افتتاح المشاورات اليمنية في جنيف بغياب المتمردين.. والخلافات حول 3 قضايا رئيسية

بان كي مون يدعو لهدنة في رمضان.. ووفد الحكومة الشرعية: التزام الحوثيين بالقرارات الأممية أولوية

الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أثناء اجتماعه مع وفد الحكومة اليمنية برئاسة وزير خارجيتها رياض ياسين في الجلسة الافتتاحية لمحادثات جنيف أمس (أ.ف.ب)
الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أثناء اجتماعه مع وفد الحكومة اليمنية برئاسة وزير خارجيتها رياض ياسين في الجلسة الافتتاحية لمحادثات جنيف أمس (أ.ف.ب)
TT

افتتاح المشاورات اليمنية في جنيف بغياب المتمردين.. والخلافات حول 3 قضايا رئيسية

الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أثناء اجتماعه مع وفد الحكومة اليمنية برئاسة وزير خارجيتها رياض ياسين في الجلسة الافتتاحية لمحادثات جنيف أمس (أ.ف.ب)
الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أثناء اجتماعه مع وفد الحكومة اليمنية برئاسة وزير خارجيتها رياض ياسين في الجلسة الافتتاحية لمحادثات جنيف أمس (أ.ف.ب)

اتخذت المشاورات اليمنية المرتقب تنظيمها في جنيف تحت رعاية الأمم المتحدة تطورات معقدة أمس، في ظل إعلان «افتتاح» الجلسات بغياب فريق المتمردين الذي ظل عالقا في جيبوتي لأكثر من 24 ساعة، وسط أنباء كثيرة حول صعوبات انتقال هذا الفريق إلى جنيف، وأيضًا في ظل الانقسامات بشأن ثلاث قضايا سياسية تتعلق بالمشاورات نفسها.
فبعد عدة تأجيلات ترتبط بأسباب تقنية وسياسية متداخلة، افتتح الأمين العام الأمين للأمم المتحدة بان كي مون المشاورات رسميًا صباح أمس، بعد لقائه مع الوفد الرسمي الحكومي، لكن في غياب الوفد القادم من صنعاء والمكون من شخصيات تمثل الحوثيين وحزب المؤتمر العام والمكونات السياسية الأخرى. الأمين العام للأمم المتحدة كان حضر إلى جنيف على مدى يومين للوقوف على التحضيرات وافتتاح المشاورات، لكن في ظل تأخر وفد «الحوثي – صالح»، اضطر بان لإطلاق العملية والعودة إلى نيويورك بناء على جدول أعماله السابق.
استغل بان الفرصة لتوجيه «نداء ملح» لطرفي الأزمة، ودعاهما «للمشاركة بنية حسنة ومن دون شروط مسبقة لما فيه مصلحة الشعب اليمني». كما دعا الأطراف اليمنية إلى «العمل من أجل عملية انتقال سياسي سلمي يضمن التمثيل العادل لمكونات المجتمع بما فيها النساء والشباب ومؤسسات المجتمع المدني». وتأخر وصول وفد الحوثيين وحزب المؤتمر الوطني، القادم من صنعاء، عن موعد افتتاح المشاورات، بعدما بقي عالقًا منذ الليلة قبل الماضية في جيبوتي. وبينما اكتفت الأمم المتحدة بالقول إن تأخر وصول الوفد «تقني» ترددت في مقر الأمم المتحدة بجنيف أنباء تفيد بأن الطائرة التي أقلت وفد الحوثيين وحزب الرئيس السابق صالح منعت من التحليق في بعض الأجواء واضطرت للنزول في جيبوتي حيث بقيت عالقة لعدة ساعات. وترددت معلومات بأن الدبلوماسي المشرف على المشاورات، المبعوث الأممي لليمن إسماعيل ولد شيخ أحمد، نفسه، لم يكن على علم يوم أمس بالشخصية التي ترأس وفد الحوثيين قبل وصوله المرتقب إلى جنيف.
وتعثر إطلاق هذه المشاورات عدة مرات لأسباب عدة بعضها تقني والبعض الآخر سياسي. ومكمن الخلاف السياسي المرتبط بهذه المشاورات يتعلق بثلاثة بنود رئيسية هي تحديد أطراف المشاورات، والاتفاق على مرجعيات المشاورات، وتحديد عدد الشخصيات في كل وفد. فبينما يصر «الوفد الرسمي للجمهورية» برئاسة وزير الخارجية رياض ياسين، على ضرورة أن تكون المشاورات بين الوفد الممثل للشرعية من جهة والمتمردين الانقلابيين من جهة أخرى، ظل الحوثيون يطالبون بتوسيع الجلسات لتشمل ما يسمونه عدة «مكونات سياسية» وهم بذلك، يرمون لمشاورات تكون على شاكلة الحوار الوطني الذي شهدته صنعاء في أعقاب فترة الإطاحة بالرئيس السابق علي عبد الله صالح. كذلك، ظل الوفد الممثل للشرعية، خلال الأيام الماضية، يشدد على ثلاث مرجعيات للمشاورات هي مخرجات الحوار الوطني والمبادرة الخليجية والقرار الأممي 2216 الذي يطالب الحوثيين بالانسحاب من المدن وتسليم الأسلحة، وهو ما يتعارض مع مطلب الحوثيين بإسقاط القرار الأممي من قائمة المرجعيات. وبخصوص العدد، طالب وفد الشرعية بحصر العدد في سبعة أشخاص لكل وفد معهم ثلاثة مستشارين، بينما يريد الحوثيون توسيع العدد ما أمكن.
وبين هذه المطالب المتضاربة للجانبين، وجدت الأمم المتحدة نفسها في وضع صعب خلال الأيام التي سبقت التحضير للمشاورات، فهي حريصة على جلب الأطراف إلى جنيف والتشاور معهم في غرفتين منفصلتين على أمل جمعهم لاحقًا على طاولة واحدة، كما أنها واقعة تحت ضغط تردي الوضع الإنساني للسكان في اليمن وتأمل في تحقيق هدنة خلال شهر رمضان. ويبدو أن الأمم المتحدة لجأت لإعطاء تصريحات متناقضة أحيانا لإرضاء هذا الطرف أو ذاك، فقط من أجل تحقيق هدف إطلاق المشاورات.
وفي هذا الصدد، دعا بان كي مون خلال كلمته لافتتاح المشاورات أمس، إلى فرض «هدنة إنسانية مع بداية شهر رمضان المبارك تمكن من إيصال المساعدات لأكثر من في المائة من المدنيين المحتاجين للمساعدات». لكن رياض ياسين، أبدى تحفظًا على طلب الهدنة، وأكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أمس أن الوفد الرسمي للجمهورية قدم إلى هذه المشاورات «بتفويض» و«لمناقشة قضية واحدة» هي تنفيذ القرار الأممي 2216 ببنوده السبعة. وعلمت «الشرق الأوسط» أن وفد الحكومة الشرعية سيلتقي اليوم الثلاثاء مع المبعوث الأممي ولد شيخ أحمد: «للتشاور حول الإجراءات التي يحملها وفد الحكومة لتنفيذ آليات تطبيق القرار الأممي 2216».
وتطرق ياسين خلال لقاء مع صحافيين إلى موضوع الهدنة التي طرحها في وقت سابق الأمين العام للأمم المتحدة، فقال: إن مناقشة الهدنة التي طرحها الأمين العام للأمم المتحدة مرتبطة بانسحاب ميليشيات الحوثيين من كل المدن وتوقفهم عن قتل المدنيين العزل في عدن وغيرها من المدن وإطلاقهم سراح كل المحتجزين الذين يعتقلونهم ومباشرتهم العمل مع المجتمع الدولي لتنفيذ بنود القرار 2216. ولما سئل ما إذا كانت هذه شروط وفد الشرعية للدخول في هدنة قال: «طبعا». ثم تساءل: «أي هدنة في ظل مواصلة الميليشيات قتل الناس وتدمير كل شيء». وأشار إلى أن فرض هدنة دون استجابة الحوثيين للقرار الأممي «سيمنحهم فرصة ليستخدموها من أجل تكثيف عدوانهم وتكرار شن هجمات بالصواريخ ضد السعودية. الأسبوع الماضي كان هناك صاروخ سكود ضد الأراضي السعودية من جانبهم». ثم قال: إن الانتهاكات التي يرتكبها الحوثيون الآن «ليست جديدة»، مشيرًا إلى أنهم كانوا احتجزوا رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزراء «وأنا واحد ممن احتجزوا لديهم». وكان يشير إلى التجاوزات التي نفذها الحوثيون لدى الانقلاب على الرئيس عبد ربه منصور هادي مطلع العام الحالي.
وشدد ياسين على أن «توفير المساعدات الإنسانية والإغاثية هي ضمن أولويتنا لإنهاء معاناة أبناء شعبنا جراء العدوان الميليشيات الحوثية وصالح». وعبر وزير الخارجية اليمني عن «حزنه» لـ«محاولة إقحام اليمن في لعبة الاستقطابات والملفات الدولية، دون الاكتراث بمصالح الشعب اليمني وأمنه واستقراره وتطلعاته». وقال: إنه «ستكون سابقة تاريخية وجريمة إنسانية إذا سمح المجتمع الدولي والأمم المتحدة للميليشيات الحوثية المتمردة بأن تستولي على السلطة وشرعنة ذلك بحجة الأمر الواقع مما سيشكل نموذجا كارثيا لكل الجماعات الإرهابية المشابهة التي تسيطر على مساحات جغرافية بأن تصبح إمارات فاشية متطرفة، مما يهدد السلم والأمن في الإقليم والعالم والواقع». وبينما رفض ياسين الهدنة «التي يستخدمها الحوثيون لتكثيف عدوانهم»، فإنه تطرق إلى الوضع الإنساني باستفاضة فقال خلال المؤتمر الصحافي مع بان كي مون: «أتينا إليكم بعقول مفتوحة وروح مسؤولة وقلوب مكلومة على وضع كارثي يعيشه اليمن، قادت إليه المغامرة الفاشلة في الاستيلاء على السلطة في موجة عنف والإرهاب غير مسبوقة في تاريخ اليمن، في محاولة لفرض نظام فاشي يمزق النسيج الاجتماعي في اليمن، ناهيك عن تدمير ونهب مؤسسات الدولة والعبث بمقدراته». وأضاف: «في الوقت الذي نتحدث فيه اليوم هنا في جنيف، يعاني الآلاف من الشعب اليمني جراء عنف تقوده الميليشيات الحوثية وصالح، في معظم مدن البلاد، إذ قاموا بتهديم البلاد على رؤوس ساكنيه، واستخدمت المدارس والمؤسسات التعليمية لأغراض عسكرية، وقصف المستشفيات، وهجرت البيوت الآمنة ومنعت دور الإغاثة وتقديم العون والمساعدة».
وتأتي هذه المشاورات كمحاولة من الأمم المتحدة لإخراج اليمن من أزمته السياسية والأمنية المعقدة التي بدأت منذ الإطاحة بالرئيس السابق علي عبد الله صالح، وانتقال السلطة إلى خلفه الرئيس عبد ربه منصور هادي، وتنظيم الحوار الوطني الذي شاركت فيه عدة أطراف بينها الحوثيون أنفسهم، وانتهى بخلاصات كثيرة أهمها التوافق على استفتاء بشأن دستور جديد وإجراء انتخابات عامة جديدة وتحويل البلاد إلى ستة أقاليم. لكن الأزمة تعمقت أكثر مع انقلاب الحوثيين وصالح، على سلطة الرئيس هادي، ووضعه قيد الاحتجاز رفقة الكثير من الوزراء.
وتطرق وزير الخارجية اليمني في تصريحاته بجنيف أمس إلى مسارات الأزمة وتطلعات الحكومة للمستقبل، فقال: «إن الشعب اليمني لن يتخلى عن إرادته وبناء دولة نظام وقانون والمواطنة المتساوية والذي حددت ملامحها عقب تغيير بعملية سلمية رائدة انتظمت فيها الغالبية من أبناء الشعب اليمني». وأضاف: «لم يتوقف المسار السياسي الذي انتهجه اليمن، وفق المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، سواء التوافق على مسودة الدستور والذهاب إلى انتخابات تؤدي إلى سلطة جديدة قبل أن يتحرك تحالف الحوثي وصالح بمسيرة تدمير واحتلال المدن، ومؤسسات الحكومة منذ سبتمبر (أيلول) 2014. واستكماله في يناير (كانون الثاني) 2015. لتبدأ الميليشيات في فرض كل مندوبيها في مؤسسات الدولة العسكرية مما أشعل المقاومة في كل أبناء الدولة، ليخرج أبناء من عدن والضالع وتعز وأبين وشبوة ومأرب ولحج والجوف، للدفاع عن أهلهم وممتلكاتهم ضد الميليشيات الحوثية وصالح».
ومع الانطلاقة المتعثرة للمشاورات، لا يعرف على وجه الدقة كم ستدوم الجلسات، وكيف ستنظم. وكانت المعلومات السابقة أفادت بأن المشاورات ستجري بين الفريقين اللذين سيجلسان في غرفتين منفصلتين، على مدى ثلاثة أيام على الأقل. وعمومًا، استبعد محللون كثيرون في جنيف حدوث اختراق في المشاورات المرتقبة «لأن كل طرف متمسك بموقفه ولا يبدو مستعدًا لأي تسوية». ورأوا أن كل طرف جاء إلى جنيف لا يرغب في الظهور كجهة معرقلة للتسوية، لكن دون حمل رغبة في تقديم تنازلات. ويجمع هؤلاء المحللون على أن أقصى ما يمكن توقعه من جلسات جنيف هو مناقشة تخفيف المعاناة الإنسانية عن الشعب اليمني، أما التوافق على خلافاتهم السياسية فأمر مستبعد.



اغتيال مراسل تلفزيوني في المكلا يهز الأوساط اليمنية

صورة للضحية مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في حضرموت (إكس)
صورة للضحية مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في حضرموت (إكس)
TT

اغتيال مراسل تلفزيوني في المكلا يهز الأوساط اليمنية

صورة للضحية مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في حضرموت (إكس)
صورة للضحية مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في حضرموت (إكس)

اغتال مجهولون الصحافي اليمني محمد عيضة، مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في محافظة حضرموت، الأربعاء، عبر تفجير عبوة ناسفة استهدفت سيارته في مدينة المكلا شرق اليمن، في حادثة هزَّت الوسط الإعلامي اليمني، وأثارت إدانات رسمية وقبلية واسعة، ومطالبات بكشف الجناة.

وذكرت مصادر محلية أنَّ عيضة فارق الحياة في المستشفى متأثراً بجروح بالغة أُصيب بها إثر انفجار عبوة ناسفة استهدفت سيارته في أثناء مروره بشارع الستين بمدينة المكلا، كبرى مدن محافظة حضرموت.

آثار التفجير الذي تعرَّضت له سيارة الصحافي اليمني الفقيد محمد عيضة (إكس)

وفي حين لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن العملية حتى الآن، فإنَّ الحادث أثار ردود فعل واسعة على المستويين الرسمي والشعبي، حيث وجَّه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، بتشكيل لجنة عليا مشتركة من وزارة الداخلية، وجهاز أمن الدولة، والاستخبارات العسكرية، بالتنسيق مع اللجنة المُشكَّلة من قيادة السلطة المحلية بمحافظة حضرموت؛ للتحقيق في ملابسات واقعة الاغتيال.

وبدوره، وجَّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، الأجهزة الأمنية المختصة بسرعة فتح تحقيق شامل وعاجل لكشف ملابسات الجريمة، وتحديد المتورطين فيها.

وشدَّد الخنبشي على أهمية اتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحق كل مَن يثبت تورطه في هذا العمل، مؤكداً أنَّ حماية الصحافيين والإعلاميين، وتمكينهم من أداء رسالتهم المهنية في بيئة آمنة، يمثِّلان أولويةً لا يمكن التهاون فيها.

وأكد أنَّ مثل هذه الجرائم تستهدف الأمن والاستقرار، وتقوِّض الجهود المبذولة لترسيخ سيادة القانون، داعياً إلى تكاتف مختلف الأجهزة المختصة للوصول إلى الجناة وتقديمهم للعدالة.

كما قدَّم الخنبشي تعازيه إلى أسرة الفقيد وزملائه في الوسط الإعلامي، مشيداً بما عُرف عنه من نشاط مهني وإعلامي خلال سنوات عمله الصحافي.

متابعة حكومية... واستنكار قبلي

تابع رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني تطورات الحادثة، وأجرى اتصالات مع وزير الداخلية والجهات المختصة للاطلاع على سير التحقيقات والإجراءات المتخذة.

ووجَّه الزنداني وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية بتقديم الدعم الكامل لفرق التحقيق، وتسخير الإمكانات اللازمة لكشف المتورطين في الجريمة وملاحقتهم قضائياً.

وأكد رئيس الوزراء اليمني أنَّ استهداف الصحافيين والإعلاميين يُمثِّل اعتداءً مباشراً على حرية العمل الإعلامي، وعلى قيم المجتمع وسيادة القانون، مشدِّداً على حرص الحكومة على توفير بيئة آمنة تُمكِّن العاملين في وسائل الإعلام من أداء واجباتهم المهنية.

وفي السياق ذاته، أصدر «حلف قبائل حضرموت»، و«مؤتمر حضرموت الجامع» بياناً مشتركاً أدانا فيه الجريمة، ووصفاها بأنَّها «إرهابية وغادرة»، مؤكدَين أنَّ استهداف شخصية إعلامية معروفة يُمثِّل اعتداءً خطيراً على أمن واستقرار حضرموت، وعلى حرية العمل الصحافي.

وطالب البيان بفتح تحقيق شفاف وسريع يكشف جميع ملابسات الحادثة، ويحدِّد الجهات المتورطة فيها، مع ضمان تقديم المسؤولين عنها إلى العدالة لمنع تكرار مثل هذه الجرائم.

وقال صبري سالمين بن مخاشن، رئيس دائرة الإعلام والعلاقات العامة بـ«حلف قبائل حضرموت» لـ«الشرق الأوسط»: «إن جريمة اغتيال محمد عيضة، تُمثِّل عملاً إجرامياً جباناً يستهدف أمن حضرموت واستقرارها، ويُشكِّل اعتداءً خطيراً على حرية العمل الإعلامي».

وأضاف بن مخاشن أن هذه الحادثة المؤلمة «تستوجب تحقيقاً عاجلاً وشفافاً لكشف الجناة وتقديمهم للعدالة، كما تفرض إعادة تقييم شاملة للمنظومة الأمنية والعسكرية في حضرموت، وتعزيز قدراتها، وتأهيل كوادرها، وتمكين الكفاءات الحضرمية من القيام بدورها في حماية المحافظة، والحفاظ على أمنها واستقرارها».

اتحاد صحافيي آسيا: جريمة بشعة

أدان «اتحاد صحافيي غرب آسيا» بأشد العبارات الجريمة التي وصفها بـ«الغادرة والنكراء». وأوضح الاتحاد، في بيان، أنَّ الحادثة «الصادمة والمروعة تمثل اعتداءً سافراً على حرية الصحافة، وانتهاكاً صارخاً للحق الإنساني في التعبير ومعرفة الحقيقة». وشدَّد الاتحاد على أنه «يرى في هذه الجريمة البشعة استهدافاً ممنهجاً للعمل الصحافي والإعلامي في المنطقة برمتها، وليس في اليمن وحسب، وتكشف عن تصاعد خطير في مستوى التهديدات الموجَّهة ضد صنَّاع الرأي والكلمة، الأمر الذي يضع سلامة الصحافيين في اليمن على المحك، ويثير قلقاً إقليمياً ودولياً بالغاً».

وحذَّر الاتحاد من سياسة «الإفلات من العقاب» وعدَّها «الوقود الذي يغذي تكرار هذه الجرائم البشعة، ويهدِّد بيئة العمل الإعلامي في المنطقة، ويضرب بعرض الحائط القوانين الوطنية والمواثيق والعهود الدولية الضامنة لحماية الصحافيين في أثناء النزاعات».

وطالب الاتحاد السلطات الأمنية والقضائية في محافظة حضرموت، والجهات المختصة في الحكومة اليمنية «بالتحرُّك الفوري لفتح تحقيق عاجل وشفاف لكشف ملابسات هذه الجريمة، والوصول إلى الجناة والمخطِّطين والمحرِّضين، وتقديمهم للعدالة؛ لينالوا جزاءهم الرادع، خصوصاً بعد التهديدات التي تلقاها الزميل قبل أسابيع وفقاً للمصادر الأمنية».


الحوثيون يستنسخون «الباسيج الإيراني» ويهددون بالعودة للحرب

مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يستنسخون «الباسيج الإيراني» ويهددون بالعودة للحرب

مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)

اختارت الجماعة الحوثية إعلان تأسيس تشكيل عسكري جديد مُستوحى من قوات «الباسيج» الإيرانية، وهي آخِر التقليعات العسكرية للجماعة التي استحدثت مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية الموازية لعمل الدولة منذ انقلابها عام 2014 حتى الآن.

يتزامن ذلك مع التلويح باستئناف الحرب ضد الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في خطوة يراها مراقبون محاولة للهروب من تصاعد الخلافات داخل هياكل الجماعة بشأن أولويات الإنفاق العسكري، وسط مؤشرات متزايدة على التململ الداخلي وضعف التواصل التنظيمي نتيجة الإجراءات الأمنية المشددة التي فرضتها الجماعة، عقب استهداف عدد من قياداتها خلال العام الماضي.

ويرى محللون عسكريون أن إعلان ما يسمى «قوات التعبئة» جاء بعد أيام من تلميحات أطلقها زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي بشأن التصعيد العسكري، تحت شعارات تتعلق باستعادة ما سماه «الحقوق والثروات»، في حين سارع مجلس نواب الجماعة الانقلابية إلى إعلان دعمه هذه التوجهات.

ويعتقد المحللون أن الحوثيين يمتلكون، خلال المرحلة الراهنة، خيارات متعددة للتصعيد، هدفها الأساسي ممارسة الضغط على الحكومة اليمنية.

ووفق تقديرات مراقبين، فإن الجماعة الحوثية تمرّ بمرحلة معقدة داخلياً، خصوصاً على المستويين المالي والتنظيمي، في ظل ازدياد التذمر بين المقاتلين والعناصر الميدانية، إلى جانب ضعف قنوات التواصل بين المستويات القيادية المختلفة وتراجع الثقة داخل بعض الدوائر التنظيمية.

الحوثيون يوسّعون تشكيلات مستوحاة من قوات «الباسيج» الإيرانية (إعلام محلي)

وعلى الرغم من هذه التحديات، لا يزال زعيم الجماعة متمسكاً بسياسة «أولويات الإنفاق» التي تجعل الأفضلية للبرامج العسكرية وتطوير القدرات القتالية والبنية المرتبطة بها، على حساب الالتزامات المالية الأخرى، بما في ذلك مستحقات المقاتلين المنتشرين في الجبهات.

وتشير مصادر مطلعة إلى أن عبد الملك الحوثي يتابع شخصياً مدى التزام القيادات العليا بالبروتوكولات الأمنية التي فُرضت عقب مقتل عدد من القيادات العسكرية في غارات إسرائيلية، خلال العام الماضي.

وتشمل هذه الإجراءات الحد من الظهور العلني، والتنقل وفق ترتيبات أمنية صارمة، وهو ما تسبَّب - وفق المصادر - في إبطاء حركة التواصل واتخاذ القرار داخل مؤسسات الجماعة.

وتؤكد المصادر أن هذه القيود الأمنية أسهمت في اتساع الفجوة بين المستويات القيادية والقواعد الميدانية، الأمر الذي انعكس على الأداء التنظيمي وأدى إلى ازدياد الشكاوى من ضعف التنسيق والتواصل.

تذمر في صفوف المقاتلين

في موازاة ذلك، تتحدث تقارير محلية عن تنامي حالات التسرب من المعسكرات والتخلف عن الالتحاق بالخدمة العسكرية، بالتزامن مع تأخر صرف المستحقات المالية للمقاتلين في عدد من الجبهات منذ أربعة أشهر.

ووفق هذه التقارير، فإن غالبية المقاتلين لم يتسلموا مخصصاتهم الشهرية المقدَّرة بنحو 50 دولاراً، باستثناء بعض الوحدات الخاصة والمشرفين العسكريين الذين لا تزال مستحقاتهم تُصرَف بصورة منتظمة، ما أدى إلى تصاعد حالة الاستياء داخل الأوساط القتالية.

تصاعد الخلافات والصراعات داخل المستويات القيادية العليا للجماعة الحوثية (إ.ب.أ)

ويرى المتخصص في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني أن هذه المرحلة تشهد مستوى غير مسبوق من الانتقاد والتذمر العلني من قِبل عناصر محسوبة على القاعدة الصلبة للجماعة، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها القيادة الحوثية حالياً.

ويعتقد الجبرني أن ما يسمى «قوات التعبئة» لا يمثل قوة قتالية تقليدية، بل يعد نسخة مستنسخة من تجربة «الباسيج» الإيرانية، التي تقوم على تنظيم السكان داخل الأحياء والقرى والمربعات السكنية، عبر تسجيل المُوالين للجماعة وإخضاعهم لدورات محدودة في استخدام الأسلحة الخفيفة وبرامج التعبئة الفكرية والعقائدية.

استنساخ النموذج الإيراني

يشير المتابعون للحالة الحوثية إلى أن هذا التشكيل المعلَن عنه (قوات التعبئة) جاء امتداداً لإعادة هيكلة نفّذتها الجماعة خلال العامين الماضيين، إذ جرى تحويل ما كان يُعرَف بـ«المجلس التنفيذي» إلى «مكتب التعبئة»، مع تكليف عدد من القيادات بالإشراف عليه ضِمن خطة تستهدف توسيع شبكات التجنيد والحشد المجتمعي.

وخلال الفترة الماضية، استثمر الحوثيون حالة التعاطف الشعبي مع الفلسطينيين في قطاع غزة لتوسيع عمليات التعبئة والتجنيد، خصوصاً في أوساط المراهقين وصغار السن، مستفيدين من الفعاليات الجماهيرية والخطاب التعبوي المرتبط بالحرب في المنطقة.

ويرى مراقبون أن الجماعة قد تتجه إلى توظيف هذا التشكيل الجديد في أي مواجهة مستقبلية مع الحكومة اليمنية، سواء من خلال الدعم اللوجستي أم تعزيز عمليات الحشد والتعبئة في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء نظّمته الجماعة (أ.ف.ب)

ويعتقد مراقبون أن تنامي الصراعات داخل المستويات القيادية العليا للجماعة قد يدفع زعيمها إلى البحث عن معركة جديدة تتيح إعادة ترتيب الصفوف الداخلية وتوحيد القيادات خلف هدف مشترك.

ووفق هذه التقديرات، فإن إشعال جبهة مواجهة مع الحكومة اليمنية قد يُنظَر إليه داخل الجماعة بوصفه خياراً أقل كلفة من مواجهة احتمالات الانشقاقات أو تفاقم الخلافات الداخلية، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة وتراجع قدرة الجماعة على احتواء حالة التذمر داخل صفوفها.


الأوبئة والفساد ينهكان قطاع الصحة في اليمن

أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
TT

الأوبئة والفساد ينهكان قطاع الصحة في اليمن

أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)

تزايدت التحذيرات من تفاقم الأزمة الصحية في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مع عودة أمراض كان يمكن الوقاية منها باللقاحات، وسط تراجع الخدمات الطبية واستهداف الجماعة القطاع الصحي بالفساد والإهمال، في وقت تشير فيه تقارير أممية ومؤشرات محلية إلى تحديات متراكمة تضرب الرعاية الصحية.

تزايدت الاتهامات الموجهة لقيادات الجماعة الحوثية باستغلال القطاع لمنافع شخصية، بعد إقدام القيادي محمد البخيتي، المعين محافظاً لذمار، على إنشاء صيدلية خاصة داخل المستشفى العام في مركز المحافظة والاستيلاء على أدوية مخصصة للجرحى، بالتواطؤ مع شقيقه، الذي عينه مديراً مالياً في هذا المرفق، وعدد من المقربين منه.

وبحسب مصادر محلية مطلعة في مدينة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، فإن شقيق البخيتي، ويدعى الحسن ناصر البخيتي، والمقربين منه في إدارة المستشفى يشرفون على أعمال جبايات يومية من المرضى ومرتادي المستشفي، ويعملون على اقتطاع مبالغ كبيرة من ميزانيته من دون بيان مصيرها، إلى جانب حرمان الكوادر الطبية من مستحقاتها.

شقيق البخيتي، بحسب المصادر أمر الأطباء العاملين في المستشفى بتوجيه المرضى لشراء الأدوية من الصيدلية الخاصة التي أنشأها وشقيقه، رغم وجود ثلاث صيدليات عمومية تابعة للمستشفى، وهي الصيدليات التي يجري تحويل الأدوية المخصصة لها إلى الصيدلية المستحدثة.

الحوثيون حولوا فناء مستشفى ذمار العام إلى ساحة لفعالياتهم وأنشطتهم التعبوية (إعلام حوثي)

إلى ذلك، أغلقت الجماعة عدداً من الأقسام والعيادات الحيوية بمستشفى ناصر العام في مدينة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، ونقلت تجهيزاتها الطبية، ومنها معدات لرعاية المواليد والأمهات الوالدات، إلى مستشفى آخر في منطقة نائية.

وبينت مصادر طبية في المستشفى أن الجماعة بررت إجراءاتها بزيادة الشكاوى من الفساد والإهمال، وهو ما أثار غضباً واسعاً في أوساط السكان الذين كانوا يطالبون بإجراء إصلاحات إدارية ومالية وليس إغلاق الأقسام التي تقدم خدمات طبية ضرورية برسوم متدنية لذوي الدخل المحدود.

واستنكر الأهالي أن تكون الاستجابة لشكاواهم ومطالبهم بتحسين الخدمات هو التوجه لإلغائها، وعدّوا ذلك جزءاً من نهج عام يمارسه الحوثيون بتحويل القطاع الصحي العام إلى مصدر إيرادات لإثراء الجماعة وقادتها.

عودة أمراض الطفولة

لا تقتصر الأزمة على تراجع الخدمات الصحية، بل تمتد إلى عودة أمراض معدية كانت تحت السيطرة خلال السنوات الماضية. ويحذر مختصون من تصاعد حالات الإصابة والوفاة بفيروس الحصبة في ظل تراجع برامج التحصين وغياب الإحصاءات الدقيقة في مناطق سيطرة الحوثيين.

عدد من القادة الحوثيين في فناء مستشفى ناصر العام في مدينة إب (إعلام حوثي)

وتشير مصادر طبية إلى تسجيل عشرات الآلاف من الإصابات ومئات الوفيات خلال السنوات الأخيرة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه جهود الوقاية الصحية.

وكان مسؤول الإعلام الصحي بمحافظة تعز، تيسير السامعي، أفاد بأن الحصبة، والتي تعد من الأمراض التي يمكن الوقاية منها بسهولة عبر اللقاحات، تعاود التفشي بسرعة وسط انتشار الشائعات والمعلومات المضللة حول التطعيمات، مما أسهم في عزوف الأسر عن تحصين أطفالها.

ولا تقتصر المخاطر على الحصبة وحدها، وفقاً للسامعي، فقد سُجلت نحو 450 حالة إصابة بفيروس شلل الأطفال، خلال الثلاثة أعوام الماضية، في مختلف أنحاء البلاد، وكانت غالبيتها في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، حيث تتعثر حملات التحصين وتتأثر بالدعاية المضادة لها، إلى جانب تقديرات بوجود حالات أخرى لم يتم رصدها أو الإبلاغ عنها.

ومنذ عامين لم تسجل أي حالة إصابة بالفيروس في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية، في ظل حملات التحصين التي يجري الالتزام بها بشكل دوري، في حين تتزايد المخاوف من توسع انتشاره في مناطق سيطرة الجماعة.

القطاع الصحي تحت سيطرة الحوثيين يعاني من تردي الخدمات وحرمان الفقراء من العلاج المجاني (إ.ب.أ)

إلا أن الأشهر الماضية من العام الحالي، شهدت تسجيل نحو 12791 اشتباه إصابة بالحصبة، توفي منها 71 شخصاً، وتصدرت محافظة حضرموت قائمة المحافظات من حيث عدد الإصابات والوفيات بواقع 4500 إصابة و18 وفاة، تلتها محافظة تعز بـ1590 إصابة و15 وفاة، ثم محافظة عدن بـ1420 إصابة و11 وفاة.

احتياجات متزايدة

بالتزامن مع هذه التطورات، تزايدت التحذيرات من زيادة الضغوط التي يواجهها القطاع الصحي في اليمن، نتيجة نقص التمويل وضعف البنية التحتية وتراجع الخدمات الأساسية، وتحدثت منظمة الصحة العالمية، عن احتياج أكثر من 22 مليون يمني إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، بينما لفت صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى تدهور الأوضاع الصحية للنساء والفتيات.

وبين الصندوق أن اليمن يسجل أعلى معدلات وفيات الأمهات عربياً، بواقع ثلاث وفيات يومياً بسبب مضاعفات يمكن الوقاية منها.

التطعيم في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية يحمي الأطفال من الأمراض القاتلة (الأمم المتحدة)

وطبقاً للصندوق، تترافق هذه الأزمة الطبية مع ارتفاع مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، وسط جهود أممية مستمرة لتقديم الدعم النفسي والقانوني وتوفير الملاجئ الآمنة للناجيات.

وتهدد أزمة التمويل في اليمن استمرار هذه البرامج بعدما فقد الصندوق 40 في المائة من موارده الإنسانية، مما أجبره على إغلاق بعض مرافق الحماية ووقف استقبال حالات جديدة.

وتتزامن هذه التطورات مع تراجع التمويل الإنساني، إذ تؤكد الأمم المتحدة أن نقص الموارد المالية أجبر منظمات إنسانية على تقليص عدد من برامجها الصحية والإغاثية، بينما أُغلق خلال العام الماضي أكثر من 450 مرفقاً صحياً في مختلف أنحاء اليمن، في وقت تتسع فيه دائرة الفقر وسوء التغذية وانتشار الأمراض.