الحكومة التونسية تقرر رفع مساعداتها للعائلات الفقيرة لتجنب غضب الشارع

الغنوشي: الدعوة لإسقاط قانون المالية عبر الاحتجاجات تفكير فوضوي

جانب من الاجتماع المستعجل الذي حضره الرئيس الباجي قائد السبسي والأحزاب السياسية لبحث سبل إنهاء الاحتجاجات الاجتماعية في العاصمة التونسية أمس (أ.ف.ب)
جانب من الاجتماع المستعجل الذي حضره الرئيس الباجي قائد السبسي والأحزاب السياسية لبحث سبل إنهاء الاحتجاجات الاجتماعية في العاصمة التونسية أمس (أ.ف.ب)
TT

الحكومة التونسية تقرر رفع مساعداتها للعائلات الفقيرة لتجنب غضب الشارع

جانب من الاجتماع المستعجل الذي حضره الرئيس الباجي قائد السبسي والأحزاب السياسية لبحث سبل إنهاء الاحتجاجات الاجتماعية في العاصمة التونسية أمس (أ.ف.ب)
جانب من الاجتماع المستعجل الذي حضره الرئيس الباجي قائد السبسي والأحزاب السياسية لبحث سبل إنهاء الاحتجاجات الاجتماعية في العاصمة التونسية أمس (أ.ف.ب)

في أول ردّ حكومي على الاحتجاجات العنيفة التي اجتاحت تونس، الأسبوع الماضي، قال مصدر حكومي، أمس، إن الحكومة سترفع مساعداتها المالية للأسر الفقيرة ومحدودي الدخل، مضيفاً أن المساعدات ستأتي ضمن حزمة من القرارات الاجتماعية الأخرى.
وكان اتحاد الشغل ذو التأثير القوي في تونس، قد دعا، مع بداية الاحتجاجات، التي قُتل فيها محتَجّ، إلى رفع الحد الأدنى للأجور، وزيادة المساعدات الاجتماعية للأسر الفقيرة، التي خرج أبناؤها خلال الأيام الماضية للتظاهر ضد ارتفاع أسعار بعض المواد الاستهلاكية والبنزين، وغاز الطهي، وفرض ضرائب جديدة بدأ سريانها منذ مطلع الشهر الحالي.
وقال المصدر الحكومي إن هذه الإجراءات الاجتماعية لم تكن نتيجة الاحتجاجات، بل كان يجري دراستها منذ أشهر سعياً لمساعدة الطبقات الفقيرة والمتوسطة، مضيفاً أن من بين الإجراءات مساعدة الطبقات المتوسطة والفقيرة على اقتناء مساكن شعبية.
لكن رغم هذه التصريحات المطمئنة، ورغم الأجواء الإيجابية التي تخللت الاجتماع الحكومي الثاني، الذي أشرف عليه الرئيس الباجي قائد السبسي، أمس، بقصر قرطاج، بحضور ممثلي عدد من الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والاجتماعية الموقِّعة على وثيقة قرطاج، التي تشكلت على أساسها حكومة الوحدة الوطنية، فإن ذلك كله لم ينجح في إنهاء موجة الاحتجاجات الاجتماعية التي هدأت ليلاً، لتعود نهاراً إلى الشوارع، في انتظار أن تتصاعد اليوم (الأحد)، بمناسبة احتفالات التونسيين بالذكرى السابعة للإطاحة بنظام بن علي.
ونظم أمس محتجون في مدينة سيدي بوزيد، مهد الثورة التونسية، مسيرة احتجاجية ضد الزيادات في الأسعار، في ظل توقعات بتضاؤل الحلول أمام الحكومة لاتخاذ قرار يقضي بتعليق العمل بقانون المالية الجديد، والتراجع عن الزيادات في الأسعار.
وكان هذا الاجتماع مبرمجا بعد أسبوعين من الآن، إلا أن المستجدات الأمنية والسياسية فرضت تقديم الموعد لتباحث الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية حول تداعيات الاحتجاجات الأخيرة، ومدى تأثيرها على الوضع العام في البلاد.
وحضر الاجتماع راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة، وحافظ قائد السبسي المدير التنفيذي لحزب النداء، وسميرة الشواشي عن حزب الاتحاد الوطني الحر، وكمال مرجان عن حزب المبادرة، وجنيدي عبد الجواد عن حزب المسار الاجتماعي الديمقراطي، ومحسن مرزوق عن حركة مشروع تونس. كما حضره نور الدين الطبوبي الأمين العام لاتحاد الشغل (نقابة العمال)، ووداد بوشماوي رئيسة الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة (مجمع رجال العمال)، وعبد المجيد الزار رئيس الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري (نقابة الفلاحين)، علاوة على راضية الجربي عن الاتحاد الوطني للمرأة التي التحقت أخيرا قائمة الأطراف الاجتماعية الموقعة على وثيقة قرطاج. في حين تغيب عن الاجتماع زهير المغزاوي رئيس حركة الشعب، إلى جانب الحزب الجمهوري وحزب آفاق تونس اللذين أعلنا انسحابهما من قائمة الموقّعين على وثيقة قرطاج.
ولتجاوز الأزمة الاجتماعية والأمنية الحادة، دعا الطبوبي حكومة الشاهد إلى إقرار زيادة استثنائية، في ظرف أسبوع واحد، تصرف ضمن منح العائلات المعوزة والأجر الأدنى ولعمال الحظائر، وكل الفئات الضعيفة وتحسين رواتب المتقاعدين، في محاولة للخروج من الأزمة، وهي دعوة قد تمثل، حسب مراقبين، «حبل النجاة»، بالنسبة لحكومة الوحدة التي يقودها الشاهد.
وخلال هذا الاجتماع اعتبر الغنوشي الدعوة لإسقاط قانون المالية الجديد، من خلال الاحتجاجات وضغط الشارع، «تفكير فوضوي»، على حد تعبيره. وقال إن اجتماع أمس «ليس مخصصاً لانتقاد سلوك تحالف الجبهة الشعبية ودعمها للاحتجاجات الاجتماعية الأخيرة، بل للبحث عن حلول للأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي تعرفها تونس»، داعياً الجبهة الشعبية للانضمام لوثيقة قرطاج والحكومة، وتقديم حلول ملائمة للظرف الاقتصادي الصعب الذي تعيشه البلاد.
وأوضح الغنوشي أن مختلف الأطراف التي شاركت في الاجتماع تقدمت بمقترحات للحد من تأثير الأزمة على الفئات الاجتماعية الفقيرة، ومن بينها تقديم إعانات للعائلات المعوزة والرفع من الأجر الأدنى المضمون والزيادة في رواتب المتقاعدين، فيما دعت حركة النهضة وحزب النداء إلى عقد حوار اقتصادي واجتماعي يضم جميع الأطراف السياسية، بما فيها الجبهة الشعبية اليسارية المعارضة لبلورة حلول لتجاوز الأزمة.
واعتبر مراقبون أن اجتماع أمس خصص بالأساس لوضع النقاط على الحروف بخصوص علاقة الأحزاب الموقعة على وثيقة قرطاج بالوثيقة نفسها، ولتقييم أداء الشاهد وحكومته، ومتابعة المستجدات اجتماعياً وأمنياً على خلفية ما شهدته البلاد من احتجاجات وأعمال عنف وتخريب. وفي هذا السياق، قال عصام الشابي، رئيس الحزب الجمهوري المنسحب من وثيقة قرطاج، إن «الهدوء الذي عرفه الشارع لا يعني أن المشكل الاجتماعي والاقتصادي قد انتهى»، داعياً السلطة إلى استغلال حالة الهدوء النسبي لمراجعة خياراتها المرفوضة، وتقديم مقترحات وبدائل تتلاءم وأوضاع التونسيين، على حد تعبيره.
وعلى المستوى الأمني، سجلت تونس أمس ثاني ليلة دون وقوع أضرار في الممتلكات العامة والخاصة، وذلك بعد ثلاث ليالٍ متواصلة من الاحتجاجات والمواجهات مع أجهزة الأمن، ومن المنتَظَر أن تكون نهاية الأسبوع الحالي، التي تتزامن مع احتفال التونسيين بنجاح ثورة 2011، حاسمة في علاقة الشارع بالإجراءات الحكومية التي ستؤدي إلى ارتفاع كبير في الأسعار.
وفي هذا السياق، أكد خليفة الشيباني، المتحدث باسم وزارة الداخلية، أن عدد الموقوفين بلغ حتى حدود أول من أمس 806 أشخاص، ضمنهم 16 عنصراً تكفيرياً، موضحاً أنه تم حجز 6627 إطاراً مطاطياً نُهِبت من المستودعات البلدية، كان المحتجون يخططون لحرقها خلال عمليات النهب والسرقة، حسب قوله.
في المقابل، رجحت بعض المنظمات الحقوقية أن يتسبب تمسك حكومة الشاهد بقانون المالية الجديد في تواصل الاحتجاجات بكثافة، وذلك بمناسبة احتفالات المواطنين بذكرى رحيل الرئيس السابق زين العابدين بن علي. وفي الصدد، ذكرت مصادر أمنية أن وزارة الداخلية طلبت من قوات الأمن التي تواجه الاحتجاجات الاجتماعية عدم اللجوء إلى الذخيرة الحية لتفريق المتظاهرين، وعدم ملاحقتهم عند دخول الأزقة والأحياء، وتجنب محاصرتهم، وتوخي أقصى درجات ضبط النفس والتعامل مع مختلف الوضعيات الخارجة عن القانون بكل حرفية دون المساس بالحريات العامة والفردية، وفي إطار احترام مبادئ حقوق الإنسان، مشددة على ضرورة دعوة المتظاهرين للامتثال إلى القانون قبل استعمال القوّة، مع إمهالهم مدة زمنية معقولة باستعمال مضخمات الصوت.
وبخصوص الاحتجاجات وإمكانية التصعيد خلال اليومين المقبلين، توقع عبد الحليم الحمدي، المتحدث باسم التنسيقية الوطنية للحركات الاجتماعية (منظمة حقوقية مستقلة) أن يتواصل الاحتقان الاجتماعي، طالما الحكومة لم تُراعِ فقراء تونس ومهمشيها، على حد تعبيره.
وقال إن الاعتقالات العشوائية ستولد المزيد من التعقيدات الاجتماعية.



الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.


احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
TT

احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)

في خطوة يمكن أن ينظر إليها على أنها استكشاف مبكر لقدرة الحكومة اليمنية الجديدة على تحويل التعهدات الدولية إلى مسارات تنفيذية واضحة، انعقد اجتماع مجموعة شركاء اليمن بمشاركة واسعة من ممثلي الدول والمنظمات الأممية والدولية المانحة، في إطار حشد دولي تقوده السعودية لدعم خطة الحكومة برئاسة شائع الزنداني.

الاجتماع، الذي عُقد عبر الاتصال المرئي، جاء في سياق تحولات سياسية وأمنية شهدها اليمن منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وسط رهانات على إعادة ترتيب المشهدين السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية أكثر صلابة.

وأكد رئيس الوزراء وزير الخارجية، شائع الزنداني، في كلمته الافتتاحية، أن الحكومة الجديدة «تمضي في مرحلة مفصلية لإعادة ترتيب الوضع السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية واضحة».

وشدد على أن ذلك «يعزز قدرة الدولة على إدارة المرحلة المقبلة ويمنحها ثقلاً حقيقياً في أي مسارات مقبلة للتعامل مع ميليشيا الحوثي، سواء عبر التفاوض أو غيره من الخيارات التي تفرضها تطورات الميدان».

جانب من اجتماع مجموعة شركاء اليمن حيث يظهر الزنداني عبر الاتصال المرئي (إكس)

الزنداني رأى أن اجتماع مجموعة شركاء اليمن «يمثل محطة مهمة للانتقال إلى مرحلة أكثر تركيزاً على النتائج وأكثر انسجاماً مع الأولويات الوطنية»، بما يضمن، حسب تعبيره، «توظيف الموارد المتاحة بأعلى كفاءة لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية التي يستحقها الشعب اليمني».

وأشار إلى أن التحولات التي شهدها اليمن منذ ديسمبر الماضي، وما رافقها من قرارات وصفها بـ«الحاسمة» من قِبَل مجلس القيادة الرئاسي، أسهمت في «إعادة ضبط المسار الوطني، وإنهاء حالات الازدواج والتشظي في القرار السياسي والعسكري»، وتهيئة الأرضية لتشكيل حكومة «أكثر وحدة وتماسكاً وشمولاً في تمثيلها الجغرافي وإشراكها للمرأة والشباب».

برنامج متكامل

في الشق الاقتصادي، أعلن رئيس الوزراء اليمني أن حكومته شرعت في تنفيذ برنامج عمل متكامل يستند إلى خطة التعافي الاقتصادي وبرنامج الإصلاحات المالية ومكافحة الفساد، مؤكداً «الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء التعافي المستدام عبر استعادة التوازن المالي والنقدي، وتحسين إدارة الموارد العامة، وتحفيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل، والارتقاء بالخدمات الأساسية، لا سيما الكهرباء والمياه والصحة والتعليم».

حكومة الزنداني تنتظرها ملفات معقدة على صعيد الأمن والخدمات والاقتصاد (سبأ)

كما لفت إلى اعتماد وثيقة سياسة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والعمل على إنشاء وحدة متخصصة للشراكة وطرح مشاريع البنية التحتية وفق معايير دولية شفافة، بهدف تعزيز ثقة المستثمرين وتشجيع تدفق الاستثمارات، بالتوازي مع إعطاء أولوية لإصلاح نظام التقاعد وإعادة هيكلة المؤسسات العامة وضخ كفاءات شابة وفق أسس مهنية.

وجدد الزنداني التزام الحكومة الكامل بدعم جهود الأمم المتحدة والمبادرات الإقليمية والدولية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تنهي الحرب وتخفف المعاناة الإنسانية وتؤسس لسلام عادل ومستدام، مع الاستمرار في تعزيز الأمن الإقليمي والدولي ومكافحة الإرهاب وترسيخ سيادة القانون.

تنسيق الأولويات

في الاجتماع الدولي المساند للحكومة اليمنية، شدد محمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن، والمشرف العام على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، على أهمية استمرار العمل المشترك لتذليل العقبات أمام جهود السلام والتنمية في اليمن بقيادة الحكومة اليمنية.

وقال إن الاجتماع يمثل فرصة مهمة «للتعرف على أولويات الحكومة اليمنية والبنك المركزي اليمني»، بما يعزز التنسيق المشترك لضمان توجيه الدعم التنموي والمالي بكفاءة وفاعلية، ومساندة الجهات المانحة والمنظمات الدولية في مواءمة تدخلاتها وفق أولويات الحكومة.

وتعكس تصريحات آل جابر توجهاً سعودياً يركز على ربط الدعم المالي والفني بخطط تنفيذية واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، في سياق دعم استقرار سعر الصرف، والمساهمة في دفع الرواتب، وتوفير المشتقات النفطية لمحطات الكهرباء، إلى جانب المشاريع التنموية طويلة الأمد التي ينفذها البرنامج السعودي في قطاعات البنية التحتية والطاقة والمياه والصحة.

وفي السياق ذاته، استعرض محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أولويات البنك، مؤكداً الالتزام بمبدأ الشفافية ومحاربة التضخم، ومشيراً إلى أهمية التنسيق والدعم الدولي لمواجهة التحديات النقدية والمالية، في ظل ضغوط مستمرة على العملة الوطنية وتراجع الموارد العامة.

حضور أممي

بدوره، أكد المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، أهمية ما تقدمه السعودية من مشاريع تنموية في هذه المرحلة، لافتاً إلى وجود «مؤشرات إيجابية حالياً في اليمن خصوصاً مع تحسن استقرار قطاع الطاقة».

وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة في ظل ارتباط استقرار الكهرباء والخدمات الأساسية بتهيئة بيئة مواتية لأي مسار سياسي أو اقتصادي، فضلاً عن انعكاسها المباشر على الوضع الإنساني.

كما تطرق المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية، جوليان هارنيس، إلى التحديات الإنسانية المستمرة، مؤكداً الحاجة إلى دعم مستدام يواكب الإصلاحات الحكومية ويعزز قدرة المؤسسات الوطنية على إدارة الملف الإنساني بكفاءة.

ويعكس الاجتماع، وفق مراقبين، سعياً لإعادة صياغة العلاقة بين الحكومة اليمنية وشركائها الدوليين على أساس شراكة قائمة على الأولويات الوطنية، وتنسيق التدخلات، والانتقال من الاستجابة الطارئة إلى مسار تعافٍ مؤسسي طويل الأمد، في ظل استمرار تعقيدات المشهد الميداني والسياسي.


الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد

الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد
TT

الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد

الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد

في أول مقابلة له بعد أدائه اليمين الدستورية رئيساً للحكومة اليمنية، أعلن رئيس مجلس الوزراء، شائع الزنداني، أن حكومته ستنتقل قريباً إلى عدن، مؤكداً أن الوجود داخل البلاد ليس خطوة رمزية، بل هو شرط لفاعلية القرار واستعادة انتظام مؤسسات الدولة.

وقال الزنداني، خلال اللقاء الذي أجرته معه «الشرق الأوسط» في استوديوهات قناة «الشرق» بمقر «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)» في «مركز الملك عبد الله المالي (KAFD)» في الرياض، إن المرحلة «لا تحتمل خطاباً واسعاً»، وإنما تتطلب عملاً متدرجاً يعيد بناء الثقة ويثبت الإيقاع المؤسسي، مشدداً على أن تحسين المعيشة والخدمات والتعافي الاقتصادي تمثل أولويات عاجلة.

وبرر رئيس الوزراء اليمني احتفاظه بحقيبة «الخارجية» بالحاجة إلى استكمال إصلاحات تنظيمية ودبلوماسية بدأها سابقاًً.

وأوضح الزنداني أن تشكيل حكومته استند إلى معايير مهنية بعيداً عن المحاصصة، مع التركيز على الكفاءة، والتخصص، والتوازن الوطني.

اقتصادياً؛ تبنّى رئيس الحكومة اليمنية خطاباً واقعياً، متجنباً الوعود السريعة، مؤكداً أن التعافي يتطلب إعادة هيكلة الإدارة المالية، وضبط الموارد، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة.

وشدد على أن توحيد القرارين السياسي والعسكري يمكن مؤسسات الدولة من تطبيق القانون، ويجعل مبدأ المحاسبة ممكناً، كما يمنح الحكومة موقعاً تفاوضياً أشد تماسكاً في أي مسار سلام مقبل مع الحوثيين.