويشمل مناطق اللاذقية ودمشق، التي تشهد مواجهات أكثر عنفًا، لكنه لا يشمل مدينة حلب، موضحًا أن «حلب غير موجودة ضمن قائمة المناطق التي يشملها نظام الصمت». إلا أن مصادر مطلعة في العاصمة الروسية موسكو قالت: إن «بعض» مناطق حلب سيشملها الاتفاق. أما بالنسبة للفترة الزمنية التي سيجري العمل خلالها بالاتفاق المذكور فقد نقلت «تاس» عن مصدرها قوله إن الاتفاق مفتوح ولا يوجد فترة زمنية محدودة له، بينما نقلت وكالة «نوفوستي» الروسية عن مصادر أخرى قولها إن العمل بنظام الصمت سيستمر لمدة 24 ساعة في دمشق و72 ساعة في ريف اللاذقية.
من جانبه، أعلن جيش النظام السوري الهدنة المؤقتة في العاصمة دمشق وضواحيها ومحافظة اللاذقية، وفي حين لم تتضح توقعاته حول تأثير الهدنة، ولا مدى التزام المعارضة السورية بها بعد القصف المتواصل من الغارات الجوية النظامية ضد معاقل المعارضة في حلب، أكد المبعوث الأميركي الخاص بسوريا مايكل راتني في بيان أصدره أمس أن مسؤولي حكومة الولايات المتحدة في المحادثات مع نظرائهم الروس «توصلوا إلى خطوات للحد من العنف في مدينة حلب»، مشيرا إلى أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه هو «التزام عام للهدنة وليس اتفاقًا جديدًا».
وأوضح راتني أن «الانتهاكات المستمرة والهجمات على المدنيين في حلب غير مقبولة، ونحن نجري محادثات مع روسيا للاتفاق على وجه السرعة بشأن الخطوات اللازمة للحد من العنف في المنطقة». ودعا راتني جميع الأطراف المهنية في المنطقة إلى الالتزام بوقف القتال.
كذلك قالت وزارة الخارجية الأميركية إن واشنطن تبحث مع موسكو «تقليل» العنف المتصاعد في حلب، بينما أشارت عدة تقارير أميركية إلى أن موسكو كثفت من المدفعية الثقيلة الروسية خارج مدينة حلب في أوضاع تأهب لاستعادة السيطرة على المدينة.
وأوضح المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا أن «وقف الأعمال العدائية والالتزام بها سيسهلان من المضي قدما في توصيل المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصرة». وأوضح دي ميستورا للصحافيين أن «هناك تدهورا كبيرا ومقلقا في وقف الأعمال العدائية لا يمكن تجاهله». وتحدث من ناحية ثانية، عن «وجود اختلافات كبيرة مع روسيا» وأبدى أمله في أن يتم تحديد موعد مستهدف جديد لاستئناف المحادثات خلال شهر مايو (أيار) المقبل. ثم أضاف: «الجولة القادمة من المحادثات ستجرى لأننا في حاجة للحفاظ على الزخم، لكن لن يكون لها معنى إلا إذا تم وقف الأعمال العدائية. ولذا وجهت ندائي لمبادرة عاجلة بين الولايات المتحدة وروسيا لأن تركة كل من الرئيس باراك أوباما والرئيس الروسي فلاديمير بوتين ترتبط بإنجاح مبادرة فريدة من نوعها للهدنة، إضافة إلى عقد اجتماع جديد لمجموعة أصدقاء سوريا على المستوي الوزاري بما يساعد على أن يصبح عقد جولة جديدة من المحادثات ذا مصداقية وفاعلية».
من جانبه، شرح مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان الأمير زيد بن رعد الحسين أن التقارير الأخيرة عن سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، بما في ذلك قصف الأسواق السورية والمنشآت الطبية، كشفت عن «عدم اكتراث مروع بحياة المدنيين من قبل جميع أطراف النزاع»، وحث جميع الأطراف على التراجع عن العودة إلى حرب شاملة. واستطرد الأمير زيد: «إن التقارير الآتية من حلب وحمص ودمشق وريف دمشق وإدلب ودير الزور تشير إلى تزايد الخسائر في صفوف المدنيين. في إدلب الأسبوع الماضي، في 19 أبريل (نيسان)، أسقطت قنابل على سوق الخضار في معرة النعمان، أكثر الأماكن ازدحاما في المدينة، خلال ساعة الذروة، مما أسفر عن مقتل 44 شخصا على الأقل وتدمير العشرات من المحال التجارية. وفي بلدة كفرنبل، سقطت قنابل مجددا على السوق في أكثر الأماكن ازدحاما في المدينة، متجنبة بأعجوبة مركزا للأطفال كان يضم 50 طفلا تتراوح أعمارهم بين 6 إلى 10 سنوات». ثم أضاف: «العنف حاليا يرتفع إلى مستويات رأيناها قبل بدء فترة وقف الأعمال العدائية. وهناك تقارير مقلقة للغاية حول تعبئة عسكرية تشير إلى استعدادات لتصعيد قد يكون فتاكا، وهذه الضربات تمثل تجاهلا صريحا ومثيرا للقلق لأحد الأركان الأساسية للقانون الدولي الإنساني: واجب حماية المدنيين».
في هذه الأثناء صرح أليكسي بورودافكين، مندوب روسيا الدائم لدى مقر الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى في جنيف بأن المحادثات الأميركية –الروسية بشأن الحفاظ على وقف إطلاق النار في سوريا تجرى بشكل مكثف في الآونة الأخيرة، مؤكدًا تحقيق تقدم ملموس بشأن الفصل بين مجموعات المعارضة ومن وصفها بـ«الجماعات الإرهابية» على الأرض. وطالب الدبلوماسي الروسي الفصائل «التي ترغب في الانضمام إلى اتفاق وقف إطلاق النار بالتوقيع على وثائق محددة ذات صلة بهذا الشأن وتحديد أماكن انتشارهم، وأن تبتعد عن مقرات جبهة النصرة الإرهابية»، لافتًا إلى تداخل كبير بين مقرات الطرفين على الأرض. كذلك أشار بورودافكين إلى أن اتصالات تجرى بشكل دوري بين مركزي مراقبة وقف إطلاق النار، الروسي في مطار حميميم والأميركي في العاصمة الأردنية عمّان، فضلاً عن لقاءات بين العسكريين من البلدين يبحثون على الخريطة المعلومات لتحديد آليات الحفاظ على وقف إطلاق النار وتثبيته.
وفي إصرار على تجاهل الانتهاكات الدائمة من جانب النظام السوري لوقف إطلاق النار والمجازر التي ترتكبها طائراته وصواريخه بشكل يومي، من جانب، ومواصلة تحميل أطراف أخرى بينها تركيا، ومجموعات من المعارضة السورية المسؤولية عما يجري من جانب آخر، أشار بورودافكين إلى «ضرورة الحد من تدفق المقاتلين والأسلحة عبر الحدود التركية»، كما اتهم كلا من «جيش الإسلام» و«أحرار الشام» بأنهما لم ينضما رسميًا إلى اتفاق وقف إطلاق النار وأنهما يدعوان «الجهاديين» إلى توحيد صفوفهم ضد قوات النظام. ولم يتوقف الدبلوماسي الروسي في سعيه لتشويه الحقائق وإبعاد الأنظار عما يجري على أرض الواقع عند هذا الحد، بل ذهب إلى اتهام هذين الفصيلين من المعارضة المسلحة بأنهما «أولاً: يقاتلان جنبًا إلى جنب مع (جبهة النصرة) الإرهابية، وثانيًا: نسمع منهما في الآونة الأخيرة تصريحات بأن وقف إطلاق النار أصبح بحكم الميت»، حسب الدبلوماسي الروسي.
وفيما يتعلق بالجولة الأخيرة من مفاوضات جنيف، واصل بورودافكين نهج الخارجية الروسية، فقال إن تلك الجولة تركت لديه بشكل عام انطباعًا إيجابيًا، نظرًا لأن «وفد الحكومة السورية، ووفود مجموعات موسكو - القاهرة وحميميم من المعارضة السياسية قدموا رؤيتهم حول المرحلة الانتقالية في سوريا، والمؤسسات التي يجب تشكيلها لتنفيذ التحولات السياسية في سوريا» حسب قوله.
إلا أن ما عكّر الأجواء الإيجابية هو تعليق وفد «الهيئة العليا للمفاوضات» مشاركتها في جنيف، وفق ما يرى بورودافكين، واصفًا المبررات التي ساقها وفد «الهيئة» لتعليق مشاركته بأنها «غير منطقية وأضعف من أن تتحمل أي نقد». أما السبب الحقيقي لاتخاذ «الهيئة» قرار تعليق المشاركة كما رآه مندوب روسيا في جنيف فهو أنها «لم تحمل معها إلى جنيف رؤية واضحة ومتفقا عليها حول المرحلة الانتقالية»، متهما «الهيئة» بـ«ضيق الأفق، لأنها ترى أن المرحلة الانتقالية يجب أن تؤدي في نهاية المطاف إلى أمر واحد وهو رحيل الأسد»، زاعمًا وجود إدراك لدى الجميع بأن «مثل هذا الشرط لن يؤدي إلى أي نتيجة».



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.