الرابحون والخاسرون من اتفاق تصدير الغاز الإسرائيلي لمصر

القاهرة تتحدث عن «إحراز هدف»... وخبراء يشيرون إلى «لطمة» للدوحة

الرابحون والخاسرون من اتفاق تصدير الغاز الإسرائيلي لمصر
TT

الرابحون والخاسرون من اتفاق تصدير الغاز الإسرائيلي لمصر

الرابحون والخاسرون من اتفاق تصدير الغاز الإسرائيلي لمصر

على مدى الأسبوع الماضي، في مصر، انشغلت مراكز بحثية ومؤسسات اقتصادية بنبأ توقيع شركة مصرية خاصة اتفاقية استيراد الغاز من إسرائيل. وهو نبأ أثار موجة من التساؤلات حول جدوى هذه الاتفاقية، في ظل بدء الإنتاج الفعلي من حقل «ظُهر» الذي يعدّ الأكبر في البحر المتوسط، وأفرز جدلاً ومناقشات انتهت إلى وجود «رابحين وخاسرين من هذه الاتفاقية». ولقد جاء الإعلان عن هذه الصفقة، من جانب مجموعة ديليك للحفر الإسرائيلية، وأشارت إلى أن الشركاء في حقلي الغاز الطبيعي الإسرائيليين «تمار» و«لوثيان» وقعوا اتفاقيات مدتها عشر سنوات لتصدير ما قيمته 15 مليار دولار من الغاز إلى شركة دولفينوس المصرية.
في البدء، امتنعت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية عن التعليق على تفاصيل الاتفاقية، من منطلق أنها «تخص شركات القطاع الخاص بشأن استيراد أو بيع الغاز الطبيعي». إلا أنها عادت في اليوم الثاني لتقول: إن «استراتيجية تحويل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة يشمل استقبال الغاز من دول عدة في شرق البحر المتوسط، ومنها إسرائيل وقبرص».
يرى خبراء مصريون في قطاع الطاقة، تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، أن مصر تستهدف من وراء «صفقة استيراد الغاز الإسرائيلي»، إعادة تشغيل محطتين لتسييل الغاز، وتسوية قضايا التحكيم الدولي، وتحويل البلاد إلى مركز إقليمي للطاقة. وفي المقابل، قال وزير الطاقة القبرصي جورجيوس لاكوتريبيس، إن «بلاده على وشك بيع الغاز الطبيعي لمحطات الغاز المسال في مصر».
مصر وقبرص وقّعتا اتفاقية مبدئية، أول من أمس، (الخميس)، لمد خط أنابيب يمتد بين البلدين. وتحدث طارق الملا وزير البترول والثروة المعدنية المصري، عقب التوقيع عن «الميزة التنافسية في ضوء وجود تسهيلات التخزين والمنتجات البترولية والبتروكيماوية، وخيارات نقلها شرق وغرب الخليج والبحر المتوسط؛ ما يجذب استثمارات أخرى ولاعبين من دول مجاورة في كل مجالات الصناعة البترولية». ويُذكر أن هذا التقارب المصري القبرصي يأتي وسط اعتراض تركي كبير، ورفض للاتفاقية الثنائية المُوقّعة بين مصر وقبرص اليونانية عام 2013، لترسيم الحدود البحرية.
وحول هذا الموضوع استبقت وكالة «بلومبيرغ» الأميركية توقيع الاتفاق على مد خط الأنابيب، فذكرت منتصف الأسبوع الماضي، أن إبرام اتفاق بيع الغاز القبرصي خطوة «تعزّز موقع مصر بصفتها مركزاً إقليمياً للطاقة»، وزادت: «قبرص ستزود مصر من إنتاج حقل (أفروديتي) الذي اكتشفته شركة نوبل إنيرجي، ويحتوى على نحو 4.5 تريليون قدم مكعبة من الغاز».
وراهناً، تجري دراسة خيارات عدة لنقل الغاز إلى مصر، من بينها استخدام «خط أنابيب غاز شرق المتوسط». وفي بيان لمجموعة ديليك الإسرائيلية، إنها وشريكتها نوبل إنيرجي (مقرها تكساس بالولايات المتحدة)، تنويان البدء في مفاوضات مع شركة غاز شرق المتوسط لاستخدام خط الأنابيب.
وتشمل الخيارات الأخرى لتصدير كمية الغاز البالغة 64 مليار متر مكعب، استخدام خط الأنابيب الأردني - الإسرائيلي الجاري بناؤه في إطار اتفاق لتزويد شركة الكهرباء الوطنية الأردنية بالغاز من حقل «لوثيان».

«البيزنس» والسياسة
المدافعون عن «الصفقة الجديدة» يرون أنها ستحقق لمصر قيمة اقتصادية مضافة، بجانب تشغيل ما تمتلكه البلاد من بنية أساسية جاهزة، تتمثل في خط الغاز الممتد مع إسرائيل. ويشيرون إلى أنه ما كان لهذه الاتفاقية أن تُعقد لولا قانون تحرير الغاز الذي أقره مجلس النواب ويسمح لغير الشركات الحكومية باستيراد الغاز. ويُذكر أنه في 7 أغسطس (آب) الماضي، أقر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قانون تنظيم أنشطة الغاز في البلاد، بعدما صادق عليه مجلس النواب في 5 يوليو (تموز) الماضي. وللعلم، يقدّر خبراء في قطاع البترول احتياطيات الغاز الطبيعي لدول شرق المتوسط – تحديداً، مصر وفلسطين وإسرائيل ولبنان وسوريا وتركيا وقبرص واليونان – بأكثر من 370 تريليون قدم مكعبة من الغاز؛ ما يعد ثاني أكبر احتياطيات عالمياً.
في هذا الشأن، ذهب خبير الطاقة محمد السيد بدوي، إلى ضرورة «فصل البيزنس عن السياسة أولاً»، مضيفاً: «مصر كانت قبل ست سنوات تقريباً تصدّر الغاز إلى إسرائيل من خلال شركة غاز شرق المتوسط، التي كان يمتلكها رجال الأعمال المصري حسين سالم، قبل أن يتوقف لأسباب مالية وقانونية». وتابع الخبير المصري - وهو رئيس لجنة الطاقة والبيئة بجمعية مستثمري القاهرة الجديدة - لـ«الشرق الأوسط»، شارحاً أن «العائد على مصر من وراء هذه الصفقة سيكون كبيراً، ويتمثل مبدئياً في إعادة مصانع تسييل الغاز المُعطلة إلى العمل مرة ثانية... وأن الفائدة الاقتصادية ستشمل المصريين والأجانب المستثمرين في مصانع التسييل، كما ستعُم الفائدة على المستثمرين في الجانب الآخر أيضاً... هذه حسبة تجارية، وإسرائيل تقول إنها ستربح كثيراً من هذه الصفقة».

مكاسب مصر وجيرانها
جدير بالذكر، أن مصر تمتلك بجانب بنية أساسية، محطتين لإسالة الغاز الطبيعي، تطلان على البحر المتوسط: المحطة الأولى في مدينة إدكو بمحافظة البحيرة (شمال غربي الدلتا) تملكها الشركة المصرية للغاز الطبيعي المُسال، وتضم وحدتين للإسالة. ويرجع تدشينهما إلى عام 2000 عندما وافقت الحكومة على تخصيص 390 فداناً للمشروع بنظام المناطق الحرة لمدة 50 سنة. أما المحطة الأخرى فتقع في محافظة دمياط (شمال شرقي الدلتا) وتتبع شركة أونيون فينوسا الإسبانية الإيطالية، وتضم وحدة إسالة واحدة فقط أسست في العام نفسه على بعد 60 كيلومتراً غرب بورسعيد، وخرجت منها أول شاحنة في عام 2003. ولقد تكلف بناء المحطتين، وفقاً لخبراء، 3.2 مليار دولار أميركي، وتقدر قيمتهما الحالية بنحو 16 مليار دولار. ويرى الدكتور جلال عثمان، عضو الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، خلال حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر ستحقق عوائد اقتصادية كبيرة من وراء هذه الاتفاقية، نظير عملية تسييل الغاز»، لكنه قلل من خطورة ذلك على «الأطراف أخرى»؛ إذ قال: «نحن نمتلك محطتين للتسييل، من إجمالي 634 محطة في العالم، وفقاً لتقرير دولي».
خريطة الحقول الغازية البحرية تمتد في شرق المتوسط لتضم 13 حقلاً، موزّعة بين 5 حقول أمام الشواطئ الإسرائيلية، واثنين أمام كل من لبنان وسوريا وفلسطين، وقبرص. يضاف إليها الحقول المصرية، فضلاً عن حقل «ظُهر» المصري الذي يعد أكبر اكتشافات الغاز في مصر والبحر المتوسط. وكانت شركة إيني الإيطالية قد اكتشفت حقل «ظُهر» عام 2015، ويحوي احتياطيات تقدر بثلاثين تريليون قدم مكعبة من الغاز، على مساحة 100 كيلومتر مربع. وحالياً تسعى مصر إلى تسريع الإنتاج من حقول الغاز المكتشفة في الآونة الأخيرة مع تطلعها إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي بحلول العام المقبل.

مركز إقليمي للطاقة
ومع تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي حول أن مصر «أصبحت مركزاً إقليمياً للطاقة»، قال جورج عياد، الخبير في قطاع البترول: «هذه استراتيجية بدأت منذ سنوات، والآن البلاد تجني ثمار الحلم الذي سعت إلى تحقيقه». وأضاف عياد في حديثه إلى «الشرق الأوسط» إنه «من الصعب الآن على إسرائيل واليونان وقبرص بناء محطات لتسييل الغاز أسوة بمصر؛ لأنها أصبحت مكلفة جداً»، ولفت إلى أن الغاز لا يجري تخزينه مثل البترول الخام: «بل إمّا أن يُضخ في أنابيب لطرف آخر أو يصار إلى تسييله». واستطرد «إسرائيل لا يمكنها ذلك في الوقت الحالي، فضلاً عن أن الخط الذي كانت تنوي تدشينه باتجاه قبرص وتركيا توقف، وهو ما كانت الأخيرة تعقد عليه آمالاً كبيرة».
ولفت عياد إلى أن «حجم الصفقة المقدّر بـ15 مليار دولار في 10 سنوات، سيتيح لمصر الحصول على ما يقرب من ملياري دولار سنوياً مقابل التسييل»، كما أنها «ستساعدها على ربط الغاز القبرصي اليوناني بمحطات الإسالة لتصديره إلى أوروبا». وأشار عياد إلى أن «لبنان سيبدأ في حفر آبار النفط اعتماداً على أنه سيتمكن من إعادة تسييله في مصر... وغزة أيضاً لديها بئر غازية، وهذه الاتفاقية ستدفعها للحفر مدفوعة بفرص تسييله». وانتهي عياد إلى القول: إن مصر «اشترطت قبل الموافقة على هذه الصفقة، أن يكون سعر المليون وحدة حرارية لا يزيد على 4 دولارات، بجانب التنازل عن قضايا التحكيم الدولي».
وأمام تسارع التساؤلات، بحثاً عن أسباب الدوافع وراء هذه الاتفاقية، التي وصفها الجانب الإسرائيلي بـ«التاريخية» واعتبرتها أطراف خارجية بأنها «أهم صفقات التصدير بين الجانبين منذ وقّعا معاهدة السلام التاريخية في عام 1979»، قال السيسي: «مصر تهدف من وراء هذه الاتفاقية، جذب الغاز الخام المكتشف في كل من قبرص وإسرائيل ولبنان ودول المنطقة الأخرى، ومعالجته في منشآتها قبل إعادة تصديره أو استغلاله في الصناعات المصرية... ونتيح للشركات أنها تستورد الغاز وتشتغل عليه ونحن كدولة يبقى التسهيلات التي عندنا والمنشآت التي عندنا نأخذ في مقابلها». وتابع الرئيس: «عندنا تسهيلات ولدينا منشآت للتعامل مع الغاز... الحقيقة غير موجودة في دول كثيرة في منطقة المتوسط أو على الأقل الدول التي نتكلم عنها».
في السياق ذاته، نقلت وكالة «بلومبيرغ» عن ريكاردو فابياني، الخبير في شؤون شمال أفريقيا بمجموعة «أوراسيا»، قوله: «هذه هي اللحظة التي يتحقق فيها أخيراً كل الحديث عن تحوّل مصر إلى مركز إقليمي للغاز». وهذا بينما تمسّك الرئيس القبرصي نيكوس أناستاسيادس، بحق بلاده عن التنقيب عن الغاز في المياه الإقليمية القبرصية، كما هو مخطط له رغم معارضة تركيا والقبارصة الأتراك ذلك.
في هذا الجانب، تدّعي تركيا أن الاتفاقية الثنائية التي وقعتها مصر وقبرص اليونانية عام 2013، لترسيم الحدود البحرية «تنتهك القانون وتغفل حقوق أنقرة والأتراك القبارصة». وأرجع المحلل التركي يوسف كاتب أوغلو سبب الرفض إلى أن الاتفاق عقد بشكل ثنائي بعيداً عن بلاده، وحقوقها وحقوق الأتراك القبارصة. وأضاف كاتب أوغلو - وفقاً لتقارير إعلامية: إن لدى تركيا سواحل مطلة على شرق المتوسط، وهي صاحبة السيادة عليها وفق القانون الدولي والاتفاقيات الموقعة بعد عام 1923، كما لديها اتفاقيات مع بريطانيا (التي كانت تسيطر على قبرص) عام 1953.
من جهة ثانية، نقلت وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب) عن اندرو نيف، المحلّل لدى «آي إتش إس ماركيت» قوله إنه «لا يعتقد أن تركيا تريد إثارة مواجهة، لكنه في الوقت نفسه لا يستبعد ذلك نهائياً»، ثم قوله: إنه «إذا توغلت إحدى سفن التنقيب بعيداً في إحدى المناطق البحرية المتنازع عليها فربما تلجأ تركيا مجدداً إلى، دبلوماسية البوارج الحربية، دفاعاً عن مصالحها».

التحكيم الدولي
من ناحية أخرى، أدى توقف تصدير الغاز إلى إسرائيل في أعقاب «ثورة 25 يناير 2011، لاتجاه أطراف دولية وإسرائيلية، إلى التحكيم الدولي، وطعنت مصر على حكم أصدرته غرفة التجارة الدولية عام 2015 يقضي بدفع تعويض قدره 1.7 مليار دولار؛ ما دفع وزير البترول المصري طارق الملا، إلى القول قبيل الإعلان عن الصفقة «يتعين تسوية الخلافات المعلقة مع إسرائيل من أجل إنجاز الاتفاق». وحدد الملا، في مناسبات عدة، شروطاً قبل استيراد الغاز الطبيعي من إسرائيل. كما سبق له التأكيد على ذلك في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، عندما قال: إن «أهم الشروط قبل استيراد الغاز الطبيعي من إسرائيل، هو تسوية قضايا التحكيم الدولي المرفوعة ضد مصر، ومراعاة أبعاد الأمن القومي، وأن يحقق الاستيراد قيمة مضافة للاقتصاد».
وحول هذا الأمر، رأى الدكتور إبراهيم أحمد، الرئيس الأسبق لقسم القانون الدولي بجامعة عين شمس، في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «هذه الصفقة لا يمكن أن تكون قد تمت بعيداً عن نتائج التحكيم الدولي... ولا بد أنه قد حدثت تسوية بشأن الغرامات، أو اتخذ موقف بشأن الأحكام واجبة النفاذ، أو التي لا تزال محل نزاع». وأضاف الأكاديمي المصري: «لن يكون هناك استئناف للمعاملات المتعلقة بالغاز بين البلدين إلا بعد تسوية أحكام التحكيم الدولي، سواءً بسداد جزئي للغرامات، أو بإعفاء من السداد مقابل استيراد الغاز من إسرائيل مجدداً». وانتهي إلى أن «الحكومات تتعامل في مثل هذه الصفقات بشكل غير مباشر من خلال شركات؛ لأنهم يرون أن هذا هو الشكل الأنسب في الوقت الحالي».

كلام شريف إسماعيل
وفي أول حديث مصري رسمي حول قضايا التحكيم الدولي، قال رئيس الوزراء شريف إسماعيل، في مؤتمر صحافي أول من أمس، (الخميس): إن قضايا التحكيم التي تواجهها الحكومة المصرية مع الجانب الإسرائيلي تنقسم لقضيتين: الأولى مع شركة كهرباء إسرائيل، وتم التوصل لحلٍ لها جارٍ تنفيذه، والأخرى، مع شركة «إي إم جي» التي كانت تستورد الغاز المصري، ولا يزال النزاع مطروحاً. وأوضح رئيس الوزراء أن «استقبال الغاز الإسرائيلي في مصر عبر خطوط هذه الشركة يعد جزءاً من حل قضاياها مع مصر». وللتذكير، كانت مصر قد صدّرت الغاز إلى إسرائيل أثناء حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، إلا أن الاتفاق انهار عام 2012 عقب هجمات متكرّرة شنّها متشدّدون على خط الأنابيب في شبه جزيرة سيناء، فلجأت إسرائيل إلى التحكيم الدولي.

الخاسرون من الصفقة
على صعيد ثانٍ، الرئيس السيسي لمح إلى أن مصر اقتنصت الفرصة من دول أخرى في المنطقة كانت تريد أن تصبح المركز الإقليمي للطاقة - في إشارة، على ما يبدو، إلى تركيا التي انتقدت في الآونة الأخيرة اتفاقية لترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص - وأن القاهرة «أحرزت هدفاً كبيراً جداً» في استيراد الغاز من إسرائيل. وتشير وزارة البترول المصرية، إلى «وجود دول عدة في المنطقة تسعى للقيام بهذا الدور المحوري بصفتها مركزاً إقليمياً للطاقة، وأن مصر لديها كل المقومات للقيام بهذا الدور الاستراتيجي في المنطقة»، قبل أن تنوه إلى أن الاتفاق الذي عُقد بين شركات قطاع خاص لاستيراد الغاز من إسرائيل واستقباله، سيخضع للقوانين المُنظمة. ولفتت الوزارة إلى أن «قانون تنظيم سوق الغاز الجديد يسمح للشركات بشراء الغاز واستيراده وإعادة بيعه سواء في السوق المحلية أو إعادة تصديره من خلال محطات الإسالة».
جورج عياد، الخبير في قطاع البترول، اعتبر أن توقيع هذه الاتفاقية «أضر بقطر وتركيا»، وقال: إن الأخيرة «لا بد أنها ستلجأ لاستيراد الغاز المُسال من شركة دولفينوس المصرية»، أما قطر، فرأى أنها «ستفقد جانباً من السوق الأوروبية» رغم ما تمتلكه من محطات تسييل عملاقة. ودلل الخبير المصري على حديثه قائلاً: «تركيا ستضطر إلى شراء الغاز من مصر مستقبلاً، كما أن أوروبا ستفعل الشيء نفسه؛ نظراً للتكلفة الاقتصادية المتمثلة في السعر الأرخص، بجانب سهولة النقل... فرنسا وإسبانيا ستتجهان أيضاً للأسباب نفسها».
وبما يخص قطر، قال عياد إنها «ربما تخسر جزءاً كبيراً يقدر 70 في المائة من السوق الأوروبية، وفي هذه الحالة لن يتبق أمامها غير أميركيا اللاتينية. هذه الاتفاقية وجهت لطمة شديدة إلى أنقرة والدوحة معاً»، مذكراً بأن السلطات التركية «تحاول استفزاز قبرص بكل السبل لوقف تنقيبها عن الغاز. و(الرئيس التركي رجب طيب) إردوغان يريد السيطرة الأبدية على الثروات القبرصية، وبالتالي، فإن تحالف مصر مع قبرص واليونان أصابه بالفزع والخوف من المستقبل».

اتفاقيات تركية إسرائيلية
لكن، في الاتجاه المعاكس، لفت حديث عياد إلى اتفاقيات سابقة وقعها وزير الطاقة التركي بيرات البيرق، مع نظيره الإسرائيلي يوفال شتاينتس، على هامش مؤتمر الطاقة العالمي الذي انعقد في إسطنبول خلال يوليو الماضي: «لتسريع الإجراءات لدفع اتفاق مد أنبوب غاز طبيعي إسرائيلي إلى تركيا ومنها إلى أوروبا». وأعقب ذلك إعلان نائبة القنصل العام الإسرائيلي في أنقرة، شاير بأن تسيون، أن «إسرائيل وتركيا ستوقعان اتفاقية للغاز الطبيعي قبل نهاية عام 2017». وتسعي إسرائيل إلى تطوير إنتاج الغاز من حقليها بعدما اكتشفتهما عامي 2009 و2010. وبدأ استغلال حقل «تمار» عام 2013، ويبلغ حجم احتياطه 238 مليار متر مكعب، وهو أحد أكبر حقول الغاز الواعدة التي اكتشفت في السنوات الأخيرة قبالة ساحل إسرائيل. ومن المقرّر أن يبدأ استغلال حقل «لوثيان» أيضاً عام 2019 عندما يبدأ احتياطي حقل «تمار» الذي يبعد مسافة 130 كيلومتراً عن شاطئ حيفا في الانحسار، وكانت إسرائيل وقعت في سبتمبر (أيلول) 2016 عقدا قيمته 10 مليارات دولار لتوريد الغاز من «لوثيان» إلى الأردن.
ختاماً، كانت إسرائيل مستورداً للغاز الطبيعي حتى سنوات قليلة مضت، وكانت تعتمد على مصر عبر خط الأنابيب الذي يمر بقلب سيناء. في حين بلغ حجم إنتاج الغاز في مصر، خلال العام الماضي، نحو 5.1 مليار قدم مكعبة من الغاز الطبيعي يومياً، ارتفاعاً من 4.45 مليار قدم مكعبة في 2016، وفقاً لبيانات وزارة البترول المصرية.



الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.