«جنيف» اليوم.. والأمم المتحدة تسعى لاحتواء هفوة إسقاط أحد المرجعيات المهمة للمشاورات

الحكومة اليمنية تشدد على ضرورة تنفيذ القرار 2216.. وتشاؤم إزاء النتائج المرجوة من الجلسات

TT

«جنيف» اليوم.. والأمم المتحدة تسعى لاحتواء هفوة إسقاط أحد المرجعيات المهمة للمشاورات

بعد شد وجذب، تقرر عقد المشاورات اليمنية في موعدها الجديد المحدد باليوم (الاثنين)، وذلك إثر موافقة وفد الحوثيين و«حزب المؤتمر العام»، أمس، على الانتقال من صنعاء إلى جنيف، حيث ستجري الجلسات. وبذلك، التحق الوفد «الحوثي - صالح» متأخرا عن وفد الشرعية الذي وصل أبكر بيوم، وأبدى تجاوبًا أسرع مع ترتيبات المنظمة الدولية للموعد.
ولم تعلن الأمم المتحدة، أمس، بشكل رسمي، موافقة الوفد «الحوثي - صالح» على الذهاب إلى جنيف، إلا أنها قدمت تصريحات فهم من خلالها أن الوفد تخلى عن تحفظاته السابقة التي كان يرددها، مثل عدد المشاركين وتفاصيل تخص الجلسات ومكان الإقامة. لكن إشكالاً آخر ظهر أمس، وتمثل في إصدار الأمم المتحدة بيانًا حددت فيه مرجعيتين اثنتين لمشاورات جنيف، هما المبادرة الخليجية والحوار الوطني، متراجعة عما كانت تعلنه سابقًا، مسقطة مرجعية القرار الأممي 2216 الذي صدر قبل شهرين ونصف الشهر على ضرورة انسحاب الحوثيين من المدن التي استولوا عليها، وتسليم أسلحتهم للدولة.
ورغم أن المتحدث باسم الأمم المتحدة أحمد فوزي حاول استدراك الأمر خلال مؤتمر صحافي عقده بمقر الأمم المتحدة في جنيف، ظهر أمس، وذكر فيه بوجود المرجعيات الثلاث، إلا أن «الوفد الرسمي للجمهورية اليمنية» أصدر، من مقر إقامته بجنيف، بيانًا جديدًا أكد فيه موقفه من المرجعيات، وقال الوفد إنه «قدم إلى جنيف ملبيًا لدعوة الأمم المتحدة في الوقت المحدد وبروح إيجابية منفتحة، والنظر بعين المسؤولية لكل ما يمر به وطننا، ملتزمًا بتفاصيل ما اتفق عليه، في أن اللقاء التشاوري في جنيف بين طرفين، هما السلطة اليمنية وطرف الانقلابيين، وأن أي مواقف معلنة تخالف ذلك لا تعد مقبولة». وعلمت «الشرق الأوسط»، أن وفد الجمهورية عقد في وقت لاحق أمس اجتماعًا مع المبعوث الأممي إسماعيل ولد الشيخ أحمد.
ويرى محللون كثيرون أن القرار الأممي 2216 يعد سلاحًا قويًا بيد الحكومة الشرعية، تمكنت من انتزاعه من الأمم المتحدة في أبريل (نيسان) الماضي، بالإجماع، ولم تمتنع عن التصويت له سوى روسيا التي بدأت في الآونة الأخيرة تبرز كحليف جديد للحوثيين بعد إيران. ويعتقد أن الحوثيين منزعجون جدًا من القرار الذي جرى التوصل إليه في إطار البند السابع، أي أن المجتمع الدولي أراد «فرضه» على الطرف المعني به (الحوثيين).
عمومًا، بدا الجو العام في مقر الأمم المتحدة بجنيف أمس متسمًا بالتشاؤم والتناقض أحيانا إزاء المشاورات، على خلفية التصريحات «الغامضة» للأمم المتحدة وأيضا بسبب التأجيلات السابقة ووجود تضارب بشأن الأهداف والرؤى لدى كل طرف.
وحاول المتحدث باسم الأمم المتحدة فوزي خلال مؤتمره الصحافي، أمس، تفادي التطرق للجوانب «السياسية» في المشاورات، والتركيز على الإجراءات الفنية، و«ما هو مؤكد حتى الآن»، ومن ذلك، حسب قوله، أن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ومبعوثه الشخصي موجودان في جنيف استعدادًا للمشاورات، وأنهما عقدا لقاء مع الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبد اللطيف الزياني، وآخر مع سفراء دول الراعية للمبادرة الخليجية، أي «مجموعة الـ16» التي تحولت إلى «مجموعة الـ18» (تضم خصوصًا الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن ومجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي ومصر وتركيا ودول أخرى).
وحتى موعد بدء الجلسات كان غامضًا، فقد ذكر فوزي أنه «يتوقع» انطلاق المشاورات اليوم (الاثنين)، كما رفض تأكيد موافقة وفد «الحوثي - صالح» على الانتقال من صنعاء إلى جنيف (كانت التصريحات قبل أي إعلان عن وصول الوفد).
وأوضح أن المشاورات ستجري في غرفتين منفصلتين، وأنها ستعرف، إضافة إلى مشاركة وفد الشرعية والحوثيين وحزب صالح، حضور مجموعتي «اللقاء المشترك» و«الحراك السلمي» أيضًا.
وبدا فوزي حذرًا في تقديم التفاصيل، إذ رفض الكشف عن كيفية إجراء المشاورات ومدتها بالتحديد. واكتفى بالقول إن كل وفد سيضم «ما بين 10 إلى 12 شخصية»، وذلك على عكس ما أعلنته الأمم المتحدة سابقًا من أن كل وفد يضم 7 أشخاص يرافقهم 3 مستشارين.
وتطرق بيان «وفد الجمهورية» أيضا إلى جزئية عدد المشاركين، فقال إن الدعوة «وجهت على أساس سبعة أعضاء وثلاثة من المستشارين يمثلون السلطة الشرعية ومثلهم للطرف الآخر».
وتابع الوفد الممثل لشرعية الرئيس عبد ربه منصور هادي أنه قدم إلى المشاورات «مستندا بوضوح على قرارات الشرعية الدولية وعلى المرجعيات المتفق عليها والمتمثلة بالمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية ومخرجات الحوار الوطني والقرارات الدولية، وعلى رأسها القرار 2216 الذي شكل خريطة طريق واضحة للحل وإحلال السلام، ووقف العدوان الذي شنته ميليشيات الحوثي - صالح المتمردة، والانسحاب من كل المحافظات التي استولوا عليها بما فيها العاصمة صنعاء، والبدء بجهود الإغاثة الإنسانية العاجلة، وبما يعزز من الاستقرار المنشود».
وعبر وفد الشرعية أيضا عن دعمه لكل الجهود التي يبذلها الأمين العام للأمم المتحدة، ومبعوثه الخاص «بما يخدم هذا التوجه، ويحقق تنفيذ القرار 2216».
وكان بيان الأمم المتحدة الأول ذكر أن «مشاورات جنيف ستكون منبثقة عن المبادرة الخليجية والحوار الوطني»، وأن «الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، بعد مشاوراته مع المبعوث الأممي، قرر إرسال وفد موحد إلى مشاورات جنيف».
وتابع البيان أن المبعوث الأممي يرحب بقرار الرئيس هادي إرسال بعثة، ويحث أعضاءها على المشاركة بنية حسنة، ويسعى إلى نتائج تقود لرفع المعاناة الإنسانية في اليمن، وتعيد البلاد إلى الطريق نحو انتقال سلمي ومنظم.
وبعد البيان، وجد المتحدث باسم الأمم المتحدة فوزي وزميله ريال لوبلان، نفسيهما خلال المؤتمر الصحافي، أمام وابل من الأسئلة حول «التناقض» بين تأكيدهما على وجود ثلاث مرجعيات للمشاورات من جهة، وإسقاط مرجعية القرار 2216 من بيان المبعوث الأممي من جهة أخرى. لكن كلا منهما امتنع عن تقديم قراءة سياسية وتفادى الإجابة. وعندها همس الصحافيون بينهم بأن إصدار البيان ربما صدر لمغازلة الحوثيين ودفعهم للموافقة على السفر إلى صنعاء، ذلك أن الأمم المتحدة تبدو حريصة جدًا على عقد هذه المشاورات، وتبدو مهتمة بالشأن الإنساني والتوصل إلى هدنة خلال شهر رمضان.
وساد الغموض أيضا، أمس، حول الجهات المشاركة في المشاورات، مع إضافة اسمي «اللقاء المشترك» و«الحراك السلمي» لأول مرة. وحول هذه المشاركة، قُدمت للإعلاميين في المقر الأممي بجنيف، توضيحات غير رسمية تفيد بأن الحكومة الشرعية ستمثل فريقًا رئيسيًا، وأن الحوثيين وحزب صالح واللقاء المشترك والحراك سيشكلون مجتمعين الفريق الثاني.
وحسب المعلومات الشحيحة و«التوقعات» أيضًا، فإن الفريقين سيجلسان في قاعتين منفصلتين، وفي طابقين منفصلين أيضًا، وأن الفريق الأممي المشرف، برئاسة إسماعيل ولد شيخ، سينتقل بين القاعتين ليطرح على الوفدين أسئلة ويستمع إلى إجابات.
ولم يعلن حتى يوم أمس عن محاور المشاورات أو الطريقة الأكيدة التي ستجري بها. وعكست التصريحات غير الحاسمة للمتحدثين باسم الأمم المتحدة، أمس، أن الفريق الأممي الراعي للمشاورات مقبل على الجلسات وهو مستعد لأي تطور محتمل. ولذلك، رفض فوزي الكشف عن القضايا التي ستطرقها الجلسات كما امتنع عن تقديم فترة زمنية محددة للمشاورات. وقمت إدارة الإعلام بالأمم المتحدة في جنيف بطاقات اعتماد صالحة حتى 19 من الشهر الحالي، مما فهم أن الحد الأقصى للجلسات هو خمسة أيام علما بأن الأمم المتحدة كانت قالت في وقت سابق إن الجلسات ستدوم ثلاثة أيام فقط.
وأقر المتحدث باسم الأمم المتحدة فوزي، أمس، بأن الأيام القليلة الماضية عرفت الكثير من الأحداث المتسارعة بشأن التحضير للمشاورات، كما شهدت بروز «عدة إشاعات».
يذكر أن استجابة الأطراف اليمنية للدعوة للمشاورات بدت متثاقلة منذ الوهلة الأولى؛ إذ كان المبعوث الأممي اقترح 28 مايو (أيار) موعدًا للاجتماعات، إلا أنه تأجل، بعد تحفظ الرئيس هادي، إلى 14 يونيو (حزيران). ثم تأجل الموعد مجددًا 24 ساعة بسبب عراقيل برزت في صنعاء تتعلق بانتقال وفد جماعة الحوثيين. وظل المعنيون بهذا الملف السياسي في جنيف على مدى اليومين الماضيين بانتظار أخبار من صنعاء، إلى أن أعلن، أمس، أن الوفد الحوثي وافق في الأخير على المشاركة، لكن دون الاستجابة للطلب الذي ظل يقدمه برفع عدد الوفد إلى أربعين شخصية.
وأشار دبلوماسيون في جنيف إلى أن سقف التوقعات من المشاورات محدود جدًا، بالنظر إلى المواقف المتباعدة بين الطرفين، وحتى مع الطرف الراعي (الأمم المتحدة).
فالحكومة الشرعية قررت القدوم إلى جنيف لهدف رئيسي هو بحث آليات تطبيق القرار الأممي 2216، بينما اختار معسكر الحوثيين وصالح فرض عقبات حول عدد المشاركين ليصل إلى 40، وهو يطمح لتوسيع النقاش والقفز على القرار 2216. وبينهما تبرز الأمم المتحدة في موقف صعب لا تحسد عليه اضطرها حتى لإصدار بيانات غامضة.



اغتيال مراسل تلفزيوني في المكلا يهز الأوساط اليمنية

صورة للضحية مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في حضرموت (إكس)
صورة للضحية مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في حضرموت (إكس)
TT

اغتيال مراسل تلفزيوني في المكلا يهز الأوساط اليمنية

صورة للضحية مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في حضرموت (إكس)
صورة للضحية مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في حضرموت (إكس)

اغتال مجهولون الصحافي اليمني محمد عيضة، مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في محافظة حضرموت، الأربعاء، عبر تفجير عبوة ناسفة استهدفت سيارته في مدينة المكلا شرق اليمن، في حادثة هزَّت الوسط الإعلامي اليمني، وأثارت إدانات رسمية وقبلية واسعة، ومطالبات بكشف الجناة.

وذكرت مصادر محلية أنَّ عيضة فارق الحياة في المستشفى متأثراً بجروح بالغة أُصيب بها إثر انفجار عبوة ناسفة استهدفت سيارته في أثناء مروره بشارع الستين بمدينة المكلا، كبرى مدن محافظة حضرموت.

آثار التفجير الذي تعرَّضت له سيارة الصحافي اليمني الفقيد محمد عيضة (إكس)

وفي حين لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن العملية حتى الآن، فإنَّ الحادث أثار ردود فعل واسعة على المستويين الرسمي والشعبي، حيث وجَّه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، بتشكيل لجنة عليا مشتركة من وزارة الداخلية، وجهاز أمن الدولة، والاستخبارات العسكرية، بالتنسيق مع اللجنة المُشكَّلة من قيادة السلطة المحلية بمحافظة حضرموت؛ للتحقيق في ملابسات واقعة الاغتيال.

وبدوره، وجَّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، الأجهزة الأمنية المختصة بسرعة فتح تحقيق شامل وعاجل لكشف ملابسات الجريمة، وتحديد المتورطين فيها.

وشدَّد الخنبشي على أهمية اتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحق كل مَن يثبت تورطه في هذا العمل، مؤكداً أنَّ حماية الصحافيين والإعلاميين، وتمكينهم من أداء رسالتهم المهنية في بيئة آمنة، يمثِّلان أولويةً لا يمكن التهاون فيها.

وأكد أنَّ مثل هذه الجرائم تستهدف الأمن والاستقرار، وتقوِّض الجهود المبذولة لترسيخ سيادة القانون، داعياً إلى تكاتف مختلف الأجهزة المختصة للوصول إلى الجناة وتقديمهم للعدالة.

كما قدَّم الخنبشي تعازيه إلى أسرة الفقيد وزملائه في الوسط الإعلامي، مشيداً بما عُرف عنه من نشاط مهني وإعلامي خلال سنوات عمله الصحافي.

متابعة حكومية... واستنكار قبلي

تابع رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني تطورات الحادثة، وأجرى اتصالات مع وزير الداخلية والجهات المختصة للاطلاع على سير التحقيقات والإجراءات المتخذة.

ووجَّه الزنداني وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية بتقديم الدعم الكامل لفرق التحقيق، وتسخير الإمكانات اللازمة لكشف المتورطين في الجريمة وملاحقتهم قضائياً.

وأكد رئيس الوزراء اليمني أنَّ استهداف الصحافيين والإعلاميين يُمثِّل اعتداءً مباشراً على حرية العمل الإعلامي، وعلى قيم المجتمع وسيادة القانون، مشدِّداً على حرص الحكومة على توفير بيئة آمنة تُمكِّن العاملين في وسائل الإعلام من أداء واجباتهم المهنية.

وفي السياق ذاته، أصدر «حلف قبائل حضرموت»، و«مؤتمر حضرموت الجامع» بياناً مشتركاً أدانا فيه الجريمة، ووصفاها بأنَّها «إرهابية وغادرة»، مؤكدَين أنَّ استهداف شخصية إعلامية معروفة يُمثِّل اعتداءً خطيراً على أمن واستقرار حضرموت، وعلى حرية العمل الصحافي.

وطالب البيان بفتح تحقيق شفاف وسريع يكشف جميع ملابسات الحادثة، ويحدِّد الجهات المتورطة فيها، مع ضمان تقديم المسؤولين عنها إلى العدالة لمنع تكرار مثل هذه الجرائم.

وقال صبري سالمين بن مخاشن، رئيس دائرة الإعلام والعلاقات العامة بـ«حلف قبائل حضرموت» لـ«الشرق الأوسط»: «إن جريمة اغتيال محمد عيضة، تُمثِّل عملاً إجرامياً جباناً يستهدف أمن حضرموت واستقرارها، ويُشكِّل اعتداءً خطيراً على حرية العمل الإعلامي».

وأضاف بن مخاشن أن هذه الحادثة المؤلمة «تستوجب تحقيقاً عاجلاً وشفافاً لكشف الجناة وتقديمهم للعدالة، كما تفرض إعادة تقييم شاملة للمنظومة الأمنية والعسكرية في حضرموت، وتعزيز قدراتها، وتأهيل كوادرها، وتمكين الكفاءات الحضرمية من القيام بدورها في حماية المحافظة، والحفاظ على أمنها واستقرارها».

اتحاد صحافيي آسيا: جريمة بشعة

أدان «اتحاد صحافيي غرب آسيا» بأشد العبارات الجريمة التي وصفها بـ«الغادرة والنكراء». وأوضح الاتحاد، في بيان، أنَّ الحادثة «الصادمة والمروعة تمثل اعتداءً سافراً على حرية الصحافة، وانتهاكاً صارخاً للحق الإنساني في التعبير ومعرفة الحقيقة». وشدَّد الاتحاد على أنه «يرى في هذه الجريمة البشعة استهدافاً ممنهجاً للعمل الصحافي والإعلامي في المنطقة برمتها، وليس في اليمن وحسب، وتكشف عن تصاعد خطير في مستوى التهديدات الموجَّهة ضد صنَّاع الرأي والكلمة، الأمر الذي يضع سلامة الصحافيين في اليمن على المحك، ويثير قلقاً إقليمياً ودولياً بالغاً».

وحذَّر الاتحاد من سياسة «الإفلات من العقاب» وعدَّها «الوقود الذي يغذي تكرار هذه الجرائم البشعة، ويهدِّد بيئة العمل الإعلامي في المنطقة، ويضرب بعرض الحائط القوانين الوطنية والمواثيق والعهود الدولية الضامنة لحماية الصحافيين في أثناء النزاعات».

وطالب الاتحاد السلطات الأمنية والقضائية في محافظة حضرموت، والجهات المختصة في الحكومة اليمنية «بالتحرُّك الفوري لفتح تحقيق عاجل وشفاف لكشف ملابسات هذه الجريمة، والوصول إلى الجناة والمخطِّطين والمحرِّضين، وتقديمهم للعدالة؛ لينالوا جزاءهم الرادع، خصوصاً بعد التهديدات التي تلقاها الزميل قبل أسابيع وفقاً للمصادر الأمنية».


الحوثيون يستنسخون «الباسيج الإيراني» ويهددون بالعودة للحرب

مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يستنسخون «الباسيج الإيراني» ويهددون بالعودة للحرب

مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)

اختارت الجماعة الحوثية إعلان تأسيس تشكيل عسكري جديد مُستوحى من قوات «الباسيج» الإيرانية، وهي آخِر التقليعات العسكرية للجماعة التي استحدثت مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية الموازية لعمل الدولة منذ انقلابها عام 2014 حتى الآن.

يتزامن ذلك مع التلويح باستئناف الحرب ضد الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في خطوة يراها مراقبون محاولة للهروب من تصاعد الخلافات داخل هياكل الجماعة بشأن أولويات الإنفاق العسكري، وسط مؤشرات متزايدة على التململ الداخلي وضعف التواصل التنظيمي نتيجة الإجراءات الأمنية المشددة التي فرضتها الجماعة، عقب استهداف عدد من قياداتها خلال العام الماضي.

ويرى محللون عسكريون أن إعلان ما يسمى «قوات التعبئة» جاء بعد أيام من تلميحات أطلقها زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي بشأن التصعيد العسكري، تحت شعارات تتعلق باستعادة ما سماه «الحقوق والثروات»، في حين سارع مجلس نواب الجماعة الانقلابية إلى إعلان دعمه هذه التوجهات.

ويعتقد المحللون أن الحوثيين يمتلكون، خلال المرحلة الراهنة، خيارات متعددة للتصعيد، هدفها الأساسي ممارسة الضغط على الحكومة اليمنية.

ووفق تقديرات مراقبين، فإن الجماعة الحوثية تمرّ بمرحلة معقدة داخلياً، خصوصاً على المستويين المالي والتنظيمي، في ظل ازدياد التذمر بين المقاتلين والعناصر الميدانية، إلى جانب ضعف قنوات التواصل بين المستويات القيادية المختلفة وتراجع الثقة داخل بعض الدوائر التنظيمية.

الحوثيون يوسّعون تشكيلات مستوحاة من قوات «الباسيج» الإيرانية (إعلام محلي)

وعلى الرغم من هذه التحديات، لا يزال زعيم الجماعة متمسكاً بسياسة «أولويات الإنفاق» التي تجعل الأفضلية للبرامج العسكرية وتطوير القدرات القتالية والبنية المرتبطة بها، على حساب الالتزامات المالية الأخرى، بما في ذلك مستحقات المقاتلين المنتشرين في الجبهات.

وتشير مصادر مطلعة إلى أن عبد الملك الحوثي يتابع شخصياً مدى التزام القيادات العليا بالبروتوكولات الأمنية التي فُرضت عقب مقتل عدد من القيادات العسكرية في غارات إسرائيلية، خلال العام الماضي.

وتشمل هذه الإجراءات الحد من الظهور العلني، والتنقل وفق ترتيبات أمنية صارمة، وهو ما تسبَّب - وفق المصادر - في إبطاء حركة التواصل واتخاذ القرار داخل مؤسسات الجماعة.

وتؤكد المصادر أن هذه القيود الأمنية أسهمت في اتساع الفجوة بين المستويات القيادية والقواعد الميدانية، الأمر الذي انعكس على الأداء التنظيمي وأدى إلى ازدياد الشكاوى من ضعف التنسيق والتواصل.

تذمر في صفوف المقاتلين

في موازاة ذلك، تتحدث تقارير محلية عن تنامي حالات التسرب من المعسكرات والتخلف عن الالتحاق بالخدمة العسكرية، بالتزامن مع تأخر صرف المستحقات المالية للمقاتلين في عدد من الجبهات منذ أربعة أشهر.

ووفق هذه التقارير، فإن غالبية المقاتلين لم يتسلموا مخصصاتهم الشهرية المقدَّرة بنحو 50 دولاراً، باستثناء بعض الوحدات الخاصة والمشرفين العسكريين الذين لا تزال مستحقاتهم تُصرَف بصورة منتظمة، ما أدى إلى تصاعد حالة الاستياء داخل الأوساط القتالية.

تصاعد الخلافات والصراعات داخل المستويات القيادية العليا للجماعة الحوثية (إ.ب.أ)

ويرى المتخصص في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني أن هذه المرحلة تشهد مستوى غير مسبوق من الانتقاد والتذمر العلني من قِبل عناصر محسوبة على القاعدة الصلبة للجماعة، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها القيادة الحوثية حالياً.

ويعتقد الجبرني أن ما يسمى «قوات التعبئة» لا يمثل قوة قتالية تقليدية، بل يعد نسخة مستنسخة من تجربة «الباسيج» الإيرانية، التي تقوم على تنظيم السكان داخل الأحياء والقرى والمربعات السكنية، عبر تسجيل المُوالين للجماعة وإخضاعهم لدورات محدودة في استخدام الأسلحة الخفيفة وبرامج التعبئة الفكرية والعقائدية.

استنساخ النموذج الإيراني

يشير المتابعون للحالة الحوثية إلى أن هذا التشكيل المعلَن عنه (قوات التعبئة) جاء امتداداً لإعادة هيكلة نفّذتها الجماعة خلال العامين الماضيين، إذ جرى تحويل ما كان يُعرَف بـ«المجلس التنفيذي» إلى «مكتب التعبئة»، مع تكليف عدد من القيادات بالإشراف عليه ضِمن خطة تستهدف توسيع شبكات التجنيد والحشد المجتمعي.

وخلال الفترة الماضية، استثمر الحوثيون حالة التعاطف الشعبي مع الفلسطينيين في قطاع غزة لتوسيع عمليات التعبئة والتجنيد، خصوصاً في أوساط المراهقين وصغار السن، مستفيدين من الفعاليات الجماهيرية والخطاب التعبوي المرتبط بالحرب في المنطقة.

ويرى مراقبون أن الجماعة قد تتجه إلى توظيف هذا التشكيل الجديد في أي مواجهة مستقبلية مع الحكومة اليمنية، سواء من خلال الدعم اللوجستي أم تعزيز عمليات الحشد والتعبئة في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء نظّمته الجماعة (أ.ف.ب)

ويعتقد مراقبون أن تنامي الصراعات داخل المستويات القيادية العليا للجماعة قد يدفع زعيمها إلى البحث عن معركة جديدة تتيح إعادة ترتيب الصفوف الداخلية وتوحيد القيادات خلف هدف مشترك.

ووفق هذه التقديرات، فإن إشعال جبهة مواجهة مع الحكومة اليمنية قد يُنظَر إليه داخل الجماعة بوصفه خياراً أقل كلفة من مواجهة احتمالات الانشقاقات أو تفاقم الخلافات الداخلية، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة وتراجع قدرة الجماعة على احتواء حالة التذمر داخل صفوفها.


الأوبئة والفساد ينهكان قطاع الصحة في اليمن

أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
TT

الأوبئة والفساد ينهكان قطاع الصحة في اليمن

أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)

تزايدت التحذيرات من تفاقم الأزمة الصحية في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مع عودة أمراض كان يمكن الوقاية منها باللقاحات، وسط تراجع الخدمات الطبية واستهداف الجماعة القطاع الصحي بالفساد والإهمال، في وقت تشير فيه تقارير أممية ومؤشرات محلية إلى تحديات متراكمة تضرب الرعاية الصحية.

تزايدت الاتهامات الموجهة لقيادات الجماعة الحوثية باستغلال القطاع لمنافع شخصية، بعد إقدام القيادي محمد البخيتي، المعين محافظاً لذمار، على إنشاء صيدلية خاصة داخل المستشفى العام في مركز المحافظة والاستيلاء على أدوية مخصصة للجرحى، بالتواطؤ مع شقيقه، الذي عينه مديراً مالياً في هذا المرفق، وعدد من المقربين منه.

وبحسب مصادر محلية مطلعة في مدينة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، فإن شقيق البخيتي، ويدعى الحسن ناصر البخيتي، والمقربين منه في إدارة المستشفى يشرفون على أعمال جبايات يومية من المرضى ومرتادي المستشفي، ويعملون على اقتطاع مبالغ كبيرة من ميزانيته من دون بيان مصيرها، إلى جانب حرمان الكوادر الطبية من مستحقاتها.

شقيق البخيتي، بحسب المصادر أمر الأطباء العاملين في المستشفى بتوجيه المرضى لشراء الأدوية من الصيدلية الخاصة التي أنشأها وشقيقه، رغم وجود ثلاث صيدليات عمومية تابعة للمستشفى، وهي الصيدليات التي يجري تحويل الأدوية المخصصة لها إلى الصيدلية المستحدثة.

الحوثيون حولوا فناء مستشفى ذمار العام إلى ساحة لفعالياتهم وأنشطتهم التعبوية (إعلام حوثي)

إلى ذلك، أغلقت الجماعة عدداً من الأقسام والعيادات الحيوية بمستشفى ناصر العام في مدينة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، ونقلت تجهيزاتها الطبية، ومنها معدات لرعاية المواليد والأمهات الوالدات، إلى مستشفى آخر في منطقة نائية.

وبينت مصادر طبية في المستشفى أن الجماعة بررت إجراءاتها بزيادة الشكاوى من الفساد والإهمال، وهو ما أثار غضباً واسعاً في أوساط السكان الذين كانوا يطالبون بإجراء إصلاحات إدارية ومالية وليس إغلاق الأقسام التي تقدم خدمات طبية ضرورية برسوم متدنية لذوي الدخل المحدود.

واستنكر الأهالي أن تكون الاستجابة لشكاواهم ومطالبهم بتحسين الخدمات هو التوجه لإلغائها، وعدّوا ذلك جزءاً من نهج عام يمارسه الحوثيون بتحويل القطاع الصحي العام إلى مصدر إيرادات لإثراء الجماعة وقادتها.

عودة أمراض الطفولة

لا تقتصر الأزمة على تراجع الخدمات الصحية، بل تمتد إلى عودة أمراض معدية كانت تحت السيطرة خلال السنوات الماضية. ويحذر مختصون من تصاعد حالات الإصابة والوفاة بفيروس الحصبة في ظل تراجع برامج التحصين وغياب الإحصاءات الدقيقة في مناطق سيطرة الحوثيين.

عدد من القادة الحوثيين في فناء مستشفى ناصر العام في مدينة إب (إعلام حوثي)

وتشير مصادر طبية إلى تسجيل عشرات الآلاف من الإصابات ومئات الوفيات خلال السنوات الأخيرة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه جهود الوقاية الصحية.

وكان مسؤول الإعلام الصحي بمحافظة تعز، تيسير السامعي، أفاد بأن الحصبة، والتي تعد من الأمراض التي يمكن الوقاية منها بسهولة عبر اللقاحات، تعاود التفشي بسرعة وسط انتشار الشائعات والمعلومات المضللة حول التطعيمات، مما أسهم في عزوف الأسر عن تحصين أطفالها.

ولا تقتصر المخاطر على الحصبة وحدها، وفقاً للسامعي، فقد سُجلت نحو 450 حالة إصابة بفيروس شلل الأطفال، خلال الثلاثة أعوام الماضية، في مختلف أنحاء البلاد، وكانت غالبيتها في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، حيث تتعثر حملات التحصين وتتأثر بالدعاية المضادة لها، إلى جانب تقديرات بوجود حالات أخرى لم يتم رصدها أو الإبلاغ عنها.

ومنذ عامين لم تسجل أي حالة إصابة بالفيروس في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية، في ظل حملات التحصين التي يجري الالتزام بها بشكل دوري، في حين تتزايد المخاوف من توسع انتشاره في مناطق سيطرة الجماعة.

القطاع الصحي تحت سيطرة الحوثيين يعاني من تردي الخدمات وحرمان الفقراء من العلاج المجاني (إ.ب.أ)

إلا أن الأشهر الماضية من العام الحالي، شهدت تسجيل نحو 12791 اشتباه إصابة بالحصبة، توفي منها 71 شخصاً، وتصدرت محافظة حضرموت قائمة المحافظات من حيث عدد الإصابات والوفيات بواقع 4500 إصابة و18 وفاة، تلتها محافظة تعز بـ1590 إصابة و15 وفاة، ثم محافظة عدن بـ1420 إصابة و11 وفاة.

احتياجات متزايدة

بالتزامن مع هذه التطورات، تزايدت التحذيرات من زيادة الضغوط التي يواجهها القطاع الصحي في اليمن، نتيجة نقص التمويل وضعف البنية التحتية وتراجع الخدمات الأساسية، وتحدثت منظمة الصحة العالمية، عن احتياج أكثر من 22 مليون يمني إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، بينما لفت صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى تدهور الأوضاع الصحية للنساء والفتيات.

وبين الصندوق أن اليمن يسجل أعلى معدلات وفيات الأمهات عربياً، بواقع ثلاث وفيات يومياً بسبب مضاعفات يمكن الوقاية منها.

التطعيم في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية يحمي الأطفال من الأمراض القاتلة (الأمم المتحدة)

وطبقاً للصندوق، تترافق هذه الأزمة الطبية مع ارتفاع مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، وسط جهود أممية مستمرة لتقديم الدعم النفسي والقانوني وتوفير الملاجئ الآمنة للناجيات.

وتهدد أزمة التمويل في اليمن استمرار هذه البرامج بعدما فقد الصندوق 40 في المائة من موارده الإنسانية، مما أجبره على إغلاق بعض مرافق الحماية ووقف استقبال حالات جديدة.

وتتزامن هذه التطورات مع تراجع التمويل الإنساني، إذ تؤكد الأمم المتحدة أن نقص الموارد المالية أجبر منظمات إنسانية على تقليص عدد من برامجها الصحية والإغاثية، بينما أُغلق خلال العام الماضي أكثر من 450 مرفقاً صحياً في مختلف أنحاء اليمن، في وقت تتسع فيه دائرة الفقر وسوء التغذية وانتشار الأمراض.

عاجل 32 قتيلا على الأقل وأكثر من 700 جريح جراء الزلزالين في فنزويلا (الرئيسة بالوكالة)