بوتين يتحدى الغرب بقدرات عسكرية «لا مثيل لها»

هدد برد «فوري وشامل» إذا تعرضت روسيا أو حلفاؤها لهجوم

بوتين قدم أبرز ستة إنجازات عسكرية قال إنها شكلت نقلة نوعية في قدرات روسيا العسكرية (إ.ب.أ)
بوتين قدم أبرز ستة إنجازات عسكرية قال إنها شكلت نقلة نوعية في قدرات روسيا العسكرية (إ.ب.أ)
TT

بوتين يتحدى الغرب بقدرات عسكرية «لا مثيل لها»

بوتين قدم أبرز ستة إنجازات عسكرية قال إنها شكلت نقلة نوعية في قدرات روسيا العسكرية (إ.ب.أ)
بوتين قدم أبرز ستة إنجازات عسكرية قال إنها شكلت نقلة نوعية في قدرات روسيا العسكرية (إ.ب.أ)

لوَّح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بقبضة صاروخية - نووية متحدياً الغرب، ووصفه بأنه «فشل في ردع روسيا». وقال إن بلاده غدت الأولى عالمياً في قدراتها الدفاعية، بعدما أنتجت طرازات من الأسلحة المتفوقة، مشدداً على أن موسكو «لن تبادر بالهجوم على طرف، لكنها لن تتردد في توجيه ضربة شاملة وفورية إذا تعرضت لاعتداء».
وألقى بوتين، أمس، خطاباً نارياً غير مسبوق أمام الهيئة الاشتراعية في البلاد. وعلى الرغم من أن العادة جرت على أن يتضمن الخطاب السنوي أبرز توجهات السياسية الداخلية والداخلية، ويحدد المهام المطروحة أمام البلاد خلال عام مقبل، لكن التغيير الذي حملته رسالة بوتين هذا العام اتخَذ بعداً جديداً لجهة الشكل ومضمون الحديث.
وخلافاً للمرات السابقة ألقى بوتين خطابه ليس في الكرملين بل في قاعة مؤتمرات ضخمة مجهزة بتقنيات عرض ومؤثرات بصرية وسمعية حديثة، ما عكس رغبة لدى الكرملين في ألا يكون الخطاب موجهاً إلى أعضاء البرلمان وهيئات السلطة المختلفة وحسب، بل وإلى المواطنين الروس والعالم، خصوصا أنه يأتي قبل 17 يوماً فقط على استحقاق الانتخابات الرئاسية المقرَّرة في 18 مارس (آذار).
ما جعله يتحول إلى عنصر أساسي في الحملة الانتخابية الرئاسية، رغم اعتراض أوساط في روسيا رأت أن الكرملين تجاوز بذلك قوانين الدعاية الانتخابية، عبر استخدام منصب الرئاسة للترويج الانتخابي. واستغرق خطاب بوتين نحو ساعتين كان نصفه الأول مكرساً للأوضاع الداخلية، وتحدث بوتين خلاله عن إنجازات كبرى حققتها روسيا تحت قيادته، وأجرى مقارنات بين الوضع الحالي وأحوال روسيا، عندما وصل إلى السلطة للمرة الأولى في عام 2000. ومزج بين الإنجازات السابقة مع خطط كبرى للتطوير على كل المستويات خلال السنوات الست المقبلة.
وقال إن روسيا نجحت في تجاوز كارثة ديموغرافية من خلال تحسين الوضع الصحي في البلاد، وتراجع معدلات الوفيات، وتعهَّد بأن يصل متوسط العمر إلى أكثر من 80 عاماً، مع نهاية عشرينات القرن. وأشار إلى خطط لزيادة الرفاهية، وقال إن روسيا نجحت في ضمان موقعها ضمن أكبر خمسة اقتصادات عالمياً، مشيراً إلى خطط لزيادة الناتج الداخلي الإجمالي لكل فرد 1.5 مرة في منتصف العقد المقبل.
وتحدث عن مضاعفة النفقات على الرعاية الصحية في الفترة حتى عام 2024، لتصل إلى 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. ولفت إلى خطط للارتقاء نحو مستوى جديد نوعيّاً في مجال الأبحاث العلمية، وجعل البنية التحتية للأبحاث من بين الأقوى والأكثر فاعلية في العالم، مشيراً إلى أهمية تحقيق نمو إنتاجية العمل بوتائر لا تقل عن 5 في المائة في السنة لتصل روسيا إلى مستوى الاقتصادات الرائدة في العالم.
وتطرق إلى الخطط الاقتصادية المستقبلية لافتاً إلى توجه لجذب نحو 1.5 تريليون روبل (26.8 مليار دولار) من الاستثمارات الخاصة لتحديث قطاع الطاقة الكهربائية خلال السنوات الست المقبلة. كما تعهد بمضاعفة حجم الصادرات الروسية من غير الخامات خلال السنوات الست لتصل قيمتها الإجمالية إلى 250 مليار دولار.
وحملت رسائل بوتين الداخلية تشديداً على بدء الانتقال إلى مرحلة جديدة على الصعيد الاقتصادي - المعيشي وقال إن روسيا ستحارب الفساد والفقر متعهدا بتراجع معدلات الفقر في البلاد إلى نصف معدلاتها الحالية مع حلول عام 2026، وهو موعد انتهاء ولايته الرئاسية الجديدة.
وبدا أن الرئيس الذي يبدو واثقاً من فوزه في الانتخابات المقبلة أراد توجيه رسالة داخلية تقوم على أن سياسات «شد الأحزمة» قد انتهت، وأن الروس يقفون على أبواب عصر نهضة جديدة في المجالات المختلفة.
وكان لافتاً الربط بين ذلك والنصف الثاني من الخطاب الذي كان مكرساً لعرض إمكانات روسيا العسكرية في مواجهة التحديات الخارجية، إذ لمح بوتين إلى أن روسيا لم تكن تهمل الأحوال الصعبة اقتصاديّاً ومعيشياً، لكنها كانت منشغلة «بتحقيق إنجازات كبرى لمواجهة التحديات التي فرضها الغرب علينا».
واستهل الرئيس الروسي حديثه عن الإنجازات العسكرية بعرض لمحاولات موسكو على مدى سنوات إقناع الغرب بضرورة أخذ مصالحها بعين الاعتبار، والتعاون معها في مجالات الدفاع الاستراتيجي والأمن الدولي وقال إن «صوتنا لم يكن مسموعاً، والآن سوف يسمعوننا».
ولفت إلى أن استمرار الغرب في تطوير قدرات عسكرية هدفت إلى تطويق روسيا، دفعها إلى الانشغال بتطوير رد متكافئ يحمي مصالحها، خصوصاً بعد انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الدفاع الصاروخي في 2010، والبدء في نشر أنظمة الدفاع الصاروخي داخل الولايات المتحدة، وفي أوروبا، وفي المياه بالقرب من السواحل الروسية، بالإضافة إلى خططها لنشر صواريخ في اليابان وكوريا الجنوبية.
وقال إن روسيا كادت تصل إلى وضع تغدو معه قدراتها النووية «لا قيمة لها» في ظل نشر وتطوير القدرات الغربية حولها، مضيفاً أن روسيا «عملت في كل تلك السنوات على مواجهة هذا الوضع وصنعت أسلحة جديدة من طرازات مختلفة لا مثيل لها في الغرب، تتميز بأنها قليلة التكلفة وذات إمكانات تقنية فائقة».
وتحدث عن جيل جديد من الصواريخ بقدرات غير مسبوقة باتت روسيا تملكها، بعدما عملت وزارة الدفاع بالتعاون مع هيئة الفضاء الروسية على تطويرها لسنوات.
وفي عرض تميز للمرة الأولى خلال خطابات بوتين باستخدام مؤثرات «غرافيك»، ولقطات فيديو رافقته على شاشة خلفية عملاقة، لتوضيح بعض تفاصيله، قدم بوتين أبرز ست إنجازات عسكرية قال إنها شكَّلت نقلة نوعية في قدرات روسيا العسكرية، مشيراً إلى أن بلاده بدأت باختبار جيل جديد من الصواريخ، الثقيلة العابرة للقارات تحمل اسم «سارامات»، وقامت بتصميم كتلة طاقة نووية فائقة القوة لتزويد الصواريخ المجنحة بها، ما يجعلها قادرة على تجاوز كل أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، سواء الموجودة حالياً لدى الغرب أو التي يمكن تتطور لاحقاً.
وقال إن الصاروخ الجديد الذي يزيد مداه على 11 ألف كيلومتر «لا تمكن مواجهته بأي تقنيات». وتحدث عن تصميم أسلحة استراتيجية لا تتبع مساراً باليستيّاً، ما يجعلها قادرة على اختراق جميع أنظمة الدفاع الصاروخي، مشيراً إلى صاروخ مجنح نووي روسي جديد متعدد الرؤوس وصفه بأنه فوق مستوى اختراق الصوت بأكثر من عشر مرات، ما يمنح روسيا تفوقاً جدياً لا مثيل له في الغرب.
وأشار بوتين إلى تطوير غواصات مسيرة سريعة، قادرة على الغوص إلى أعماق كبيرة ولمسافات قارية، وبسرعة تزيد بأضعاف عن سرعة جميع الغواصات أو الطوربيدات البحرية أو السفن التي توصل إليها العالم حتى اليوم.
ولفت بوتين إلى أن الصاروخ المجنح والغواصة المسيرة لم يحصلا على اسميهما بعد، وعرض على المواطنين الروس الاتصال بوزارة الدفاع لطرح اقتراحات بهذا الخصوص.
كما أكد بوتين امتلاك روسيا منظومة «كينجال» (الخنجر) الصاروخية وصفها بأنها سلاح خارق للصوت يمثل قوة ضاربة شديدة التدمير، بسرعته التي تجعله في مأمن من الدفاعات الصاروخية والجوية المعاصرة.
وأضاف أن السرعة التي تتجاوز حاجز الصوت عشرين مرة تجعل السلاح الجديد متفوقاً بقوة على التقنيات المتوافرة حالياً لدى الغرب.
وذكر بوتين أن المجمَّع الصناعي الحربي الروسي فتح خط إنتاج لنوع آخر من الأسلحة الاستراتيجية، وهو صاروخ ذاتي وحر التحليق أطلق عليه اسم «أفانغارد».
وأشار بوتين إلى أن الجيش الروسي بدأ يتسلح منذ العام الماضي بأحدث أنواع أسلحة الليزر. ووجه بوتين بعد عرض الأسلحة الحديثة رسائل واضحة إلى الغرب بأن عليه أن يجلس مع روسيا إلى طاولة حوار لبحث ملفات الأمن الاستراتيجي.
وشدَّد على أن روسيا لا تهدد أحداً بأسلحتها، وإنما صنعتها لتحمي بها مصالحها، وستواصل تطوير قدراتها الدفاعية التي اعتبرها «ضماناً للسلام في العالم»، مضيفاً أن الغرب عمل طويلاً لردع قدرات روسيا و«أقول لكم الآن إنكم فشلتم في ردعنا»، مضيفاً أن «كل المحاولات بما في ذلك فرض العقوبات غير الشرعية ومحاولات تطويقنا وإضعافنا لم تشكل عائقاً أمام تطوير قدراتنا».
وزاد أن روسيا تطوِّر ترسانتها النووية من أجل حثّ الشركاء الغربيين على التفاوض والإصغاء إلى التحذيرات الروسية بشأن عدم جواز الإخلال بميزان القوى الاستراتيجي في العالم. كما أشار إلى روسيا باتت تمتلك قدرات إنذار مبكر لا مثيل لها، منتشرة على كل الحدود الروسية، وأوضح أن الاتحاد السوفياتي السابق كانت لديه ثغرة مهمة في مجال الإنذار المبكر و«نحن حالياً تمكنّا من تطوير قدراتنا وتجاوزنا كل الثغرات»، مشيراً إلى أن مستوى التطوير الذي نجحت روسيا في تحقيقه خلال السنوات الماضية رغم كل الظروف التي واجهتها «تحتاج بلدان أخرى إلى قرون لإنجازه».
ولفت بوتين إلى بلاده اضطرت للعمل بشكل جاد على تطوير قدراتها النووية، وباتت قادرة الآن على مواجهة أي عدوان. وحذر الغرب من أن «أي استخدام للسلاح النووي مهما كانت طبيعته أو حجمه كبيراً أو متوسطاً أو صغيراً سوف يواجه برد فوري وشامل».
وزاد أنه «لا يجب أن تكون لديكم أي شكوك في ذلك سنواجه أي اعتداء علينا أو على حلفائنا برد فوري».
وشدد على أنه «هذه المعطيات التي أقدمها اليوم ليست مزاعم بل هي حقائق، وستقوم وزارتا الدفاع والخارجية بإبلاغ الشركاء الغربيين ببعض تفاصيلها تماشياً مع التزاماتنا الدولية».



حصار حوثي لمنزل الشيخ الأحمر في صنعاء

عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)
عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)
TT

حصار حوثي لمنزل الشيخ الأحمر في صنعاء

عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)
عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)

تفرض الجماعة الحوثية منذ أيام حصاراً أمنياً على منزل الزعيم القبلي حمير الأحمر، أحد أبرز مشايخ قبيلة حاشد اليمنية، في حي الحصبة شمال العاصمة المختطفة صنعاء، في خطوة أثارت حالة من الاستنكار داخل الأوساط القبلية والسياسية.

وأفادت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، بأن القيادي الحوثي يوسف المداني وجّه، قبل أيام، بفرض طوق أمني مُشدد حول منزل الأحمر، مع نشر مسلحين مُلثمين على متن مدرعات وعربات عسكرية في محيط الشوارع المؤدية إليه، وإقامة نقاط تفتيش لتقييد حركة الدخول والخروج.

وحسب المصادر، فقد شملت إجراءات الجماعة التدقيق في هويات الزائرين، ومنهم مشايخ من قبيلة حاشد وقبائل أخرى، ومنع بعضهم من الوصول إلى المنزل، فيما أرغمت زواراً آخرين على توقيع تعهدات بعدم مُعاودة زيارة الأحمر؛ في تصعيد لافت ضد شيوخ القبائل في مناطق قبضتها.

الشيخ حمير الأحمر أحد أبرز مشايخ قبيلة حاشد اليمنية (فيسبوك)

وأوضح سكان مجاورون لمنزل الأحمر شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، أن الحي شهد تعزيزات أمنية غير مُعتادة، الأمر الذي انعكس على الحركة اليومية وأثار مُخاوف كبيرة من تطور الموقف إلى اندلاع مواجهات قبلية، خصوصاً في ظل الاحتقان الشعبي المُتصاعد.

كما يخشى السكان من أن يؤدي ذلك التحرك الذي يصفونه بـ«الاستفزازي» إلى مزيد من الاحتقان القبلي، خصوصاً إذا طال أمد الحصار أو توسعت دائرة الاستهداف لتشمل شخصيات أخرى.

رسائل إخضاع

يُعد الشيخ حمير الأحمر من أبرز الوجاهات الاجتماعية في قبيلة حاشد، إحدى كبرى القبائل اليمنية وأكثرها تأثيراً في المشهد السياسي. ويرى مراقبون أن استهداف شخصية قبلية بهذا الوزن قد يُنظر إليه على أنه رسالة سياسية تتجاوز الإطار الأمني المباشر.

وعبّر وجهاء قبليون من عمران وصنعاء وريفها لـ«الشرق الأوسط»، عن استيائهم الكبير من الإجراءات الحوثية المُتبعة، معتبرين أن التضييق المُستمر على الرموز القبلية يُشكل تجاوزاً للأعراف الاجتماعية المُتعارف عليها، ويُهدد بإثارة حساسيات واسعة في محيط القبائل الشمالية.

وأشاروا إلى أن استمرار مثل هذه الإجراءات يُعد «استفزازاً مباشراً» للأعراف القبلية المتجذرة في المجتمع اليمني، التي تجرّم محاصرة المنازل بمختلف أنواع الأسلحة أو انتهاك حرمتها.

الحوثيون يفرضون قبضة أمنية على السكان خشية أي انتفاضة ضدهم (إ.ب.أ)

كانت مصادر محلية قد أفادت بأن مسلحي الجماعة اختطفوا الشيخ القبلي جبران مجاهد أبو شوارب، أحد مشايخ حاشد في إحدى نقاط التفتيش شمال صنعاء خلال عودته من زيارة منزل الأحمر، واقتادوه إلى جهة غير معلومة دون معرفة الأسباب.

تواصُل الزيارات

على وقع الإجراءات الحوثية المُشددة، تتواصل في صنعاء زيارات عدد من شيوخ القبائل ووجهائها إلى منزل الشيخ حمير الأحمر، غير آبهين بالقيود التي تفرضها الجماعة في محيط المنزل منذ أيام.

ووفق مصادر قبلية، فإن شخصيات اجتماعية بارزة حرصت على الوصول إلى منزل الشيخ الأحمر، تعبيراً عن التضامن ورفض ما وصفوه بـ«انتهاك الأعراف القبلية» في ظل استمرار انتشار المسلحين وإقامة نقاط تفتيش حول المنطقة.

وأكدت المصادر أن الزيارات تتم وسط أجواء من التوتر، إلا أنها تعكس تمسك القبائل بموقفها الداعم والمؤيد للشيخ الأحمر.

وأشار مراقبون إلى أن هذه التحركات القبلية تحمل رسائل واضحة برفض سياسة التضييق ومحاصرة المنازل، معتبرين أن الأعراف القبلية في اليمن تضع حرمة خاصة للبيوت وتحظر استهدافها بأي شكل من الأشكال.

لقطة من كاميرا مراقبة تُظهر عرضاً عسكرياً حوثياً سابقاً أمام منزل الشيخ الأحمر (فيسبوك)

تأتي هذه التطورات في سياق علاقة مُتوترة بين الحوثيين وعدد من شيوخ ووجهاء القبائل، منذ اجتياحهم صنعاء ومدن أخرى، حيث سعت الجماعة إلى إعادة تشكيل موازين النفوذ القبلي وإخضاع القيادات التقليدية لسلطتها.

كانت الجماعة الحوثية، وفي سياق أعمال الاستفزاز المُتكررة، قد نظمت في أغسطس (آب) من العام الفائت، عرضاً عسكرياً أمام البوابة الرئيسية لمنزل الراحل الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر في صنعاء مع ترديد «الصرخة الخمينية».

Your Premium trial has ended


تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام»، الذي ترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بحضور عربي إسرائيلي وغياب للسلطة الفلسطينية، فتح الباب لأفكار عديدة، اختصرتها واشنطن في أموال إعمار قطاع غزة، ونزع سلاح حركة «حماس»، بينما كانت المطالب العربية مرتبطة بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع كاملاً ونشر قوات الاستقرار الدولية وتمكين لجنة التكنوقراط من عملها دون عراقيل من تل أبيب.

تلك المخرجات لهذا الاجتماع الذي حضره ممثلون من أكثر من 40 دولة، ومراقبون من 12 دولة أخرى، يراه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، قد لا تنجح في اختبار التنفيذ، لأن هناك عراقيل عديدة أبرزها عدم الانسحاب الإسرائيلي، وعدم الوصول إلى تفاهمات واضحة بشأن نزع سلاح «حماس»، وهو ما سيعقد التنفيذ بصورة كبيرة وقد تقود الاتفاق لتعثر أو تجميد.

مخاوف

وأكد الرئيس الإندونيسي، برابوو سوبيانتو، ضرورة توخي الحذر من جهود يمكن أن تقوض عملية السلام في غزة، حسب ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية»، عن وكالة «أنتارا نيوز» الإندونيسية، الجمعة.

ويحمل التحذير الإندونيسي مخاوف من التنفيذ غداة مشاركته في تدشين ترمب «مجلس السلام»، الذي شهد تركيزاً على إعادة إعمار قطاع غزة الذي مزّقته الحرب الإسرائيلية، وتشكيل قوة استقرار دولية فيه.

وأعلن ترمب أن بلاده ستتبرع بمبلغ 10 مليارات دولار للمجلس، مشيراً إلى أن السعودية وكازاخستان وأذربيجان والإمارات والمغرب والبحرين وقطر وأوزبكستان والكويت ساهمت بأكثر من 7 مليارات دولار للحزمة الإغاثية لغزة.

وشدّد ترمب على نزع سلاح «حماس»، بقوله إن الحركة ستسلم أسلحتها كما وعدت، محذراً من «ردّ قاسٍ» إذا لم تفعل. وقال: «العالم الآن ينتظر (حماس) وهي العقبة الوحيدة التي تقف في طريقنا حالياً».

ولم يختلف معه وزير خارجية إسرائيل، جدعون ساعر، في كلمته، باجتماع مجلس السلام، معلناً دعمه خطة نزع سلاح «حماس» وغيرها من الفصائل، وسبقه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتأكيد قبل الاجتماع أنه «لن يكون هناك إعادة إعمار قبل نزع سلاح غزة».

فيما أعلن الجنرال جاسبر جيفرز، قائد قوة الاستقرار الدولية التي تم تشكيلها حديثاً، في كلمته بالاجتماع، أن إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا تعهدت جميعاً بإرسال قوات للمشاركة في الجهود. بالإضافة إلى ذلك، وافقت مصر والأردن، البلدان المحاذيان لقطاع غزة، على تدريب قوات الشرطة والأمن.

بينما أكدت مصر في كلمتها التي ألقاها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أهمية الحفاظ على الارتباط بين الضفة الغربية وغزة، لتمكين السلطة الفلسطينية من استئناف مسؤولياتها في القطاع، داعياً لتمكين الفلسطينيين من مباشرة أمورهم، وتمكين «لجنة التكنوقراط»، من مباشرة أعمالها من داخل القطاع وبكل مناطقه.

وتعهد رئيس مجلس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في كلمته، بتقديم الدوحة مليار دولار لدعم مهمة المجلس للتوصل إلى حل نهائي، مؤكداً أن مجلس السلام تحت قيادة ترمب «سيدفع للتنفيذ الكامل لخطة الـ20 بنداً دون تأخير».

الملاكمة الفلسطينية الهاوية النازحة فرح أبو القمسان أمام أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)

ويرى المحلل في الشؤون الإسرائيلية في مركز الأهرام للدراسات، الدكتور سعيد عكاشة، أن ما تم طرحه في «مجلس السلام» لا يحمل خططاً واضحة، وسيقود لارتباك في تنفيذ الاتفاق وربما تعثر وجمود، مشيراً إلى أن ترمب سارع في تحقيق إنجاز بتدشين المجلس دون التركيز على إنهاء العقبات والوصول إلى تفاهمات لها أولاً.

ويتفق معه المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، مشيراً إلى أن «تعهدات المجلس قد تتعثر في اختبار التنفيذ لأنه مُصَر على المضي في نقاط اقتصادية مثل جلب أموال للإعمار دون إعلان خطة واضحة أو نقاط أمنية مثل نزع سلاح (حماس) دون الحديث عن انسحاب إسرائيل أو مستقبل الحركة».

وتابع: «هذا البعد عن الالتزامات السياسية للمجلس يعد إشكالية وسيصطدم بتعقيدات أمنية تؤخر تنفيذ البنود الشائكة مثل نشر قوات الاستقرار أو انسحاب إسرائيل أو تمكين (لجنة التكنوقراط)».

أولوية «حماس»

بالمقابل، واصلت «حماس» عدم الصدام مع تصريحات ترمب التي يصدرها بشأن نزع سلاحها الأيام الأخيرة، معلنة في بيان الخميس، أن أي ترتيبات في قطاع غزة يجب أن تبدأ بـ«وقف كامل للعدوان الإسرائيلي».

وتعقيباً على الاجتماع، أكدت «حماس»، في بيان، مساء الخميس، أن «أي مسار سياسي أو ترتيبات تُناقش بشأن قطاع غزة ومستقبل شعبنا الفلسطيني يجب أن تنطلق من وقف كامل للعدوان ورفع الحصار وضمان الحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا، وفي مقدمتها حقه في الحرية وتقرير المصير».

فيما قال الوسيط الأميركي بشارة بحبح في تصريحات صحافية الخميس، إن نزع سلاح «حماس» مرهون بتقديم ضمانات وحماية عناصرها.

ويستبعد عكاشة أن يتوقف العدوان في غزة، كما تريد «حماس»، طالما لم يتم نزع السلاح، حسب ما تكشف عنه التصريحات الأميركية والإسرائيلية، مشيراً إلى أن «هذا المسار التي ترسمه الحركة يقول إنها تريد البقاء وهو ما لن يسمح باستكمال بنود الاتفاق وقد نفاجأ بعودة للحرب، في ظل عدم حسم واشنطن صلاحيات وموعد نشر قوات الاستقرار».

ويعتقد نزال أنه «لا يمكن التفاوض مع (حماس) على انتهاء وجودها وتقبل، لا بد أن يتم بحث مستقبلها، وإنهاء معادلة المقايضات والتوجه لتفاهمات حقيقية وجادة».


الحوثيون يعطّلون مشاريع خدمية في 5 محافظات يمنية

قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
TT

الحوثيون يعطّلون مشاريع خدمية في 5 محافظات يمنية

قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)

شهدت خمس محافظات يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية تعطيل عدد من المشاريع الخدمية الحيوية، في تطور وصفته مصادر حقوقية بأنه سعي من الجماعة الانقلابية لمفاقمة المعاناة الإنسانية والضغوط المعيشية على ملايين السكان.

وشملت عمليات الإيقاف والتعطيل مشاريع مياه وطرق رئيسية كانت تمثل شريان حياة لآلاف الأسر اليمنية، خصوصاً في المناطق الريفية التي تعاني أصلاً من ضعف الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات الفقر.

وتشير إفادات محلية إلى أن مشاريع عدة وصلت إلى مراحل متقدمة من التنفيذ بجهود مجتمعية وتمويلات محلية أو خيرية، قبل أن تتوقف بصورة مفاجئة نتيجة تدخلات مباشرة أو غير مباشرة من قبل مشرفين تابعين للجماعة الحوثية، الأمر الذي تسبب في حرمان آلاف المواطنين من خدمات حيوية، وفي مقدمتها مياه الشرب ووسائل التنقل الآمنة.

ويرى مراقبون أن تعطيل هذه المشاريع يأتي في توقيت تواجه فيه البلاد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل تدهور الاقتصاد وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل أي توقف في الخدمات الأساسية عاملاً مضاعفاً لمعاناة السكان.

نساء وأطفال في محافظة حجة يتدافعون للحصول على مياه للشرب تبرع بها فاعلو خير (فيسبوك)

في هذا السياق، تحولت أزمة المياه في محافظة عمران (50 كيلومتراً شمال صنعاء) إلى محور احتجاجات شعبية متواصلة في قرية ضحيان التابعة لمديرية خارف، حيث خرج السكان في مظاهرات غاضبة تنديداً بتعطيل مشروع مياه عمومي يخدم نحو ثلاثة آلاف نسمة. ورفع المحتجون لافتات تطالب بإعادة تشغيل المشروع ومحاسبة المتسببين في تعطيله، مؤكدين أن انقطاع المياه حوّل حياتهم اليومية إلى معاناة مستمرة.

وبحسب شهادات محلية، فإن المشروع توقف منذ أشهر طويلة نتيجة صراع بين مشرفين حوثيين على الإيرادات المالية الخاصة به، بعد اتهامات متبادلة بنهب العائدات وتحويلها لمصالح شخصية. وأدى ذلك الخلاف إلى توقف كامل للخدمة، تاركاً السكان دون مصدر منتظم لمياه الشرب.

ويؤكد أحد أبناء المنطقة (تحدث باسم مستعار) أن تجاهل مطالب الأهالي يعكس حجم الإهمال الذي تعانيه المناطق الريفية، محذراً من تداعيات صحية خطيرة مع استمرار انقطاع المياه، خصوصاً في ظل غياب البدائل وارتفاع أسعار نقل المياه من مناطق بعيدة.

وتشير مصادر حقوقية إلى أن أزمة المياه في عمران نموذج متكرر لواقع الخدمات في مناطق عدة، حيث تتحول المشاريع العامة إلى أدوات نفوذ وصراع، بدلاً من كونها وسائل لتحسين حياة السكان.

ابتزاز وتعطيل في إب

في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) أفادت مصادر محلية بتوقف مشروع مياه يخدم عشرات القرى في مديرية العدين غرب المحافظة، بعد ضغوط وعمليات ابتزاز تعرض لها القائمون على المشروع من قبل نافذين حوثيين. ويخدم المشروع سكان نحو خمسين قرية في عزلة «بني هات»، وكان يوفر المياه بأسعار منخفضة تتناسب مع الظروف الاقتصادية المتدهورة للأهالي.

وأوضحت المصادر أن القائمين على المشروع رفضوا دفع إتاوات مالية مفروضة عليهم، الأمر الذي أدى إلى إيقاف المشروع منذ مطلع الشهر الحالي. ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه السكان أصلاً من نقص مزمن في الخدمات الحكومية، ما جعل المشروع يمثل شرياناً أساسياً للحياة اليومية.

الحوثيون يستهدفون بالطيران المسيّر معدات لشق طريق للسكان جنوب تعز (إكس)

ويقول سكان محليون إن توقف المشروع أجبر كثيراً من الأسر على شراء المياه بأسعار مرتفعة، ما استنزف دخولهم المحدودة، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف النقل والوقود. كما حذر ناشطون من أن استمرار تعطيل المشاريع المجتمعية قد يدفع المبادرات المحلية إلى التراجع خوفاً من الضغوط أو الخسائر.

ويرى مراقبون أن فرض الإتاوات على المشاريع الخدمية يهدد بوقف المبادرات التنموية القائمة على الجهود المجتمعية، والتي أصبحت تمثل بديلاً شبه وحيد لتعويض غياب المؤسسات الحكومية الفاعلة.

استهداف الطرق

في محافظة تعز (جنوب غربي) توقفت أعمال شق طريق حيوي في مديرية سامع جنوب المدينة عقب استهداف معدة هندسية بطائرة مسيّرة، ما أدى إلى توقف كامل للمشروع الذي كان من المنتظر أن يسهم في ربط عدد من القرى المعزولة وتسهيل حركة السكان والبضائع.

وأثار الحادث موجة استياء واسعة بين الأهالي، الذين رأوا أن استهداف المشاريع الخدمية يمثل تهديداً مباشراً لحياتهم اليومية، مطالبين بتوفير حماية للمبادرات التنموية وضمان عدم تعرضها لأي أعمال عسكرية أو استهداف مباشر.

أما في محافظتَي ريمة وحجة (جنوب غربي وشمال غربي)، فقد اتهم مواطنون وناشطون الجماعة الحوثية بعرقلة مشاريع مياه وصيانة طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في تفاقم عزلة القرى الجبلية وارتفاع تكاليف التنقل والحصول على المياه. ويعاني أكثر من 120 ألف نسمة في حجة من شح حاد في مياه الشرب، في حين يواجه سكان ريمة صعوبات يومية بسبب تهالك الطرق ووعورة التضاريس.

جانب من احتجاجات سابقة أمام مبنى محافظة عمران الخاضعة للحوثيين (إكس)

وأجبر تدهور الطرق كثيراً من المرضى على قطع مسافات طويلة للوصول إلى المرافق الصحية، كما عاق وصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق نائية، ما فاقم الوضع الإنساني والصحي للسكان.

ويؤكد محللون أن تعطيل مشاريع المياه والطرق لا يقتصر أثره على الخدمات المباشرة فحسب، بل يمتد ليؤثر على قطاعات الصحة والتعليم والتجارة، ويعمق حالة الاعتماد على المساعدات الإنسانية.

وفي ظل هذه التطورات، دعا ناشطون ووجهاء محليون إلى تحييد المشاريع الخدمية عن الصراعات السياسية والعسكرية، والسماح باستكمالها باعتبارها ضرورة إنسانية مُلحّة.