30 مليار دولار حصيلة مؤتمر إعمار العراق

دول الخليج وتركيا والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي أبرز المانحين

أمير الكويت بين رئيس الوزراء العراقي والأمين العام للأمم المتحدة أمس (أ.ف.ب)
أمير الكويت بين رئيس الوزراء العراقي والأمين العام للأمم المتحدة أمس (أ.ف.ب)
TT

30 مليار دولار حصيلة مؤتمر إعمار العراق

أمير الكويت بين رئيس الوزراء العراقي والأمين العام للأمم المتحدة أمس (أ.ف.ب)
أمير الكويت بين رئيس الوزراء العراقي والأمين العام للأمم المتحدة أمس (أ.ف.ب)

تمكن المؤتمر الدولي لإعادة إعمار العراق الذي استضافته الكويت، من جمع نحو 30 مليار دولار، بعد ثلاثة أيام حافلة لحشد جهود المجتمع الدولي من أجل إعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب ضد تنظيم داعش.
وجاءت التعهدات على شكل قروض وتسهيلات ائتمانية واستثمارات للمساهمة في إعادة إعمار العراق، رغم أن المسؤولين العراقيين قالوا: إن تكلفة إعادة تأهيل المناطق المتضررة تتجاوز 88 مليار دولار. ورداً على سؤال لـ«الشرق الأوسط»، قال وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري إن المبلغ الذي تم جمعه في هذا المؤتمر «لا يسد الحاجة... لكن ما تحقق ليس قليلاً ونحن راضون عن هذا العطاء».
واعتبر الجعفري أن التعهدات تجسد «إرادة المجتمع الدولي الوقوف إلى جانب العراق للتخلص من تركة الإرهاب بعد الانتصار على تنظيم داعش». وكشف أن حكومته كانت تراهن على مبلغ أقل مما تحقق، وقال: «لم نكن نتوقع الحصول على 88.2 مليار، فهذا المبلغ يظهر حجم الحاجة وليس حجم الطلب، ولكن ما تحقق كبير».
وأعلن وزير الخارجية الكويتي الشيخ صباح الخالد الحمد الصباح أن وصول مساهمات الدول المشاركة في المؤتمر إلى 30 مليار دولار يمثل «نجاحاً كبيراً». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الكويت في غاية الارتياح للمشاركة الواسعة في هذا المؤتمر من قبل الدول والقطاع الخاص والمنظمات التطوعية». وأضاف أن «اقتصاد العراق يتجه للتعافي للقيام بواجباته في مواصلة إعمار البلاد».
وجاءت غالبية هذه المساهمات من دول الخليج وتركيا والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى خط ائتمان بثلاثة مليارات دولار أعلنت عنه الولايات المتحدة. وأجمع المتحدثون في الجلسة الختامية للمؤتمر، على دعم جهود الحكومة العراقية في إعادة إعمار المناطق المتضررة، ودعم رئيس الوزراء حيدر العبادي في خططه الرامية نحو تحقيق إصلاحات ضرورية في مجالات الاقتصاد والأمن والإصلاح السياسي. كما أكدوا دعمهم لعراق ديمقراطي مستقر وآمن يضمن التعايش السلمي والمشاركة لجميع أبنائه.
واختتم المانحون والمستثمرون اجتماعات مطولة في الكويت أقيمت على مدى ثلاثة أيام وشارك فيها مئات الخبراء والمسؤولين من نحو 72 بلداً، إضافة إلى ما يفوق ألفي شركة من دول عدة، لمناقشة جهود إعادة بناء اقتصاد العراق وبنيته التحتية مع خروجه من صراع مدمر مع «داعش».
وافتتح أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح العطاء بالإعلان عن دعم العراق بملياري دولار، نصفها يُمنح كقرض والآخر مخصص للاستثمار. وقال الشيخ صباح الأحمد في كلمته أمام المؤتمر، إن «الكويت تعلن التزامها بتخصيص مليار دولار كقروض تصرف وفق آلية الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية، ومليار دولار آخر في الفرص الاستثمارية، فضلاً عن مساهمة الجمعيات الخيرية الكويتية».
وأضاف أن «ما يواجهه عالمنا اليوم من أزمات وتحديات يتطلب من المجتمع الدولي عملاً جماعياً وتحركاً شاملاً وعلى كل المستويات، مؤكدين أننا ندرك حجم هذه التحديات، ونحنن متحدون في مواجهتها وصولاً إلى غاياتنا المنشودة بأن تنعم البشرية وأجيالها المقبلة بكوكب آمن ومستقر خالٍ من الغلو والتطرف والإرهاب، لنحفظ لشعوب الأرض الحياة الحرة الآمنة والكريمة».
وأشار إلى «إننا ندرك حجم الدمار الذي لحق بالعراق من جراء سيطرة تلك التنظيمات الإرهابية على بعض الأراضي العراقية وما ترتب على ذلك من قتال لتلك التنظيمات لتطهير التراب العراقي، الأمر الذي يتوجب معه على العراق اليوم الشروع في إعادة إعمار شاملة لما تم تدميره من بنية تحتية ومرافق الحياة الأخرى، وهو عمل لن يتمكن العراق من التصدي له وحده، مما دعانا إلى التوجه بالنداء إلى المجتمع الدولي لدعوته إلى المشاركة في هذا العمل وتحمل تبعاته».
وأكد أمير الكويت أن هذا الاجتماع يعد رسالة قوية من دول التحالف والمجتمع الدولي للتعبير عن مدى الإصرار واستمرار المواجهة لهزيمة الإرهاب.
ودعا رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي المجتمع الدولي للمشاركة في دعم بلاده، مشدداً على أن «تنمية العراق تنمية للمنطقة كلها». وأكد في كلمته أمام المؤتمر حرص حكومته في خطتها الاستراتيجية على دعم القطاع الخاص والاستثمار عبر إطلاقها حزمة من القرارات والقوانين الجاذبة لإعادة تأهيل وتشغيل واستثمار المنشآت المتوقفة عن العمل وتطوير القطاعات المختلفة.
وقال إن «العراق نجح في القضاء على تنظيم داعش في البلاد وإعادة نصف النازحين داخل العراق الذين يزيد عددهم على خمسة ملايين نازح إلى مناطقهم». وأضاف: «بعد أن حقق العراق نصره الكبير ودحر (داعش) وأنهى حلمه البغيض... يتطلع عراقنا اليوم إلى المستقبل بثقة».
وأشار إلى أهمية إعادة تأهيل الخدمات الأساسية في مناطق النازحين «لتساهم بإعادة أكبر عدد ممكن». وأضاف: «رغم ما عاناه العراق من تراجع في التنمية نتيجة لمحاربة الإرهاب، فإنه أرض للفرص الكثيرة». وأشاد بالجهود المبذولة لإنجاح المؤتمر، قائلاً: «نتطلع إلى شراكات حقيقية استراتيجية وتبادل منافع مع الجميع، ونسعى إلى تكامل مع دول المنطقة ومحيطها».
وأعرب عن تطلع العراق إلى «خلق أجيال قادمة تحقق مفهوم التعايش والتصالح المجتمعي لا سيما بعد الانتصار الكبير الذي تحقق بدحر (داعش)». وأضاف أن «التنمية في العراق هي تنمية لكل المنطقة ولكل جيرانه، فنحن اليوم نرسخ مفهوم أن يكون العراق جسراً للتلاقي وليس ساحة للصراع، وأن يكون مساحة للتفاهمات المشتركة وبوابة لتبادل المصالح والمنافع والرؤى والأفكار. وهدفنا خلق بيئة اقتصادية سليمة لتوفير الآلاف من فرص العمل للشباب وأصحاب الحرف وتحسين المستوى المعيشي والخدمي للمواطنين».
وأضاف أن «ما يعانيه العراق من وجود معوقات كثيرة تحول دون التطور الاستثماري كالبيروقراطية والقوانين غير الجاذبة والفساد الإداري والمالي، جعل الحكومة تصدر حزمة من النظم والقوانين لخلق بيئة اقتصادية سليمة». وذكر أن العراق يحتاج إلى تجديد للبنى التحتية وخلق العمالة الماهرة وتدريبها بالشكل الكافي لإدارة وتشغيل الفرص الاستثمارية الموجودة.
وأقر بوجود فساد في الدولة العراقية، لكنه تعهد محاربته «كما حاربنا الإرهاب». وقال: «نؤكد أن إصرارنا على محاربة الفساد كفيل بإضفاء بيئة ناجحة، تحت عمل واضح وشفاف، ولن نتوقف عن محاربة الفساد، تلك الآفة الخطيرة التي لا تقل خطورة عن الإرهاب، بل هي أحد الأسباب لنشوء الإرهاب».
ودشنت الأمم المتحدة، أمس، برنامجاً على مدى عامين لإعادة إعمار العراق يهدف إلى مساعدة الحكومة على المضي في مراعاة الأبعاد الاجتماعية لإعادة الإعمار بسرعة. وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إن البرنامج «سينعش المناطق التي تواجه خطر العنف ويدعم المشاركة السياسية الواسعة والتنمية الاجتماعية الشاملة». وأضاف أن «البرنامج سيساعد من وقع عليهم الضرر الأكبر».
كما أعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فريدريكا موغيريني أن الاتحاد سيستثمر 400 مليون يورو، بالإضافة إلى مساهمات فردية من الدول الأعضاء. وقالت موغيريني إن الاتحاد لديه «استراتيجية جديدة في العراق من أجل تثبيت الاستقرار وإعادة الإعمار». وأوضحت أن المؤتمر «جاء لإزالة جميع العوائق والتحديات وإيجاد الحلول لها». ورأت أن المنطقة «بعيدة كل البعد عن السلم ولا يزال هناك توتر جديد ينشأ، لكن العراق يعطينا الأمل لبناء مستقبل أفضل».
وأشارت إلى وجود مناطق ومدن عراقية «بحاجة ماسة إلى استجابة حقيقية لإعادة الإعمار، ودعم طارئ لمساعدة أهالي تلك المناطق والمدن في العودة إليها وممارسة حياتهم الطبيعية». وتعهدت تقديم الاتحاد مساعدات في مجالات الكهرباء والمياه والمستلزمات الطبية والغذائية للمناطق المحررة في العراق، إضافة إلى إعادة تأهيل المدارس في عدد من المدن وتدريب القوات المسلحة.
وأوضحت أن دعم الاتحاد سيركز على دعم المؤسسات ومساعدة القطاعين العام والخاص في المجالات كافة، مشيرة إلى أهمية تحسين بيئة الاستثمار لإعادة بناء اقتصاد العراق. وأكدت وجوب أن يصاحب عملية إعادة الإعمار «بناء عراق موحد يضم جميع مكونات وأطياف المجتمع ويتمتع من خلاله الشعب بسبل العيش الكريم كافة».
وأكد رئيس مجموعة البنك الدولي جيم يونغ كيم التزام البنك بزيادة التمويل للمساعدة في بناء العراق وإعماره، مشدداً على ضرورة ازدهار العراق لمنطقة الشرق الأوسط والعالم ككل. وقال في كلمته أمام المؤتمر إن ثمة «فرصاً كبيرة للاستثمار في العراق وإعادة البناء فيه»، موضحاً أن عملية التنمية والبناء لا يمكن أن تتم بالموارد الحكومية وإنما بمشاركة من القطاع الخاص.
وأشار إلى أن البنك زاد التزامه نحو العراق من 600 مليون دولار في 2016 حسب المبادرة بين الطرفين إلى 4.7 مليار دولار في الوقت الحالي، مشيراً إلى سعيه إلى تقديم مبالغ أكبر من أجل تحقيق انتعاش اقتصادي والعمل على إعادة بناء الخدمات والبنية التحتية للمناطق المتضررة.
وأعلن وزير خارجية تركيا مولود جاويش أوغلو أن أنقرة ستخصص خمسة مليارات دولار للعراق على شكل قروض واستثمارات. وقالت بريطانيا إنها ستمنح العراق تسهيلات ائتمانية في مجال الصادرات تصل إلى مليار دولار سنوياً ولمدة عشرة أعوام. وأعلنت أنها ستقدم مساعدات للعراق قيمتها 350 مليون يورو في 2018. كما تعهدت ماليزيا بـ100 ألف دولار.
وتعهدت منظمات غير حكومية إلى الآن تقديم مساعدات إنسانية بقيمة 330 مليون دولار. كما قال المدير العام للتعاون التنموي في إيطاليا جورجيو مارابودي إن بلاده ستقدم قروضاً ميسّرة قيمتها 260 مليون يورو (321 مليون دولار) للعراق إلى جانب منح قيمتها 6.5 مليون دولار ومساعدات إنسانية بخمسة ملايين دولار. وكانت الولايات المتحدة قالت أول من أمس، إنها تمد خط ائتمان بثلاثة مليارات دولار، لكنها لن تقدم أي مساعدات حكومية مباشرة.
وأكد وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون خلال لقاء مع العبادي، مساء أول من أمس، في الكويت، دعم بلاده «لعراق موحد وديمقراطي ومزدهر وإقليم كردستان مستقر وقابل للحياة في إطار الدولة العراقية».



السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
TT

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، خلال اتصالٍ هاتفي مع نظيرته الكندية أنيتا أناند، الجمعة، مستجدات التصعيد في المنطقة، والجهود المبذولة للحفاظ على الأمن والاستقرار.

من جانب آخر، بحث وزير الخارجية السعودي، في اتصالٍ هاتفي تلقاه من نظيره الكوري الجنوبي جو هيون، تطورات التصعيد في الشرق الأوسط، والموضوعات ذات الاهتمام المشترك.

إلى ذلك، أشاد سفراء الدول الأوروبية في الرياض بالجهود التي تبذلها السعودية لصون الأمن والاستقرار بالمنطقة، والحفاظ على أمن أراضي المملكة، والتصدي بكفاءة لكل الهجمات الإيرانية السافرة.

أوضح الاجتماع موقف السعودية تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها (واس)

وأوضح اجتماع عقده المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي مع سفراء الدول الأوروبية، في الرياض، مساء الخميس، موقف المملكة تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها.

وجدَّد السفراء خلال الاجتماع إدانة بلدانهم للاعتداءات الإيرانية الغاشمة على السعودية ودول الخليج، وأخرى عربية وإسلامية، مُعربين عن تقديرهم للمساعدة التي قدمتها المملكة لإجلاء مواطنيهم وتسهيل عودتهم إلى بلدانهم.

حضر الاجتماع من الجانب السعودي، السفير الدكتور سعود الساطي وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية، والسفير عبد الرحمن الأحمد مدير عام الإدارة العامة للدول الأوروبية.


السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.