شوارع السويداء خالية من صور الأسد وقتلى قوات النظام

قادة محليون حضوا الأهالي على الوقوف على الحياد

متظاهرون في السويداء يحملون رايات الدروز
متظاهرون في السويداء يحملون رايات الدروز
TT

شوارع السويداء خالية من صور الأسد وقتلى قوات النظام

متظاهرون في السويداء يحملون رايات الدروز
متظاهرون في السويداء يحملون رايات الدروز

في وقت كانت موجة برد قارس تجتاح مدينة السويداء ذات الغالبية الدرزية في جنوب سوريا، أوحى المشهد العام بـ«حالة تمرد» لدى معظم الأهالي على النظام، لوحظ أن دمشق تواجهها بإفساح المجال لإثارة الفوضى والانفلات الأمني في المحافظة.
الزائر يشعر بجو «التمرد» هذا لدى وصوله إلى مشارف المدينة؛ ذلك أنه يلاحظ عدم وجود عبارات تمجيد النظام ورموزه وجيشه في لوحات الإعلانات في الطرق وعلى مدخل المدينة، كما أنه لا وجود لصور رئيس هذا النظام.
ذلك الشعور يتكرّس مع الدخول إلى وسط السويداء، ومشاهدة شوارعها وجدرانها وهي خالية من أي يافطات تُكتب عليها عبارات تشيد بالنظام ورئيسه وجيشه، وكذلك واجهات أبنيتها والمؤسسات هناك التي بدت أيضاً خالية تماماً من شعاراته ورموزه وصور الأسد، إضافة إلى شبه انعدام للمظاهر العسكرية في أحيائها إلا من بعض الحواجز لعناصر جيش النظام. لكن لم يمنع الصمت، وهو سيد الموقف في أوساط معظم أهالي المدينة، البعض من التفوه ببضع كلمات تلخص الموقف العام لأهالي المحافظة من قبيل: «الحكمة مطلوبة في مثل هكذا ظروف»، و«هكذا أفضل».
في الواقع لم تشهد مدينة السويداء – وهي العاصمة الإدارية للمحافظة التي تحمل اسمها - خلال سنوات الحرب أعمالاً قتالية تذكر، بل بقيت هادئة إلى حد كبير، ونزح إليها عشرات الآلاف من المناطق الساخنة، مثل درعا وريفها وريف دمشق. وبالتالي، فالمشهد هنا، يختلف عما هو عليه في مدن بقيت تحت سيطرة النظام وتعد هادئة نسبياً مثل طرطوس واللاذقية، حيث يلاحَظ فيها انتشار كبير في تلك المدن للافتات التي تُكتب عليها عبارات تشيد بالنظام وجيشه ورموزه. كما تُشاهَد على مداخلها وحواجزها وواجهات مؤسساتها صور كبيرة وصغيرة للرئيس بشار الأسد، إضافة إلى قيام الكثير من أصحاب السيارات العامة والخاصة وحافلات النقل العامة في تلك المدن بإلصاق صور للأسد وزعماء الدول والميليشيات المتحالفة معه، وكذلك كتابة عبارات تشيد بهم.
حسب أرقام عام 2010 عن التعداد السكاني في البلاد، كان يعيش في سوريا نحو 700 ألف من المسلمين الموحدين الدروز، ما يعادل 3 في المائة من إجمالي عدد السكان البالغ حينها نحو 22 مليون ونصف المليون. وكانت غالبيتهم تعيش في محافظة السويداء، التي بلغ عدد سكانها آنذاك 375 ألف نسمة، 90 في المائة منهم يتبعون من المسلمين الموحدين الدروز، و7 في المائة مسيحيون، و3 في المائة من السنة.
صحافي من السويداء قال، أمس، شارحاً الوضع: «حين بدأت الانتفاضة السلمية تتنامى في ربيع عام 2011، كان الوضع في السويداء التي يطلق عليها أيضاً جبل الدروز متأججاً، إذ استمد السكان إلهامهم من ذكرى الزعيم الدرزي سلطان الأطرش الذي ثار ضد الاحتلال الفرنسي في عام 1925، وانطلقت الاحتجاجات في السويداء وريفها، لكن الأجندة السياسية المختلفة للمعارضة الصادرة عن (المجلس الوطني السوري)، ومن ثم (الائتلاف الوطني السوري) لم ترقَ إلى توقعات الدروز، ذلك أنه لم يأتِ أحدٌ على ذكر العلمانية التي يجدون الضمانة الوحيدة لأمنهم».
ومع الحملات الدعائية التي شنها النظام الزاعمة أن المعارضة تريد إبادة الأقليات في البلاد، وظهور التوتر مع هذه المعارضة في وقت مبكر في درعا من عام 2011، حينما بدأ بعض المتظاهرين إطلاق شعارات تربط الموحدين الدروز بالنظام تعزز الشك لدى بعضهم بالمعارضة والرغبة بتجنب الانحياز إلى هذا الحراك، حسب قول أحد المراقبين في السويداء لـ«الشرق الأوسط».
رغم ذلك؛ بقي بعض الدروز مؤيدين للثورة وراغبين في الانضمام إلى القتال، وبالفعل، انشق في أغسطس (آب) 2011، الملازم أول خلدون زين الدين عن الجيش وشكّل تنظيماً مسلحاً أطلق عليه اسم «كتيبة سلطان باشا الأطرش». وسرعان ما انضمت هذه الكتيبة إلى تشكيلات المعارضة المسلحة في درعا. وشاركت في هجمات عدة ضد أهداف تابعة للنظام في محافظة السويداء مع أنها أخفقت وسط التحفظ والشكوك في كسب تأييد كبير من السكان المحليين.
ثم، في عام 2013، اعتقلت «جبهة النصرة» أعضاء الكتيبة وحكمت عليهم بالإعدام، لكن تم في النهاية إطلاق سراحهم بفضل تدخل تشكيلات معارضة مسلحة أخرى، لكنهم شعروا بأنهم مضطرون إلى الفرار إلى الأردن. وتركت هذه المرحلة شعوراً لدى الكثير من الموحدين الدروز بأنهم ليسوا موضع ترحيب في الثورة، مع أن عدداً منهم كأفراد أيدوا الثورة، على رأسهم السيدة منتهى الأطرش (ابنة سلطان باشا)، ومنهم ريما فليحان والدكتورة تغريد الحجلي (وزير الثقافة في حكومة الثورة) وجبر الشوفي، وفيما بعد، الدكتور يحيى العريضي، المتحدث الرسمي باسم وفد المعارضة المفاوض.
وسط هذه الحالة، بدا أن أهالي السويداء اختاروا «الحياد» بمعنى تحاشي الاصطفاف لا مع الثورة ولا مع النظام، وذلك من خلال الامتناع عن الالتحاق بالخدمتين الإلزامية والاحتياطية في جيش النظام، وفي الوقت نفسه عدم القتال ضده، وذلك بقرارات من قادة السويداء. وحقاً، وصل عدد المتخلفين عن الخدمتين من أبناء المحافظة - حسب تأكيد الكثير من المصادر الأهلية - إلى نحو 40 ألفاً.
هذه المصادر تتحدث عن الكثير من الحوادث قام خلالها الأهالي باقتحام مراكز اعتقال للنظام في المحافظة وتخليصهم شباناً بعد احتجازهم من قبل سلطات النظام بهدف سوقهم قسراً إلى القتال إلى جانب قواته، وتقول بعض المصادر: «يريد النظام إقحامهم في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل».
وفي مؤشر على رفض أهالي السويداء في المحافظة إقحام أنفسهم في الحرب، خلت شوارع المدينة والقرى المحيطة بها من أي صور لقتلى من أبناء المحافظة سقطوا في المعارك الجارية في البلاد، وهو مشهد اعتاد الأهالي عليه في المدن الخاضعة لسيطرة النظام. ولا تعني الحالة السابقة عدم انخراط أشخاص من المحافظة بشكل أو بآخر في هذه الحرب، فلقد كان العميد عصام زهر الدين - المتحدر من محافظة السويداء - وقُتل مؤخراً في ريف دير الزور من أبرز قادة عمليات النظام في الكثير من المدن والقرى في أرجاء البلاد. وفي المقابل، برزت في 20 أغسطس 2014 في محافظة السويداء ميليشيا الشيخ «أبو فهد» وحيد البلعوس، التي ما كانت معادية للنظام في البداية. لكن مع طلبه من النظام تزويد الميليشيا بأسلحة ثقيلة، دخل البلعوس في الوقت نفسه نقاشاً سياسياً عبر من خلاله عن مخاوف أبناء طائفته من خلال انتقاد غلاء المعيشة والفساد المستشري، ثم تجنيد الشبان الدروز للقتال على الخطوط الأمامية خارج منطقتهم أي محافظة السويداء. وبحلول يونيو (حزيران) 2015، ازداد عدد أفراد الميليشيا التابعة له إلى نحو ألف مسلح، وسط غموض اكتنف مصادر تمويلها، لكن في الخامس من سبتمبر (أيلول) من ذلك العام، اغتيل الشيخ البلعوس في ظروف غامضة، وجرى حل الميليشيا التابعة له.
مراقبون يرون أن النظام مسؤول عن مقتل البلعوس، والسبب المرجح هو أنه أصبح طموحاً جداً، وكان يهدف إلى «فصل جبل الدروز عن الدولة». وتجدر الإشارة إلى أنه في يونيو 2015 وقف الشيخ البلعوس والميليشيا التابعة له على الحياد عندما حاولت «جبهة النصرة» السيطرة على مطار الثعلة (أقصى غرب محافظة السويداء)؛ وحض أهالي السويداء على الاستيلاء على مواقع الجيش ومباني الحكومة عوضاً عن القتال لصدّ الهجوم، إلا أنهم لم يفلحوا في ذلك.
كذلك، لم يفلح في دفع الشباب إلى الالتحاق بالخدمتين الإلزامية والاحتياطية اتفاق غير رسمي توصل إليه النظام مع زعماء السويداء عام 2015، ويتضمن الإبقاء على الخدمتين شرط إبقائهما داخل المحافظة.
في المقابل، وبهدف إعادة فرض هيمنته بالقوة، خصوصاً بعد تراجع سطوته الأمنية في السويداء، وتمكن أهالي المحافظة من لي ذراعه، رد النظام بسحب أسلحته الثقيلة من المحافظة، وبالتالي، وتركها عرضة لهجمات تشكيلات المعارضة المسلحة في درعا وتنظيمي «داعش» و«جبهة النصرة».
كذلك، أفسح المجال للميليشيات الموالية له في المحافظة - التي تعد «جمعية البستان» أبرزها - لنشر التسلط على الأهالي؛ ما أدى إلى اندلاع فوضى عارمة وانفلات أمني غير مسبوق، وارتفاع كبير في معدلات الجريمة من قتل وخطف مقابل الفدية وسرقة وقطع الطرق. وإضافة إلى ذلك، عمد النظام إلى إهمال الخدمات العامة في المحافظة، ورفض تزويدها بالكميات الكافية من المواد الغذائية والمشتقات النفطية التي يحتاج إليها الأهالي؛ نظراً إلى برودة الطقس الشديدة في المحافظة الجبلية؛ الأمر الذي فسّره كثيرون من الأهالي بأنه «انتقام» منهم على مواقفهم.
ما تجدر الإشارة إليه، تعد العاصمة دمشق وضواحيها (جرمانا وحي التضامن وصحنايا وأشرفية صحنايا وجديدة عرطوز)، ثاني أكبر تجمّع للموحدين الدروز داخل سوريا، بعد محافظة السويداء، ذلك أنه يقيم فيها نحو 250 ألفاً. ثم هناك 30 ألفاً على الجانب الشرقي من جبل حرمون، و25 ألفاً في 17 قرية في جبل السماق (الجبل الأعلى)، شمال غربي محافظة إدلب.
وبخلاف ما هو عليه الوضع في السويداء، تفيد تقارير بانخراط أهالي السويداء في العاصمة وضواحيها بشكل كبير في القتال إلى جانب قوات النظام في المناطق المحيطة بدمشق، وانتساب عدد منهم إلى الميليشيات الموالية، والمشاركة في عمليات النهب و«التعفيش» في المناطق التي يستعيد النظام السيطرة عليها، وهذا على الرغم من إصدار قادة محليين في السويداء قرارات بمنع ذلك.



الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
TT

الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)

دقّت المنظمات الإنسانية العاملة في اليمن ناقوس الخطر، محذّرةً للمرة الأولى من التداعيات المباشرة للحرب في إيران على الوضع الإنساني الهش في البلاد، في وقت يواجه فيه ملايين اليمنيين مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي، بينما تتعرض سلاسل الإمداد الدولية، التي تمثل شريان الحياة للمساعدات الإنسانية، لضغوط متزايدة تهدد بانهيار الاستجابة المحدودة أصلاً.

ووفق تقرير إنساني حديث، فإن تصاعد الصراع الإقليمي ألقى بظلال ثقيلة على طرق الإمدادات الرئيسية للمساعدات، مما تسبب في تأخر وصول أكثر من 150 طناً من الشحنات الإنسانية المصنفة على أنها مواد منقذة للحياة، تشمل معدات طبية ثقيلة، وأدوية، ومستلزمات خاصة بالبنية التحتية للمياه، في وقت لا تزال فيه مواعيد وصول هذه الشحنات غير واضحة، وسط اضطرابات متواصلة في الممرات البحرية وارتفاع كبير في تكاليف الشحن.

ويشير التقرير إلى أن استمرار حالة عدم اليقين في خطوط الملاحة الدولية انعكس بصورة مباشرة على قدرة المنظمات الدولية غير الحكومية على إيصال الإغاثة الطارئة، إذ أصبحت عمليات الإنقاذ تواجه مخاطر التأخير الحاد أو التوقف، بما يهدد بتوسيع رقعة الاحتياجات الإنسانية في بلد يعتمد ملايين من سكانه على المساعدات الخارجية لتأمين الحد الأدنى من مقومات البقاء.

وعلى الرغم من أن الموانئ الوطنية الرئيسية في اليمن ما زالت تعمل من الناحية الفنية، فإن المنظمات الإنسانية أكدت أن الاضطرابات التي طالت خطوط الملاحة الإقليمية والدولية تسببت فعلياً في تعطيل وصول الإمدادات، وأدت إلى تكدس شحنات حيوية في نقاط انتظار غير معلومة المصير.

41 ألف شخص في اليمن معرضون لمخاطر كارثية تشبه المجاعة (الأمم المتحدة)

ووفقاً لما أوردته أربع من أصل 12 منظمة دولية غير حكومية شملها الاستطلاع وتعمل في اليمن، فإن هذه التأخيرات تسببت بصورة مباشرة في انقطاع مساعدات حيوية عن أكثر من 130 ألف مستفيد، بينما رجح التقرير أن يكون التأثير الحقيقي على مستوى البلاد أكبر بكثير، بالنظر إلى أن هذه البيانات تمثل شريحة محدودة فقط من إجمالي المنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني.

ويعني ذلك عملياً أن آلاف الأسر التي تعتمد على الأدوية، ومشروعات المياه، والخدمات الصحية المدعومة، باتت مهددة بانقطاعات متزايدة في الخدمات الأساسية، في وقت تتراجع فيه قدرة القطاعين الصحي والخدمي على امتصاص أي صدمات إضافية، نتيجة سنوات الحرب الطويلة وما خلّفته من هشاشة هيكلية واسعة.

فاتورة التصعيد

ولم تتوقف انعكاسات الأزمة عند حدود العمليات الإنسانية، بل امتدت سريعاً إلى الأسواق المحلية في مختلف أنحاء اليمن، حيث بدأت مؤشرات التضخم بالتصاعد بوتيرة لافتة، مدفوعةً بتراجع الواردات التجارية والإنسانية، وارتفاع تكلفة النقل والشحن والتأمين.

وأكدت المنظمات الإنسانية أن أسعار المياه المعبأة قفزت خلال شهر واحد بنسبة 50 في المائة، فيما ارتفع سعر كل من زيت الطهي والغاز المسال بنحو 80 سنتاً، في حين واصلت أسعار الوقود صعودها بوتيرة متسارعة بلغت 24 في المائة، وهو ما انعكس فوراً على تكاليف النقل، وأسعار السلع الأساسية، وسلسلة توريد المواد الغذائية والاستهلاكية.

ويرى العاملون في المجال الإنساني أن هذا الارتفاع الحاد في أسعار الوقود يمثل مؤشراً على ضغوط تضخمية متنامية ستنعكس بصورة مباشرة على مستويات الأمن الغذائي، خصوصاً في بلد يعاني فيه السكان أصلاً من تآكل القدرة الشرائية، وتراجع مصادر الدخل، واتساع رقعة الفقر، مما يجعل أي زيادة إضافية في أسعار السلع الأساسية عبئاً يفوق قدرة ملايين الأسر على الاحتمال.

المعدات الثقيلة والأدوية والبنية التحتية للمياه تأخرت في الوصول جراء اضطرابات الشحن (إعلام محلي)

وفي ظل هذه التطورات، تزداد المخاوف من انتقال مزيد من المجتمعات المحلية إلى مراحل أكثر حدة في التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهو المؤشر العالمي الذي تعتمد عليه منظمات الإغاثة في قياس مستويات الجوع وتتبع مخاطر المجاعة.

وتكشف بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي عن صورة شديدة القتامة، إذ يشير أحدث التقديرات إلى أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن سيواجهون مستويات أزمة جوع أو ما هو أسوأ خلال النصف الأول من العام الجاري، ضمن المرحلة الثالثة وما فوق في سلم التصنيف الغذائي.

كما يوجد أكثر من 5.5 مليون شخص في حالة طوارئ غذائية، وهي المرحلة الرابعة التي تسبق المجاعة، فيما يواجه ما لا يقل عن 41 ألف شخص ظروفاً كارثية تشبه المجاعة، ضمن المرحلة الخامسة، وهي أعلى درجات الخطر الغذائي، حيث يصبح البقاء نفسه مهدداً.

ويؤكد التقرير أن أي اضطراب إضافي في تدفق المساعدات أو استمرار الارتفاع في أسعار السلع الأساسية والوقود سيضاعف من حجم هذه الأرقام، ويدفع مزيداً من السكان إلى حافة الانهيار المعيشي، خصوصاً في المناطق الأشد هشاشة، التي تعتمد بشكل شبه كامل على التدخلات الإنسانية المباشرة.

ضغط مزدوج

إلى جانب التداعيات المعيشية، عبّرت المنظمات الإنسانية عن خشيتها من أن يؤدي تصاعد التوترات الإقليمية إلى تقويض فرص السلام في اليمن، من خلال تحويل الانتباه السياسي والدبلوماسي بعيداً عن الملف اليمني، وإعادة ترتيب أولويات القوى الإقليمية والدولية الفاعلة.

وأكدت المنظمات أن استدامة الحوار بين الأطراف اليمنية تتطلب انخراطاً إقليمياً فاعلاً، فيما يؤدي المناخ المتقلب الحالي إلى زيادة حالة عدم اليقين، وتراجع الزخم السياسي اللازم لدفع مسار التسوية، بما يهدد بإطالة أمد الأزمة الإنسانية والاقتصادية.

في السياق نفسه، تواجه المنظمات الإنسانية قيوداً حوثية متزايدة على حركة موظفيها، حيث أظهرت نتائج دراسة استقصائية حديثة أن 91 في المائة من المنظمات غير الحكومية الدولية تعاني من تأخيرات أو اضطرابات شديدة في حركة كوادرها، سواء في الدخول إلى البلاد أو التنقل داخلها أو مغادرتها، وهو ما ينعكس مباشرةً على قدرة هذه المنظمات على إدارة عملياتها بكفاءة.

العاملون في المجال الإنساني في اليمن يواجهون قيوداً حوثية على الحركة (إعلام محلي)

ودعت المنظمات إلى تحرك عاجل لتسهيل حركة العاملين في المجال الإنساني بصورة آمنة، وتسريع إصدار التصاريح اللازمة لنقل الإمدادات الحيوية، وإعطاء الأولوية لخفض التصعيد في المنطقة، وضمان حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، مع دعم قنوات الشراء الوطنية والإقليمية لتخفيف الاعتماد على سلاسل الإمداد الدولية، وتعزيز القدرة المحلية على مواجهة الصدمات المستقبلية.

وشددت المنظمات في ختام تقريرها على أن عمليات إنقاذ الأرواح يجب أن تبقى بمنأى عن النزاعات الإقليمية والداخلية، محذرةً من أن أي إخفاق في حماية الاستجابة الإنسانية من مزيد من الاضطرابات ستكون تكلفته البشرية كارثية على اليمنيين الذين يواجهون بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.


الحوثيون ينفقون ببذخ على ذكرى «الصرخة الخمينية»

حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون ينفقون ببذخ على ذكرى «الصرخة الخمينية»

حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

تشهد المناطق اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، تصاعداً في وتيرة الإنفاق على الفعاليات ذات الطابع الآيديولوجي، وفي مقدمتها المناسبة المرتبطة بما يُعرف بذكرى «الصرخة الخمينية»، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية بصورة غير مسبوقة، ويجد ملايين اليمنيين أنفسهم عالقين بين الجوع، وانقطاع الرواتب، وتراجع الخدمات الأساسية، وتآكل ما تبقى من قدرتهم على الصمود في مواجهة واقع معيشي بالغ القسوة.

وفي مقابل الانكماش الاقتصادي الحاد، واستمرار التدهور في قيمة الدخول، والارتفاع المتواصل في معدلات الفقر والبطالة، تمضي الجماعة في تخصيص موارد مالية كبيرة لتمويل الفعاليات التعبوية، بما يشمل الحشد الإعلامي، وطباعة الشعارات، وتنظيم الأنشطة الجماهيرية، في مشهد يثير تساؤلات واسعة بشأن أولويات الإنفاق في مناطق تعاني من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ووفق مصادر مطلعة، فقد رصدت الجماعة الحوثية، عبر ما تُسمى اللجنة العليا للاحتفالات، ما يقارب مليون دولار لتمويل فعاليات ذكرى «الصرخة الخمينية»، ضمن مساعٍ متواصلة لترسيخ خطابها الآيديولوجي وتعزيز حضورها التعبوي داخل المجتمع، خصوصاً بين فئة الشباب، عبر سلسلة من الأنشطة المكثفة التي شملت المدارس والمعاهد والجامعات، إلى جانب مهرجانات جماهيرية ومحاضرات تعبوية أُقيمت في عدد من المدن والمناطق الواقعة تحت سيطرتها.

أطفال في محافظة حجة حشدتهم الجماعة الحوثية لإحدى فعالياتها (إكس)

وعلى امتداد الأيام الماضية، شهدت مناطق سيطرة الجماعة أكثر من 150 فعالية واحتفالية مرتبطة بهذه المناسبة، وهو ما فجّر موجة استياء واسعة بين السكان الذين يرون أن الأولوية يجب أن تُمنح لمعالجة الملفات المعيشية الملحة، وفي مقدمتها صرف الرواتب المتوقفة، وتحسين خدمات الكهرباء والمياه، والحد من التدهور الاقتصادي الذي يدفع مزيداً من الأسر نحو دائرة الفقر المدقع.

وتعكس شهادات السكان حجم الفجوة بين ما يُصرف على الأنشطة التعبوية وبين الاحتياجات الأساسية للمواطنين؛ فهناك موظفون حكوميون يؤكدون أنهم لم يتسلموا رواتبهم منذ سنوات، فيما تعتمد أسر كثيرة على الديون، أو على مساعدات متقطعة بالكاد تكفي لسد الرمق.

ولا يقتصر أثر الأزمة على جانب واحد من الحياة اليومية؛ إذ تمتد تداعياتها إلى التعليم والصحة وفرص العمل، مع اتساع رقعة العجز داخل الأسر عن تأمين الاحتياجات الأساسية، واضطرار كثير من الأطفال إلى ترك مقاعد الدراسة، في حين يواجه المعلمون والعاملون في القطاع العام ظروفاً معيشية خانقة نتيجة توقف المرتبات وغياب أي معالجات اقتصادية ملموسة.

أولويات طائفية

يرى مراقبون يمنيون أن استمرار توجيه الموارد نحو هذه الفعاليات الحوثية، يعكس طبيعة الأولويات التي تحكم سياسات الجماعة، حيث تتقدم الاعتبارات الآيديولوجية والسياسية على الملفات الخدمية والمعيشية الأكثر إلحاحاً بالنسبة للسكان.

وبحسب هذه القراءة، فإن الاستثمار في المناسبات التعبوية لا يُنظر إليه بوصفه حدثاً موسمياً فحسب؛ بل بوصفه جزءاً من استراتيجية أوسع تستهدف إعادة تشكيل الوعي العام وترسيخ خطاب الجماعة في المجال الاجتماعي والتعليمي والثقافي.

فعالية تعبوية أقامها الحوثيون في صعدة حيث معقلهم الرئيسي (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن هذا النمط من الإنفاق، في ظل الموارد المحدودة والاقتصاد المنهك، يسهم بصورة مباشرة في تعميق الاختلالات القائمة، ويزيد الضغوط على المجتمع الذي يواجه أصلاً مستويات غير مسبوقة من الفقر، في وقت تتراجع فيه فرص العمل، وتتآكل القدرة الشرائية بوتيرة متسارعة، وسط غياب أي مؤشرات على انفراج اقتصادي قريب.

كما يربط بعض المراقبين هذه المناسبة بسياقات رمزية تتجاوز البعد المحلي، باعتبارها جزءاً من منظومة شعارات وطقوس جرى إدخالها إلى خطاب الجماعة منذ سنوات، لتصبح لاحقاً ركناً ثابتاً في نشاطها العام، وأداة متكررة للحشد والتعبئة، بما يعكس استمرار توظيف البعد الآيديولوجي بوصفه أولوية تتقدم على متطلبات الحياة اليومية للمواطنين.

خطر المجاعة يقترب

في موازاة هذا المشهد، تتزايد التحذيرات الدولية من انزلاق اليمن نحو مستويات أشد خطورة من الأزمة الإنسانية؛ إذ حذرت «منظمة الأغذية والزراعة» التابعة للأمم المتحدة، من التدهور المستمر في الوضع الغذائي.

الحوثيون يحرمون الموظفين من الرواتب ويبددون الأموال لإحياء مناسبة طائفية (إكس)

وأكدت المنظمة أن اليمن بواجه خطراً حقيقياً بالانزلاق نحو المجاعة خلال الفترة المقبلة، في ظل استمرار القيود على إيصال المساعدات، وتراجع التمويل الإنساني، وتأثيرات التصعيد الإقليمي على الوضع الاقتصادي والإنساني.

ووفق أحدث التقديرات، يعاني نحو 18.3 مليون شخص في اليمن، من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي مع بداية عام 2026، وهو رقم يعكس حجم الكارثة المتفاقمة، ويضع البلاد ضمن أعلى المعدلات العالمية في مستويات الطوارئ المرتبطة بالجوع وسوء التغذية.


اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
TT

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)

في خطوة تستهدف تعزيز مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية، أعلنت الحكومة المعترف بها دولياً استحداث ميناء على ساحل بحر العرب وآخر على المحيط الهندي، مع التخطيط لإنشاء ميناء ثالث على خليج عدن، بالتزامن مع البدء في المرحلة الثانية لتوسعة مداخل ميناء عدن.

ويأتي هذا التوجه وسط تفاؤل حكومي بإمكانية أن تلعب موانئ البلاد الممتدة على سواحل البحر العربي وخليج عدن، دوراً حيوياً في مستقبل التجارة الدولية وخدمة دول الجوار العربي، استناداً إلى المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، وهو ما يدفع وزارة النقل إلى تسريع العمل في تطوير ميناء عدن واستحداث موانئ جديدة في حضرموت وشبوة وسقطرى.

وأكد وزير النقل محسن العمري، خلال وضع حجر الأساس للمرحلة الثانية من مشروع توسعة مداخل ميناء عدن، أن هذه الخطوة تمثل محطة مهمة في إطار تطوير البنية التحتية للميناء وتعزيز قدرته التشغيلية، مشيراً إلى أن المشروع واجه تعثراً خلال الفترة الماضية، قبل أن يُرفع إلى رئيس الوزراء شائع الزنداني، الذي وجّه بسرعة تنفيذه نظراً لأهميته الاستراتيجية في دعم النشاط الملاحي والتجاري.

وضع اللمسات الأخيرة لاستحداث ميناءين في حضرموت وسقطرى (إعلام حكومي)

ووصف الوزير المشروع بأنه أحد أبرز الإنجازات ضمن حزمة من المشاريع التطويرية الجاري تنفيذها في قطاع النقل والموانئ، التي تشمل مشاريع موانئ في محافظة حضرموت وأرخبيل سقطرى، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى المتوقفة التي يجري العمل على إعادة تنشيطها خلال المرحلة الراهنة، ضمن رؤية أوسع لإعادة تأهيل قطاع النقل البحري ورفع جاهزيته لاستيعاب متطلبات المرحلة المقبلة.

وأعرب العمري عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في استعادة ميناء عدن لمكانته الطبيعية والتاريخية بصورة تدريجية، من خلال تعزيز كفاءته التشغيلية ورفع مستوى الخدمات المقدمة للسفن والخطوط الملاحية، وزيادة قدرته على استيعاب الحركة التجارية المتنامية، بما يعزز دوره الحيوي بوصفه ميناء محورياً في المنطقة ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية ورفد الاقتصاد الوطني.

تعزيز القدرة التشغيلية

من جانبه، أكد رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن محمد أمزربه، أن مشروع تطوير مداخل الميناء يُعدّ من المشاريع الاستراتيجية المهمة في مجال البنية التحتية، لافتاً إلى أنه سيمثل نقلة نوعية في تطوير العمل ورفع كفاءة التشغيل بالميناء، من خلال تحسين انسيابية الحركة وتعزيز قدرات المناولة والشحن والتفريغ.

وأوضح أن المشروع سيسهم في تسهيل حركة دخول وخروج الشاحنات، بما يعزز كفاءة عمليات المناولة ويقلل من مدة بقاء السفن في الميناء، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على خفض تكاليف الشحن وتحسين مستوى الخدمات الملاحية، بما يجعل ميناء عدن أكثر قدرة على المنافسة واستقطاب الخطوط الملاحية العالمية.

رهان يمني على دور فاعل لميناء سقطرى على المحيط الهندي (إعلام محلي)

ووفق ما ذكره أمزربه، فإن المشروع يتضمن تنفيذ أعمال تطوير بطول يقارب كيلومتراً ونصف الكيلومتر في ميناء المعلا، و3 كيلومترات ونصف الكيلومتر في ميناء كالتكس، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى تم تنفيذها خلال السنوات الماضية، فيما جرى تدشين المرحلة الثانية بعد استكمال الإجراءات والمناقصات العامة، ضمن خطة متدرجة تستهدف تحديث البنية التحتية للميناء وفق احتياجاته التشغيلية المتنامية.

وأكد أن أعمال التطوير والتحديث في هذه الموانئ تحظى بدعم حكومي مستمر، حيث يجري العمل على تنفيذ عدد من المشاريع الحيوية الأخرى، من بينها الورشة الفنية الخاصة برصيف السياح، إلى جانب مشاريع سيتم طرحها وتنفيذها وفق مراحل زمنية محددة، بما يسهم في تعزيز مكانة ميناء عدن واستعادة دوره الاقتصادي والتجاري.

خريطة موانئ جديدة

قال وزير النقل اليمني إن رؤية الوزارة لا تتوقف عند حدود ميناء عدن؛ بل تمتد لتشمل خريطة متكاملة لتطوير الموانئ اليمنية، من «بروم» في حضرموت إلى «قرمة» في سقطرى، وصولاً إلى إعادة تنشيط جميع المشاريع المتوقفة، انطلاقاً من قناعة رسمية بأن الموانئ تمثل قاطرة التنمية، وأن بناء بنية تحتية بحرية حديثة بات ضرورة لمواكبة التحولات المتسارعة في حركة الملاحة الدولية.

وفي هذا السياق، ناقش وزير النقل الخطوات والإجراءات اللازمة لاستئناف العمل بمشروعي إنشاء مينائي «قرمة» بمحافظة سقطرى و«بروم» بمحافظة حضرموت، لما يمثله المشروعان من أهمية استراتيجية في تنشيط حركة النقل البحري والتجاري، ودورهما المتوقع في توسيع قدرة اليمن على استقبال الحركة الملاحية وتوزيعها على أكثر من منفذ بحري حيوي.

كما استعرض مع نائب وزير الصناعة والتجارة سالم سلمان، مستوى الإنجاز في الدراسات والإجراءات الفنية والإدارية المرتبطة بالمشروعين، إضافة إلى التحديات التي واجهت سير التنفيذ خلال الفترة الماضية، موجهاً بوضع آلية عملية لتسريع استكمال الإجراءات الفنية والإدارية، والعمل على تحديث التكاليف التقديرية تمهيداً لاستكمال إجراءات طرح المناقصات وفقاً للمعايير والشروط المعتمدة.

ميناء المكلا مرتكز حكومي لحركة التجارة في موانئ بحر العرب (إعلام محلي)

وفي موازاة ذلك، ناقش وزير النقل مع مجلس إدارة مؤسسة موانئ البحر العربي خريطة طريق تركز على تحويل الدراسات الفنية والاقتصادية إلى واقع ملموس، خصوصاً فيما يتعلق بمشاريع ميناء «بروم» الاستراتيجي في حضرموت، وميناء «قنا» في شبوة، وميناء «قرمة» في أرخبيل سقطرى، بالإضافة إلى مشروع توسعة ميناء المكلا الذي يُنظر إليه بوصفه ركيزة أساسية في النشاط الملاحي على سواحل بحر العرب.

وأكد الوزير أن الهدف لا يقتصر على التطوير الإنشائي؛ بل يمتد إلى تقديم أقصى التسهيلات والامتيازات للخطوط الملاحية والمستوردين، بما يضمن انسيابية الحركة التجارية وزيادة الإيرادات التي تخدم الاقتصاد الوطني، مشدداً على أن الوزارة، وبدعم من الشركاء، ماضية في تحويل موانئ البحر العربي إلى مراكز لوجستية عالمية تعزز من مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية.