فرنسا تدعو إلى «مقاربة متشددة» مع إيران وتجمّد أموال استخباراتها

توتر بين البلدين بعد «إثبات» دور طهران بتدبير محاولة اعتداء إرهابي في باريس

مؤتمر المعارضة الإيرانية في ضواحي باريس نهاية يونيو الماضي (رويترز)
مؤتمر المعارضة الإيرانية في ضواحي باريس نهاية يونيو الماضي (رويترز)
TT

فرنسا تدعو إلى «مقاربة متشددة» مع إيران وتجمّد أموال استخباراتها

مؤتمر المعارضة الإيرانية في ضواحي باريس نهاية يونيو الماضي (رويترز)
مؤتمر المعارضة الإيرانية في ضواحي باريس نهاية يونيو الماضي (رويترز)

خرج التوتر في العلاقات الفرنسية - الإيرانية، أمس، إلى العلن بعدما كشفت باريس عن نتائج تحقيق بعد 3 أشهر من إحباط هجوم إرهابي ضد مؤتمر للمعارضة الإيرانية على الأراضي الفرنسية، وأقرّت تجميد أصول أجهزة الاستخبارات بعد عدم تلقيها جواباً مقنعاً من طهران حول التحقيق، بحسب مصدر فرنسي، كما شملت حملة أمنية فرنسية مركزاً ثقافياً تابعاً لإيران.
قبل 10 أيام، سئل مصدر قريب جدا من الرئيس ماكرون عما آلت إليه العلاقات بين باريس وطهران بعد محاولة ارتكاب اعتداء إرهابي نهاية يونيو (حزيران) الماضي ضد تجمع لـ«مجاهدين خلق» المعارض تحت اسم «المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية» الذي ترأسه مريم رجوي، زوجة مسعود رجوي الزعيم التاريخي للتنظيم. وجاء السؤال بعد أن برزت مؤشرات تدل على توتر في العلاقات الفرنسية - الإيرانية، أهمها بقاء موقع السفير الفرنسي في طهران شاغرا منذ 3 أشهر، و«المذكرة» الداخلية التي عممتها الأمانة العامة للخارجية الفرنسية بالطلب من الدبلوماسيين والرسميين تلافي التوجه إلى إيران إلا عند الضرورة. يضاف إلى ذلك، تصريحات وزير الخارجية جان إيف لودريان المتكررة التي تشدد على أنه «لا مفر» لإيران من أن تقبل بالدخول في مفاوضات تتناول برنامجها الصاروخي الباليستي وسياستها الإقليمية «المزعزعة للاستقرار»، فضلا عما قالته مصادر دبلوماسية رفيعة المستوى لـ«الشرق الأوسط» وفحواه أن طهران «ليست في موقع يمكنها من توجيه إنذارات» لفرنسا والدول الأوروبية الموقعة إلى جانبها على الاتفاقية النووية لعام 2015، إضافة إلى تنبيهها إلى التوقف عن التهديدات بالخروج من الاتفاق النووي والعودة إلى تخصيب اليورانيوم.
جواب المصدر الرئاسي الحرفي كان كالتالي: «نحن بصدد العمل معا (مع إيران) لتوضيح حقيقة ما حصل في (محلة) فيلبانت (موقع تجمع المعارضة)، وأنا لا أقول بوجود علاقة (مباشرة) بين الحادثة وغياب سفير فرنسي عن إيران. وطهران وعدتنا بتقديم عناصر موضوعية (عن الحادثة) ما سيتيح أن نستمر في علاقاتنا الدبلوماسية كما في السابق». وعلم أن هذه الوعود جاءت في محادثة هاتفية بين الرئيس إيمانويل ماكرون ونظيره حسن روحاني. والحال أن ماكرون وروحاني التقيا في نيويورك على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، كذلك التقى وزيرا خارجية البلدين جان إيف لودريان ومحمد جواد ظريف في المناسبة عينها. ورغم الاجتماعين المذكورين، فإن مصادر دبلوماسية أفادت بأن باريس «لا تزال تنتظر من طهران أن تقدم لها العناصر الموضوعية» الموعودة. وفي الوقت عينه، سعت هذه المصادر للتخفيف من معنى شغور منصب السفير في طهران بقولها إنه «من المألوف» أن يشغر منصب سفير لفترة ما وإن الأشهر الثلاثة ليست استثنائية.
تقول أوساط متابعة لملف العلاقات الفرنسية - الإيرانية إن هناك احتمالين: إما أن طهران قدمت عناصر لم تعدّها باريس كافية لتبرئتها من تهمة التحضير لاعتداء إرهابي على الأراضي الفرنسية، أو إنها أصبحت تملك ما يكفي من البراهين التي تدحض الحجج الإيرانية. ونقلت صحيفة «لوموند» المستقلة في عددها ليوم أمس أن الرئيس روحاني لم يقدم لنظيره الفرنسي المعلومات التي وعد بتقديمها. كذلك أفادت هذه الصحيفة بأن محاولة الاعتداء طرحت في «اجتماع لودريان - ظريف» وأن الأول أشار إلى «الشكوك الفرنسية القوية إزاء مسؤولية إيران» عن محاولة الاعتداء، وإلى «خطورتها».
جاء البيان الرسمي الذي صدر صباح أمس عن وزارات الخارجية والداخلية والاقتصاد ليقطع الشك باليقين وليدل بشكل دامغ على أن باريس تبدو متأكدة من ضلوع جهاز إيراني على الأقل في محاولة الاعتداء. وللتذكير، فإن السلطات الأمنية الفرنسية التي كانت مع الأجهزة الألمانية الجهة التي قرعت ناقوس الخطر الإرهابي، عمدت إلى توقيف 3 مواطنين إيرانيين أحدهم قرب موقع تجمع المعارضة. وبعد أن أخلت سريعا سراح اثنين، أبقت الثالث محتجزا إلى أن قامت بتسليمه إلى السلطات البلجيكية التي وجهت إليه اتهامات بالتحضير لاعتداء إرهابي. وبالتوازي، فإن ألمانيا ألقت القبض في منطقة بافاريا على أسد الله أسدي؛ وهو دبلوماسي إيراني معتمد بسفارة طهران في فيينا لدوره في التحضير للاعتداء وتسليم عبوة متفجرة مع جهاز إشعال إلى إيرانيين (رجل وزوجته «سمير.إس» و«نسيمة.إن»). وسمح القضاء الألماني مؤخرا بتسليم الأسدي إلى السلطات البلجيكية بعد أن عمدت فيينا إلى نزع الصفة الدبلوماسية عنه.
في بيان باريس أمس، اتهام واضح لإيران بالمسؤولية عن محاولة الاعتداء؛ إذ جاء فيه أن هذا العمل «بالغ الخطورة الذي خطط له على الأراضي الفرنسية، لا يمكن أن يبقى من غير رد» ولذا، فإن باريس قررت اتخاذ «تدابير وقائية هادفة ومتناسبة على المستوى الوطني (الفرنسي) بصيغة تجميد موجودات المواطنين الإيرانيين أسد الله أسدي وسعيد هاشمي مقدم، وأيضا مديرية الأمن الداخلي في وزارة الاستخبارات الإيرانية».
ويضيف البيان أن باريس، من خلال هذه القرارات، «تعبر عن عزمها الحازم في محاربة الإرهاب، خصوصا على أراضيها». ونقل عن وزير الخارجية قوله إن الاعتداء الذي أحبط في فيلبانت «يبرز الحاجة لمقاربة متشددة في علاقاتنا مع إيران» الأمر الذي يعني، وفق مصادر رسمية، أن باريس «يمكن أن تعيد النظر في علاقاتها مع طهران، ويمكن أن ينعكس هذا الأمر على مواقف باريس التي تعد أحد أشد المتمسكين بالاتفاق النووي مع إيران والتي وقفت بقوة في وجه قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، كما برز ذلك في خطاب ماكرون بمجلس الأمن الدولي يوم 26 سبتمبر (أيلول) الماضي». أما وزير الداخلية جيرار كولومب فقد نقل عنه البيان عزمه على «محاربة كل أشكال الإرهاب ومن أي جهة أتى». وأخيرا، فإن وزير الاقتصاد برونو لومير عبر عن الحاجة «لتجفيف منابع الإرهاب، والعمل لهذا الغرض على المستويين الوطني والدولي».
ويسري القرار الفرنسي الذي نشر أمس في الجريدة الرسمية لمدة 6 تة أشهر.
وتعد التدابير العقابية الفرنسية بمثابة تحميل مسؤولية الاعتداء لأوساط إيرانية ممثلة بمديرية الأمن الداخلي في وزارة الاستخبارات. ويكمن اعتبار توجيه الاتهام تحديداً للمديرية المذكورة نوعاً من الرغبة في تحييد الطاقم السياسي وربما الإيحاء بأن المحاولة ربما كان المقصود منها ضرب مصداقية روحاني وما يمثل أو حتى نسف رحلته الأوروبية.
وكانت طهران نفت، على كل المستويات، مسؤوليتها عن المحاولة، رامية بها على «مجاهدين خلق». وتهكم الوزير ظريف وقتها على الاتهامات الموجهة لبلاده بالإشارة إلى تزامنها مع الزيارة التي كان روحاني يستعد للقيام بها إلى النمسا.
وإضافة إلى الأسدي، الذي يقدم نفسه على أنه مستشار ثالث في السفارة الإيرانية في فيينا منذ عام 2014، فإن سعيد هاشمي مقدم مواطن إيراني يقيم في باريس وألقي القبض عليه ليس بعيدا عن موقع تجمع المعارضة الذي حضرته شخصيات عربية وغربية وأميركية. ويظن القضاء البلجيكي أن الأسدي، استنادا لمعلومات فرنسية وألمانية، هو المخطط لعملية الاعتداء وأنه «المشغل» للإيراني أمير وزوجته نسيمة اللذين كانا مكلفين بنقل القنبلة.
ومن الأميركيين الذي تحدثوا في التجمع رودي جولياني، محامي الرئيس ترمب ورئيس بلدية نيويورك السابق ونيوت غينغريتش رئيس مجلس النواب السابق.
وتعيد هذه المحاولة إلى الذاكرة أعمالا إرهابية قامت بها جهات إيرانية على التراب الفرنسي، أشهرها اغتيال شاهبور بختيار، آخر رئيس حكومة في عهد الشاه.
وتعزو أوساط فرنسية صدور مذكرة وزارة الخارجية التي تنصح بعدم السفر إلى إيران، إلى المحاولة الإرهابية في فيلبانت، وإلى «السياق الإقليمي والدولي» وموقع إيران فيه.
وفي سياق مواز، عمدت الشرطة الفرنسية صباح أمس إلى توقيف 11 شخصا في إطار عملية «وقائية لمكافحة الإرهاب» استهدفت «مركز الزهراء في فرنسا» الشيعي المقرب من إيران، وهو واقع في مدينة غراند سانت (شمال فرنسا قرب مدينة دنكرك)، ومنازل مسؤولين عنه. وجمدت أموال «مركز الزهراء» والجمعيات التي توجد في مقره لستة أشهر وفق نص نشر في الجريدة الرسمية. ويعد «مركز الزهراء» أحد المراكز الشيعية الرئيسية في أوروبا، ويضم عدة جمعيات؛ بينها «حزب مناهضة الصهيونية» و«الاتحاد الشيعي الفرنسي» وتلفزيون «فرنسا ماريان تيلي». وبررت سلطات المنطقة العملية «بالتأييد الواضح» الذي يعبر عنه قادة من المركز تجاه «منظمات إرهابية»، لكنها لم تقم صلة مع «فيلبانت». وتشتبه السلطات الفرنسية بأن هذه الجمعيات تبرر «التطرف» وتمجد حركات صنفتها فرنسا «إرهابية» مثل حركة حماس و«حزب الله» اللبناني المدعومين من إيران.
وإثر المداهمات، وضع 3 أشخاص على علاقة بالمركز قيد التوقيف الاحترازي، لا سيما بسبب حيازتهم أسلحة غير مرخصة. ولاكتمال الصورة، يذكر أن وزيرة الدفاع الفرنسية فلورانس بارلي، حذرت أمس في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيرها الأميركي جيمس ماتيس من مخاطر النشاطات الباليستية الإيرانية ومن سياسة إيران الإقليمية، وقالت إن فرنسا «كما الرئيس ترمب، تعدّ النشاطات الباليستية الإيرانية تهديداً، وكما الرئيس ترمب ترى أن مجمل دائرة التأثير الإيرانية في المنطقة مصدر قلق».
وتدعو باريس لمفاوضات موسعة مع طهران تشمل نشاطاتها النووية لما بعد عام 2025، وبرامجها الباليستية، وسياستها الإقليمية، ولكن مع المحافظة على الاتفاق النووي.
وأمس، نفى المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي الاتهامات الفرنسية لطهران بالوقوف وراء محاولة تفجير اجتماع لجماعة إيرانية معارضة قرب العاصمة الفرنسية باريس. ودعا قاسمي المسؤولين الفرنسيين إلى «النظر بواقعية تجاه إيران»، محذرا من «الأيادي والنيات المشؤومة التي تسعى لتخريب العلاقات التاريخية بين إيران وفرنسا».



بين الدبلوماسية والردع العسكري: خيارات واشنطن وطهران قبل الجولة المقبلة

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» في بحر العرب 7 فبراير الحالي (أ.ف.ب)
حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» في بحر العرب 7 فبراير الحالي (أ.ف.ب)
TT

بين الدبلوماسية والردع العسكري: خيارات واشنطن وطهران قبل الجولة المقبلة

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» في بحر العرب 7 فبراير الحالي (أ.ف.ب)
حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» في بحر العرب 7 فبراير الحالي (أ.ف.ب)

في لحظةٍ تتداخل فيها لغة التفاوض مع إشارات الردع، يصرّ الرئيس دونالد ترمب على أن المسار الدبلوماسي مع إيران «هو المفضل الآن»، وفق ما أبلغه لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال لقائهما في واشنطن. غير أن هذا التفضيل لا يأتي منفصلاً عن عصا عسكرية مرفوعة: تهديد بإرسال حاملة طائرات ثانية إلى المنطقة إذا لم تتبلور «صفقة» بسرعة، وسط تقارير كثيرة عن استعدادات في وزارة الدفاع الأميركية لتحريك مجموعة حاملة طائرات إضافية نحو الشرق الأوسط.

وفي مؤشرٍ إضافي على استخدام «الإشارة العسكرية» كورقة ضغط، أعاد الرئيس ترمب نشر خبر «وول ستريت جورنال» عن استعداد البنتاغون لتجهيز مجموعة حاملة طائرات ثانية لاحتمال التوجه إلى الشرق الأوسط على منصته «تروث سوشيال»، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها تثبيت علني لرسالة الضغط على طهران بالتوازي مع إبقاء باب الدبلوماسية موارباً.

وفي أحدث موقف رسمي، شددت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي، على أن الرئيس يفضّل المسار الدبلوماسي، لكنه «يمتلك كل الخيارات» إذا فشلت المحادثات، في تذكيرٍ متعمد بأن مسار المحادثات يتحرك تحت سقف التهديد باستخدام القوة.

وعلى خط موازٍ في الكونغرس، برزت دعوات لتقييد أي عمل عسكري من دون تفويض، حيث عبّر السيناتور الديمقراطي تيم كاين عن مخاوف ناخبيه من «جرّ» البلاد إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط، بينما دفع مع السيناتور الجمهوري راند بول، باتجاه تحركٍ يستند إلى صلاحيات الكونغرس في إعلان الحرب، في إشارة إلى أن هامش ترمب الداخلي ليس مفتوحاً بالكامل إذا انزلقت الأزمة إلى الخيار العسكري.

«هندسة التفاوض»

وبينما يحاول البيت الأبيض إبقاء الباب مفتوحاً أمام جولة ثانية من المحادثات، تتكثف التساؤلات الأساسية: هل الحشد العسكري جزء من «هندسة التفاوض»، أم تمهيدٌ جديٌّ لخيار ضربة محدودة إذا فشل المسار السياسي؟ أم أن واشنطن تريد جمع الخيارين في آن: بتفاوض سريع تحت ضغط، يحقق إنجازاً قبل الانتخابات النصفية في نوفمبر (تشرين الثاني)، ويجنب الأسواق صدمة جديدة في الملاحة والطاقة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض الأربعاء (إ.ب.أ)

الصورة، حتى الآن، توحي بأن الإدارة الأميركية تعمل على إدارة التوتر لا على خفضه بالكامل. فالحديث عن الحاملة الثانية يرفع مستوى «المصداقية» في التهديد، ويمنح المفاوض الأميركي رافعة إضافية، لكنه في الوقت نفسه يضيّق هامش المناورة أمام طهران، التي تُراكم بدورها «خطوطاً حمراء» علنية لتفادي الظهور بمظهر الطرف الذي تراجع تحت الضغط.

رسالة تفاوض أم مؤشر قرار؟

اللافت أن التلويح الأميركي لم يبقَ في حدود التصريحات. فالتقارير عن جاهزية حاملة ثانية، وإن بقيت ضمن نطاق «الاستعداد» لا «الأمر النهائي»، تعكس انتقال واشنطن إلى مرحلة رفع التكلفة النفسية على طهران: أي جعل احتمال الضربة أكثر واقعية في حسابات القيادة الإيرانية، من دون أن يعني ذلك اتخاذ قرار الحرب سلفاً.

في منطق ترمب، هذا التدرّج يخدم هدفين متوازيين: أولاً، دفع إيران إلى تقديم تنازلات سريعة بدل تكرار نمط المفاوضات الطويلة التي تستنزف الوقت وتخلق وقائع جديدة. وثانياً، طمأنة إسرائيل بأن واشنطن لا تمنح طهران «وقتاً مجانياً» لإعادة ترميم قدراتها أو ترحيل الأزمة إلى ما بعد الاستحقاقات الأميركية.

غير أن إدارة هذا التوازن ليست سهلة. فإظهار الجهوزية قد يدفع طهران إلى الاعتقاد بأن التفاوض مجرد غطاء، ما يغريها إما بالتشدد لاعتبارات داخلية، أو بالمناورة عبر أدوات ضغط غير مباشرة، في البحر أو عبر الوكلاء، لإقناع واشنطن بأن تكلفة الضربة ستكون أعلى مما يتصور البيت الأبيض. وهذا تحديداً ما يخشاه صناع القرار الأميركيون: أن يتحول «الضغط المحسوب» إلى شرارة سوء تقدير.

أين تبدأ مرونة طهران؟

في المقابل، تواصل طهران التمسك بإطار تفاوضي ضيق ورسالتها العلنية واضحة: لن تقبل «شروطاً مفرطة»، ولن توسّع المحادثات إلى ما يتجاوز البرنامج النووي، فيما تعد صواريخها الباليستية جزءاً من أمنها الدفاعي غير القابل للتفاوض. بهذا المعنى، تحاول إيران تثبيت معادلة مفادها أن أي تنازل في الملف النووي لا ينبغي أن يتحول إلى مسار يفتح الباب أمام إعادة هندسة عقيدتها الردعية.

لكن خلف الخطاب التصعيدي، يقرأ مراقبون مؤشرات تدل على أن طهران تدرك ضيق النافذة. فالنظام يعيش لحظة حساسة داخلياً بعد اضطرابات وضغط اقتصادي، ويواجه بيئة إقليمية أقل تسامحاً مع سياسة «العتبة» النووية. كما أن تجربة المواجهة السابقة وما رافقها من ضربات وتداعيات، جعلت فكرة «المقامرة الكبيرة» أكثر تكلفة. لذلك تبدو إيران أمام خيار صعب: كيف تقدّم تنازلاً يكفي لتفادي ضربة محتملة، دون أن يبدو ذلك استسلاماً يفتح شهية خصومها لطلب المزيد؟

هنا تبرز نقطة التماس مع الموقف الإسرائيلي. إسرائيل تريد اتفاقاً «أوسع»، ليس فقط قيوداً نووية، بل أيضاً مقاربة للصواريخ وشبكات النفوذ الإقليمي. أما واشنطن فتبدو منشغلة بتحقيق نتيجة قابلة للتسويق سريعاً، ولو عبر صفقة مرحلية تُجمّد الخطر الأكثر إلحاحاً: مسار التخصيب والقدرات النووية. وبين السقفين، يتحدد شكل الجولة الثانية.

سيناريوهات قبل الجولة الثانية

أمام هذه المعادلة، تتبلور عملياً خيارات محدودة للطرفين: صفقة نووية مصغّرة وسريعة، تقوم على قيود فنية صارمة على التخصيب والمخزون وآليات رقابة، مقابل تخفيف مرحلي للعقوبات أو ترتيبات مالية محددة. ميزتها أنها تمنح ترمب «إنجازاً» سريعاً وتقلّص احتمال الضربة، لكنها قد لا ترضي إسرائيل إذا بقي ملف الصواريخ خارج النص.

اتفاق على مرحلتين، نووي الآن، ثم مسار لاحق للصواريخ والنفوذ. قد توافق إيران على صيغة عامة تؤجل الملفات الأكثر حساسية، شرط ألا تتحول المرحلة الثانية إلى شرط مُسبق لالتقاط أنفاس اقتصادية. لكن نجاح هذا الخيار يحتاج إلى ضمانات سياسية قوية كي لا يُقرأ مجرد ترحيل للمشكلة.

ضغط عسكري مضبوط لكسر الجمود، أي إبقاء المفاوضات قائمة مع رفع الجهوزية العسكرية (الحاملة الثانية وما يرافقها) لإفهام طهران أن الوقت ليس لصالحها. هذا السيناريو هو الأقرب إلى سلوك ترمب حتى الآن، لكنه يحمل مخاطرة أن ترد إيران بعمل محسوب يوسّع الاشتباك بدل تقليصه.

ضربة محدودة إذا فشلت الجولة، هدفها إعادة إيران إلى الطاولة بشروط أشد، دون الانزلاق إلى حرب شاملة. غير أن «الضربة المحدودة» ليست وصفة مضمونة، فنجاحها رهين ضبط رد الفعل الإيراني، وهو أمر قد تصعّبه اعتبارات الهيبة الداخلية.

متظاهرون إيرانيون أمام صاروخ إيراني خلال إحياء الذكرى 47 للثورة الإسلامية (إ.ب.أ)

خيار إيران الأقل تكلفة، عبر تنازل نووي محسوب مع تثبيت الخطوط الحمراء الأخرى، أي تقديم مرونة في التخصيب والرقابة مقابل الحفاظ على الصواريخ خارج التفاوض، وربما تهدئة غير مباشرة في الساحات الإقليمية لتقليص دوافع التصعيد الأميركي.

في المحصلة، تتقدم الجولة الثانية على حافة زمنية ضيقة: ترمب يريد نتيجة سريعة تحمي الاقتصاد وأسواق الطاقة وتخدم أجندته الداخلية قبل الانتخابات، وإيران تريد تجنب ضربة جديدة من دون أن تهدم ركائز ردعها. وبينهما إسرائيل تحاول رفع سقف الصفقة، وروسيا وتركيا تُطلقان إشارات تحذير من أن توسيع المطالب قد يدفع المنطقة إلى حافة حرب أخرى إذا انقطع خيط الدبلوماسية.


إردوغان يُلمّح لإطلاق حملة انتخابات مبكرة من أحياء تركيا الفقيرة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لمح إلى إطلاق حملة انتخابية من أحياء تركيا الفقيرة خلال اجتماع لرؤساء فروع حزبه في أنقرة الخميس (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لمح إلى إطلاق حملة انتخابية من أحياء تركيا الفقيرة خلال اجتماع لرؤساء فروع حزبه في أنقرة الخميس (الرئاسة التركية)
TT

إردوغان يُلمّح لإطلاق حملة انتخابات مبكرة من أحياء تركيا الفقيرة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لمح إلى إطلاق حملة انتخابية من أحياء تركيا الفقيرة خلال اجتماع لرؤساء فروع حزبه في أنقرة الخميس (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لمح إلى إطلاق حملة انتخابية من أحياء تركيا الفقيرة خلال اجتماع لرؤساء فروع حزبه في أنقرة الخميس (الرئاسة التركية)

أعطى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إشارة ضمنية للبدء في حملة انتخابية مبكرة، في ظل حديث عن تعديل آخر في الحكومة خلال الأيام المقبلة، يشمل وزارات تتعامل مع الملفات الاقتصادية والاجتماعية.

ودفع التعديل الوزاري المحدود الذي أجراه إردوغان على حكومته، بتغيير وزيري العدل والداخلية، إلى الاعتقاد بأن حملة التغيير قد بدأت استعداداً للانتخابات المبكرة التي كانت مطلباً متكرراً للمعارضة على مدى نحو عام. ويتردد في كواليس حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، أن تعديلاً قادماً سيشمل وزراء العمل والضمان الاجتماعي، والأسرة والخدمات الاجتماعية، والثقافة والسياحة، والتجارة، بما يسهم في توضيح خريطة طريق الحكومة وخدمة أهدافها في الفترة المقبلة.

تحضير للانتخابات

وجّه إردوغان تعليمات إلى مختلف تنظيمات حزب «العدالة والتنمية» بالانتشار في الأحياء الفقيرة والمهمشة والاقتراب من الناس، فيما اعتبر إشارة على تحرك باتجاه إطلاق حملة للانتخابات المبكرة.

إردوغان متحدثاً خلال اجتماع لرؤساء فروع حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في أنقرة الخميس (الرئاسة التركية)

وقال إردوغان، في كلمة خلال اجتماع لرؤساء فروع الحزب في المدن التركية، الخميس: «انقلوا تحياتي إلى الأحياء الفقيرة، واهتموا بكل فرد من إخواني وأخواتي».

ولطالما نفى إردوغان، وحليفه رئيس حزب «الحركة القومية» دولت بهشلي، أن تكون هناك انتخابات مبكرة، وأكّدا أن الانتخابات ستجرى في موعدها المحدد في عام 2028، وذلك رداً على المطالبات المتصاعدة للمعارضة بإجراء انتخابات مُبكّرة بسبب تدهور الوضع الاقتصادي وتردّي مستوى المعيشة.

أوزيل متحدثاً أمام حشد من أنصار حزب «الشعب الجمهوري» في إسطنبول ليل الأربعاء (حساب الحزب في إكس)

وأكد زعيم المعارضة رئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل، خلال تجمع حاشد لأنصار حزبه في إحدى جزر إسطنبول ليل الأربعاء إلى الخميس، أن «الانتخابات قادمة لا محالة، وأن هذه الحكومة لن تستطيع الصمود لعجزها عن حل المشاكل الاقتصادية ومحاربة التضخم».

ووصف أوزيل، خلال التجمع الذي يأتي ضمن سلسلة تجمعات احتجاجية بدأت منذ اعتقال رئيس بلدية إسطنبول المرشح الرئاسي لحزب «الشعب الجمهوري» أكرم إمام أوغلو في 19 مارس (آذار) 2025؛ تعيين إردوغان المدعي العام في إسطنبول، أكين غورليك - الذي بدأ تحقيقات الفساد في بلدية إسطنبول وأصدر الأمر باعتقال إمام أوغلو - وزيراً للعدل بـ«العار»، قائلاً إنه أكد «بما لا يدع مجالاً للشك» أن هذه التحقيقات هي «عملية سياسية لا قانونية».

هجوم على المعارضة

وجّه إردوغان انتقادات حادة إلى أوزيل وحزبه، واصفاً الاشتباك بالأيدي بين نواب «الشعب الجمهوري» و«العدالة والتنمية» خلال مراسم أداء غورليك ووزير الداخلية الجديد مصطفى تشفتيشي، اليمين الدستورية في البرلمان، بأنه «عمل تخريبي»، مُتّهماً المعارضة بـ«البلطجة والاستبداد».

اشتباك بالأيدي بالبرلمان التركي خلال أداء وزيري العدل والداخلية الجديدين اليمين الدستورية الأربعاء (أ.ب)

وقال إردوغان: «شهدنا مرة أخرى عقلية حزب الشعب الجمهوري الفاشية المتغطرسة، لقد مارسوا شتى أنواع البلطجة، بما في ذلك احتلال منصة البرلمان، لمنع وزيرينا من أداء اليمين. ليس لديك القدرة على إيقاف هذا المسار يا أوزغور، ماذا جرى الآن، لقد أديا اليمين الدستورية، رغم سلوككم غير الديمقراطي».

وعَدّ الرئيس التركي أن أعظم ما تملكه تركيا هو «حزب العدالة والتنمية» و«تحالف الشعب» (مؤلف من العدالة والتنمية والحركة القومية)، قائلاً إنه رغم «الدعاية العنيفة والاستفزازية» المتزايدة للمعارضة، لا يزال «تحالف الشعب» مركز جذب، وهو مركز السياسة، ما يجعل تركيا «دولة محورية تحتل مكانة في الدبلوماسية الإقليمية والعالمية، وتُطرق أبوابها بشكل متزايد بحثاً عن حلول للأزمات».

جانب من المؤتمر الصحافي لرئيس البرلمان التركي ورئيسة الجمعية البرلمانية في سلوفينيا بأنقرة الخميس (البرلمان التركي - إكس)

في السياق ذاته، استهجن رئيس البرلمان نعمان كورتولموش، في تصريحات للصحافيين أعقبت مؤتمر صحافي مع رئيسة الجمعية الوطنية السلوفينية أورشكا كلاكوتشار، المشاجرة التي شهدها البرلمان، قائلاً إن مراسم أداء الوزراء لليمين الدستورية جرت وفقاً لأحكام الدستور والنظام الداخلي للبرلمان واكتملت العملية بمجرد أداء الوزيرين لليمين.

وأضاف أن محاولة منع إتمام هذه العملية، المنصوص عليها في الدستور، ولا سيما محاولة منعها بأساليب قسرية كاحتلال المنصة أو منع الوزير من أداء اليمين، أمرٌ غير مقبول، ولا يتوافق بتاتاً مع مبادئ الديمقراطية.


إقالة مسؤول في التلفزيون الإيراني بعد «زلة لسان» ضد خامنئي

إيرانيون خلال مَسيرة سنوية بمناسبة إحياء ذكرى ثورة 1979 في ميدان آزادي (الحرية) غرب طهران الأربعاء (أ.ب)
إيرانيون خلال مَسيرة سنوية بمناسبة إحياء ذكرى ثورة 1979 في ميدان آزادي (الحرية) غرب طهران الأربعاء (أ.ب)
TT

إقالة مسؤول في التلفزيون الإيراني بعد «زلة لسان» ضد خامنئي

إيرانيون خلال مَسيرة سنوية بمناسبة إحياء ذكرى ثورة 1979 في ميدان آزادي (الحرية) غرب طهران الأربعاء (أ.ب)
إيرانيون خلال مَسيرة سنوية بمناسبة إحياء ذكرى ثورة 1979 في ميدان آزادي (الحرية) غرب طهران الأربعاء (أ.ب)

أعلن التلفزيون الإيراني الرسمي إقالة مسؤول في إحدى المحطات الإقليمية، بعد أن تلفّظ صحافي يعمل فيها، خلال نقل مباشر، بشعار مُعادٍ للمرشد علي خامنئي، قبل أن يبرّر ذلك لاحقاً بأنه «زلّة لسان».

وخلال بث مباشر من مراسم الذكرى السابعة والأربعين للثورة في محافظة بلوشستان جنوب شرقي إيران، الأربعاء، كان مراسل التلفزيون الرسمي مصعب رسولي زاد يعلّق على توافد المشاركين وينقل هتافات الحشود، ومنها «الله أكبر»، قبل أن يردد عبارة «الموت لخامنئي»، بدلاً من الشعارات المعتادة في مثل هذه التجمعات، مثل «الموت لأميركا»، و«الموت لإسرائيل».

وسرعان ما نشر المراسل مقطع فيديو اعتذر فيه عما وصفه بـ«زلّة لسان» و«خطأ غير مقصود»، مندّداً بما عدَّه استغلال «أعداء الثورة» للحادثة، وفق ما أوردت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأفاد التلفزيون الرسمي بفصل مدير البرامج، فور وقوع الحادث، مبرراً القرار بـ«خطأ وقع في الشبكة»، كما أعلن إيقاف «مُشغّل البث ومدير البث» عن العمل، وإحالة موظفين آخرين عُدّوا مسؤولين إلى لجنة تأديبية.

وأوضح أن هذه الإجراءات تهدف إلى «الحفاظ على الانضباط المهني وصون سُمعة الإعلام».

تأتي الحادثة في وقت شهدت فيه إيران موجة احتجاجات غير مسبوقة بدأت أواخر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وأسفرت، وفق حصيلة رسمية، عن مقتل أكثر من ثلاثة آلاف شخص. وأكدت طهران أن معظم الضحايا من أفراد قوات الأمن ومارة غير مشاركين في التظاهرات، متهمة «إرهابيين» يعملون لحساب الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف وراء أعمال العنف.