هادي يرفض «اللجوء إلى السلاح للتعدّي على الشرعية»

الحكومة تحمّل «الانتقالي» مسؤولية ضحايا أحداث عدن وتؤكد عودة الأوضاع إلى طبيعتها

الرئيس هادي خلال الاجتماع مع كبار مستشاريه في الرياض أمس (سبأ)
الرئيس هادي خلال الاجتماع مع كبار مستشاريه في الرياض أمس (سبأ)
TT

هادي يرفض «اللجوء إلى السلاح للتعدّي على الشرعية»

الرئيس هادي خلال الاجتماع مع كبار مستشاريه في الرياض أمس (سبأ)
الرئيس هادي خلال الاجتماع مع كبار مستشاريه في الرياض أمس (سبأ)

فرضت القوات الموالية للحكومة اليمنية أمس، سيطرتها النسبية في مدينة عدن التي تتخذ منها عاصمة مؤقتة جنوب البلاد، بالتزامن مع استمرار التوتر الأمني والاشتباكات المتقطعة لليوم الثاني على التوالي مع المسلحين التابعين لما يسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي» الذي تتهمه الحكومة بقيادة «انقلاب» ضدها انطلاقا من «نوازع انفصالية».
وجدّد الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي خلال اجتماع عقده مع كبار مستشاريه في الرياض أمس الدعوة لوقف إطلاق النار واعتبر «اللجوء للسلاح للتعدي على الشرعية انقلابا مرفوضا»، وقال «إن المعركة الحقيقية يجب أن توجه ضد الانقلابيين الحوثيين».
وكانت أبرز الأحزاب اليمنية الموالية للشرعية والمناهضة لانقلاب الميليشيات الحوثية أكدت في بيان أمس وقوفها إلى جانب الرئيس هادي والحكومة الشرعية وأكدت أن ما شهدته عدن من صدام مسلح سببه التصعيد الذي أقدم عليه «المجلس الانتقالي الجنوبي». وحملت الحكومة التي يرأسها أحمد عبيد بن دغر في اجتماع «استثنائي» عقدته في القصر الرئاسي أمس بمنطقة معاشيق «المجلس الانتقالي» المسؤولية عن سقوط 16 قتيلا و141 جريحا خلال المواجهات التي امتدت أول من أمس إلى أنحاء متفرقة من المدينة وأدت إلى شل الحركة وسط محاولات المسلحين السيطرة على معسكرات ومقار حكومية.
وأكد الاجتماع الحكومي في بيان رسمي أن الحياة في المدينة عادت إلى طبيعتها، في حين توالى صدور سيل من بيانات التأييد للحكومة الشرعية والرئيس عبد ربه منصور هادي من قبل مسؤولي وقادة السلطات المحلية في المحافظات الأخرى.
وسمع أمس في أنحاء متفرقة من عدن أصوات إطلاق رصاص وكذا دوي قذائف في تجدد للاشتباكات بين قوات «ألوية الحماية الرئاسية» الحكومية ومسلحي «المجلس الانتقالي الجنوبي»، في محيط «جبل حديد» ومعسكر الصولبان. وأفاد شهود لـ«الشرق الأوسط» بأن القوات الحكومية انتزعت معسكراً يسيطر عليه المسلحون وفرضت سيطرتها على مختلف الأماكن الحيوية في المدينة.
وزار رئيس الحكومة أحمد عبيد بن دغر مقر الحكومة (تحت الإنشاء) بعد طرد المسلحين منه، فيما أعلن طيران «اليمنية» استئناف الرحلات وإعادة فتح مطار عدن بعد إغلاقه أول من أمس في سياق الاحتياطات الأمنية والحرص على سلامة المسافرين. وأفادت وكالة (سبأ) الحكومية بأن الاجتماع الاستثنائي الذي عقده الرئيس هادي مع كبار مستشاريه في الرياض «وقف أمام الخطوات الانقلابية المرفوضة والأحداث التخريبية المؤسفة التي جرت في العاصمة المؤقتة عدن، والتي أقدم عليها ما يسمى المجلس الانتقالي الجنوبي، من خلال التمرد المسلح باستهداف معسكرات واقتحام مؤسسات الدولة والانتشار في الشوارع والأحياء، في سلوك عبثي مرفوض رسميا وشعبيا ودوليا». وقالت إن الاجتماع «أكد أن ما يجري في عدن عمل انقلابي مرفوض وممارسات غير مسؤولة روعت المواطنين وأشاعت الرعب والخوف لدى الغالبية العظمى من اليمنيين المصطفين خلف الشرعية في معركة استعادة الدولة، وأودت بحياة ضحايا مدنيين وعسكريين». وأضافت الوكالة أن المجتمعين مع الرئيس هادي شدّدوا على أن «المستفيد الوحيد من اختلالات وتصدع الصف الوطني هو المشروع الإيراني ووكلاؤه في اليمن» في حين امتدحوا «المواقف الإيجابية لقيادة قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن في إسناد انتصارات الجيش الوطني والمقاومة الشعبية والتأكيد على وحدة الصف الوطني والاصطفاف خلف الشرعية والتحالف في معركة إنهاء الانقلاب».
وأفادت بأن الاجتماع «أشار إلى أن إصرار الفصائل المسلحة التابعة لما يسمى المجلس الانتقالي، على التصعيد يعتبر تحديا سافرا لدعوات السلام والوئام الصادرة عن التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن بقيادة المملكة العربية السعودية، ورفضا صريحا لتوجيهات فخامة الرئيس بوقف إطلاق النار والاحتكام للمنطق ولغة العقل والسلام والتسليم بشرعية الدولة».
وطبقا لما نقلته الوكالة الحكومية (سبأ)، ألقى هادي كلمة في الاجتماع «جدد في مستهلها دعوته إلى الوقف الفوري لإطلاق النار» وأكد أنه «لا يمكن مطلقا للتمرد أو السلاح أن يحقق سلاما أو يبني دولة وأن المعركة الحقيقية والرئيسية هي مع الميليشيات الحوثية الإيرانية». وقال هادي الرئيس «لا يمكن القبول بأي احتكام للسلاح لتنفيذ مشاريع سياسية وأي تعد على الشرعية أو مؤسساتها هو انقلاب حقيقي سيقاومه شعبنا اليمني في كل مكان».
وفي عدن، أكد اجتماع الحكومة في بيانه أمس «ضرورة معالجة أسباب التوتر التي أدت للتمرد ومنع تكرار هذه الأحداث مستقبلاً في عدن والمناطق المحررة» وشدد «على توثيق الأحداث وإجراء تحقيق شامل وشفاف في مجرياتها، والأسباب المباشرة والغير المباشرة التي أدت إلى تفاقم الأوضاع وتهور ما يسمى بالمجلس الانتقالي برفع السلاح في وجه الدولة». وأشاد بيان الحكومة «بالجهود الحثيثة والمتواصلة التي يبذلها الرئيس هادي مع الأشقاء في المملكة والإمارات، لمنع الاقتتال وتجاوز الأزمة والخطوات التصعيدية التي سلكها المجلس الانقلابي وإعلان حالة الطوارئ، والتهديد بإسقاط الحكومة والدعوة إلى إجراء مسيرات مناهضة للشرعية والدولة»، حسب ما أوردته وكالة (سبأ).
وحمل مجلس الوزراء اليمني «ما يسمى المجلس الانتقالي عن سقوط القتلى والجرحى جراء الأحداث المؤسفة خلال اليومين الماضيين في عدن، والتي بلغت 16 قتيلاً، و141 جريحاً» بحسب البيان الحكومي. وقال «إن الحياة عادت إلى وضعها الطبيعي، في المدينة».
وكانت الأحزاب اليمنية والقوى السياسية الموالية للشرعية وقّعت أمس على بيان رفضت فيه «أي دعوات للانقلاب على الشرعية الدستورية وتقويض مؤسسات الدولة والخروج على المرجعيات المتفق عليها وطنياً وإقليميا». وأرجع البيان الذي تبنّته 10 أحزاب ومكونات سياسية رئيسة بينها حزبا «المؤتمر الشعبي» و«التجمع اليمني للإصلاح» و«التنظيم الناصري» و«الرشاد» تفجر الأوضاع أمنيا في عدن إلى «التصعيد من قبل ما يسمى بالمجلس الانتقالي وذلك عبر إعلانه حالة الطوارئ والاستنفار والدعوة إلى تأسيس مؤسسات عسكرية وأمنية موازية لمؤسسات الدولة دفع بالأمور إلى حالة التوتر وتفجير الأوضاع عسكرياً». وأصدر «الحزب الاشتراكي اليمني» بيانا آخر اطلعت عليه «الشرق الأوسط» أكد فيه تأييده ودعمه لجهود الرئيس هادي في احتواء المواجهات وتطبيع الحياة في العاصمة المؤقتة عدن، وقال إنه «يرفض أي خطوات أو أعمال من أي جهة كانت من شأنها أن تضعف أو تسيء إلى شرعية الرئيس هادي». ودعا الحزب «الأشقاء في التحالف العربي وبالذات المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة إلى سرعة العمل على وقف المواجهات في العاصمة المؤقتة عدن، وتدارك كل الآثار السلبية لاستمرار هذه الأحداث على المعركة المصيرية مع الانقلابيين والمشروع الإيراني في البلاد والمنطقة»، بحسب البيان.
في غضون ذلك، توالت بيانات من السلطات المحلية في عدن ولحج وأبين وشبوة وسقطرى وذمار وغيرها من المحافظات، للتنديد بـ«المجلس الانتقالي الجنوبي» الذي يرأسه محافظ عدن السابق عيدروس الزبيدي، واتهامه بمحاولة الانقلاب على الحكومة الشرعية.
ولم تحل الاشتباكات المسلحة التي تواصلت أمس على نحو متقطع من احتشاد العشرات من الموالين للمجلس الانتقالي في ميدان العروض في خور مكسر وسط عدن، في حين أقدمت القوات الموالية للحكومة على فتح الطرق الرئيسية التي تسيطر عليها. وقالت مصادر عسكرية ميدانية، «إن قوات الحماية الرئاسية تمكنت من السيطرة الكاملة على المسلحين المتمردين في «اللواء الأول مشاة» واعتقلت عددا منهم». وأضافت مصادر ميدانية أخرى أن «عددا من الأحياء في المدينة لا تزال تحت سيطرة مسلحي الانتقالي الجنوبي وسط أنباء تحدثت عن سقوط ثلاثة قتلى على الأقل من قيادات التمرد».
وعمّ الهدوء، بحسب المصادر، أحياء مديريات المنصورة والشيخ عثمان والبريقة والشعب ودار سعد في شمال المدينة، وسط سيطرة لقوات الشرعية ممثلة بـ«ألوية الحماية الرئاسية ولواء النقل». واقتصرت المواجهات أمس على مديريات خور مكسر وكريتر في ظل تقاسم السيطرة بين القوات الحكومية والمسلحين المتمردين على التلال الجبلية المنتشرة فيهما.


مقالات ذات صلة

بن حبريش لـ«الشرق الأوسط»: حضرموت أمام عهد جديد... ولن نسمح بعودة الإرهاب

خاص الشيخ عمرو بن حبريش وكيل أول محافظة حضرموت (الشرق الأوسط) play-circle

بن حبريش لـ«الشرق الأوسط»: حضرموت أمام عهد جديد... ولن نسمح بعودة الإرهاب

بعد نحو 500 يوم أمضاها في الجبال والمرتفعات، عاد الشيخ عمرو بن حبريش، وكيل أول محافظة حضرموت قائد قوات حماية حضرموت.

عبد الهادي حبتور (المكلا - اليمن)
العالم العربي أطفال اليمن أُجبروا على مغادرة مقاعد الدراسة ويفتقرون لمساحات الترفيه (غيتي)

دوريات بأسماء القتلى... تعبئة حوثية من بوابة الرياضة

حوَّل الحوثيون الرياضة من ترفيه إلى أداة تعبئة ونظموا دوريات وفعاليات بأسماء قتلاهم بغرض استهداف الأطفال والشباب، في مقابل التضييق والسيطرة على الأندية المستقلة

وضاح الجليل (عدن)
خاص حشود من أبناء المكلا في وقفة شكر للمملكة العربية السعودية على دعمهم في الأحداث الأخيرة (الشرق الأوسط) play-circle 02:09

خاص شخصيات حضرمية: الموقف السعودي تاريخي ويؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار

أكد عدد من وجهاء وأعيان حضرموت أن الوقفة السعودية تؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية في المحافظة الواقعة شرق اليمن.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))
خاص أركان قطاع بلفقيه في لواء النخبة الحضرمي رائد الجابري (الشرق الأوسط) play-circle 02:22

خاص الجابري يكشف لـ«الشرق الأوسط» عن أحداث المكلا التي أعقبت «الهروب الكبير»

مع تفاقم الأوضاع الأمنية في حضرموت، على خلفية المواجهات بين قوات «درع الوطن» التابعة للحكومة اليمنية، مع قوات المجلس الانتقالي، وتراجع الأخيرة ميدانياً.

عبد الهادي حبتور (المكلا)
خاص محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط) play-circle 00:56

خاص الخنبشي لـ«الشرق الأوسط»: الموقف السعودي كان حاسماً... وتشغيل المطارات قريباً

أكد محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، أن الأوضاع في المحافظة، وادياً وساحلاً، بدأت تعود إلى طبيعتها، في أعقاب التطورات الأخيرة.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))

عبد العاطي يؤكد لسلام دعم مصر لمؤسسات لبنان في الحفاظ على الأمن والاستقرار

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

عبد العاطي يؤكد لسلام دعم مصر لمؤسسات لبنان في الحفاظ على الأمن والاستقرار

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)

أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، دعم القاهرة للمؤسسات الوطنية اللبنانية للاضطلاع بمسؤولياتها الكاملة في الحفاظ على أمن واستقرار بلادها.

وقالت وزارة الخارجية المصرية في بيان، الجمعة، إن عبد العاطي عبّر عن ترحيبه بإعلان لبنان عن إنجاز المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح بيد الدولة جنوب نهر الليطاني، معتبراً إياها خطوة «تعكس التزاماً واضحاً بتعزيز سيادة الدولة وترسيخ دور مؤسساتها الشرعية».

وكان الجيش اللبناني قال في وقت سابق هذا الشهر، إن خطته لحصر السلاح دخلت مرحلة متقدمة «بعد تحقيق أهداف المرحلة الأولى بشكل فعال وملموس على الأرض»، لكنه أشار إلى أن ما وصفها بالاعتداءات والخروقات الإسرائيلية تنعكس سلباً على إنجاز المهام المطلوبة.

وبحسب «الخارجية» المصرية، شدد عبد العاطي على رفض القاهرة الكامل للمساس بسيادة لبنان ووحدة وسلامه أراضيه، مؤكداً ضرورة «التنفيذ الكامل غير الانتقائي لقرار مجلس الأمن 1701 بما يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية الفوري وغير المنقوص، ووقف جميع الانتهاكات للسيادة اللبنانية».

كما أعرب وزير الخارجية المصري خلال اتصاله مع سلام، الخميس، عن الرفض الكامل لأي محاولات للتصعيد العسكري تمس وحدة لبنان وسيادته وسلامة أراضيه.


سالم الخنبشي… رجل الدولة وتوازنات المشهد السياسي اليمني

الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
TT

سالم الخنبشي… رجل الدولة وتوازنات المشهد السياسي اليمني

الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)

يُعدّ الدكتور سالم الخنبشي واحداً من أبرز الوجوه السياسية المخضرمة في اليمن، وشخصية محورية في معادلة التوازنات الوطنية، خصوصاً في شرق البلاد.

وعلى امتداد مسيرته الطويلة، مثّل الخنبشي حلقة وصل بين الدولة المركزية والمطالب المحلية لمحافظة حضرموت، مكتسباً سمعة رجل التوافق القادر على إدارة الملفات الشائكة في أكثر المراحل تعقيداً.

وبرز اسمه بقوة مع مطلع عام 2026، بوصفه رقماً صعباً في معادلة الاستقرار السياسي والأمني، في ظل تحولات داخلية وإقليمية متسارعة، أعادت ترتيب موازين القوى داخل المحافظات المحررة.

وُلد الخنبشي عام 1952 في مديرية دوعن بمحافظة حضرموت، إحدى أبرز المناطق ذات الثقل الاجتماعي والاقتصادي في شرق اليمن.

وتلقى تعليمه العالي في الخارج، حيث حصل على درجة الماجستير في علم الاجتماع من جمهورية المجر، وهو تكوين أكاديمي انعكس بوضوح على خطابه السياسي ونهجه العملي، القائم على قراءة البنى الاجتماعية وفهم تداخلاتها القبلية والمناطقية.

وقبل انخراطه المباشر في العمل السياسي، بدأ الخنبشي مسيرته المهنية في القطاع التربوي والأكاديمي، حيث عمل في التدريس والإشراف التربوي، ثم في جامعة حضرموت، وتولى مناصب أكاديمية، من بينها رئاسة أقسام علمية وعمادة كلية التربية بالمكلا، ما أسهم في تشكيل شخصيته كمسؤول يميل إلى الحلول الهادئة والمعالجة المؤسسية للأزمات.

لم يكن صعود الخنبشي إلى الصفوف الأولى في الدولة نتاج لحظة سياسية عابرة، بل جاء عبر تدرج طويل في المناصب التشريعية والتنفيذية.

ففي السلطة التشريعية، شغل عضوية مجلس النواب خلال الفترة (1993 - 1997)، ما أتاح له خبرة مبكرة في العمل البرلماني وصناعة القرار، ثم عُيّن لاحقاً عضواً في اللجنة العليا للانتخابات والاستفتاء، قبل أن ينضم إلى مجلس الشورى في أكثر من دورة.

وفي الإدارة المحلية، تولى منصب محافظ حضرموت بين عامي (2008 - 2011)، في مرحلة اتسمت بتحديات أمنية وتنموية، قبل أن يُعاد تعيينه في المنصب ذاته في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، في ظل تصاعد التعقيدات السياسية والأمنية في المحافظة الأكبر مساحة والأكثر حساسية في البلاد.

أما في الحكومة المركزية، فقد شغل منصب نائب رئيس مجلس الوزراء في حكومة الدكتور معين عبد الملك (2018 - 2020)، وكان الشخصية الحكومية الأبرز في ملف «اتفاق الرياض»، حيث ترأس اللجنة الحكومية المكلفة بمتابعة تنفيذ بنوده، ولعب دوراً محورياً في إدارة العلاقة المعقدة بين الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي.

2026... عام التحول المفصلي

مع بداية عام 2026، انتقل الخنبشي إلى موقع أكثر تأثيراً في معادلة السلطة، حيث صدر في 15 يناير (كانون الثاني) قرار بتعيينه عضواً في مجلس القيادة الرئاسي، ليصبح الممثل الأبرز لحضرموت في أعلى سلطة سياسية في البلاد.

وبالتوازي، كُلف بقيادة قوات «درع الوطن» في حضرموت، وهي قوة تُقدَّم بوصفها أداة توازن تابعة لشرعية الدولة، في مواجهة التفلتات الأمنية والتشكيلات غير النظامية.

ويقود الخنبشي جهوداً لإعادة بسط السيطرة على المواقع الحيوية والعسكرية، مؤكداً أن «أمن حضرموت جزء لا يتجزأ من أمن اليمن والمنطقة».

وفي هذا السياق، تبنّى خطاباً يقوم على الاحتواء، لا الإقصاء، داعياً أبناء حضرموت المنخرطين في تشكيلات أخرى إلى العودة للعمل تحت مظلة الدولة ومؤسساتها الرسمية، في محاولة لتجنيب المحافظة سيناريوهات الصدام المفتوح.

سمات سياسية

يُعرف عن الخنبشي هدوؤه وميله إلى الحلول السياسية والدبلوماسية، غير أن مواقفه خلال عامي 2025 و2026 أظهرت قدراً أعلى من الحزم، خصوصاً ما يتعلق بمركزية الدولة ورفض أي قوى مسلحة خارج إطار الشرعية. ويحظى بدعم إقليمي، خصوصاً من السعودية، ضمن مساعي تثبيت الاستقرار في المحافظات المحررة وتأمين شرق اليمن.

ولم يعد سالم الخنبشي اليوم مجرد محافظ أو مسؤول حكومي تقليدي، بل بات يُنظر إليه كـ«مهندس استقرار» يسعى إلى عبور حضرموت مرحلة بالغة الحساسية، مستنداً إلى 3 شرعيات متداخلة: سياسية بصفته عضواً في مجلس القيادة الرئاسي، وأمنية من خلال قيادته قوات «درع الوطن»، وإدارية بحكم موقعه محافظاً لحضرموت، في محاولة لإعادة ترميم حضور الدولة في أكبر محافظة يمنية.


الصبيحي عضواً في «الرئاسي اليمني» بعد تاريخ عسكري حافل

الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
TT

الصبيحي عضواً في «الرئاسي اليمني» بعد تاريخ عسكري حافل

الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)

يُعدّ الفريق الركن محمود أحمد سالم الصُبيحي أحد أبرز القادة العسكريين اليمنيين الذين تداخل مسارهم المهني مع أكثر المراحل السياسية والعسكرية تعقيداً في تاريخ البلاد الحديث، من دولة الجنوب قبل الوحدة اليمنية، مروراً بحرب صيف 1994، وصولاً إلى انقلاب الحوثيين والحرب الشاملة التي أعقبتها.

برز اسم الصُبيحي على الساحة الوطنية مع سيطرة جماعة الحوثي المدعومة من إيران على العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، وتوقيع ما عُرف بـ«اتفاق السلم والشراكة» في 21 سبتمبر (أيلول) 2014، وهو الاتفاق الذي أفضى إلى تشكيل حكومة جديدة في 13 أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، برئاسة خالد محفوظ بحاح، وبمشاركة الحوثيين والحراك الجنوبي.

وفي تلك الحكومة، عُيّن الصُبيحي وزيراً للدفاع خلفاً للواء محمد ناصر أحمد. كان الصُبيحي سابع وزير دفاع في تاريخ الجمهورية اليمنية، وخامس ضابط من المحافظات الجنوبية يتولى هذه الحقيبة السيادية، التي ظلت ضمن حصة الرئيس عبد ربه منصور هادي والمناطق الجنوبية.

وُلد الصُبيحي عام 1948 في منطقة المضاربة بمحافظة لحج. تخرّج في الكلية العسكرية بعدن عام 1976 حاصلاً على بكالوريوس علوم عسكرية، ثم واصل تأهيله العسكري في الاتحاد السوفياتي، حيث نال درجة الماجستير في العلوم العسكرية من أكاديمية فرونزي عام 1982، وأتبعها بدورة القيادة والأركان من الأكاديمية نفسها عام 1988.

جيل القادة المؤثرين

ينتمي الصُبيحي إلى جيل القيادات العسكرية التي لعبت أدواراً مؤثرة في دولة الجنوب، وكان من قيادات الحزب الاشتراكي اليمني، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى المؤتمر الشعبي العام. وتولى عدداً من المناصب العسكرية قبل تحقيق الوحدة، أبرزها قائد الكلية العسكرية في عدن بين عامي 1988 و1990.

بعد الوحدة اليمنية عام 1990، عُيّن نائباً لمدير الكلية الحربية بين عامي 1990 و1993، وهي المؤسسة التي نتجت عن دمج الكليتين العسكريتين في عدن وصنعاء. وفي عام 1994، كان من بين القيادات التي انضمت إلى علي سالم البيض، عقب إعلان الانفصال، وشارك في القتال، قبل أن يغادر البلاد مع قيادات أخرى إلى المنفى.

عاد الصُبيحي إلى اليمن بعد نحو 15 عاماً في الخارج، عام 2009، ليُرقّى إلى رتبة لواء في 2010. وفي عام 2011، عُيّن قائداً لمحور العند - لحج، ثم أصدر الرئيس هادي في أبريل (نيسان) 2013 قراراً بتعيينه قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة ومقرها عدن، ضمن أوسع قرارات إعادة هيكلة القوات المسلحة اليمنية.

مع تصاعد نفوذ الحوثيين، ظهر الصُبيحي في 6 فبراير (شباط) 2015 خلال فعالية إعلان ما سمّي بـ«الإعلان الدستوري»، الذي قضى بتعطيل الدستور وحل البرلمان.

ورغم أن وسائل إعلام نقلت عنه لاحقاً قوله إنه أُحضر إلى الفعالية قسراً، فإن الحوثيين أعادوا في اليوم التالي تشكيل «اللجنة الأمنية العليا»، وعيّنوه رئيساً لها بقرار صادر عن محمد علي الحوثي، رئيس ما كان يُعرف بـ«اللجنة الثورية العليا».

منعطف الأسر

تمكّن الصُبيحي في 5 مارس (آذار) 2015 من مغادرة صنعاء إلى عدن، حيث كان الرئيس هادي قد أعلنها عاصمة مؤقتة للبلاد.

وأعاد هادي تكليفه بمهام وزير الدفاع، وأسند إليه قيادة القوات في عدن ولحج لمواجهة زحف الحوثيين. غير أن مسيرته توقفت مجدداً في 25 مارس 2015، عندما وقع أسيراً بيد الحوثيين إثر كمين خلال مواجهات في مدينة الحوطة، عاصمة محافظة لحج، ونُقل إلى صنعاء مع اللواء ناصر منصور هادي واللواء فيصل رجب.

ورغم صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 لعام 2015، الذي نصّ صراحة على الإفراج عنه، رفض الحوثيون تنفيذ القرار، وبقي الصُبيحي محتجزاً 8 سنوات.

خلال تلك الفترة، ظل منصب وزير الدفاع شاغراً في حكومتي خالد بحاح وأحمد عبيد بن دغر، إلى أن كُلّف الفريق محمد المقدشي قائماً بالأعمال في فبراير (شباط) 2018، ثم عُيّن وزيراً لاحقاً.

في 14 أبريل (نيسان) 2023، أُفرج عن الصُبيحي ضمن صفقة تبادل أسرى بين الحكومة الشرعية والحوثيين برعاية دولية، ووصل إلى عدن وسط استقبال رسمي وشعبي.

وفي 9 مايو (أيار) 2024، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي قراراً بترقيته إلى رتبة «فريق»، ومنحه وسام الشجاعة من الدرجة الأولى، ثم عيّنه بعد 3 أيام مستشاراً لمجلس القيادة لشؤون الدفاع والأمن.

واليوم، يُعاد إدراج اسم الصُبيحي في صدارة المشهد السياسي والعسكري اليمني، بعد صدور قرار مجلس القيادة الرئاسي بتعيينه عضواً في المجلس، في خطوة تعكس رمزية حضوره وخبرته، وتعيد أحد أقدم القادة العسكريين إلى قلب معادلة القرار في اليمن.