ترمب ومحمد بن سلمان يشيدان بالعلاقات الثنائية «العظيمة»

بحثا مكافحة الإرهاب وتجفيف مصادر تمويله ومصير الاتفاق النووي مع إيران

ترمب لدى استقباله الأمير محمد بن سلمان في المكتب البيضاوي أمس (إ.ب.أ)
ترمب لدى استقباله الأمير محمد بن سلمان في المكتب البيضاوي أمس (إ.ب.أ)
TT

ترمب ومحمد بن سلمان يشيدان بالعلاقات الثنائية «العظيمة»

ترمب لدى استقباله الأمير محمد بن سلمان في المكتب البيضاوي أمس (إ.ب.أ)
ترمب لدى استقباله الأمير محمد بن سلمان في المكتب البيضاوي أمس (إ.ب.أ)

استهل الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، أمس، زيارة رسمية إلى الولايات المتحدة بلقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض.
وحظي ولي العهد السعودي باستقبال حافل من الرئيس الأميركي، حيث أشاد ترمب بـ«الصداقة العظيمة» بين واشنطن والرياض، كما نوّه الجانبان بالعلاقات الاقتصادية القوية التي تجمع بلديهما، وسعيهما المشترك لاجتثاث الإرهاب وتجفيف تمويله.
ورحب ترمب، ظهر أمس، بولي العهد والوفد المرافق له في الجناح الغربي للبيت الأبيض، وأشاد بالصداقة الطويلة التي تجمع المملكة العربية السعودية بالولايات المتحدة، وبصداقته الشخصية مع الأمير محمد بن سلمان التي وصفها بالعظيمة. وقال الرئيس الأميركي إن العلاقة بين البلدين كانت متوترة خلال ولاية الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، لكنها اليوم «ربما تكون أفضل من أي وقت مضى».
وقال ترمب، خلال استقباله للأمير محمد بن سلمان، أمام كاميرات الصحافيين إنه «شرف كبير أن أستقبل ولي العهد السعودي»، مضيفا: «لدينا صداقة عظيمة، علاقة عظيمة. يجب أن أقول إن العلاقات كانت (...) متوترة للغاية خلال إدارة أوباما. والعلاقة الآن ربما هي أفضل من أي وقت مضى، وأعتقد أنها ستتحسن». وتابع: «هناك استثمارات هائلة في بلادنا. وهذا يعني وظائف لعمالنا، وظائف لشعبنا».
واستعرض ترمب الاستثمارات السعودية في الصناعات الدفاعية الأميركية، لافتا إلى دور الرياض في مكافحة الإرهاب وأمن الشرق الأوسط. وقال إن السعودية تدفع جزءا كبيرا من فاتورة الدفاع عن الشرق الأوسط بأكمله، موضحا: «نعلم ما يحدث في الشرق الأوسط، والصورة ليست جميلة». كما أشاد الرئيس الأميركي بالجهود المبذولة لمكافحة الإرهاب، مذكّرا بأن التحالف الدولي لمحاربة «داعش» نجح في استعادة نحو مائة في المائة من الأراضي التي كان يسيطر عليها التنظيم الإرهابي. وقال ترمب: «لقد تحدثنا عن الشرق الأوسط، وكل ما حصل سابقاً على وشك النهاية الآن. سنخرج من بعض الدول التي أردنا الخروج منها منذ فترة طويلة، حيث بإمكان هذه الدول تولي زمام أمورها الآن».
وقال ترمب مخاطبا الأمير محمد بن سلمان إن «أحد الأشياء التي ركزتم عليها بشكل كبير هو التهديد الإرهابي وتمويل الإرهاب»، وتابع: «ليس لدينا أي تسامح مع تمويل الإرهابيين، ونعمل بجهد كبير. وسأقول إن السعودية عملت جاهدة على ذلك (مكافحة تمويل الإرهاب)، كما هي بعض الدول في الشرق الأوسط».
وعاد ترمب ليشيد بزيارته في شهر مايو (أيار) من العام الماضي في القمة العربية - الإسلامية - الأميركية بالرياض التي وصفها بـ«أروع الاجتماعات التي شهدتها»، وقال: «كانا يومين رائعين»، ولافتا إلى أن زعماء 56 دولة شاركوا في القمة، وبحثوا سبل مكافحة الإرهاب وتمويله.
بدوره، أشاد الأمير محمد بن سلمان بالعلاقة بين السعودية والولايات المتحدة، وقال متحدّثا باللغة الإنجليزية إن العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة قديمة، متابعا: «نحن أقدم حلفاء للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وتمتد الشراكة (بين البلدين) لأكثر من 80 عاما، وتشمل اهتمامات اقتصادية وسياسية وأمنية، وغيرها»، واصفا أساس العلاقة الثنائية بالعميق.
وتحدث ولي العهد السعودي بدوره عن العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وأوضح أنها وفرت نحو 4 ملايين وظيفة في أميركا وأخرى في السعودية، إن كان بشكل مباشر أو غير مباشر. وقال إن هناك كثيرا من الأشياء يمكن تحقيقها في المستقبل. وأضاف ولي العهد السعودي مخاطبا ترمب: «كما تعلمون، سعينا منذ تسلمكم الرئاسة إلى بحث فرص (استثمارية) تقدر بمائتي مليار دولار خلال السنوات الأربع المقبلة، لكننا وصلنا إلى فرص تقدر بـ400 مليار دولار». واعتبر ولي العهد أن «هذه إشارة على أننا نستطيع مواجهة كثير من الأشياء في المستقبل القريب، وفرص كثيرة»، وتابع: «نحن هنا لضمان أننا نتعامل مع جميع الفرص، ونواجه التهديدات لبلدينا والعالم».
من جانبه، تحدث ترمب عن الاستثمارات السعودية في الشركات والمنتجات الأميركية، التي قال إنها تقدّر بـ400 مليار دولار. وقال: «أنا سعيد أننا نتحدث عن 400 مليار دولار من الاستثمارات، التي استثمرت منها 200 مليار دولار في شركاتنا». وتابع: «نحن نصنع أفضل المنتجات العسكرية في العالم، سواء كانت صواريخ أو طائرات أو غيرها. ولا يمكن لأحد أن يكون ندا لنا».
وتطرق ترمب كذلك إلى التهديد الإيراني والاتفاق النووي مع طهران. وقال في رده على سؤال صحافي حول مصير الاتفاق الذي أبرمته إدارة أوباما مع طهران، إن موعد التصديق على الاتفاق الإيراني سيكون بعد نحو شهر، «وسنرى ما سيحدث». وأضاف: «إيران لم تعامل هذه المنطقة، أو نفسها، بشكل مناسب. هناك أشياء كثيرة سيئة تحصل في إيران». وعند توجيه السؤال نفسه لولي العهد السعودي، قال: «سنتحدث عن ذلك اليوم».
وأقام ترمب ونائبه مايك بنس مأدبة غداء على شرف الأمير محمد بن سلمان والوفد المرافق له، فيما يتوقع أن يقيم جاريد كوشنر مستشار وصهر الرئيس حفل عشاء لولي العهد السعودي.
وشارك في اللقاء من الجانب الأميركي بنس، ووزير الطاقة ريك بيري، ومستشار الأمن القومي هيربيرت ماكماستر، ومدير وكالة الاستخبارات الأميركية، الذي رشحه ترمب مؤخرا لتسلم حقيبة الخارجية مايك بومبيو، وكوشنر.
وضمت قائمة الطعام، وفق صور تداولها رواد مواقع التوصل الاجتماعي «حساء الجزر وبرعم البرتقال، وشطيرة جبنة الفتا بالكراث، سمك الهلبوت متبل بالسماق، مع زبدة بالنعناع، وزهرة القرنبيط»، أما الحلويات، فتمثلت في «كعكة تين وآيس كريم السمسم».
وقال الأمير محمد بن سلمان، خلال مباحثاته مع ترمب خلال غداء العمل، إن هدف المملكة هو إيجاد أسواق نفط مستقرة ودعم الاستثمارات النفطية، بغض النظر عن كون الأسعار منخفضة أو مرتفعة. ونوّه ولي العهد السعودي إلى أن مخزون المملكة النفطي يكفي لـ84 عاماً، وقال: لكن إن اختفى بعض الموردين، فعلينا رفع إنتاجنا، وذلك يتطلب استثمارات من اليوم، والاستثمار يحتاج إلى أسعار نفط جيدة لكي نلبي احتياجات السوق، وإلا فسنشهد ارتفاعا كبيرا وقفزة في الأسعار خلال 4 سنوات، وهذا ليس جيدا بالنسبة لنا ولا للمستهلك.
من جهته، عبر ترمب عن «شوقه» لخادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز، وقال: «أنا مشتاق للملك سلمان بن عبدالعزيز، وهو رجل خاص وأعلم انه سيأتي قريباً، ولكننا مشتاقون له».

لقاءات مثمرة في الكونغرس
وبعد اللقاء مع ترمب، التقى الأمير محمد بن سلمان عدداً من قيادات الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وناقش اللقاء عدداً من القضايا المشتركة، أهمها التدخلات الإيرانية في المنطقة وتأثير الدعم الإيراني للميليشيات الحوثية وتسليط الضوء على الدور القيادي للسعودية في معالجة الوضع الإنساني في اليمن، من خلال خطة العمليات الإنسانية الشاملة.
وكان من ضمن القيادات التي التقاها ولي العهد رئيس مجلس النواب زعيم الأغلبية الجمهورية في المجلس بول ريان، وزعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل، وكذلك أعضاء لجنتي العلاقات الخارجية في مجلسي الشيوخ والنواب، ورئيس لجنة مجلس الشيوخ المعنية بالأمن الداخلي والشؤون الحكومية، ورئيس لجنة مجلس النواب المعنية بالأمن الداخلي.
وناقش الطرفان قضايا سياسية دولية والتعاون الأمني والاقتصادي بين البلدين، إضافة إلى مجابهة التهديدات الإرهابية والمد الإيراني في اليمن وسوريا، والإصلاحات الداخلية التي تمر بها السعودية كمحاربة الفساد وتمكين المرأة والانفتاح الثقافي والتحول الاقتصادي.
ووفقاً لعدد من البيانات الصحافية الرسمية الصادرة من الجانبين السعودي والأميركي، فإن لقاء الأمير محمد بن سلمان بالقيادات التشريعية الأميركية مثل فرصة لتعرف أعضاء من المجلسين على شخص ولي العهد وفكره. كما أبدى أعضاء الكونغرس اهتماماً واضحاً بآراء ولي العهد، ورغبة في توثيق أواصر العلاقة التاريخية بين البلدين.
وعرض الأمير محمد بن سلمان للشراكة التاريخية بين البلدين وخطط المملكة للتحول الاقتصادي من خلال {رؤية 2030}، بما في ذلك الإصلاحات الأخيرة في المجتمع السعودي، والاتفاقيات الاستثمارية والتجارية القائمة بالفعل والتي ستخلق الآلاف من فرص العمل في كلا البلدين.
وشدد ولي العهد على التزام السعودية بالدور القيادي في مكافحة الإرهاب والتطرف، بالتعاون الوثيق مع الولايات المتحدة. كما ناقش الوضع في اليمن وكيف يمكن للبلدين العمل معاً من أجل التوصل إلى حل سياسي في مواجهة التهديد الذي تشكله إيران وميليشيات الحوثي المدعومة منها، ولا سيما تهديد الصواريخ الباليستية الإيرانية، والتهديدات للشحن البحري الاستراتيجي التي تسبب زعزعة استقرار منطقة الخليج، وتسليط الضوء على جهود المملكة في معالجة وتخفيف الوضع الإنساني في اليمن.
وكان الأمير محمد بن سلمان ولي العهد وصل في وقت لاحق أول من أمس إلى الولايات المتحدة الأميركية في زيارة رسمية، بناءً على توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، واستقبله بالعاصمة الأميركية واشنطن الأمير خالد بن سلمان سفير السعودية لدى الولايات المتحدة، ورئيس مراسم وزارة الخارجية الأميركية السفير سين لاولير.
كما كان في استقباله، الأمير فيصل بن فرحان المستشار بوزارة الخارجية، والأمير محمد بن فيصل بن سعود، والأمير مصعب بن محمد بن فهد، والأمير عبد الله بن ناصر بن فهد، والأمير تركي بن ناصر بن سعود، والأمير سلمان بن عبد الله بن سلمان، والأمير هذلول بن سلطان بن سعود، والأمير خالد بن مشعل بن ماجد، والأميرة لولوة بنت بدر بن محمد، والأمير فهد بن بدر بن محمد، والوزراء وسفراء الدول العربية والإسلامية ودول التحالف في الولايات المتحدة الأميركية.
ويضم الوفد الرسمي لولي العهد كلاً من الأمير خالد بن سلمان السفير بواشنطن، والدكتور مساعد العيبان وزير الدولة عضو مجلس الوزراء، والدكتور ماجد القصبي وزير التجارة والاستثمار، ومحمد آل الشيخ وزير الدولة عضو مجلس الوزراء، وعادل الجبير وزير الخارجية، والمهندس خالد الفالح وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية، ومحمد الجدعان وزير المالية، والدكتور عواد العواد وزير الثقافة والإعلام، وخالد الحميدان رئيس الاستخبارات العامة.
ويضم الوفد المرافق كلاً من: أحمد الخطيب المستشار بالأمانة العامة لمجلس الوزراء، وفهد العيسى المستشار في الديوان الملكي المشرف العام على مكتب وزير الدفاع، وياسر الرميان المستشار بالأمانة العامة لمجلس الوزراء، والفريق أول ركن فياض الرويلي رئيس هيئة الأركان العامة، وثامر نصيف رئيس الشؤون الخاصة لولي العهد.



السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

TT

السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)
لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

رحَّبت السعودية، الخميس، بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن وقف إطلاق النار في لبنان، مُعرِبة عن تثمينها للدور الإيجابي الكبير الذي قام به نظيره اللبناني جوزيف عون، ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، ورئيس البرلمان نبيه بري.

وجدَّد بيان لوزارة الخارجية التأكيد على وقوف السعودية إلى جانب لبنان في بسط السيادة وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، والخطوات الإصلاحية التي اتخذتها، ومساعيها للحفاظ على مقدرات لبنان وسلامة ووحدة أراضيه.


الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».


سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
TT

سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)

بحث العاهل العماني السلطان هيثم بن طارق مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

ووصل أمير قطر إلى مسقط في زيارة لسلطنة عُمان، حيث أجرى مع السلطان هيثم بن طارق في قصر البركة يوم الخميس، مباحثات تبادلا خلالها وجهات النظر بشأن المستجدّات الراهنة، ولا سيما ما يتعلق بتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها، وانعكاساتها على إمدادات الطاقة وحركة الملاحة الدولية.

بحث السلطان هيثم والشيخ تميم تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية (العمانية)

وقال الديوان الأميري القطري إن الجانبين أكدا أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لتسوية النزاعات، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

كما شددا على أهمية التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، بالإضافة إلى العلاقات الراسخة بين البلدين، وسُبل تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات.

عقب ذلك، عقد سلطان عُمان وأمير قطر لقاء ثنائياً تبادلا فيه وجهات النظر حول تعزيز التعاون بين البلدين، وعدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.