عزلة مرسي تتضاعف في خريف «برج العرب»

يشكو في سجنه من قلة زواره وتراجع أنصاره وبعده عن «تفاهمات الجماعة»

مدخل سجن برج العرب («الشرق الأوسط»)
مدخل سجن برج العرب («الشرق الأوسط»)
TT

عزلة مرسي تتضاعف في خريف «برج العرب»

مدخل سجن برج العرب («الشرق الأوسط»)
مدخل سجن برج العرب («الشرق الأوسط»)

في الخريف يغطي أوراق أشجار السجن غبار الإسمنت الرمادي، أما الورود المتفتحة على جانبي البوابات الحديدية للعنابر فتختنق من التراب الأسمر المنبعث من مصانع مواد البناء المجاورة. وفي داخل الزنازين، في مثل هذا الوقت من كل سنة، تتحول حياة نحو ثمانية آلاف سجين إلى جحيم. ومن بين هؤلاء الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي (64 عاما).
وتقول السلطات إنها وضعت خطة للحد من انبعاثات المصانع القريبة لحماية نزلاء سجن برج العرب (نحو 250 كيلومترا شمال غربي القاهرة)، من خطر التلوث. بينما يؤكد مسؤول في المصنع المواجه لمبنى السجن، والذي ينتج 5.5 مليون طن إسمنت سنويا، إنه جرى تقليل نسبة التلوث أخيرا إلى نحو 66 في المائة. لكن أحد السجناء ممن خرجوا حديثا يقول إن الفرق ما زال شاسعا بين ثقل الهواء المقبض في الخريف، وطراوة النسيم وخفة الريح في باقي فصول السنة. ففي مثل هذه الأيام من كل عام، تهب الرياح من ناحية الغرب محملة بغبار الإسمنت. ويعد من أكبر المصانع ذلك الواقع، بمبانيه الضخمة وضجيجه وأدخنته، في مواجهة السجن مباشرة من الناحية اليسرى للقادم إليه من الطريق الجنوبي.

هذا المصنع، مثل غيره في بلدة الغربانيات بمنطقة برج العرب (غرب مدينة الإسكندرية بنحو 50 كيلومترا)، يعمل على مدار الساعة، ويذهب الغبار المتصاعد من أبراج المداخن الشاهقة، في معظم شهور السنة، إلى الصحراء، ولا يمر على السجن إلا مع دخول شهر أكتوبر، فيقضي على النسيم الطيب الذي كان يرطب ليالي السجناء ويبعث فيها الحياة. ويزيد عمر المصنع عن عشرين عاما، بينما عمر مبنى السجن يبلغ نحو عشر سنوات فقط.
يعيش مرسي وحده داخل زنزانة يبلغ عرضها أربعة أمتار وطولها خمسة أمتار، ضمن القسم المعروف في السجن باسم «العنبر البسيط»، وذلك منذ وصوله إلى هنا في خريف عام 2013، لكن أحد المصادر الأمنية يقول إنه منذ صدور أحكام غير نهائية عليه بالإعدام والحبس، في عدة قضايا، تم اتخاذ إجراءات تمهيدا لنقله إلى غرفة أخرى تخص المحكومين، وتقع في القطاع المعروف باسم «الليمان»، لكن مع الاستمرار، حتى الآن، في تمتعه بنفس المميزات التي تليق برئيس سابق لم تصدر عليه أحكام نهائية وباتة بعد. ومن أهم هذه المميزات مطالعة الصحف. ومشاهدة التلفزيون.
غرفة حبس مرسي يصلها عبر النافذة الحديدية، معظم أوقات السنة، النسيم من شواطئ القرى السياحية الفاخرة ومن البحيرات الصناعية على البحر المتوسط، والتي لا تبعد عن السجن سوى كيلومترين شمالا. الرئيس الأسبق حسني مبارك كان يمضي بعض أيام الصيف في هذه المنطقة، لكن في قصر برج العرب الرئاسي الضخم المحاط بأشجار النخيل في مواجهة البحر. لقد تغير الزمن.. تغير حتى قبل أن يستمتع مرسي بقضاء أيام في ذلك القصر الذي يمكن أن يرى قبابه الآن عبر نافذة السجن.
رغم كل شيء، ورغم بعد المسافة، ما زال الموج يهدر ويبعث بعبق اليود في اتجاه الزنازين، ويختلط مع روائح الأزهار العطرة، ويتسلل إلى داخل غرف الحبس المغلقة بالأقفال. غرفة مرسي مفروشة أيضًا بسجاد مزركش يغلب عليه اللون الأحمر. ويوجد فيها مقعد وسرير. بيد أن كل هذا لا يقي من مرارة الوحشة والفقد التي تبدو عليه من صمته ومن خلال كلامه الذي أصبح قليلا، كما يشير المصدر الأمني. فهو محبط.. وأخبار مظاهرات أنصاره تتراجع، وجماعته ليس لها حظ يذكر في انتخابات البرلمان الحالية هذه الأيام، بعد أن كان لها الأغلبية في أول برلمان بعد ثورة 2011.
يُعرف مقر حبس مرسي في وسائل الإعلام باسم «سجن برج العرب». لكن السجن نفسه له اسمان آخران مشهوران في أوساط السجناء والسكان المحليين، الأول هو «سجن الغربانيات» نسبة إلى البلدة الصغيرة التي بني فيها، وهي بلدة أكثر سكانها من قبيلة «البراهمة» المشهورة في غرب الإسكندرية، ويعمل كثير من أبنائها في المصانع المجاورة للسجن. أما الاسم الثاني المنتشر في أوساط كوادر جماعة الإخوان التي ينتمي إليها مرسي فهو «سجن 440 شديد الحراسة». واستقبل هذا السجن الذي تبلغ مساحته نحو ثلاثة كيلومترات مربعة، المئات من القيادات الإخوانية الوسطى في عهد مبارك، إضافة للمحكومين الجنائيين الخطرين.
حين جرى إيداعه هذا السجن للمرة الأولى، اشتكى مرسي من مشكلة غبار الإسمنت وسأل الحراس عن أبعاد هذه القضية بيئيًا. كان ما زال مملوءا بالأمل، وكان يعتقد أن مسألة عزله لن تطول وأن المجتمع الدولي لن يصمت. في إحدى المرات، عقب نقله للقاهرة بالطائرة لحضور جلسة من جلسات محاكمته، وإعادته في المساء للسجن، أي حين كان ما زال سجينا «طازجًا»، قال للحراس إنه شاهد المصنع من خلف زجاج الطائرة، وأن «هبوب الغبار الأسود لا يمكن أن يستمر».
أظهر اهتماما كبيرا بضرورة حل المشكلة «لأنها تؤثر بالسلب على صحة النزلاء». وتعهد لمن حوله داخل السجن وهو يتحدث بثقة أنه سيحل قضية الغبار الخانق فور رجوعه للسلطة. لكن الرجاء طال أمده دون أن تبدو هناك أي مؤشرات على القدرة على تحقيق أي شيء لا بالنسبة له ولا بالنسبة لجماعته ولا للسجناء الذين يعيش وسطهم.
فقد جاء خريف العام التالي دون جديد، رغم الزيارات التي قام بها مسؤولون كبار من الحكومة في أكتوبر 2014 للوقوف على مقدار التلوث المنبعث من المصنع ووضع خطة للحد منه بواسطة الفلاتر الحديثة. على أية حال لم يلمس الرئيس الأسبق تغيرا يذكر. أضف إلى ذلك أن اهتمام مرسي بالشأن العام للسجن، الذي أبداه حين كان يعتقد أن عودته للحكم مسألة وقت، تراجع كثيرا عما كان عليه في أول الأمر. كما أن الأحكام التي صدرت بعد ذلك بحقه وبحق المئات من قيادات وكوادر الجماعة بالإعدام والسجن، غيرت من أولوياته على ما يبدو. أو كما يوضح المصدر الأمني: أصبح أكثر ميلا للعزلة.
ويزيد أن مرسي في الشهور الأولى من سجنه هنا، وحتى أواخر العام الماضي، كان واثقًا من أن الأمور ستتغير لصالحه أو على الأقل قد تتحقق له ولجماعته معادلة ما. كان يتابع أخبار مظاهرات أنصاره في القاهرة ومدن أخرى في الصحف وفي التلفزيون، وبادر بإرسال رسالة لهم جرى تمريرها خلال نقله لحضور جلسة في المحكمة التي تعقد في العاصمة، لكن، كما يقول المصدر الأمني نفسه الذي يعمل في السجن، ساءت حالته النفسية بعد أن علم، عقب عودته من جلسة محاكمته في يناير (كانون الثاني) الماضي، أن زملاءه من قيادات الجماعة في سجني طرة والعقرب بجنوب القاهرة، يعدون ورقة لعرضها على السلطات سعيًا للخروج من أزمتهم.
معاناة مرسي تبدو مضاعفة، وهي تتزايد بمرور الأيام. كانت شهيته مفتوحة للكلام وللطعام، حتى مطلع هذا العام، وفقًا لإفادة من مصدر في السجن. وفي مثل هذا الوقت قبل اثني عشر شهرا تمكن من تسريب كلمات تشجيع من بين جدران زنزانته إلى مؤيديه، وكان يبدو مما ورد فيها أنه يتمتع بالفعل بمعنويات مرتفعة. لكن هذا الحال، كما يقول المصدر، تغير إلى الأسوأ، فـ«الرئيس الأسبق أصبح يشكو قلة زواره وتراجع أنصاره واختفاء المظاهرات التي كانت تدعو لعودته، كما أنه حزين لبعده عن التفاهمات التي يتردد أن قيادات من الإخوان تقوم بها، بعيدا عنه، لتعديل مسار الجماعة بعد أن صنفتها السلطات كمنظمة إرهابية عقب عزله».
وبعيدًا عن هنا، أي بالانتقال إلى سجن ملحق مزرعة طرة، ستجد هناك القيادي الإخواني، محمد سعد الكتاتني رئيس البرلمان السابق، وزعماء آخرين من الجماعة، بينما يوجد في سجن العقرب شديد الحراسة والمجاور لطرة، القيادي المهم في الجماعة خيرت الشاطر، نائب المرشد، إضافة للمرشد نفسه، محمد بديع، وعدد من الفريق الرئاسي لمرسي.
وبحسب مصادر مقربة من الإخوان خرجت أخيرا من سجني طرة والعقرب، فإن بنود ورقة حل الأزمة بين الإخوان والسلطات، التي يجري تعديلها شهرًا بعد شهر من طرف الجماعة، منذ مطلع هذا العام، لم تعد تتضمن مسألة مرسي ومصيره، ولا تشترط إجراء انتخابات رئاسية مبكرة أو تعديل الدستور. ورفض مصدر مقرب من أسرة مرسي التعليق على هذه القصة، لكنه أقر بأن الكثير من أفراد عائلة الرئيس الأسبق توقفوا عن عناء زيارته في سجن برج العرب واكتفوا بأن تكون لقاءاتهم به خلال حضوره لجلسات محاكمته بالقاهرة «لأن هذا أيسر من الإجراءات المعقدة لزيارته في السجن».
كل شيء تغير. طريق برج العرب المؤدي للسجن، الذي كان مزدحمًا بزوار مرسي وأنصاره ورجال الأمن وحواجزهم، أصبح خاويًا من هؤلاء ومن أولئك منذ مطلع السنة.. تمشي بالسيارة دون أن يعترضك أحد بين صفوف من النخيل الذي يتدلى منه البلح الأحمر والأصفر. وفي ميدان مدينة برج العرب الرئيسي تبدو الحركة دائبة أمام المحال التجارية، ووكلاء مصانع مواد البناء. وعلى الواجهات انتشرت لافتات التأييد لمرشحي الانتخابات البرلمانية. مرشحون معروف عنهم أنهم وقفوا مع الثورة التي أطاحت بحكم مرسي وجماعته.
في الميدان كذلك تعكس لوحات الإعلانات عن الإسمنت وحديد التسليح والأخشاب ولوازم الموبيليا والديكور، طبيعة المنطقة الصناعية وما فيها من عمال مغتربين مشغولون بـ«لقمة العيش، لا السياسة» كما يعلق صاحب أحد مصانع الجص. يؤدي الميدان إلى أربعة محاور.. الأول إلى الطريق الصحراوي المتجه إلى القاهرة، والثاني ينحدر شمالا إلى طريق محافظة مطروح ذات الطابع القبلي والتي حصل فيها مرسي على أكثر من 80 في المائة من الأصوات في انتخابات الرئاسة في 2012. والطريق الثالث يؤدي إلى الجنوب حيث مطار برج العرب واستاد كرة القدم الكبير. أما الاتجاه الغربي فيذهب بك إلى مبنى السجن.
وبالإضافة إلى الأشجار، يكثر على جانبي الطريق المرصوف بالقار أبراج الحمام والمساجد الأهلية الصغيرة المطلية بالجير مثل مسجد الفتح، على اليسار، ومسجد النور على اليمين، على بعد نحو خمسة كيلومترات من السجن. ومن هنا كانت حركة المواصلات، في السابق، لا تتوقف بسبب كثرة عدد أنصار مرسي ممن كانوا يسعون للوصول إلى بوابة السجن للتظاهر أو للزيارة. ويقول صاحب حافلة أجرة يدعى جمال إنه أصبح من النادر وصول أي إخواني إلى هنا.
حتى السيارات الفارهة التي كانت تحمل أقارب لمرسي، اختفت. ويضيف أن ثمن تذكرة ركوب الحافلة من ميدان برج العرب إلى بوابة السجن كانت لا تقل عن خمسة جنيهات، في الأيام الأولى لوصول مرسي للسجن، لكنها أخذت تقل بسبب تراجع عدد زواره إلى ثلاثة جنيهات، ثم، مع خريف هذه السنة، عادت إلى السعر العادي، وهو نصف جنيه للراكب.
خسائر صغيرة أخرى وقعت هنا، وتسبب فيها تغير أحوال الإخوان. فحين وصل مرسي للسجن، أقام بعض التجار الطامحين مقاه ومحال تجارية لسد حاجة الزوار والأنصار الذين كانوا يملأون الباحة المواجهة للسجن، والمخصصة لانتظار السيارات. وباختفاء الزوار تقريبا، لم تتبق من تلك المشاريع الصغيرة سوى كافيتريا واحدة وأربعة دكاكين. وحتى هذه الكافيتريا أصبحت شبه مهجورة، ويقول صاحبها إنه، حتى شهور مضت، لم يكن يوجد فيها موضع لقدم. الجراج الذي كانت تقف فيه السيارات الفاخرة، وتملأه عن آخره، والتي كان يأتي فيها عدد من أقارب مرسي وأنصاره، تحول إلى أطلال. ومن النادر اليوم أن تجد وسيلة مواصلات من هنا.
حين تقترب من منطقة بوابات السجن، ترى لافتة كبيرة مكتوب عليها ممنوع الاقتراب والتصوير. لكن عدد رجال الحراسة أصبح أقل من السابق. فالبوابة الخارجية مثلا لا يقف عليها الحراس إلا في أوقات الزيارات الاعتيادية فقط، أي من الصباح حتى العصر، ثم ينتقلون إلى بوابة داخلية أقرب إلى المدخل الرئيسي للسجن. وعلى السور توجد شعارات عن تماسك الدولة والتفاف الشعب حول الجيش.
يقول إمام مسجد النور، حسين، بعد أن انتهى من صلاة ظهر الجمعة، إن غالبية السكان هنا وسطيون، وضد الغلو في التدين، وأيدوا حكم مرسي في البداية ثم رفضوه مثل معظم المصريين. وتوجد خلف المسجد بيوت صغيرة ملحق بها أبراج حمام. المظاهر العامة للسكان هم من البدو الذين ما زالوا يحافظون على زيهم التاريخي، أي الثياب البيضاء والصداري السوداء والطواقي الحمراء. وهم من أبناء قبائل عربية تنتشر من غرب الإسكندرية حتى الحدود مع ليبيا. وسبق لها استقبال مرسي والاحتفاء به كرئيس، وألبسته زيها التقليدي، لكنها تخلت عن الإخوان ومؤيديهم وأعلنت انحيازها للجيش، من خلال مجلس القبائل الذي جرى استحداثه بعد عزل مرسي وأصبح مجلسا يقدم استشارات للدولة والرئيس الجديد عبد الفتاح السيسي.
يواجه سجن برج العرب من ناحية الساحل قرية مراقيا السياحية الشهيرة التي تستضيف كبار القوم في الصيف، وكذا قرية الدبلوماسيين التجاريين، وهي قرية سياحية أيضًا على البحر المتوسط. وتوجد نقطة أمنية على مدخل برج العرب من ناحية الطريق الساحلي، وكانت بمثابة بوابة تعج برجال الشرطة والجيش وتقوم بإجراءات تفتيش صارمة للمتجهين ناحية طريق السجن، لكنها اليوم أصبحت خاوية وحواجزها الحديدية مبعثرة وكأنه لم يعد هناك خشية من وجود مرسي في هذه المنطقة، رغم أن السلطات سربت معلومات منذ عدة أسابيع عن محاولة فاشلة لاقتحام السجن من جانب نحو ثلاثين عنصرا من جماعة الإخوان لتهريب الرئيس الأسبق.
وقبل هذه الواقعة أشاعت جماعة الإخوان أن مرسي مريض في السجن. كما أشاعت مرة أخرى أنه يخشى على حياته، ويخشى من دس السم له في الطعام. ويقول طبيب في مستشفى السجن طلب عدم الإشارة لاسمه لأنه غير مخول له الحديث للإعلام، إن مرسي بصحة جيدة، ويجري توقيع الكشف الطبي عليه بشكل دوري، لكنه رفض التعليق على مشكلة غبار الإسمنت وأضرارها سواء بالنسبة للرئيس الأسبق أو باقي السجناء.
الطريف في كل هذا، كما يقول مسؤول حكومي، إن شركة الإسمنت التي تواجه السجن، أجرت توسعات مع بداية تولي مرسي حكم مصر في 2012، وانضمت إلى مجموعة «إنترسمنت إس إيه العالمية» التي تمتلك عشرات المصانع المماثلة حول العالم، وتقترب القيمة الكلية لمبيعاتها السنوية من ثلاثة مليارات يورو. وغير معروف إن كان مرسي يعلم بهذا أم لا، لكن شكواه من غبار الإسمنت لإدارة السجن أسهمت على ما يبدو في قيام وزير البيئة، خالد فهمي، في خريف العام الماضي بزيارة المصنع ومراجعة مدى التزامه بتركيب فلاتر التنقية والتحكم في الانبعاثات الترابية.
ويقول مسؤول في مصنع الإسمنت إن تثبيت معدات تحكم في الغبار على المطاحن، والكسارات والأفران حدت من الانبعاثات الملوثة، خاصة بعد تركيب أجهزة تعمل على إعادة تدوير الغبار المتولد والحد من اضطرابات الغاز في الأفران وتجنب سرعات التدفق الزائدة، مؤكدًا قيام المصنع أخيرًا بتحديث نظام تنظيف الفلاتر، وتركيب فلاتر نسيجية، مما أدى إلى تراجع نسبة التلوث بنسبة تزيد عن ستين في المائة، مشيرًا إلى أن مصنعه ليس الوحيد في المنطقة.
ومن جانبه، يوضح أحد ضباط مصلحة السجون في محافظة الإسكندرية التي يقع سجن برج العرب في نطاقها، إن السلطات ما زالت تواصل مساعيها لإلزام مصانع الإسمنت هنا بتركيب مزيد من الفلاتر لمنع خروج الغبار، لأن الأذى الذي يتسبب فيه لا يطال السجناء فقط، ولكن يعاني منه أيضًا عشرات الضباط ومئات الجنود والموظفين الذين يقومون على إدارة السجن وتأمينه.
ويشير أيضًا إلى أن إدارة السجن نفسها تحاول جاهدة منذ سنوات الحد من خطر تلوث المنطقة، وهذا لا علاقة له بوجود الرئيس الأسبق في هذا السجن. ويزيد قائلا إن مشكلة الغبار لا تزيد مدتها عن عدة أيام أو أسابيع في الخريف، ولم تصل بعد إلى «الخطورة الداهمة» على صحة السجناء ورجال أمن السجن، ومع هذا تكثر الإدارة من زراعة الأشجار والورود في كل مساحة ممكنة للحد من غبار الإسمنت ورائحته الخانقة.
على جانبي مدخل عنبر مرسي توجد أحواض ورد يبدو أنها تحظى بعناية أفضل من تلك الموجودة أمام باقي العنابر. ولا ينافسها إلا أحواض الورد الموجودة أمام مكاتب ومساكن ضباط السجن. المكان بشكل عام تكسوه الخضرة. هنا أشجار الظل وأشجار النخيل المحملة بالبلح الموسمي. ويوجد سجناء يمتهنون في الأصل مهنة الفلاحة يسهمون في الاهتمام بالزراعة في باحات السجن، أثناء قضاء مدة محكوميتهم، جنبًا إلى جنب مع تربية بعض الأبقار لصالح مصلحة السجون.
مثل هؤلاء، وعلى قلة عددهم الذي لا يزيد عن بضعة عشرات، يعدون من جمهور مرسي الذي يحرص على الإشارة إليهم بيده حين يكون مزاجه معتدلا في أوقات التريض خارج غرفته. ومن بين جماهير مرسي داخل السجن أيضًا، طائفة تعرف باسم «المُصنِّع». وهو لقب يطلق على السجين صاحب الصنعة والذي يتم الاستعانة به من قبل إدارة السجن لأشغال مختلفة مثل النجارة أو الأعمال الميكانيكية أو إصلاح الأجهزة الكهربائية. يبلغ عدد هؤلاء ما لا يقل عن مائتين، ويحظون بحرية في الحركة داخل السجن، وحين يردون بأيديهم على تحية مرسي فإنهم، كما يقول السجين السابق محمود، يفعلون ذلك باعتباره رئيسًا سابقًا لمصر، بغض النظر عن التهم الموجهة إليه أو أنه من جماعة مصنفة «منظمة إرهابية».
محمود (41 عامًا) صاحب محل أجهزة كهربائية في الإسكندرية، وكان مختصًا أثناء قضاء مدة محكوميته في سجن برج العرب، بضبط وإصلاح أجهزة التلفزيون والراديو. وبحكم قدرته على التنقل بين ردهات العنابر والزنازين والحدائق الملحقة بها، فقد شاهد مرسي ثلاث أو أربع مرات. ويضيف أنه كان يبدو عليه الحزن وانشغال البال وهو يتمشى وحده بين أحواض الياسمين في الجنينة أمام العنبر.
ويحظى السجين «المُصنِّع» بـ«رفاهية» من خلال قدر من الحرية لا يتمتع به حتى مرسي نفسه أو حتى السجناء الكبار من أصحاب الملايين، والمحكوم عليهم في قضايا مخدرات أو جرائم الاستيلاء على الأموال العامة. ووفقًا للمصادر لم يشارك الرئيس الأسبق في أي فعاليات تذكر من تلك التي تنظمها إدارة السجن للتخفيف عن السجناء. ففي بعض الليالي الطويلة تنظم مصلحة السجون جولة لمطرب من المطربين لكي يقدم وصلات غنائية خاصة في المناسبات الوطنية والأعياد. وأحيانًا تستعين ببعض الدعاة لإلقاء دروس دينية سواء من داخل السجن أو من خارجه. كما تقوم الإدارة بتنظيم دورة لكرة القدم والسلة والكرة الطائرة للمساجين، كلاعبين وكمتفرجين أيضًا.
وقبل عدة أسابيع أنهى سجين يدعى سعيد (39 سنة) مدة عقوبته هنا. وكان يقيم في العنبر رقم 11 القريب من مرسي. يقول وهو يتذكر تلك الأيام إنه في بداية وصول الرئيس الأسبق جرى تشديد الإجراءات على جميع العنابر. «ولم نخرج للشمس لمدة أسبوع. ثم بدأت القبضة تتراجع، إلى أن أصبحت الأمور عادية. أو على الأقل عادت كما عهدتها في بداية دخولي السجن عام 2102».
ويضيف سعيد، وهو صياد سمك أمضى ثلاث سنوات عقوبة لحيازته متفجرات كان يستخدمها في الصيد أن مرسي يحظى بمعاملة مختلفة «فهو رئيس سابق»، و«لديه غرفة خاصة وإمكانات لشراء ما يريد من كافيتريا السجن»، وبغض النظر عن ذلك، إلا أن الكل، سواء مسجونين أو سجانين، شركاء في استنشاق الغبار الأسود.

مدخل سجن برج العرب («الشرق الأوسط»)

الرئيس الأسبق محمد مرسي خلف القضبان

واحدة من الكافتيريات التي أقيمت أخيرًا أمام سجن برج العرب وأصبحت شبه مهجورة بعد تراجع عدد زوار الرئيس الأسبق على غير ما كان متوقعًا



الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد

الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد
TT

الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد

الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد

في أول مقابلة له بعد أدائه اليمين الدستورية رئيساً للحكومة اليمنية، أعلن رئيس مجلس الوزراء، شائع الزنداني، أن حكومته ستنتقل قريباً إلى عدن، مؤكداً أن الوجود داخل البلاد ليس خطوة رمزية، بل هو شرط لفاعلية القرار واستعادة انتظام مؤسسات الدولة.

وقال الزنداني، خلال اللقاء الذي أجرته معه «الشرق الأوسط» في استوديوهات قناة «الشرق» بمقر «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)» في «مركز الملك عبد الله المالي (KAFD)» في الرياض، إن المرحلة «لا تحتمل خطاباً واسعاً»، وإنما تتطلب عملاً متدرجاً يعيد بناء الثقة ويثبت الإيقاع المؤسسي، مشدداً على أن تحسين المعيشة والخدمات والتعافي الاقتصادي تمثل أولويات عاجلة.

وبرر رئيس الوزراء اليمني احتفاظه بحقيبة «الخارجية» بالحاجة إلى استكمال إصلاحات تنظيمية ودبلوماسية بدأها سابقاًً.

وأوضح الزنداني أن تشكيل حكومته استند إلى معايير مهنية بعيداً عن المحاصصة، مع التركيز على الكفاءة، والتخصص، والتوازن الوطني.

اقتصادياً؛ تبنّى رئيس الحكومة اليمنية خطاباً واقعياً، متجنباً الوعود السريعة، مؤكداً أن التعافي يتطلب إعادة هيكلة الإدارة المالية، وضبط الموارد، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة.

وشدد على أن توحيد القرارين السياسي والعسكري يمكن مؤسسات الدولة من تطبيق القانون، ويجعل مبدأ المحاسبة ممكناً، كما يمنح الحكومة موقعاً تفاوضياً أشد تماسكاً في أي مسار سلام مقبل مع الحوثيين.


رئيس الصومال: نسعى لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

رئيس الصومال: نسعى لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»
TT

رئيس الصومال: نسعى لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

رئيس الصومال: نسعى لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

أكّد الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود أن بلاده تنسق مع شركائها، بقيادة السعودية، لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال»، وتحييد القرن الأفريقي عن أي تصعيد غير محسوب العواقب.

وكشف الرئيس حسن شيخ محمود، في حوار مع «الشرق الأوسط»، عن حزمة من 3 خطوات سياسية وقانونية، تتخذها بلاده حالياً، لإبطال هذا الاعتراف الإسرائيلي.

وتحدث عن وجود دول في المنطقة لها مصلحة في هذا الاعتراف الإسرائيلي، قائلاً: «لا أودّ تسمية دولة أو دول بعينها، لكن من الواضح أن البعض ربما يرى في هذا الاعتراف فرصة لتحقيق مصالح ضيقة وقصيرة الأمد على حساب وحدة الصومال واستقرار المنطقة».


قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
TT

قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)

دخلت قوات حفظ السلام المصرية، المنتظر أن تشارك في الصومال مرحلة جديدة، بعد اصطفاف عسكري حضره الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بالقاهرة.

تلك القوات التي أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنها أمام مشاركة «مرتقبة» في الصومال، تواجه تحديات عديدة منها، وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، رد فعل «حركة الشباب» المتشددة، وإثيوبيا التي وجهت اعتراضات علنية لهذا الوجود المصري على خلفية خلافات البلدين.

وأفاد الجيش المصري، في بيان نقلته «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية، الأربعاء، بأن «رئيس الصومال شهد اصطفاف القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه، وذلك في إطار الدور المصري الريادي الداعم للجهود الدولية في حفظ السلام، وتعزيز ركائز الأمن والاستقرار بالقارة الأفريقية».

ووفق البيان، «أتمت القوات المشاركة أعلى درجات الجاهزية من خلال مستوى تدريبي احترافي يُمكّن من تنفيذ المهام الموكلة إليها بكفاءة واقتدار تحت مختلف الظروف».

وكان الرئيس المصري قد قال في مؤتمر صحافي، الأحد، بالقاهرة مع نظيره الصومالي: «تناولت محادثاتنا مشاركة مصر المرتقبة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم والاستقرار في الصومال، حيث أكدتُ أن مصر ماضية في استكمال نشر قواتها ضمن البعثة، في إطار التزامها تجاه القارة الأفريقية، وفي ظل حرصها على تحقيق الأمن والاستقرار في كافة ربوع الصومال».

الخبير العسكري والاستراتيجي والمستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، اللواء عادل العمدة، قال إن مشاركة مصر المرتقبة تأتي بطلب من الصومال وموافقة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، لافتاً إلى أن «الاصطفاف» يعني عسكرياً قرب المغادرة، وأن القوات جاهزة لإتمام المهمة المكلفة بها.

القوات المصرية المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ووفقاً للخبير في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، تشير المعطيات المتداولة منذ فترة إلى أن مشاركة القوات المصرية ضمن بعثة حفظ السلام المرتقبة في الصومال «لم تكن فكرة طارئة، بل خياراً مطروحاً بجدية ظل مرهوناً بالحصول على الضوء الأخضر من قيادتي البلدين في القاهرة ومقديشو»، متوقعاً انتشارها قريباً.

ويأتي هذا الاصطفاف بعد نحو شهرين من إعلان إسرائيل في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، الاعتراف بإقليم أرض الصومال «دولة مستقلة ذات سيادة»، وحدوث مواجهات بالصومال، وهجمات من جانب «حركة الشباب».

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أعلن في ديسمبر 2024 أن بلاده ستشارك في قوة حفظ السلام الجديدة التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، التي حلت محل مهمة لمكافحة الإرهاب انتهت أواخر 2024.

وواجهت بعثة مصر منذ إعلان المشاركة تحديات. وفي يوليو (تموز) 2025، دعت الرئاسة المصرية المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامتها، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية.

وجاء نداء الرئاسة المصرية بعد دعوة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا خلال أبريل (نيسان) 2025، إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار».

جانب من القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ويرى العمدة أن أبرز التحديات تكمن في المهمة الموكلة إليها، وهي مكافحة الإرهاب والعناصر الخارجية على القانون، وتحديداً «حركة الشباب»، مستبعداً أن تكون هناك تحديات من الجانب الإثيوبي تجاه قوات مصر، «خاصة أن مصر دولة قوية وملتزمة بالإجراءات والمهام»، على حد قوله.

ويعتقد كلني أن احتمال وصول القوات المصرية لا يُنظر إليه بمعزل عن التوازنات الإقليمية الدقيقة؛ إذ يُرجَّح أن يثير قلق بعض دول الجوار، وفي مقدمتها إثيوبيا، في ظل استمرار ملفات خلافية عالقة بين القاهرة وأديس أبابا، وعلى رأسها أزمة سدّ النهضة.

ويضيف أن هذا التطور «يتقاطع مع شبكة من الترتيبات الأمنية والعلاقات المتشابكة التي تربط مصر بكلٍّ من إريتريا والسودان والصومال، فضلاً عن شبهات تتعلق بأدوار إسرائيلية غير مباشرة يُعتقد أن لإثيوبيا اطلاعاً عليها، وربما إسهاماً في تسهيل بعض مساراتها».

وعلى الرغم من وضوح دلالات هذا الحراك العسكري والسياسي، فإن تقدير حجم تأثير وصول القوات المصرية إلى الصومال لا يزال سابقاً لأوانه، وفق كلني الذي قال إن ردود فعل بعض دول القرن الأفريقي تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة، لا سيما في ظل مخاوف معلنة من تنامي قدرات الجيش الصومالي تدريباً وتسليحاً.