افتتاح المشاورات اليمنية في جنيف بغياب المتمردين.. والخلافات حول 3 قضايا رئيسية

بان كي مون يدعو لهدنة في رمضان.. ووفد الحكومة الشرعية: التزام الحوثيين بالقرارات الأممية أولوية

الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أثناء اجتماعه مع وفد الحكومة اليمنية برئاسة وزير خارجيتها رياض ياسين في الجلسة الافتتاحية لمحادثات جنيف أمس (أ.ف.ب)
الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أثناء اجتماعه مع وفد الحكومة اليمنية برئاسة وزير خارجيتها رياض ياسين في الجلسة الافتتاحية لمحادثات جنيف أمس (أ.ف.ب)
TT

افتتاح المشاورات اليمنية في جنيف بغياب المتمردين.. والخلافات حول 3 قضايا رئيسية

الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أثناء اجتماعه مع وفد الحكومة اليمنية برئاسة وزير خارجيتها رياض ياسين في الجلسة الافتتاحية لمحادثات جنيف أمس (أ.ف.ب)
الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أثناء اجتماعه مع وفد الحكومة اليمنية برئاسة وزير خارجيتها رياض ياسين في الجلسة الافتتاحية لمحادثات جنيف أمس (أ.ف.ب)

اتخذت المشاورات اليمنية المرتقب تنظيمها في جنيف تحت رعاية الأمم المتحدة تطورات معقدة أمس، في ظل إعلان «افتتاح» الجلسات بغياب فريق المتمردين الذي ظل عالقا في جيبوتي لأكثر من 24 ساعة، وسط أنباء كثيرة حول صعوبات انتقال هذا الفريق إلى جنيف، وأيضًا في ظل الانقسامات بشأن ثلاث قضايا سياسية تتعلق بالمشاورات نفسها.
فبعد عدة تأجيلات ترتبط بأسباب تقنية وسياسية متداخلة، افتتح الأمين العام الأمين للأمم المتحدة بان كي مون المشاورات رسميًا صباح أمس، بعد لقائه مع الوفد الرسمي الحكومي، لكن في غياب الوفد القادم من صنعاء والمكون من شخصيات تمثل الحوثيين وحزب المؤتمر العام والمكونات السياسية الأخرى. الأمين العام للأمم المتحدة كان حضر إلى جنيف على مدى يومين للوقوف على التحضيرات وافتتاح المشاورات، لكن في ظل تأخر وفد «الحوثي – صالح»، اضطر بان لإطلاق العملية والعودة إلى نيويورك بناء على جدول أعماله السابق.
استغل بان الفرصة لتوجيه «نداء ملح» لطرفي الأزمة، ودعاهما «للمشاركة بنية حسنة ومن دون شروط مسبقة لما فيه مصلحة الشعب اليمني». كما دعا الأطراف اليمنية إلى «العمل من أجل عملية انتقال سياسي سلمي يضمن التمثيل العادل لمكونات المجتمع بما فيها النساء والشباب ومؤسسات المجتمع المدني». وتأخر وصول وفد الحوثيين وحزب المؤتمر الوطني، القادم من صنعاء، عن موعد افتتاح المشاورات، بعدما بقي عالقًا منذ الليلة قبل الماضية في جيبوتي. وبينما اكتفت الأمم المتحدة بالقول إن تأخر وصول الوفد «تقني» ترددت في مقر الأمم المتحدة بجنيف أنباء تفيد بأن الطائرة التي أقلت وفد الحوثيين وحزب الرئيس السابق صالح منعت من التحليق في بعض الأجواء واضطرت للنزول في جيبوتي حيث بقيت عالقة لعدة ساعات. وترددت معلومات بأن الدبلوماسي المشرف على المشاورات، المبعوث الأممي لليمن إسماعيل ولد شيخ أحمد، نفسه، لم يكن على علم يوم أمس بالشخصية التي ترأس وفد الحوثيين قبل وصوله المرتقب إلى جنيف.
وتعثر إطلاق هذه المشاورات عدة مرات لأسباب عدة بعضها تقني والبعض الآخر سياسي. ومكمن الخلاف السياسي المرتبط بهذه المشاورات يتعلق بثلاثة بنود رئيسية هي تحديد أطراف المشاورات، والاتفاق على مرجعيات المشاورات، وتحديد عدد الشخصيات في كل وفد. فبينما يصر «الوفد الرسمي للجمهورية» برئاسة وزير الخارجية رياض ياسين، على ضرورة أن تكون المشاورات بين الوفد الممثل للشرعية من جهة والمتمردين الانقلابيين من جهة أخرى، ظل الحوثيون يطالبون بتوسيع الجلسات لتشمل ما يسمونه عدة «مكونات سياسية» وهم بذلك، يرمون لمشاورات تكون على شاكلة الحوار الوطني الذي شهدته صنعاء في أعقاب فترة الإطاحة بالرئيس السابق علي عبد الله صالح. كذلك، ظل الوفد الممثل للشرعية، خلال الأيام الماضية، يشدد على ثلاث مرجعيات للمشاورات هي مخرجات الحوار الوطني والمبادرة الخليجية والقرار الأممي 2216 الذي يطالب الحوثيين بالانسحاب من المدن وتسليم الأسلحة، وهو ما يتعارض مع مطلب الحوثيين بإسقاط القرار الأممي من قائمة المرجعيات. وبخصوص العدد، طالب وفد الشرعية بحصر العدد في سبعة أشخاص لكل وفد معهم ثلاثة مستشارين، بينما يريد الحوثيون توسيع العدد ما أمكن.
وبين هذه المطالب المتضاربة للجانبين، وجدت الأمم المتحدة نفسها في وضع صعب خلال الأيام التي سبقت التحضير للمشاورات، فهي حريصة على جلب الأطراف إلى جنيف والتشاور معهم في غرفتين منفصلتين على أمل جمعهم لاحقًا على طاولة واحدة، كما أنها واقعة تحت ضغط تردي الوضع الإنساني للسكان في اليمن وتأمل في تحقيق هدنة خلال شهر رمضان. ويبدو أن الأمم المتحدة لجأت لإعطاء تصريحات متناقضة أحيانا لإرضاء هذا الطرف أو ذاك، فقط من أجل تحقيق هدف إطلاق المشاورات.
وفي هذا الصدد، دعا بان كي مون خلال كلمته لافتتاح المشاورات أمس، إلى فرض «هدنة إنسانية مع بداية شهر رمضان المبارك تمكن من إيصال المساعدات لأكثر من في المائة من المدنيين المحتاجين للمساعدات». لكن رياض ياسين، أبدى تحفظًا على طلب الهدنة، وأكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أمس أن الوفد الرسمي للجمهورية قدم إلى هذه المشاورات «بتفويض» و«لمناقشة قضية واحدة» هي تنفيذ القرار الأممي 2216 ببنوده السبعة. وعلمت «الشرق الأوسط» أن وفد الحكومة الشرعية سيلتقي اليوم الثلاثاء مع المبعوث الأممي ولد شيخ أحمد: «للتشاور حول الإجراءات التي يحملها وفد الحكومة لتنفيذ آليات تطبيق القرار الأممي 2216».
وتطرق ياسين خلال لقاء مع صحافيين إلى موضوع الهدنة التي طرحها في وقت سابق الأمين العام للأمم المتحدة، فقال: إن مناقشة الهدنة التي طرحها الأمين العام للأمم المتحدة مرتبطة بانسحاب ميليشيات الحوثيين من كل المدن وتوقفهم عن قتل المدنيين العزل في عدن وغيرها من المدن وإطلاقهم سراح كل المحتجزين الذين يعتقلونهم ومباشرتهم العمل مع المجتمع الدولي لتنفيذ بنود القرار 2216. ولما سئل ما إذا كانت هذه شروط وفد الشرعية للدخول في هدنة قال: «طبعا». ثم تساءل: «أي هدنة في ظل مواصلة الميليشيات قتل الناس وتدمير كل شيء». وأشار إلى أن فرض هدنة دون استجابة الحوثيين للقرار الأممي «سيمنحهم فرصة ليستخدموها من أجل تكثيف عدوانهم وتكرار شن هجمات بالصواريخ ضد السعودية. الأسبوع الماضي كان هناك صاروخ سكود ضد الأراضي السعودية من جانبهم». ثم قال: إن الانتهاكات التي يرتكبها الحوثيون الآن «ليست جديدة»، مشيرًا إلى أنهم كانوا احتجزوا رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزراء «وأنا واحد ممن احتجزوا لديهم». وكان يشير إلى التجاوزات التي نفذها الحوثيون لدى الانقلاب على الرئيس عبد ربه منصور هادي مطلع العام الحالي.
وشدد ياسين على أن «توفير المساعدات الإنسانية والإغاثية هي ضمن أولويتنا لإنهاء معاناة أبناء شعبنا جراء العدوان الميليشيات الحوثية وصالح». وعبر وزير الخارجية اليمني عن «حزنه» لـ«محاولة إقحام اليمن في لعبة الاستقطابات والملفات الدولية، دون الاكتراث بمصالح الشعب اليمني وأمنه واستقراره وتطلعاته». وقال: إنه «ستكون سابقة تاريخية وجريمة إنسانية إذا سمح المجتمع الدولي والأمم المتحدة للميليشيات الحوثية المتمردة بأن تستولي على السلطة وشرعنة ذلك بحجة الأمر الواقع مما سيشكل نموذجا كارثيا لكل الجماعات الإرهابية المشابهة التي تسيطر على مساحات جغرافية بأن تصبح إمارات فاشية متطرفة، مما يهدد السلم والأمن في الإقليم والعالم والواقع». وبينما رفض ياسين الهدنة «التي يستخدمها الحوثيون لتكثيف عدوانهم»، فإنه تطرق إلى الوضع الإنساني باستفاضة فقال خلال المؤتمر الصحافي مع بان كي مون: «أتينا إليكم بعقول مفتوحة وروح مسؤولة وقلوب مكلومة على وضع كارثي يعيشه اليمن، قادت إليه المغامرة الفاشلة في الاستيلاء على السلطة في موجة عنف والإرهاب غير مسبوقة في تاريخ اليمن، في محاولة لفرض نظام فاشي يمزق النسيج الاجتماعي في اليمن، ناهيك عن تدمير ونهب مؤسسات الدولة والعبث بمقدراته». وأضاف: «في الوقت الذي نتحدث فيه اليوم هنا في جنيف، يعاني الآلاف من الشعب اليمني جراء عنف تقوده الميليشيات الحوثية وصالح، في معظم مدن البلاد، إذ قاموا بتهديم البلاد على رؤوس ساكنيه، واستخدمت المدارس والمؤسسات التعليمية لأغراض عسكرية، وقصف المستشفيات، وهجرت البيوت الآمنة ومنعت دور الإغاثة وتقديم العون والمساعدة».
وتأتي هذه المشاورات كمحاولة من الأمم المتحدة لإخراج اليمن من أزمته السياسية والأمنية المعقدة التي بدأت منذ الإطاحة بالرئيس السابق علي عبد الله صالح، وانتقال السلطة إلى خلفه الرئيس عبد ربه منصور هادي، وتنظيم الحوار الوطني الذي شاركت فيه عدة أطراف بينها الحوثيون أنفسهم، وانتهى بخلاصات كثيرة أهمها التوافق على استفتاء بشأن دستور جديد وإجراء انتخابات عامة جديدة وتحويل البلاد إلى ستة أقاليم. لكن الأزمة تعمقت أكثر مع انقلاب الحوثيين وصالح، على سلطة الرئيس هادي، ووضعه قيد الاحتجاز رفقة الكثير من الوزراء.
وتطرق وزير الخارجية اليمني في تصريحاته بجنيف أمس إلى مسارات الأزمة وتطلعات الحكومة للمستقبل، فقال: «إن الشعب اليمني لن يتخلى عن إرادته وبناء دولة نظام وقانون والمواطنة المتساوية والذي حددت ملامحها عقب تغيير بعملية سلمية رائدة انتظمت فيها الغالبية من أبناء الشعب اليمني». وأضاف: «لم يتوقف المسار السياسي الذي انتهجه اليمن، وفق المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، سواء التوافق على مسودة الدستور والذهاب إلى انتخابات تؤدي إلى سلطة جديدة قبل أن يتحرك تحالف الحوثي وصالح بمسيرة تدمير واحتلال المدن، ومؤسسات الحكومة منذ سبتمبر (أيلول) 2014. واستكماله في يناير (كانون الثاني) 2015. لتبدأ الميليشيات في فرض كل مندوبيها في مؤسسات الدولة العسكرية مما أشعل المقاومة في كل أبناء الدولة، ليخرج أبناء من عدن والضالع وتعز وأبين وشبوة ومأرب ولحج والجوف، للدفاع عن أهلهم وممتلكاتهم ضد الميليشيات الحوثية وصالح».
ومع الانطلاقة المتعثرة للمشاورات، لا يعرف على وجه الدقة كم ستدوم الجلسات، وكيف ستنظم. وكانت المعلومات السابقة أفادت بأن المشاورات ستجري بين الفريقين اللذين سيجلسان في غرفتين منفصلتين، على مدى ثلاثة أيام على الأقل. وعمومًا، استبعد محللون كثيرون في جنيف حدوث اختراق في المشاورات المرتقبة «لأن كل طرف متمسك بموقفه ولا يبدو مستعدًا لأي تسوية». ورأوا أن كل طرف جاء إلى جنيف لا يرغب في الظهور كجهة معرقلة للتسوية، لكن دون حمل رغبة في تقديم تنازلات. ويجمع هؤلاء المحللون على أن أقصى ما يمكن توقعه من جلسات جنيف هو مناقشة تخفيف المعاناة الإنسانية عن الشعب اليمني، أما التوافق على خلافاتهم السياسية فأمر مستبعد.



لقاحات الأطفال تقود طبيباً يمنياً إلى معتقلات الحوثيين

عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
TT

لقاحات الأطفال تقود طبيباً يمنياً إلى معتقلات الحوثيين

عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)

في ديسمبر (كانون الأول) 2024، وبعد 6 أشهر من إخفائه لدى مخابرات الجماعة الحوثية، تلقت زوجة الطبيب اليمني علي المضواحي أول اتصال منه. لم يكن الاتصال عادياً، إذ جاء بعد أشهر من الغموض والقلق، ومن دون أن تعرف الأسرة مكان احتجازه أو ظروفه.

كانت الزوجة قد أمضت تلك الأشهر في محاولة معرفة مصير زوجها، عبر التواصل مع جهاز الأمن والمخابرات التابع للجماعة، من دون الحصول على معلومات واضحة. ثم بدأت، بعد ذلك، اتصالات متقطعة وقصيرة، لم تكن كافية لتبديد مخاوفها أو معرفة ما يجري معه.

لكن الاتصال الأخير، قبل أيام، حمل تفاصيل أشد قسوة. فقد أبلغ الطبيب زوجته، وفق روايتها، أنه أمضى نحو 16 شهراً في معتقل تحت الأرض، وأنه تعرض في إحدى المرات للتعصيب وتقييد اليدين، كما تعرض للضغط خلال التحقيق لإجباره على الاعتراف بأنه «جاسوس» جندته «منظمة الصحة العالمية».

وبعد أكثر من 800 يوم على اعتقاله، انتقلت قضية المضواحي إلى المحكمة الجزائية المختصة بقضايا الإرهاب وأمن الدولة التي يديرها الحوثيون، وسط مخاوف أسرته من تعرضه لعقوبة قاسية.

المضواحي مع طفلته قبل اعتقاله من قبل الحوثيين (إعلام محلي)

وكان آخر ما تعرفه أسرة المضواحي بعد اعتقاله في مايو (أيار) 2024 أنه محتجز لدى الحوثيين. مرت الأيام والأسابيع والشهور من دون معلومات واضحة عن مكانه أو حالته الصحية، بينما واصلت زوجته محاولة الوصول إلى أي معلومة عبر الأجهزة التابعة للجماعة.

وبعد نحو 6 أشهر، جاء الاتصال الأول. كان صوت زوجها على الطرف الآخر، لكن المكالمة كانت قصيرة ومحدودة، قبل أن تتكرر الاتصالات على فترات متباعدة.

وتقول الزوجة إنها تعمدت طيلة تلك الفترة عدم نشر تفاصيل عن احتجازه، أملاً في أن يساعد الصمت على إطلاق سراحه وعودته إلى أسرته. لكنها قررت هذه المرة الحديث عن معاناته؛ بناء على طلبه، مؤكدة أن ما ترويه «مؤلم»، لكنها تريد أن يعرف الناس ظروف احتجازه.

وفي إحدى المكالمات، تمكن المضواحي، وفق رواية زوجته، من الحديث معها باللغة الإنجليزية بعيداً عن مراقبة الحراس، وأبلغها بأنه احتُجز في زنزانة تحت الأرض لأكثر من 16 شهراً.

زنزانة تحت الأرض

قال الطبيب، وفقاً لما نقلته عنه زوجته، إنه تعرض للتعذيب والضغط لإجباره على الإدلاء باعترافات يريدها المحققون الحوثيون، مضيفاً أن التحقيقات ركزت على اتهامه بالتجسس والعمل لمصلحة «منظمة الصحة العالمية».

لكن القضية التي أثارت غضبه، وفق روايته، كانت مطالبة المحققين له بالاعتراف بأن اللقاحات التي تُقدَّم للأطفال دون الخامسة ليست برامج صحية، وإنما «أدوات جاسوسية». ويقول المضواحي إنه رفض الاعتراف بذلك.

ووفق روايته، فقد عُرض عليه خلال التحقيق خياران: إما التعاون مع المحققين والعودة إلى حياته الطبيعية، وإما البقاء في السجن سنوات قبل أن يتمكن من مقابلة محامٍ أو الوصول إلى النيابة.

المضواحي رفض عرضاً حوثياً للإفراج عنه مقابل التصريح بأن اللقاحات «مؤامرة صهيونية» (إعلام محلي)

وقال إنه اختار الخيار الثاني عندما طُلب منه الاعتراف بأنه جُند من قبل «منظمة الصحة العالمية» للإضرار باليمن. لكنه أُبلغ، وفق روايته، بأن فترة السجن لن تكون 4 أو 5 سنوات، وإنما قد تمتد إلى عشرات السنين.

ويقول الطبيب إن ذلك جعله يشعر بأنه لم يكن أمام خيار حقيقي، وإنه تعرض بعد اعتقاله للتعذيب لإجباره على قول ما يريده المحققون.

اللقاحات تتحول تهمة

قبل احتجازه، كان المضواحي طبيباً يعمل في وزارة الصحة والسكان اليمنية ومسؤولاً عن الإعلام الصحي فيها، وارتبط عمله بملفات الصحة العامة وبرامج التحصين، التي يقول إنه دافع عن استمرارها لحماية الأطفال من الأمراض.

ووفق روايته، فقد تحولت مواقفه المهنية المتعلقة باللقاحات جزءاً من التحقيق معه، بعدما جرى التعامل معها على أنها ملف أمني.

مليون طفل في اليمن لا يحصلون على أي من اللقاحات الروتينية (إعلام محلي)

وبالنسبة إلى طبيب قضى سنوات في المجال الصحي، لم تكن اللقاحات قضية سياسية، إنما جزء من مسؤوليته المهنية تجاه الأطفال والمجتمع. لكن داخل الزنزانة، كما يقول، طُلب منه أن يقرّ بأنها أدوات للتجسس، وهو ما رفضه.

وكان الثمن، وفق روايته، استمرار احتجازه ثم إحالته إلى المحاكمة، في وقت ينتظر فيه عقوبة يقول مقربون منه إنها قد تكون قاسية، قياساً إلى قضايا سابقة أحيل فيها متهمون إلى المحكمة ذاتها.

ومن أكثر ما بقي في ذاكرته من جلسات التحقيق، وفق ما نقلته زوجته، أنه طلب من المحققين دليلاً على اتهامه بالتجسس. وكان الرد، كما يقول: «من أنت حتى تطلب دليلاً؟».

ويقول المضواحي إنه تساءل كيف يمكن أن تجري العدالة من دون دليل، وكيف يمكن بناء قضية على اعترافات يقول إنه أُجبر عليها.

ومن زنزانته، وجه رسالة إلى زعيم الحوثيين، مستشهداً فيها بآيات قرآنية عن التثبت والعدل، ومطالباً بالنظر في قضيته وقضايا آخرين يقول إنهم تعرضوا للظروف نفسها.

الحوثيون يمنعون حملات التطعيم رغم عودة أمراض الطفولة القاتلة (إعلام محلي)

وتأتي قضية المضواحي في وقت تزداد فيه المخاوف من انعكاسات القيود المفروضة على برامج التحصين في المناطق الخاضعة للحوثيين، مع عودة ظهور بعض الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات.

وفي بلد أنهكته الحرب، يبقى بعض القصص بعيداً عن أرقام المعارك والضحايا؛ قصص تبدأ من منزل ينتظر عودة أحد أفراده، وتنتهي بسؤال أوسع: متى يعود آلاف المدنيين المعتقلين لدى الحوثيين إلى بيوتهم؟


«نسور الحضارة»... دفعة جديدة للعلاقات العسكرية بين مصر والصين

جانب من فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)
جانب من فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)
TT

«نسور الحضارة»... دفعة جديدة للعلاقات العسكرية بين مصر والصين

جانب من فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)
جانب من فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)

تدخل العلاقات العسكرية المصرية الصينية مرحلة جديدة من التعاون، مع انطلاق فعاليات التدريب الجوي المشترك «نسور الحضارة 2026»، وسط توترات تشهدها المنطقة.

وتلك المناورة الثانية من نوعها خلال عامين بين مصر والصين، وتعد بمثابة دفعة جديدة للعلاقات العسكرية بين البلدين، وفق ما يرى خبير عسكري واستراتيجي مصري، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، معتقداً أنها قد تمتد إلى تعاون عسكري أوسع لاحقاً في إطار تنويع مصر مصادر التصنيع العسكري.

ومساء السبت، أعلن الجيش المصري، في بيان، انطلاق فعاليات التدريب الجوي المصري الصيني المشترك «نسور الحضارة 2026»، بمشاركة عدد من الطائرات المقاتلة متعددة المهام من طرازات مختلفة، لافتاً إلى أن التدريبات تُنفذ على مدار عدة أيام في عدد من القواعد الجوية داخل مصر، ضمن النسخة الثانية من المناورات بين البلدين.

فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)

وتشمل المراحل الأولى من التدريب مجموعة من المحاضرات النظرية والعملية، بهدف توحيد المفاهيم القتالية بين الجانبين، إلى جانب تنفيذ طلعات جوية مشتركة والتدريب على أعمال التخطيط وإدارة العمليات الجوية المشتركة.

وتستهدف التدريبات تبادل الخبرات وتطوير مهارات القوات المشاركة، ضمن خطة التدريبات المشتركة التي تنفذها القوات المسلحة المصرية مع نظيراتها من الدول الشقيقة والصديقة، بهدف دعم وتعزيز علاقات التعاون في مختلف المجالات العسكرية، حسب البيان المصري.

وفي 14 أغسطس (آب) الحالي، قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الوطني الصينية، تشن شي، في مؤتمر صحافي، إن تلك المناورات ستختتم أوائل سبتمبر (أيلول) المقبل، لافتاً إلى أنها ثاني تدريب مشترك بين القوات الجوية في البلدين.

وحسب المتحدث الصيني، ستركز المناورات على تكتيكات القتال الجوي، وعمليات التفوق الجوي، وعمليات البحث والإنقاذ القتالية، فضلاً عن تدريبات على توظيف القوات، مؤكداً أن التدريب المشترك سيواصل تعزيز الثقة المتبادلة والصداقة التقليدية، ويعمق التعاون العملي بين الجيشين، ويسهم في تحقيق السلام والاستقرار على الصعيد الإقليمي.

وكانت النسخة الأولى في أبريل (نيسان) 2025، تحت اسم «نسور الحضارة 2025»، وقد أجريت في إحدى القواعد الجوية المصرية بمشاركة عدد من الطائرات المقاتلة متعددة المهام من طرازات مختلفة.

دفعة للعلاقات العسكرية

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي، اللواء سمير فرج، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا التدريب يسهم بشكل مباشر في تعزيز العلاقات العسكرية بين البلدين، مؤكداً أن استمرار انعقاد نسخ «نسور الحضارة» يعكس نجاح التدريب الأول، خصوصاً أن وصول طائرات صينية إلى مصر لإجراء تدريب مشترك دليل على أن بكين تحقق استفادة كبيرة جداً من هذا التعاون.

وشدد فرج على ضرورة وضع هذا التعاون في إطاره الطبيعي، باعتباره ضمن سياق العلاقات العسكرية المصرية مع مختلف دول العالم، قائلاً: «يجب ألا نحمّل هذا التدريب أكثر من حجمه، فمصر معروفة بتنوع علاقاتها، وهي أكثر دولة في العالم تجري تدريبات مشتركة، حيث نستفيد نحن وتستفيد الدول الأخرى أيضاً».

تعاون يتسع

وسبق أن كان التعاون العسكري الصيني المصري مسار قلق إسرائيلي، وفي فبراير (شباط) 2025، تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن مخاوف حادة لدى الأجهزة الأمنية في إسرائيل من حصول مصر على مقاتلات صينية من طراز J-10C مزودة بصواريخ جو- جو بعيدة المدى.

وقالت المصادر العبرية وقتها، إن ما يقلق إسرائيل ليس الطائرة المقاتلة الصينية، بل الصاروخ الصيني جو-جو بعيد المدى، وهو سلاح لم تمتلكه القوات الجوية المصرية من قبل، حيث ستسمح هذه الصواريخ للقوات الجوية المصرية بمحاولة ضرب الطائرات الإسرائيلية حتى دون أن تكون في مجال رؤيتها.

تلا ذلك حديث مجلة ناشونال إنترست الأميركية، في ديسمبر (كانون الأول)، عن أن مصر لجأت إلى الصين لصُنع أسطول متطوّر من الطائرات المسيّرة، في خطوة تهدف إلى مواجهة تصرفات إسرائيل العدوانية على حدودها الشرقية.

وحول ما يثار عن ارتباط هذه المناورات بصفقات تسليح معينة، أشار فرج إلى أن الحديث عن شراء طائرات من طراز جي 10 أو غيرها أمر يقع خارج نطاق المناورة الحالية، مؤكداً أن «المناورة ليست لها علاقة بهذا الأمر».

ولفت إلى أن العلاقات العسكرية المصرية الصينية تتجه نحو مزيد من الشراكة الأكبر، لا سيما في ظل التعاون القائم في مجال الطائرات المسيرة التي يتم تصنيعها محلياً في مصر، مؤكداً أن هناك مزيداً من التعاون العسكري في مجال التدريب المشترك، وفي مجال التصنيع الحربي المشترك.

وعلاقات مصر والصين لها تاريخ قديم، وفي مايو (أيار) الماضي، احتفلت مصر والصين بالذكرى السبعين لتأسيس علاقاتهما الدبلوماسية، التي انطلقت في 30 مايو 1956، حين بادرت مصر إلى أن تكون أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات رسمية مع الصين.

وأعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني شي جينبينغ، في بكين، في مايو 2024 تدشين عام «الشراكة المصرية – الصينية» بمناسبة مرور 10 سنوات على إطلاق «الشراكة الاستراتيجية الشاملة».


«انشقاقات» عسكرية تضرب «أرض الصومال» وتهدد نفوذه

منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)
منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)
TT

«انشقاقات» عسكرية تضرب «أرض الصومال» وتهدد نفوذه

منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)
منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)

وسط مساعٍ حثيثة لنزع اعتراف دولي، مبني على اعتراف إسرائيلي «مستهجن إقليمياً»، يواجه إقليم «أرض الصومال» الانفصالي «انشقاقات» عسكرية متصاعدة باتت تهدد استقرار قواته، لصالح الجيش الفيدرالي الصومالي.

وقال العقيد علي أحمد إسماعيل، المعروف بـ«أشكاتو»، والمنشق مؤخراً، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن قوات الإقليم الانفصالي «لم يعد لديها أي تمثيل عسكري محلي من أبناء مناطق سول وسناغ وتوغدير»، المتنازع عليها مع ولاية «الشمال الشرقي».

العقيد أشكاتو مع جنوده (مقطع من فيديو يتحدث فيه إلى قواته)

وتشكلت «ولاية شمال شرقي الصومال»، قبل نحو عام فقط، وتطالب ببعض المناطق الشرقية من «أرض الصومال».

ووفق أشكاتو، فإن «الوحدة العسكرية التي كان يقودها كانت آخر قوة من أبناء تلك المناطق داخل قوات الإقليم قبل انتقالها إلى صفوف الجيش الفيدرالي الصومالي».

وأوضح أشكاتو أن «الانشقاق لم يكن مجرد انتقال محدود لعدد من الجنود، بل جاء نتيجة اختيارهم الوقوف إلى جانب سكان مناطقهم وعائلاتهم»، مضيفاً: «كنا آخر فصيل متبقياً لدى أرض الصومال من محافظات المنطقة الشمالية الشرقية... واخترنا أن نوحد صفوفنا مع عائلاتنا وأهلنا في منطقتنا، وننضم إلى الشمال الشرقي».

من رأى ليس كمن سمع!

وفي ردّه على تقارير قلّلت من حجم القوات المنشقة، قال إن «أهمية الخطوة لا تقاس بعدد الأفراد المنشقين». وأضاف قائلاً: «ليس الخبر كالمعاينة، ومن رأى ليس كمن سمع!».

وكشف النقاب عن أن أفراد وحدته أنهوا إجراءات التسجيل والدمج ضمن قوات الجيش الصومالي، قائلاً إنهم «سُجلوا في تعداد الجيش، ومررنا جميعاً للتنظيم، وانضممنا إلى الجيش الفيدرالي كوحدة نظامية»، لافتاً إلى أن «الجزء المتبقي سيجري تسجيله لاحقاً».

وأضاف: «لم يتبقَ في أرض الصومال أي تمثيل عسكري أو وجود عسكري لمناطقنا، كنت آخر وحدة موجودة معهم، واخترت الشمال الشرقي».

وميّز بين وجود قوات «أرض الصومال» في مناطقها التقليدية وبين قدرتها على تمثيل أو السيطرة على المناطق التي ينتمي إليها.

امتداد المجتمعات المحلية

وتعود جذور التوتر في محافظات سول وسناغ وأجزاء من توغدير (منطقة عَين)، حيث يدعى «إقليم أرض الصومال» سيطرته على هذه المناطق، ضمن حدود محمية الصومال البريطانية السابقة التي أعلنت استقلالها عام 1991. أما ولاية شمال شرقي الصومال، التي تطورت محلياً واعترفت بها الحكومة الفيدرالية العام الماضي، فتراها امتداداً لمجتمعاتها المحلية، خاصة عشيرة الدولباهانتي.

وبعد قتال عنيف عام 2023، انسحبت قوات الإقليم من لاسعانود ومناطق واسعة من سول، وبقيت خطوط التماس متوترة في سناغ ومحيط بوهودلي، حيث شهدت المنطقة منذ ذلك الحين انشقاقات متبادلة على المستويين السياسي والعسكري.

ونفى أشكاتو أي علاقة مباشرة بين قرار انشقاقه والتطبيع مع إسرائيل، موضحاً: «ليست هناك علاقة مباشرة بين قراري والتطبيع مع إسرائيل». وأضاف: «لكن لن يكون هناك تطبيع في شمال شرقي الصومال مع أي جهة لا نريدها».

إسرائيل... وزيارة واشنطن

وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أعلنت إسرائيل اعترافها باستقلال الإقليم، لتصبح بذلك أول دولة عضو في الأمم المتحدة تقدم على هذه الخطوة، حيث تم تبادل السفراء وفتح سفارة لأرض الصومال في القدس، وزيارة رسمية لرئيس الإقليم إلى إسرائيل في يونيو (حزيران) الماضي.

ورغم أن الاعتراف الإسرائيلي شكّل اختراقاً دبلوماسياً مهماً للإقليم، فإنه لم يسفر حتى الآن عن موجة اعترافات دولية.

وبحسب تقارير محلية، فإنه من المزمع أن يتوجه رئيس أرض الصومال، عبد الرحمن محمد عبد الله (عرو)، إلى العاصمة الأميركية واشنطن الشهر المقبل، ضمن وفد كبير يهدف إلى تعزيز فرص الاعتراف الأميركي بالإقليم.

وحاول العقيد أشكاتو تقديم انشقاقه باعتباره قراراً سياسياً واجتماعياً مرتبطاً بالانتماء إلى سكان المنطقة، قائلاً إن «أبناء مناطق سول وسناغ اختاروا بناء كيانهم السياسي الخاص»، داعياً أي شخصيات أو أفراد ما زالوا يتلقون رواتب من هياكل تابعة لأرض الصومال إلى الانضمام إلى ولاية شمال شرقي الصومال.

وبينما رحّبت ولاية شمال شرقي الصومال بالخطوة، لم يصدر عن سلطات أرض الصومال أي موقف رسمي حتى الآن. وبحسب رواية أشكاتو، فإن «الانشقاق قد يمثل أكثر من مجرد خسارة عسكرية محدودة، وقد يكون مؤشراً على مشكلة أعمق تواجه أرض الصومال في الشرق، ومدى قدرتها على الاحتفاظ بنفوذها في مناطق متنازع عليها من دون قاعدة محلية عسكرية وسياسية تستطيع الاعتماد عليها».