توقيف ساركوزي احترازياً لاستجوابه في ملف التمويل الليبي

المكتب المركزي لمكافحة الفساد قد يحقق معه لـ48 ساعة

ساركوزي يستقبل القدافي في قصر الإليزيه في 12 ديسمبر 2007 (إ.ب.أ)  -  شرطي مسلح خارج مقر المكتب المركزي لمكافحة الفساد والمخالفات المالية والضريبية في نانتير أمس (أ.ف.ب)
ساركوزي يستقبل القدافي في قصر الإليزيه في 12 ديسمبر 2007 (إ.ب.أ) - شرطي مسلح خارج مقر المكتب المركزي لمكافحة الفساد والمخالفات المالية والضريبية في نانتير أمس (أ.ف.ب)
TT

توقيف ساركوزي احترازياً لاستجوابه في ملف التمويل الليبي

ساركوزي يستقبل القدافي في قصر الإليزيه في 12 ديسمبر 2007 (إ.ب.أ)  -  شرطي مسلح خارج مقر المكتب المركزي لمكافحة الفساد والمخالفات المالية والضريبية في نانتير أمس (أ.ف.ب)
ساركوزي يستقبل القدافي في قصر الإليزيه في 12 ديسمبر 2007 (إ.ب.أ) - شرطي مسلح خارج مقر المكتب المركزي لمكافحة الفساد والمخالفات المالية والضريبية في نانتير أمس (أ.ف.ب)

لأول مرة في تاريخ الجمهورية الفرنسية الخامسة يتم توقيف رئيس سابق للجمهورية احترازياً من أجل إجراء تحقيق معمق معه بتهمة بالغة الخطورة، تتناول حصوله على تمويل خارجي بلغ عشرات الملايين لحملة رئاسية قادته إلى قصر الإليزيه. هذه باختصار شديد قصة الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، الذي شغل منصب رئاسة الجمهورية لـ5 سنوات بين عام 2007 و2012. ولكي يكتمل المشهد وتزداد إثارته، يتعين أن نشير إلى أن الطرف المفترض الممول ليس سوى الرئيس الليبي السابق العقيد معمر القذافي، الذي كان ساركوزي رأس الحربة في الحملة السياسية والعسكرية التي انتهت بإطاحة نظامه ومقتله خريف عام 2011.
وقبل ذلك بسنوات قليلة، كان القذافي، الذي أخضعت بلاده لعقوبات اقتصادية بسبب تورطه في عمليات إرهابية، منها تفجير طائرة فرنسية فوق صحراء النيجر، قد تحول إلى صديق «حميم» لساركوزي، الذي فرش السجاد الأحمر تحت قدميه في قصر الإليزيه، وسلمه مفاتيح قصر الضيافة المسمى «قصر ماتينيون»، حيث نصب العقيد خيمته البدوية الشهيرة، ليستقبل كبار السياسيين ورجال الدولة الفرنسيين ورؤساء الشركات الحالمين بدولارات البترول والعقود الليبية.
ثم لا بد من ذكر الوسطاء: تجار سلاح، وحاملو حقائب مملوءة بملايين اليوروات من فئة الـ500 أو الـ200 يورو، ورجال مخابرات من الطرفين، والدائرة الضيقة المحيطة بساركوزي منذ أن كان وزيراً للداخلية في حكومة جاك شيراك في ولايته الثانية من جهة، ومخابرات القذافي من جهة أخرى، مع موسى كوسى رئيسها، ومدير مكتبه صالح بشير الذي هرب من باريس بخفة بعد أن سعى القضاء الفرنسي لاستجوابه. ولا ننسى رئيس الحكومة وزير النفط الليبي شكري غانم، الذي «غرق» في نهر الدانوب في فيينا، ولم تتكلف الأجهزة النمساوية عناء البحث الجدي عن أسباب وفاته التي لا تبدو بأي شكل طبيعية.
كل هذه الأمور، التي أمل كثيرون في أن يكون الزمن قد محاها، عادت إلى الواجهة بشكل عنيف مع استدعاء ساركوزي إلى «المكتب المركزي لمكافحة الفساد والتجاوزات المالية والضريبية»، الكائن في مدينة نانتير، الواقعة غرب العاصمة.
وكان في مقدور الشرطة المتخصصة أن تستجوبه من غير فرض حالة التوقيف الاحترازي عليه، علماً بأنها المرة الأولى التي يستجوب فيها بخصوص هذا الملف، وأن كثيراً من الفضائح تلاحقه، وأنه سبق له أن مثل أمام القضاء، ووجهت إليه اتهامات رسمية.
ويتساءل كثيرون عن الأسباب التي دفعت الشرطة، التي تعمل بناء على تحقيق قضائي فتح في عام 2013، إلى فرض التوقيف الاحترازي على الرئيس الأسبق. والمعروف أن هذا يتيح لها أن تستنطقه لمدة 48 ساعة متواصلة. وبعدها، إما أن يخلى سبيله ليستدعى لاحقاً، أو أن يمثل أمام قاضي التحقيق الذي لديه سلطة توجيه اتهامات رسمية له، مع إرساله إلى السجن أو تركه حراً بانتظار محاكمته. أما الاحتمال الآخر، فهو أن يترك من غير اتهامات رسمية، ما لا يعني أبداً أن الملف قد أقفل.
ومنذ صباح أمس الباكر، احتل خبر توقيف ساركوزي صدارة الأخبار، وعبأت القنوات الإخبارية والوسائل الإعلامية كل إمكانياتها لمتابعة التحقيق لحظة بلحظة. وكما في كل مرة، انقسمت الطبقة السياسية ولكن مع تهيب، وكثر أعداد المحللين والخبراء، وسردت وقائع رئاسة ساركوزي، وما لحق باسمه من تجاوزات وظنون واتهامات، مع تشريح لـ«وقائع» هذه المسألة منذ أن بدأت تتسرب بعض تفاصيلها.
وتشاء الصدفة أن يتزامن توقيف ساركوزي في قضية التمويل الليبي لحملته الانتخابية لعام 2007 مع إعلان سيف الإسلام القذافي، قبل يومين، عن عزمه الترشح للرئاسة في ليبيا. والحال أن سيف الإسلام كان، في 16 مارس (آذار) 2011، أول من تحدث عن تمويل بلاده لساركوزي، الذي لعب دور «المحرك» للتدخل العسكري الدولي في ليبيا حماية لمدينة بنغازي من دبابات العقيد.
ومن المفيد الإشارة إلى أن طائرات «الرافال» الفرنسية كانت قد أقلعت من قواعدها قبل أن ينتهي اجتماع وزاري في قصر الإليزيه، بحضور وزراء خارجية «الحلفاء»، للقيام بأولى الضربات. وبالطبع، كان النفي المطلق سيد الرد الرئاسي. ومن بين كل الوسائل الإعلامية الفرنسية، برزت «ميديا بارت»، المجلة الإلكترونية التي تمارس الصحافة الاستقصائية، للدور الذي لعبته في إثارة «الفضيحة»، إذ نشرت، في مارس 2012، أول «وثيقة» تحمل توقيع موسى، وتعود لعام 2006، وهي ملخص اجتماع قرر خلاله تمويل حملة ساركوزي الرئاسية.
وجاء «غرق» شكري غانم ليزيد من الشكوك، خصوصاً أن القضاء الفرنسي حصل على «الملاحظات» التي درج على تدوينها، وفيها إشارات إلى ساركوزي. وجاءت الضربة ربما القاتلة من رجل الأعمال اللبناني - الفرنسي زياد تقي الدين، المعروف بعلاقاته الليبية، حيث تم إيقافه خلال عودته من رحلة بطائرة خاصة من طرابلس وبحوزته حقيبة تحتوي على 1.5 مليون يورو. ولما شعر الأخير أن «أصدقاءه» السياسيين قد تخلوا عنه، عمد إلى كشف المستور، وأعلن في أكثر من مناسبة أنه نقل على 3 دفعات مبلغ 5 ملايين يورو، سلمها بين نهاية 2006 وبداية 2007 إلى كلود غيان مدير مكتب ساركوزي خلال وجوده على رأس وزارة الداخلية، ولساركوزي نفسه في الشقة الخاصة به في مقر الوزارة.
وفي 2015، وبعد أن حامت كثير من الشبهات حول دوره في هذه العملية، وجه القضاء اتهامات رسمية لغيان الذي لعب دوراً رئيسياً خلال رئاسة ساركوزي، منها تهمة الفساد واستغلال النفوذ، وتبييض الأموال، والتهرب الضريبي. ولم «يبلع» المحققون تفسيرات غيان لشرائه شقة في باريس دفع ثمنها نقداً، متحججاً بلوحتين باعهما بسعر مرتفع. كذلك لم يقتنع المحققون بالأسباب التي دفعت غيان لاستئجار خزينة كبرى محصنة في بنك «بي إن بي»، قريباً من دار الأوبرا لـ«يحتفظ فيها بخطب ساركوزي».
وتمثل آخر الفصول بالقبض على ألكسندر الجوهري، وهو رجل أعمال ووسيط قريب من ساركوزي في العاصمة البريطانية، يوم 18 يناير (كانون الثاني) الماضي. وطلبت فرنسا من القضاء البريطاني استرداده لأنها تظن أنه لعب دوراً، عبر عمليات مالية معقدة، في توفير كثير من الملايين لساركوزي. ولاكتمال الصورة، تجدر الإشارة إلى أن المحققين الماليين وفروا للقضاء صورة عن التحويلات المالية المعقدة التي مرت بمصارف في بيروت لترسو على حسابات مشبوهة.
هكذا، انغلقت الكماشة على ساركوزي، الذي نفى نفياً مطلقاً ومنذ البداية وجود تمويل ليبي لحملته. وبحسب القوانين الفرنسية، يتعين على الادعاء (أي الدولة) توفير الأدلة التي تثبت الجرم، وما دام أنه لم تتم المحاكمة ويثبت الجرم، فإن المدعى عليه يعد بريئاً. وكان من الطبيعي أن ينبري محامي ساركوزي وأصدقاؤه ليدافعوا عنه، وليتساءلوا عن «الأسباب» التي جعلت القضاء ينبش ملفاً عمره 11 عاماً، ولينددوا ببطئه. وذهب رئيس حزب «الجمهوريين»، لوران فوكييه، الذي خلف ساركوزي في هذا المنصب، ليندد بعدالة «تزن بميزانين وتكيل بمكيالين».
والواضح أن المحققين ما كانوا ليتصرفوا بهذه الطريقة لو لم تتوافر لهم العناصر التي تمكنهم من التعاطي مع رئيس جمهورية سابق بهذه الطريقة. وفي أي حال، فإن ساركوزي الذي «نجا» من كثير من التجارب والمحن القضائية، يمكن أيضاً أن ينجو هذه المرة من مخلب القضاء. كذلك يمكن أن تطول الأمور شهوراً وسنوات، ما بين توجيه الاتهامات والمحاكمة واستئناف الحكم. كما أن العهود السياسية يمكن أن تتغير أيضاً.
وفي أي حال، لم يكن أحد يتوقع أن يعود ساركوزي مجدداً إلى الحلبة السياسية، بعد أن هزم في معركة الرئاسة عام 2012 على يدي فرنسوا هولاند، وفي معركة 2016 على يدي فرنسوا فيون، الذي حرمه من الحصول على تزكية حزب «الجمهوريون»، ليخوض المعركة الرئاسية للمرة الثالثة.



تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
TT

تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)

قال رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ، اليوم الثلاثاء، إن بلاده لا تستطيع منع القوات الأميركية من شحن بعض الأسلحة خارجها، لكن ذلك لن يؤثر على قدرة الردع في مواجهة كوريا الشمالية، وذلك بعد تقارير عن تجهيز هذه الأسلحة لإعادة نشرها في الشرق الأوسط.

وأضاف: «يبدو أن هناك جدلاً في الآونة الأخيرة بخصوص شحن القوات الأميركية المتمركزة في كوريا بعض الأسلحة خارجها»، مشيراً إلى أنه على الرغم من أن سيول قد عبّرت عن معارضتها، فإنها ليست في وضع يسمح لها بتقديم مطالب، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وذكر وزير الخارجية الكوري الجنوبي تشو هيون، يوم الجمعة، إن الجيشين الأميركي والكوري الجنوبي يناقشان إمكان إعادة نشر بعض منظومات الدفاع الصاروخي «باتريوت» الأميركية المتمركزة في كوريا الجنوبية لاستخدامها في الحرب على إيران.

بدوره، قال وزير الدفاع التايواني ويلينغتون كو، الثلاثاء، إن الولايات المتحدة لم تتواصل مع تايبه بشأن نقل أسلحة إلى الشرق الأوسط.

وقال كو، في حديثه لصحافيين في البرلمان، إن إعادة نشر أي من الأسلحة الأميركية الصنع لدى تايوان لن تحدث إلا إذا طلبت الولايات المتحدة ذلك. وأضاف أنه في حالة حدوث ذلك، ستكون الولايات المتحدة مسؤولة عن نقلها.

وقال كو: «لكن حتى الآن، لم يتصلوا بنا بشأن استخدام أي من عتادنا ذي الصلة في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران».

والولايات المتحدة هي المورد الرئيسي للأسلحة لتايوان، التي تمتلك صواريخ «باتريوت» في ترسانتها.

وتواجه تايوان، التي تحكمها حكومة ديمقراطية، ضغوطاً عسكرية متزايدة من الصين، التي تعتبر الجزيرة جزءا من أراضيها. وترفض حكومة تايوان مطالبات بكين بالسيادة.

وأفادت تقارير إعلامية نقلاً عن مصادر في الحكومة الكورية الجنوبية أن أنظمة باتريوت يجري تجهيزها لإعادة نشرها في الشرق الأوسط، حيث وصلت طائرات نقل عسكرية أميركية ثقيلة إلى أوسان لنقلها.


إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)

فُقد ثلاثة بحّارة إندونيسيين بعد غرق سفينة قاطرة، الجمعة، في مضيق هرمز، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الإندونيسية.

وأفادت الوزارة في بيان أن «ناجياً إندونيسياً يعالَج حالياً من حروق بمدينة خصب في عُمان. وما زالت السلطات المحلية تبحث عن الإندونيسيين الثلاثة الآخرين»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشهدت السفينة قبل أن تغرق انفجاراً تسبّب في اندلاع حريق، وفق بيان الوزارة التي أشارت إلى فتح تحقيق.

 

 

وأثارت الحرب اضطرابات في الأسواق العالمية وارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات مع إغلاق مضيق هرمز فعلياً.


في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...