الوزير التونسي المكلف شؤون البرلمان: لن نسمح لإيران بالتدخل في شؤوننا

خالد شوكت قال لـ«الشرق الأوسط» إن أزمات تونس «تحت السيطرة».. ومشكلة حزب الرئيس سيتم تجاوزها

الوزير التونسي المكلف شؤون البرلمان: لن نسمح لإيران بالتدخل في شؤوننا
TT

الوزير التونسي المكلف شؤون البرلمان: لن نسمح لإيران بالتدخل في شؤوننا

الوزير التونسي المكلف شؤون البرلمان: لن نسمح لإيران بالتدخل في شؤوننا

قال الوزير التونسي خالد شوكت، في حديث لـ«الشرق الأوسط» بأن تونس أكملت استعداداتها العسكرية والأمنية والإنسانية الوقائية تحسبا لاندلاع حرب جديدة في ليبيا. لكن الوزير المكلف بشؤون مجلس النواب (البرلمان)، كشف أن «حكومة بلاده تتابع جهودها مع الموفد الأممي في ليبيا مارتن كوبلر ومع مختلف الأطراف الليبية والدولية المعنية بمستقبل السلام في ليبيا بهدف تجنب سيناريو دفع ليبيا والمنطقة إلى حرب جديدة سوف تكون لديها مضاعفات سلبية على الشعب الليبي وعلى الدول المجاورة وعلى رأسها تونس». وكشف شوكت الذي يشغل أيضا منصب الناطق باسم الحكومة أنه في حالة تأكد سيناريو شن حرب أطلسية جديدة «ضد داعش والإرهابيين في ليبيا» فإن السلطات التونسية قررت أن لا تشارك فيها حتى وإن كانت «تحت يافطة الحرب الدولية ضد داعش». كما أكد شوكت أن بلاده لن تسمح لإيران بـ {التدخل في شؤوننا الداخلية}.

* ما هي السيناريوهات المتوقعة في ليبيا واستعداد تونس لها؟
- هناك مسار سياسي وآخر نتمنى ألا يحدث وهو اشتعال حرب في ليبيا، نحن مستعدون لأي ظرف وفي الوقت نفسه نتابع جهود الموفد الأممي في ليبيا مارتن كوبلر ومع مختلف الأطراف الليبية والدولية المعنية بمستقبل السلام في ليبيا بهدف تجنب سيناريو دفع ليبيا والمنطقة إلى حرب جديدة سوف تكون لديها مضاعفات سلبية على الشعب الليبي وعلى الدول المجاورة لليبيا وعلى رأسها تونس. وفي حالة تأكد سيناريو شن حرب أطلسية جديدة «ضد داعش والإرهابيين في ليبيا» فإن السلطات التونسية لن تشارك فيها.. وإن كانت تحت غطاء دولي لأن تونس ودول الجوار الليبي تدرك جيدا مخاطر التصعيد العسكري الأمني في بلد يمر بأزمات معقدة تورطت فيها أطراف إقليمية ودولية كثيرة منذ أعوام.
نحن ندعم مسار التسوية السياسية وجهود إنجاح تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الذي أفرزته المحادثات الماراثونية بين الأطراف السياسية الليبية في عدة عواصم ومدن ليبية وعالمية وخاصة في تونس والجزائر والصخيرات المغربية. الحكومة التونسية وفرت لكل الأطراف الليبية فرص اللقاء والتشاور والحوار والتفاوض في تونس دون التدخل في شؤونها. واستدل بكون تونس استقبلت منذ اندلاع ثورة فبراير 2011 ملايين المدنيين الليبيين وكل الفارين من الاقتتال بصرف النظر عن مواقفهم وانتماءاتهم السياسية والجهوية والعقائدية بينهم مئات الآلاف استقروا بصفة دائمة في مختلف المدن والقرى التونسية ضيوفا كراما. في نفس الوقت تستضيف تونس منذ معركة مطار طرابلس في 2014 كل السفارات والبعثات الدبلوماسية والهيئات الأممية المعتمدة في ليبيا. وقد نقلت جميعا مقراتها مؤقتا إلى تونس مما مكنها من الحوار السياسي بكامل الحرية مع كل الزعامات السياسية والقيادات العسكرية التابعة لحكومتي طرابلس وطبرق ثم مع القيادة التي أفرزتها مفاوضات الصخيرات المغربية برئاسة المهندس فؤاد سراج.
* هل يمكن أن تغلق تونس حدودها مع ليبيا في حالة الحرب.. وقد أوشكت على بناء جدار حدودي؟
- رغم أننا أوشكنا على استكمال بناء الجدار الرملي العازل على حدودنا الصحراوية مع ليبيا والذي يمتد نحو 200 كلم من بين نحو 500 كلم من الحدود المشتركة، فإننا لن نعمد إلى إغلاق الحدود. سنرحب بكل الأشقاء الليبيين الذين قد تضطرهم ظروف الحرب إلى الفرار إلى بلدهم الثاني تونس. فالدولة التونسية بكل مؤسساتها اتخذت قرارات استثنائية سياسية وعسكرية وأمنية وطبية بهدف تحسين إجراءات ضمان أمن حدودها الجنوبية والغربية وسلامة ترابها تحسبا لأي محاولات تسلل من قبل الإرهابيين والمسلحين.
* هل هناك أي مخاوف أو تهديدات إرهابية جدية حاليا؟
- هناك دوما تهديدات في ظل الأوضاع المضطربة على الحدود مع ليبيا والجزائر.. ونواجهها بجدية.. لكن خيارنا دوما هو تحقيق معادلة التوازن بين حقنا في حفظ الأمن بالاعتماد على جيشنا الوطني وقواتنا الأمنية مع التمسك بخيار الدبلوماسية الناعمة والحيادية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول المجاورة.. رغم كون تونس ولا تزال أول مستفيد من نجاح السلم والأمن في ليبيا وستكون أول متضرر من انتشار مزيد من الفوضى والعنف والحرب فيها بعد سنوات غابت فيها الدولة الوطنية المركزية.
* تواجهون أزمة الحزب الحاكم.. ما هي تفاعلاتها؟
- الاستقالات في الحزب الحاكم خصوصا استقالة الوزير مدير الديوان الرئاسي والقيادي البارز في الحزب الحاكم رضا بالحاج، لن يكون لها مضاعفات سلبية كبيرة، ونتوقع أن ينجح قادة حزب الرئيس الباجي قائد السبسي والمقربون منه في تجاوز ما اصطلح على تسميته بأزمة حزب النداء.
* المراقبون يتوقعون استفحال ظاهرة الاستقالات من قيادة الحزب ومن كتلته البرلمانية وتوقعوا أيضا موتا سياسيا لحزب الرئيس؟
- أنا أتوقع أن ينجح الحزب (الذي أسسه الرئيس الباجي قائد السبسي ثم استقال منه لأسباب قانونية ودستورية بعد دخوله قصر قرطاج) ولن يموت.. وسيساهم في المحافظة على التوافقات داخل حكومة الحبيب الصيد والبرلمان وعلى التوازنات السياسية في البلاد بفضل نخب تونس التي تؤمن بإعطاء الأولوية لتقديم المصلحة العليا للبلاد وبالمسار التوافقي الذي يتزعمه الرئيس الباجي قائد السبسي وزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي وشركاؤهم حزبيا ووطنيا منذ صائفة 2013.
* هل هناك مخاطر مالية واقتصادية على البلاد على أثر تلك الأزمات؟
- ليس هناك ما يخيف والسيناريو الذي يصور الوضع بالكارثي مبالغ فيه.
* ولكن ماذا عن التقييمات المتخوفة على مستقبل تونس بعد انتفاضة العاطلين والفقراء الشهر الماضي وتعاقب المؤشرات الاقتصادية والمالية الخطيرة ومن بينها استفحال عجز ميزان المدفوعات وارتفاع نسب التداين والتضخم والعجز التجاري والبطالة؟
- ليست هناك خطورة من هذه التقييمات التي تصف الوضع الاقتصادي والمالي والاجتماعي والأمني في تونس بـ«الكارثي».. وفي رصيد الحكومة نحو 16 مليار دينار (8 مليارات دولار) مخصصة منذ أعوام لمشاريع التنمية وطنيا وجهويا وقطاعيا لكن تلك المشاريع لم تر النور أو لم تنجز كاملة بسبب تعقيدات إدارية ومالية وإجرائية أو بسبب خلافات برزت أثناء الإنجاز بين المستثمر أو المقاول وممثلي الإدارة.
* كيف يمكن الخروج من هذه التعقيدات التي تعرقل عمل الحكومة؟
- هناك خطط للخروج من تلك التعقيدات.. فالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والمالية والأمنية الحرجة التي تمر بها البلاد تستوجب إصلاحات يسمح بها الدستور من بينها تسهيل عمل مؤسسات الدولة وطنيا وجهويا، وتمكينها من التصرف بحرية في المبالغ المعدة لتطوير البنية الأساسية وتحسين مناخ الأعمال وظروف عيش المواطن. فالمبالغ في مستوى لا يستوجب الانتظار مدة طويلة، بين الإجراءات والاستشارات والموافقات ومن بينها موافقة البرلمان على كل كبيرة وصغيرة. ومن بين السيناريوهات المطروحة اليوم هو ترفيع قيمة المبالغ التي يمكن أن يأذن رئيس الحكومة أو أعضاؤه بصرفها بأمر وزاري.. دون انتظار عرض كل مشروع جزئي على المصادقة في البرلمان.
أنا أعترض على التقييمات المتشائمة أكثر من اللازم لمستقبل الأوضاع الاقتصادية والمالية والاجتماعية في تونس.. في وقت يدرك فيه الجميع أن الثورة التونسية والثورات العربية جاءت في مرحلة يمر فيها الاقتصاد العالمي وخاصة اقتصاد أوروبا (باعتباره شريكا اقتصاديا بنسبة 80 في المائة) بأزمة هيكلية حادة زادتها أوضاع الحرب والإرهاب في ليبيا وسوريا والعراق ثم في تونس تعقيدا. والوضع الاقتصادي المالي والاجتماعي تحت السيطرة لأن كل الحكومات التونسية السابقة تلجأ دوما إلى الاقتراض لتغطية ما بين 20 و25 في المائة من حاجياتها وعجزها.. وتونس ماضية في نفس التمشي هذا العام عبر اللجوء إلى الاقتراض من السوق الداخلية والسوق الدولية ولديها حاليا احتياطي دائم من العملات الأجنبية يغطي 120 يوما من الواردات.
* وماذا عن موعدي 2016 و2017 اللذين سيقترنان بتسديد نحو 13 مليار دينار (7 مليارات دولار) من ديون تونس السابقة؟
- نسبة التداين في تونس لا تزال تحت السيطرة رغم ارتفاعها إلى نحو 53 في المائة مقارنة بـ45 في المائة في آخر عهد بن علي.. والمهم هو المضي في الإصلاحات التي تقررت ومن بينها تحرير البنية الأساسية وإصلاح الديوانة والجباية وقانون الاستثمار وتحسين الحوافز المقدمة للمستثمرين التونسيين والعرب والأجانب.. إلى جانب ضمان الأمن حتى تصبح تونس بلدا أكثر جاذبية للمستثمرين ورجال الأعمال مقارنة بجيرانها وبالدول التي أصبحت تنافسها وبينها الشقيقة المغرب.
* هل صحيح أن الاتفاق السياحي مع إيران سوف يلغى مثلما نسب إلى مصدر من وزارة السياحة؟
- لا صحة لما روج عن إلغاء الاتفاق السياحي مع إيران والصين ومع غيرهما من البلدان الأخرى.. تونس لا تلغي اتفاقياتها مع الدول بطريقة مزاجية أو عن طريق حملات فيسبوكية باسم معارضة نشر المذهب الشيعي في تونس عبر السياح الإيرانيين. نحن لا نتدخل في شؤون إيران ولا في شؤون غيرها من الدول الإسلامية والعربية ولا نسمح لأي طرف بأن يتدخل في شؤوننا.. ولا أعتقد أن هوية الشعب التونسية هشة إلى درجة التخوف من سياح يزرون تونس لمدة أسبوع يقضونه غالبا بين المسابح وفضاءات الفندق والمنطقة السياحية.. مثلما لم ينشر ملايين السياح الأوروبيين والآسيويين والأميركيين الدين المسيحي أو اليهودي أو البوذي في تونس.. إن الاتفاقية قديمة والمطلوب العمل على تفعيلها وتطويرها خاصة أننا نرى سباقا غربيا ودوليا للتطبيع مع إيران بعد المصالحة بين إيران وواشنطن وأوروبا، وبعد الاتفاق النووي والإعلان عن رفع العقوبات التي كانت مفروضة على إيران.



السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.


حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
TT

حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)

أقدم الحوثيون على تنفيذ حملات تعسف استهدفت بالإغلاق والهدم أسواقاً ومتاجر ومنازل في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، وذلك في سياق عملية مُمنهجة، ظاهرها «إزالة العشوائيات» وباطنها فرض مزيد من الإتاوات غير القانونية.

ووفق ما ذكرته مصادر محلية في إب لـ«الشرق الأوسط»، فإن حملة التعدي التي أطلقتها الجماعة، عبر ما يُسمى «مكتب الأشغال العامة» و«إدارة المرور»، أغلقت سوقين شعبيين وطردت التجار والباعة، كما هدمت منازل عدة بعضها طور الإنشاء في المنطقة الخامسة بمديرية الظهار جنوب مدينة إب (مركز المحافظة).

واشتكى مُلاك منازل ومحلات تجارية طالهم التعسف الحوثي، وأوضحوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة تشنّ حملات تستهدف منازلهم ومصادر عيشهم تحت مبررات غير قانونية.

باعة أرصفة يتعرضون للابتزاز من قبل مسلحين حوثيين (فيسبوك)

وقال مراد، وهو اسم مستعار لمالك بسطة تجارية بمديرية الظهار لـ«الشرق الأوسط»، إن الحملة باغتتهم دون سابق إنذار، موضحاً: «نعتمد على هذه البسطة منذ سنوات لإعالة أسرنا، وفجأة جاءت الجرافات ومعها مسلحون وطلبوا منا إخلاء المكان خلال دقائق قليلة جداً، ثم بدأوا بهدم كل شيء». ولفت إلى أن الإجراءات تمت هذه المرة كسابقاتها بطريقة قاسية، مؤكداً أن كثيراً من المُتضررين لم تُمنح لهم فرصة لنقل ممتلكاتهم أو بضائعهم.

اتساع التعسف

في مديرية العدين (جنوب غرب إب) استخدمت الحملة الحوثية - التي أشرف على تنفيذها قيادات في الجماعة - 4 جرافات لاستهداف مُمتلكات السكان ومصادر عيشهم.

وأوضح سكان لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفين حوثيين برفقة عربات ومسلحين نفذوا حملات دهم استهدفت بالإغلاق «السوق المركزي» الكائن وسط المدينة، إلى جانب تجريف وإزالة لعدد من البسطات والمحلات الصغيرة والأكشاك التي يعتمد عليها مئات المواطنين كمصدر رئيسي للعيش.

تعرض متاجر للهدم الحوثي في مديرية العدين بمحافظة إب (فيسبوك)

وبحسب السكان، فإن هذه الحملات لم تقتصر على إزالة ما تصفه الجماعة بالمخالفات، بل طالت ممتلكات قائمة منذ سنوات، دون تقديم بدائل مناسبة للمتضررين أو مراعاة للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السكان في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

وأوضح عدد من المتضررين أن الحملة نفذت بشكل مفاجئ، ولم تمنح أصحاب البسطات والعربات أي مهلة لإخلاء مواقعهم، قبل أن تباشر الجرافات بعملية الهدم والتجريف، ما أدى إلى خسائر مادية كبيرة، وقطع مصادر دخل أسر كاملة.

ويتحدث بائع خضروات في سوق العدين لـ«الشرق الأوسط»، عن أن مصدر دخله الوحيد اختفى خلال دقائق جراء حملة التعدي الحوثية، وأضاف: «ليس لدينا عمل آخر. بعد التجريف أصبحنا بلا عمل ولا نعرف كيف سنوفر احتياجات أسرنا».

وبررت الجماعة الحوثية استهدافها أملاك السكان ومصادر رزقهم بأنه ضمن ما تُسميه خُطة لتنظيم المدن وإزالة العشوائيات، إلا أن ناشطين يرون أن الحملة تفتقر إلى أبسط مقومات التخطيط العادل، وتستهدف الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، دون بدائل ومعالجات حقيقية.

خوف متصاعد

يتخوف السكان في المحافظة اليمنية ذات الكثافة السكانية العالية (إب)، من توسع نطاق هذه الحملات لتشمل بمقبل الأيام أسواقاً ومتاجر في مديريات أخرى، الأمر الذي يُهدد بفقدان المزيد من المواطنين مصادر رزقهم في ظل غياب أي برامج دعم أو تعويض.

قيادات حوثية تشرف على حملات الاستهداف في إب (فيسبوك)

ولفت السكان إلى أن المئات من ملاك الأسواق والتجار والباعة باتوا خائفين لكون مصدر رزقهم مُهدداً، في ظل ظروف معيشية صعبة وقاسية، إذ إن أي خسارة تعني أن أسراً كاملة ستفقد قدرتها على العيش.

وطالب السكان والناشطون في المحافظة بوقف هذه الحملات، وإيجاد حلول تنظيمية تراعي أوضاع المواطنين، وتضمن عدم الإضرار بمصادر عيشهم، مؤكدين أن معالجة العشوائيات وتنظيم المدن يجب أن يتمّا عبر خطط حضرية واضحة وتوفير بدائل مناسبة للمتضررين، وليس عبر المصادرة والهدم المفاجئ والتجريف القسري.