مؤلف «القوة السوداء» لـ {الشرق الأوسط}: ذهبت إلى سوريا 18 مرة.. والمحصلة مؤسس «داعش» ضابط مخابرات عراقي

قال إن حاجي بكر أهم استراتيجي في التنظيم اختار البغدادي لـ«الخلافة».. والوثائق السرية على أوراق وزارة الدفاع السورية

«داعش» من إصدار ولاية الرقة («الشرق الأوسط»)
«داعش» من إصدار ولاية الرقة («الشرق الأوسط»)
TT

مؤلف «القوة السوداء» لـ {الشرق الأوسط}: ذهبت إلى سوريا 18 مرة.. والمحصلة مؤسس «داعش» ضابط مخابرات عراقي

«داعش» من إصدار ولاية الرقة («الشرق الأوسط»)
«داعش» من إصدار ولاية الرقة («الشرق الأوسط»)

كشف الصحافي الألماني كريستوف رويتر الذي أكد عبر وثائق مكتوبة بخط اليد في مجلة «دير شبيغل» الألمانية أمس أن ضابطًا سابقًا في جيش صدام حسين كان أهم مخطط استراتيجي في تنظيم داعش، خطط لتعيين أبو بكر البغدادي خليفة لـ«داعش»، يدعى سمير عبد محمد الخلفاوي، وكنيته حجي أبو بكر وهو ضابط سابق في استخبارات البعث العراقي الجوية، عمل بعد سقوط نظام صدام حسين في العراق مع النظام السوري لزعزعة أمن واستقرار العراق. وقال رويتر عبر أسئلة وجهتها إليه «الشرق الأوسط» عبر البريد الإلكتروني ثم تحدثت إليه هاتفيًا إن كتابه «القوة السوداء» باللغة الألمانية الذي صدر أمس، يتعرض لنشأة تنظيم داعش في سوريا والعراق، جاء بعد زيارات متكررة إلى سوريا لنحو 18 مرة في ظروف مختلفة منذ انطلاق الثورة السورية، وجاري ترجمته حاليا إلى الإنجليزية، كما يجري البحث عن ناشر في أحد العواصم الغربية، وسيتم نشره في 350 صفحة. وقال إن «داعش» في بداية نشأته لم يكن له علاقة بالإسلام، بل إن مؤسسيه ضباط مخابرات من قلب البعث العراق، واختير أبو بكر البغدادي لزعامته بسبب توجهاته الدينية لجذب المتطرفين إليه المنطقة، وكذلك المقاتلين الأجانب من الخارج.
الصحافي كريستوف رويتر تدرب على خطوط النار وعمل في منطقة الشرق الأوسط لأكثر من 20 عاما، وأرسل تقارير إخبارية من أكثر من عاصمة تشهد حالة من الحرب في العراق ما بين 2003 و2004، وكذلك أرسل العشرات من التقارير من العاصمة الأفغانية كابل ما بين 2008 و2011 حسب حديثه لـ«الشرق الأوسط» أمس.
وقال رويتر إن إعداد الكتاب استغرق نحو أكثر من ثلاثة شهور من كتابة وتدقيق في الوثائق المهمة الذي حصل عليها، دون أن يكشف كيفية الحصول عليها، ويتعرض «القوة السوداء» عبر الوثائق المكتوبة بخط اليد على أوراق تابعة لوزارة الدفاع السورية، إلى ضابط هو سمير عبد محمد الخليفاوي المعروف باسم حاجي بكر، وهو عضو سابق في المجلس العسكري لتنظيم داعش والذي على ما يبدو قتله الجيش السوري الحر في تل رفعت بشمال سوريا في يناير (كانون الثاني) 2014
وكشف الصحافي كريستوف رويتر بكر قرر وقادة آخرون في التنظيم إعلان أبو بكر البغدادي خليفة له لأنه يتمتع بالكاريزما المطلوبة ويوحي لأفراد التنظيم بأنه صورة دينية ملتزمة مع أنه في الحقيقة غير ذلك».
وكان بكر عقيدًا سابقًا في مخابرات سلاح الجو العراقي في عهد صدام حسين، حسب المجلة التي قالت إنها استندت في معلوماتها على وثائق صاغها بكر وحصلت عليها بعد مفاوضات طويلة مع مقاتلي المعارضة السورية في حلب. وكتب كريستوف رويتر من قبل عدة تقارير عن مذبحة الحولة عام 2012، روى فيها الناجون من في محافظة حمص السورية لحظات الخوف والهلع التي عاشوها واتهموا قوات الأمن الحكومية باقتحام منازلهم وقتل أفراد عائلاتهم. وأوضح هؤلاء أن بعضهم اختبأ في أماكن بعيدة عن أنظار القوات السورية بينما تظاهر البعض الآخر بأنهم موتى.
وتبدأ قصة مجموعة الوثائق حينما كان تنظيم داعش في بداياته. عندما سافر المواطن العراقي حاجي بكر إلى سوريا كجزء من تقدم طفيف في عام 2012، كانت لديه خطة سخيفة على ما يبدو: احتلال «داعش» لأكبر مساحة يمكن احتلالها في سوريا. ثم، استخدام سوريا بمثابة رأس للجسر، نحو غزو العراق.
ونزل بكر في منزل غير معروف في تل رفعت، إلى الشمال من حلب. وكانت البلدة اختيارا جيدا. في الثمانينات، كان كثير من سكانها قد سافروا للعمل في دول الخليج، وتتحول البلدة إلى معقل لـ«داعش» في حلب، مع وجود المئات من المقاتلين هناك.
وكان هناك في تلك البلدة حجي بكر حيث عمد «سيد الظلال»، كما أطلقوا عليه لاحقا، إلى رسم هيكل تنظيم داعش، وصولا إلى المستويات المحلية، والقوائم المتجمعة ذات الصلة بالتدخلات التدريجية في القرى وتحديد من يشرف على من وباستخدام قلم من الحبر الجاف، رسم تسلسلات القيادة في الجهاز الأمني على الورق كما يبدو في الوثائق التي حصلت عليها «الشرق الأوسط» عبر «دي شبيغل». ورغم أنها يُفترض أن تكون من قبيل المصادفة، إلا أن تلك الورقة كانت من الأوراق التابعة لوزارة الدفاع السورية وحملت ترويسة الإدارة المسؤولة عن المساكن والأثاث.
وكان ما رسمه بكر على الورق وباتت اليوم صفحة بصفحة وثائق مهمة تبحث عنها أجهزة الإعلام وكذلك المعنيين بشؤون الاستخبارات، عبارة عن مربعات تحدد المسؤوليات الشخصية، ليست أكثر من مخطط للاستيلاء. لم تكن رسالة إيمانية، ولكن خطة دقيقة من الناحية الفنية لتنظيم داعش، أي الخلافة التي يشرف عليها تنظيم يشبه جهاز الاستخبارات الداخلية سيء السمعة بألمانيا الشرقية (شتاسي).
ودخل ذلك المخطط حيز التنفيذ بدقة بالغة في الشهور التالية. وكانت الخطة دائما ما تبدأ بنفس التفاصيل: تجند الجماعة التابعين تحت ذريعة افتتاح مكتب للدعوة، وهو مركز دعوة للدين الإسلامي. ومن بين أولئك الذين يأتون للاستماع للدروس حول الحياة الإسلامية، يجري اختيار رجل أو رجلين ويكلفان بالتجسس على قريتهما والحصول على مجموعة واسعة من المعلومات. وتحقيقا لذلك الهدف، كان حاجي بكر يجمع القوائم على غرار ما يلي:
* قائمة بالعائلات ذات النفوذ
* أسماء الشخصيات القوية داخل تلك العائلات
* معرفة مصادر دخولهم
* معرفة أسماء وأحجام الألوية المتمردة في القرية
* معرفة أسماء قادتها، ومن يسيطر على الألوية وتوجهاتهم السياسية
* معرفة أنشطتهم غير القانونية (وفقا للشريعة الإسلامية)، والتي يمكن استغلالها لابتزازهم إذا لزم الأمر
وضمن الوثائق، قال بكر: «سوف نعين أذكى الشخصيات في مناصب شيوخ الشريعة. سوف ندربهم لفترة من الوقت ثم نرسلهم للعمل»، وأضاف يقول إن الكثير من «الإخوة» سوف يجري اختيارهم في كل بلدة للزواج من بنات العائلات الأكثر نفوذا، حتى يمكن «ضمان اختراق تلك العائلات من دون معرفتهم».
وكان على الجواسيس معرفة كل ما يمكنهم عن البلدات المستهدفة: من يعيش هناك، من المسؤول، أي العائلات تتمتع بقدر من التدين، وإلى أي مذهب من المذاهب الإسلامية ينتمون، كم عدد المساجد هناك، ومن الأئمة فيها، وكم عدد زوجاته وأولاده، وكم تبلغ أعمارهم. وتضمنت تفاصيل أخرى حول فحوى خطب المساجد، وما إذا كانت أكثر انفتاحا على الفكر الصوفي، أو التفسير الباطني للإسلام، سواء اتخذت جانب المعارضة أو النظام، وما موقفه حيال الجهاد. كما أراد بكر إجابات حول أسئلة مثل: هل يتلقى الإمام راتبا؟ وإذا كان، فمن يدفع له راتبه؟ من يقف وراء تعيينه؟ وأخيرا: كم عدد الأشخاص في القرية ممن يؤيدون الديمقراطية.
وتظهر الوثائق أساليب دولة مخابراتية شديدة الذكاء تعتمد على عمليات التجسس والمراقبة والاغتيالات. وتتضمن التخفي بالعمل تحت مظلة مكتب للدعوة الإسلامية، يتم من خلاله إرسال جواسيس متنكرين في هيئة دعاة إسلاميين إلى البلدات والقرى في شمال سوريا. وكان على هؤلاء الجواسيس معرفة ميزان القوى، ونقاط الضعف في الأماكن المعنية. وفي الخطوة اللاحقة تأتي عمليات اغتيال للقيادات ذات الكاريزما، ولقادة الثورة، من خلال وحدات أُنشئت خصيصا للقتل والاختطاف، من أجل القضاء على المعارضة المحتملة مبكرا. ثم تأتي بعد ذلك عملية الهجمات العسكرية بالمحاربين والسلاح مدعومة من قبل «خلايا نائمة»، بحسب موقع مجلة «دير شبيغل أونلاين».
وتكشف الوثائق التي تنشر اليوم، أن القائد السابق ومالك الأوراق المكتوبة بخط اليد، حمل اسما حركيا هو «الحاج بكر»، وأنه رحل إلى سوريا عام 2012 وأصبح مسؤولا عن تولي السلطة في الأماكن التي سيطر عليها «داعش»، قبل أن يقتل خلال معارك في تل رفعت بريف حلب عام 2014. أما كيف وصلت هذه الوثائق إلى يد المعارضة السورية، فقد حدث أنه عندما انتصر لواء التوحيد «الجيش الحر» في معركة تل رفعت (ريف حلب)، دخل عناصره إلى منزل الخلفاوي، وعثروا فيه على الملف التأسيسي لـ«داعش». وقد تمكنت الصحيفة الألمانية من وضع يدها على 31 صفحة من الكتابات والرسوم والجداول، التي تشرح كيفية بناء «داعش» وطريقة العمل بين مؤسساتها، بعد أن تم تهريب واحدة من الصفحات أولا إلى تركيا، واطلعت عليها المجلة، واختبرتها، وتأكدت من خلال خبراء أنها مهمة جدا.
وأشارت الصحيفة إلى أن الكثير من المقاتلين الأجانب الذين تدفقوا إلى سوريا لمحاربة الأسد، فوجئوا بأن «داعش» يقاتل فقط الجيش الحر والمعارضين المعتدلين. وأن الكثير من هؤلاء الأجانب تمت تصفيتهم لدى محاولتهم الفرار أو الانقلاب على التنظيم بعد اكتشافهم حقيقته. وكانت الخطة تقضي باحتلال أراض عراقية بعد ترسيخ أقدام التنظيم في سوريا لإعطائه طابع الإرهاب العالمي، والسيطرة على بعض موارد النفط التي كان النظام السوري بحاجة إليها، ولم يكن يحصل عليها من أكراد العراق»..
وتقول الصحيفة الألمانية، إن «الحاج بكر وقادة آخرين في التنظيم، قرروا إعلان أبو بكر البغدادي خليفة للدولة، لأنه يتمتع بالكاريزما المطلوبة، ويوحي لأفراد التنظيم بأنه صورة دينية ملتزمة، مع أنه في الحقيقة غير ذلك».



مشروعات الطاقة تعزز فرص «التقارب الحذر» بين القاهرة ودمشق

الرئيسان السيسي والشرع خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
الرئيسان السيسي والشرع خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

مشروعات الطاقة تعزز فرص «التقارب الحذر» بين القاهرة ودمشق

الرئيسان السيسي والشرع خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
الرئيسان السيسي والشرع خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)

في وقت يستهدف قطاع النفط والغاز السوري تسريع وتيرة التعافي واستعادة القدرات الإنتاجية، التقى وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي بوزير الطاقة السوري محمد البشير، الثلاثاء، وبحثا سبل تعزيز التعاون المشترك، في خطوة قال محللون إنها تعزز مسارات «التقارب الحذر» بين البلدين.

جاء اللقاء على هامش فعاليات النسخة العاشرة من «المنتدى العالمي للطاقة»، الذي ينظمه «المجلس الأطلسي» بالعاصمة الأميركية واشنطن، يومي التاسع والعاشر من يونيو (حزيران)، بمشاركة كبار صناع القرار والوزراء في مجالات الطاقة والسياسة الخارجية، ورؤساء شركات الطاقة العالمية والمستثمرين.

ويمضي التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا على قدم وساق مع توجه دمشق نحو إعادة الإعمار، وفي ظل تحديات إقليمية ترتبط بملف الطاقة. ووقع البلدان مذكرتي تفاهم مطلع هذا العام، الأولى «للتعاون في توريد الغاز إلى سوريا عبر مصر لتوليد الكهرباء» والثانية «لتلبية احتياجات سوريا من المنتجات البترولية».

واستعرض الوزيران، الثلاثاء، مستجدات تنفيذ مذكرة التفاهم المتعلقة بالغاز الطبيعي، بالإضافة إلى فرص التعاون في إعادة تأهيل وتطوير البنية التحتية للطاقة داخل سوريا من خلال الاستفادة من الخبرات والإمكانات التي تمتلكها شركات قطاع البترول المصرية.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني في القاهرة الشهر الماضي (الخارجية المصرية)

وأكد بدوي أن العلاقات بين مصر وسوريا «تستند إلى روابط تاريخية وأخوية قوية، وهو ما يوفر أرضية مناسبة لتعزيز التعاون المشترك في مختلف المجالات الاقتصادية، وعلى رأسها مجالات الطاقة والبنية التحتية»، وفقاً لبيان صادر عن وزارة البترول المصرية الثلاثاء.

«تقارب حذر»

يأتي اللقاء في وقت كانت تطورات مسارات «التقارب الحذر» بين البلدين محل نقاشات عديدة. ونشرت «الشرق الأوسط»، الأسبوع الماضي، تقريراً عن «تحفظات مصرية» تعرقل استقبال سفير سوري جديد، غير أن مصدراً مصرياً مسؤولاً أكد في تصريحات للصحيفة، السبت الماضي، أن الحكومة السورية قدمت مرشحاً آخر لرئاسة البعثة «وأن الأمور تسير نحو اعتماده».

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، أشرف حربي، أن التعاون في مجالات اقتصادية مهمة، بما في ذلك ملف الطاقة، يؤدي لمزيد من التقارب، وقد «يخفف من أي إشكاليات» قد تعيق هذا المسار، مشيراً إلى أن العلاقات الاقتصادية والتجارية «تسير بشكل جيد، وهناك رغبة من القاهرة لأن تمضي باقي مسارات التعاون على الوتيرة نفسها وإن كانت هناك بعض التحديات».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «مصر تعمل على تنحية أي أزمات جانباً... ونعمل على تهيئة الأجواء المناسبة لأن تعود العلاقات مع سوريا إلى طبيعتها، وبما يدعم انخراط سوريا بشكل كامل في محيطها العربي».

واعتبر أن قضية تعيين سفير جديد لسوريا لدى مصر «ليست بالموضوع الكبير الذي يُعيق العلاقات أو يؤثر على الروابط التاريخية بين الشعبين»، لكنه شدد على أن هناك «أساسيات أو مبادئ رئيسية لا يمكن للقاهرة أن تحيد عنها دون أن يقود ذلك لتوتر في العلاقات مع الجيران والأشقاء العرب».

ومنذ سقوط بشار الأسد، بدت العلاقات المصرية - السورية تتحرك نحو اتصالات ثنائية حذرة بسبب مخاوف القاهرة من ملف المسلحين، قبل أن يتجه ذلك تدريجياً نحو تعاون اقتصادي.

لقاءات متعددة

وكان أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» استضافته دمشق في يناير (كانون الثاني) الماضي بمشاركة 26 من قيادات الغرف التجارية المصرية وقطاعات المال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، بمثابة بادرة إيجابية أعقبها نشاط على مستوى اللقاءات الدبلوماسية والاقتصادية.

اجتماعات مصرية - سورية تستهدف الارتقاء بالعلاقات في مجالات مختلفة (الخارجية المصرية)

وفي أواخر أبريل (نيسان) الماضي، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره أحمد الشرع على هامش «القمة التشاورية العربية الأوروبية» التي عُقدت في قبرص. وأفادت وسائل إعلام في القاهرة ودمشق حينها بأن «حديثاً ودياً» جرى بين الرئيسين لبحث تطورات المنطقة وتعزيز التعاون.

وأعقب هذا اللقاء زيارة أجراها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى القاهرة في الثالث من مايو (أيار) الماضي، وتمخض عنها الإعلان عن تشكيل مجلس أعمال مشترك بين البلدين وتوسيع مجالات التعاون التجاري والاقتصادي، مع التأكيد على أهمية تنسيق المواقف بشأن التطورات في المنطقة.

ويقول الباحث في الشؤون الدولية، هاني الجمل، إنه «رغم التقارب الحذر والعلاقات التي يشوبها بعض الغيوم، فإن القاهرة حريصة على أن تمد يدها إلى دمشق، وتؤيد رسم خطوط جديدة للتقارب، بالتزامن مع مساعي سوريا لتسريع وتيرة إعادة الإعمار وتقديم نفسها محطة للمرور والتجارة بين دول الخليج وأوروبا».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «مشروعات الطاقة يمكن أن تتجه إلى إعادة إحياء خط الغاز (القاهرة – دمشق - أنقرة)، وبالتالي تقفز الملفات الاقتصادية لتقود القاطرة السياسية». لكنه شدد في الوقت ذاته على أن مصر تتابع عن كثب ما ستؤول إليه خطوات التقارب الحالية مع سوريا في ملفات عديدة، وتنتظر مزيداً من الإجراءات التي تخفف مخاوفها الأمنية، وتترقب السياسات السورية الجديدة.

واستطرد: «القاهرة تهدف في نهاية المطاف لأن تحتوي أي مشكلات من شأنها التأثير سلباً على العمق الاستراتيجي المصري».


الحوثيون يقرّون بأزمة الوقود المغشوش بعد اتساع الغضب

الحوثيون يبرّرون انتشار الوقود المغشوش بالغارات الجوية الإسرائيلية على أماكن التخزين (أ.ف.ب)
الحوثيون يبرّرون انتشار الوقود المغشوش بالغارات الجوية الإسرائيلية على أماكن التخزين (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يقرّون بأزمة الوقود المغشوش بعد اتساع الغضب

الحوثيون يبرّرون انتشار الوقود المغشوش بالغارات الجوية الإسرائيلية على أماكن التخزين (أ.ف.ب)
الحوثيون يبرّرون انتشار الوقود المغشوش بالغارات الجوية الإسرائيلية على أماكن التخزين (أ.ف.ب)

بعد أيام من التجاهل والإنكار، أقرَّت الجماعة الحوثية بأزمة الوقود المغشوش الذي انتشر في مناطق سيطرتها وتسبب بخسائر كبيرة لملاك السيارات والمركبات، وحوادث هدَّدت حياة مئات المتنقلين وسلامتهم، وأثار غضب السكان وتهكمهم، وسط أزمة مالية دفعت الجماعة إلى ممارسات تشدد الخناق على المستثمرين والسكان.

وأقرَّت شركة النفط التابعة للجماعة الحوثية بوجود شكاوى واسعة تتعلق بأعطال أصابت مركبات بعد تعبئة الوقود، وزعمت أن فِرقاً فنية تابعة لها باشرت سحب عينات من المحطات وإخضاعها للفحص المخبري، إلا أنها فسرت التلوث بظروف النقل والتفريغ والتخزين، قبل أن تعود لادعاء تسبب الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية به.

ونشر عدد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي صوراً ومقاطع فيديو لتوقف سياراتهم وتعطلها في الطرقات، وكانت أغلبية الشكاوى من متنزهين تنقلوا لمسافات طويلة أيام عيد الأضحى، واضطروا إلى استئجار سيارات لإعادتهم وعائلاتهم إلى المنازل واستقدام فنيين لإصلاح السيارات.

وعلى الرغم من أن شركة النفط التابعة للحوثيين تحدثت عن إخضاع الوقود المستورد للفحص قبل السماح بتوزيعها في الأسواق، واتخاذ إجراءات احترازية لضمان سلامته، فإن مستخدمي وملاك السيارات والمركبات أعادوا التذكير بأزمة مشابهة خلال العام الماضي.

وظهرت تلك الأزمة بعد فرض الولايات المتحدة حظراً على وصول الوقود إلى ميناء الحديدة، الذي تسيطر عليه الجماعة، بعد تصنيفها منظمة إرهابية أجنبية، وفرضت عقوبات على عدد من قادتها، ورغم اعتراف الجماعة حينها بوجود الوقود المغشوش، فإنها تنصلت من المسؤولية عن انتشاره.

تبريرات غير مقبولة

جاء في تبريرات الشركة الخاضعة للحوثيين، أخيراً، أن خزاناتها النفطية تعرضت للتدمير الكامل من جراء غارات أميركية وإسرائيلية؛ ما أدى إلى اضطرارها إلى استخدام خزانات أخرى لا تسمح بترسب الشوائب وتنقية الوقود.

يمني يلجأ لتفريغ الوقود الحوثي المغشوش من خزان سيارته (إكس)

وكان عدد من القادة الحوثيين نفوا، خلال الأيام الماضية، وقوع هذه الأزمة، قبل أن يعاود بعضهم الحديث عنها بوصفها تستهدف الجماعة والإساءة إليها.

وحاول القيادي نصر الدين عامر، المُعيَّن في منصب رئيس مجلس إدارة النسخة الحوثية من وكالة «سبأ»، تخفيف الغضب الشعبي بزعم تعرض سيارته لعطل واضطراره إلى نزع خزان الوقود، مدعياً أن هذه الحالات نادرة وليست بذلك القدر من الانتشار كما يجري الحديث في أوساط المجتمع، وقال إن سيارات معارفه لم تتعطل رغم تعبئتها بالوقود من المحطة ذاتها التي يشتري منها الوقود.

وعلق، فكري، وهو أحد فنيي السيارات، على مزاعم عامر بأنه شخصياً فحص وحاول إصلاح أكثر من 20 سيارة في ورشة يعمل بها في العاصمة المختطفة صنعاء خلال الفترة منذ ما قبل العيد، واتضح أن غالبيتها تعرضت لأعطال بسبب رواسب خطيرة تؤثر على كفاءة محركاتها.

وفسّر فكري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» عدم تعرض جميع السيارات للأعطال نفسها، بأن الأمر لا يعود إلى وجود كمية قليلة من الوقود المغشوش، بل إلى أن غالبية السيارات الحديثة، وأغلبها صغيرة الحجم وخفيفة الوزن، تعمل بقطع ومعدات حساسة لا تستطيع مقاومة التلوث، ويمكن لأي رواسب أن تتسبب بأعطال فيها.

وعلى العكس من ذلك، فإن السيارات التي تنتمي إلى طرازات مشهورة بالقوة والصلابة تستطيع محركاتها التعامل مع التلوث ومقاومته إلى حد كبير، إلا إذا كانت نسبته كبيرة أو جرى استخدامه فيها لوقت طويل.

أزمات مترابطة

يرى خبراء ومراقبون أن أزمة الوقود المغشوش مرتبطة بالأزمة المالية التي تحاصر الجماعة الحوثية منذ أشهر بسبب تداعيات العقوبات الدولية المفروضة عليها وممارساتها التي خنقت الأنشطة الاقتصادية في مناطق سيطرتها.

يمني تعرَّضت سيارته لحادث بعد توقفها وسط الطريق بسبب الوقود الحوثي المغشوش (إكس)

من جهته، فسّر فؤاد المقطري، وهو باحث اقتصادي يمني، عودة الوقود المغشوش للانتشار في مناطق سيطرة الحوثيين بالأزمة المالية التي تعانيها الجماعة؛ وهو ما اضطرها إلى استيراد وقود رخيص غير مرغوب فيه، أو اللجوء إلى تسويق كميات من الوقود المغشوش الذي يُحتمل أنها تحتفظ به منذ سنوات.

وأوضح الباحث لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة منذ سنوات أعلنت عن ضبط ومصادرة كميات كبيرة من الوقود المغشوش، ولم تصرح عن كيفية تعاملها معها، مرجحاً أن تكون خزَّنتها تحسباً لأي أزمات تواجهها، مثل الأزمة المالية الحالية.

وحذَّر من أن ممارسات الجماعة ستؤدي إلى المزيد من تراجع الأنشطة التجارية بفعل تراجع القدرة الشرائية للسكان واتساع رقعة البطالة، إلى جانب ما تسببت به العقوبات المفروضة عليها من تقييد لمصادر التمويل.

العقوبات على الحوثيين أسهمت في التضييق على مواردهم المالية (رويترز)

وتواجه الجماعة الحوثية أزمة مالية متفاقمة دفعتها إلى تكثيف إجراءات الجباية وفرض رسوم وأعباء مالية جديدة على التجار ورجال الأعمال في المناطق الخاضعة لسيطرتها، بعد تراجع الموارد المالية وتباطؤ النشاط الاقتصادي والتجاري، حسب موقع «أتليار» الإسباني.

وكشف الموقع عن أن الجماعة نفذت خلال الفترة الأخيرة حملات واسعة لتحصيل أموال من الشركات والتجار تحت مسميات مختلفة، بعد حملات مماثلة سبقت موسم عيد الأضحى، شملت مطالبات بتقديم مساهمات نقدية وعينية.

وحسب مصادر نقل عنها الموقع، فإن الكثير من التجار ورجال الأعمال يشكون من تزايد الرسوم والالتزامات المالية المفروضة عليهم خلال السنوات الماضية؛ ما دفع العديد منهم إلى تقليص أنشطتهم أو نقلها إلى مناطق أخرى.


«التجسس»... سيف الحوثيين المسلط على العمل الإنساني

عنصر حوثي في صنعاء خلال حشد للجماعة لمناسبة فعالية ذات صبغة طائفية (إ.ب.أ)
عنصر حوثي في صنعاء خلال حشد للجماعة لمناسبة فعالية ذات صبغة طائفية (إ.ب.أ)
TT

«التجسس»... سيف الحوثيين المسلط على العمل الإنساني

عنصر حوثي في صنعاء خلال حشد للجماعة لمناسبة فعالية ذات صبغة طائفية (إ.ب.أ)
عنصر حوثي في صنعاء خلال حشد للجماعة لمناسبة فعالية ذات صبغة طائفية (إ.ب.أ)

في وقت يقترب فيه بعض المناطق اليمنية الخاضعة لسيطرة الحوثيين من مستويات كارثية من الجوع، وتزداد فيه حاجة ملايين السكان إلى المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة، تحولت حملة الاعتقالات التي شنتها الجماعة المتحالفة مع إيران ضد موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الإغاثية، إلى أحد أبرز العوامل التي عمّقت الأزمة الإنسانية وأعاقت وصول المساعدات إلى الفئات الأكثر احتياجاً.

فبعد سنوات من النزاع والانهيار الاقتصادي، بات العمل الإنساني في مناطق سيطرة الحوثيين يواجه تحديات غير مسبوقة نتيجة القيود المتزايدة والتدخلات المستمرة في أنشطة المنظمات الدولية والمحلية، وصولاً إلى حملات الاعتقال الواسعة التي استهدفت عشرات الموظفين والعاملين في المجال الإغاثي تحت مزاعم أمنية واتهامات بالتجسس.

وبينما كانت المساعدات الإنسانية تمثل شريان حياة لملايين السكان في شمال اليمن، أسهمت هذه الإجراءات في تعطيل جزء كبير من العمليات الإغاثية، الأمر الذي انعكس مباشرة على أوضاع الأمن الغذائي في مناطق تعاني أصلاً من الفقر وانعدام مصادر الدخل وارتفاع معدلات الاحتياج.

وقبل تصاعد الأزمة الأخيرة، كان نحو 3 ملايين شخص في مناطق سيطرة الحوثيين، يحصلون على مساعدات غذائية منتظمة رغم التراجع الحاد في التمويل الدولي المخصص لليمن، غير أن الخلافات المتعلقة بآليات توزيع المساعدات والتدخلات الحوثية في عمل المنظمات الإنسانية، أدت إلى تراجع نشاط كثير من البرامج الإغاثية.

المنظمات الإنسانية رصدت جيوب مجاعة في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

ومع حملة المداهمات والاعتقالات التي طالت مكاتب الأمم المتحدة وعدداً من المنظمات الدولية والمحلية في صنعاء ومناطق أخرى، دخل العمل الإنساني مرحلة جديدة من التعقيد، حيث اضطرت منظمات عديدة إلى تقليص عملياتها أو تعليقها بشكل كامل، ما أدى إلى حرمان ملايين المحتاجين من المساعدات المنقذة للحياة.

ويؤكد عاملون في المجال الإنساني أن القيود المفروضة على المنظمات جعلت الوصول إلى المجتمعات الأشد ضعفاً أكثر صعوبة من أي وقت مضى، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على تدهور الأوضاع المعيشية واتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي.

قمع الإغاثة

ترى منظمات حقوقية دولية؛ بينها «منظمة العفو الدولية» و«هيومن رايتس ووتش» ومعهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، أن الحوثيين حوّلوا تهم «التجسس» إلى أداة لقمع العاملين في المجال الإنساني، وتبرير حملات الاعتقال التي استهدفت أكثر من 100 موظف وعامل إغاثة خلال العامين الماضيين.

وبحسب هذه المنظمات، فإن استمرار احتجاز العاملين الإنسانيين لم يقتصر تأثيره على الضحايا وأسرهم؛ بل انعكس بصورة مباشرة على قدرة المنظمات على تنفيذ برامجها والوصول إلى الفئات المحتاجة، الأمر الذي فاقم الأزمة الإنسانية في مناطق سيطرة الجماعة.

كما أشارت المنظمات الدولية إلى أن عدداً محدوداً فقط من المحتجزين أُفرج عنهم، فيما لا يزال عشرات الموظفين الأمميين والعاملين في المنظمات الإنسانية رهن الاحتجاز، وسط مخاوف متزايدة بشأن ظروف احتجازهم ومستقبل عمل المنظمات في تلك المناطق.

وربطت المنظمات الحقوقية بين حملة الاعتقالات وتدهور الوضع الغذائي في شمال اليمن، مشيرة إلى التحذيرات المتكررة الصادرة عن وكالات الأمم المتحدة بشأن تفاقم مستويات انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال الفترة الحالية.

العشرات من العاملين الإغاثيين اعتقلهم الحوثيون ما تسبب في عرقلة المساعدات (إعلام محلي)

وتقول هذه المنظمات إن تعطيل العمل الإنساني جاء في توقيت بالغ الحساسية، حيث تشهد البلاد تراجعاً مستمراً في التمويل الدولي، خصوصاً بعد تقليص مساهمات بعض الجهات المانحة الرئيسية، الأمر الذي قلص قدرة المنظمات على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.

وفي ظل هذا الواقع، رصدت المنظمات الإنسانية جيوباً من المجاعة في عدد من المناطق، بينما تواجه ملايين الأسر صعوبات متزايدة في الحصول على الغذاء والخدمات الأساسية، ما يهدد بدفع مزيد من السكان إلى مستويات أشد خطورة من الجوع وسوء التغذية.

ويؤكد العاملون في المجال الإنساني أن استمرار القيود المفروضة على المنظمات سيجعل الاستجابة الإنسانية أكثر هشاشة، خصوصاً مع تزايد أعداد المحتاجين وتراجع الموارد المتاحة لتغطية الاحتياجات الأساسية.

مخاوف على المحتجزين

مع امتلاك الحوثيين سجلاً حافلاً بانتهاكات حقوق الإنسان بحق المعتقلين، تتزايد المخاوف المحلية والدولية بشأن مصير العاملين الإنسانيين المحتجزين، خصوصاً بعد وفاة أحد موظفي برنامج الأغذية العالمي أثناء احتجازه لدى الجماعة في فبراير (شباط) 2025.

وتؤكد المنظمات الحقوقية أن كثيراً من المحتجزين تعرض للاختفاء القسري لفترات طويلة، واحتُجزوا دون إجراءات قانونية سليمة، فيما حُرم بعضهم من الرعاية الصحية ومن التواصل مع محامين أو أفراد أسرهم.

الحوثيون حرموا ملايين اليمنيين من الحصول على المساعدات (إعلام محلي)

كما تشير إلى أن الحوثيين يواصلون منذ سنوات توجيه اتهامات بالتجسس والتآمر للعاملين في المجال الإنساني والنشطاء والصحافيين والمعارضين، واستخدام هذه الاتهامات لتبرير حملات القمع وإصدار أحكام مشددة بحق بعض المعتقلين.

ودعت المنظمات الحقوقية، الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، إلى تبني موقف أكثر حزماً للضغط على الحوثيين من أجل الإفراج الفوري عن جميع المحتجزين تعسفياً، وضمان حصولهم على الرعاية الصحية والمساعدة القانونية، ووقف القيود المفروضة على المنظمات الإنسانية، بما يسمح بوصول المساعدات إلى ملايين اليمنيين الذين يواجهون خطر الجوع في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.