مئات المستوطنين يهاجمون قرى نابلس بالحجارة والقنابل

السفير الأميركي يحمل السلطة المسؤولية في حادثة مقتل مستوطن

قوات إسرائيلية تُغلِق الطريق المؤدي إلى المنطقة التي قتل فيها المستوطن أمس بالقرب من قرية جت بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
قوات إسرائيلية تُغلِق الطريق المؤدي إلى المنطقة التي قتل فيها المستوطن أمس بالقرب من قرية جت بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
TT

مئات المستوطنين يهاجمون قرى نابلس بالحجارة والقنابل

قوات إسرائيلية تُغلِق الطريق المؤدي إلى المنطقة التي قتل فيها المستوطن أمس بالقرب من قرية جت بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
قوات إسرائيلية تُغلِق الطريق المؤدي إلى المنطقة التي قتل فيها المستوطن أمس بالقرب من قرية جت بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

هاجم مئات المستوطنين اليهود، الفلسطينيين في منطقة نابلس، منذ مساء أول من أمس، وحتى مساء أمس (الأربعاء)، انتقاماً لمقتل مستوطن في إحدى البؤر الاستيطانية. وحمى جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي المستوطنين، وفرضوا حصاراً كاملاً على المنطقة، بدعوى التفتيش عن منفذي العملية. وتسابق وزراء اليمين الإسرائيلي في الردّ على العملية بمزيد من الاستيطان. وطالبوا رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، بدعوة المجلس الوزاري الأمني المصغر لاتخاذ سلسلة من الإجراءات الثأرية.
وكان المستوطن رازيئيل شيباح (35 عاماً)، قد لقي مصرعه بالرصاص، بالقرب من البؤرة الاستيطانية التي يقيم فيها، «حفات غلعاد» غرب نابلس، التي تُعتَبَر حتى بنظر الإسرائيليين غير قانونية. وكشف تحقيق أولي في الهجوم أن فلسطينيين أطلقوا النار على شيباح أثناء سفره بسيارته على طريق رقم 60 وهربوا. وأُصِيب شيباح بجراح بالغة في الجزء العلوي من جسده، وبعد تقديم الإسعاف الأوليّ له في المكان، نقله المسعفون من «نجمة داود الحمراء»، بمساعدة قوة طبية تابعة للجيش الإسرائيلي، إلى مستشفى مئير في كفار سابا، حيث أُعلِن هناك عن وفاته.
وأعلن الجيش الإسرائيلي أن قوات كبيرة قامت بعمليات تفتيش في المنطقة لتحديد مكان المخربين الذين نفذوا الهجوم. وأمر قائد المنطقة الوسطى، الجنرال روني نوما، بفحص الداخلين والخارجين من نابلس، ونشر الجنود وحواجز الطرق في المنطقة. وقال رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، معقباً على الحادث، إن «قوات الأمن ستبذل كل ما يمكن من أجل الوصول إلى القاتل المقيت، ودولة إسرائيل ستعاقبه». وقال رئيس المجلس الإقليمي شومرون، يوسي دغان: «لن نستسلم للإرهاب».
وقال مجلس المستوطنين «ييشاع»: «اليوم فقط تم نشر قائمة المدفوعات التي قدمتها السلطة الفلسطينية للإرهابيين وأسرهم. في العام الماضي، دفعت السلطة الفلسطينية للأسرى وعائلات الانتحاريين أكثر من مليار شيقل، بهدف دعم الإرهاب وزيادته. نطالب رئيس الوزراء بوقف هذا الأمر الذي يشجع الإرهاب في دولة إسرائيل. نعتمد على جنود الجيش الإسرائيلي في القبض على الإرهابيين الذين ينبغي محاسبتهم على أفعالهم».
وقال وزير الدفاع، أفيغدور ليبرمان، صباح أمس، إنه أصدر تعليمات بفحص إمكانية شرعنة البؤرة الاستيطانية «حفات غلعاد»، لتصبح مستوطنة «شرعية». وأكدت وزيرة القضاء، أييليت شاكيد، أن «الرد على العملية سيكون تسوية البؤرة الاستيطانية (حفات غلعاد)». وأضافت: «هم يريدون الاقتلاع، ونحن سنبني». وبحسبها، فإن «الفلسطينيين سوف يدركون أن قتل الإسرائيليين سوف يمسّ بهم أيضاً».
وفي ظلّ هذه الأجواء، تدفق مئات المستوطنين إلى الشوارع المحيطة بنابلس وراحوا يعتدون على السيارات الفلسطينية بالحجارة والشتائم وبإطلاق قنابل الصوت والدخان. وأغلقوا الطرقات ومنعوا السيارات من التحرك. وداهموا عدداً من البيوت في قرى المنطقة. وشرعوا بتنفيذ أعمال عربدة مختلفة، وقام عشرات المستوطنين من مستوطنة «ايتسهار» ظهر أمس، بأعمال تجريف واسعة النطاق بالقرب من قرية مادما جنوب نابلس. وقال غسان دغلس مسؤول ملف الاستيطان في شمال الضفة الغربية، إن المستوطنين يحاولون الاستيلاء على مئات الدونمات بعد ساعات على مقتل مستوطن.
وشنّت قوات الاحتلال الإسرائيلي، الليلة قبل الماضية، حملة بحث وتمشيط واسعة اقتحمت خلالها عدداً من القرى الواقعة قرب مكان عملية إطلاق النار التي أدت إلى مقتل المستوطن. وأفاد المواطنون بأن جنود الاحتلال اقتحموا قرى صرة، وتل، وعراق بورين، والمناطق الجنوبية مثل نابلس الجديدة، ومنطقة المخفية، وصادروا كاميرات مراقبة. واعتقلوا طاقم التلفزيون الفلسطيني الذي بَثّ التقارير عن ممارساتهم بالبث الحي.
وقالت مصادر أمنية فلسطينية إن قوات الاحتلال أبلغت الجانب الفلسطيني، رسمياً، عن «نشاط أمني في المنطقة المحيطة بمكان العملية حتى إشعار آخر، من دون الإبلاغ عن تفاصيل إضافية».
واستدعى الجيش الإسرائيلي قوات قوامها نحو ألفَي جندي، للقيام بإجراءات غير عادية في المنطقة. وفرض جيش الاحتلال إغلاقاً كاملاً على مدن وقرى محافظة نابلس، ما أدى إلى محاصرة مئات السيارات لمواطني إسرائيل العرب، الذين سهروا في نابلس ومنعتهم من العودة إلى قراهم ومدنهم في المثلث. وقالت وسائل إعلام عبرية إن «الجيش الإسرائيلي تلقى أمراً بشن عملية أمنية واسعة النطاق وغير عادية داخل قرى نابلس عقب مقتل المستوطن».
وأعلن «الشاباك» (جهاز المخابرات الإسرائيلية) أن عدد العمليات تضاعف ثلاث مرات منذ إعلان ترمب، الشهر الماضي، القدس عاصمة لإسرائيل، وأن قواته تسعى لِلجم هذا المسار.
وهاجم سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، ديفيد فريدمان، أمس، السلطة الفلسطينية، وبدا أنه يحمِّلها قسطاً كبيراً من المسؤولية عن مقتل المستوطن، واتهمها بتشجيع العمليات عندما تدفع رواتب للأسرى الفلسطينيين وعائلاتهم.
وكتب فريدمان في تغريدة على «تويتر»، أن المستوطن «قتل بدم بارد» من قبل فلسطينيين، مشيراً إلى أن حركة حماس امتدحت منفذي العملية. وتابع أن «قوانين السلطة الفلسطينية ستوفر لمنفذي العملية تعويضاً مالياً»، مضيفاً: «لا تبحثوا عن سبب عدم تحقيق السلام».
وينسجم موقف فريدمان مع الحملة التي أطلقتها وزارة الدفاع الإسرائيلية، بقيادة أفيغدور ليبرمان، لمحاربة السلطة الفلسطينية على قيامها بدفع الرواتب للأسرى ولعائلات الشهداء. وادعت الوزارة أن السلطة الفلسطينية دفعت في عام 2017 أكثر من 550 مليون شيقل لأسرى محررين ولعائلات الأسرى، كما دفعت لذوي الشهداء والجرحى نحو 687 مليون شيقل.
وردت وزارة الخارجية الفلسطينية على فريدمان فاتهمته بمساندة اليمين المتطرف في إسرائيل الذي يسعى لسن «قانون مخصصات الشهداء والأسرى»، حيث يؤكد مواقفه الانتقائية التي تعبر عن انحيازه التام للاحتلال والاستيطان، وتنكره لقضية شعبنا الفلسطيني، وحقوقه الوطنية العادلة، والمشروعة.
وتساءلت: «أين فريدمان من عملية اغتيال المقعد إبراهيم أبو ثريا على الشريط الحدودي في قطاع غزة، وغيره من مئات الفلسطينيين الذين أعدمتهم قوات الاحتلال بدم بارد وأمام كاميرات التلفزة، وفي وضح النهار؟! أين كان سفير واشنطن من عملية الاختطاف التي تعرضت لها الطفلة عهد التميمي، ومئات الأطفال من بين أحضان أسرهم في ساعات الليل المتأخرة وعمليات الترهيب والتعذيب التي يتعرضون لها هم وأُسرهم؟! وأين هو من اعترافات الشرطة الإسرائيلية قبل أيام بإعدام أكثر من 200 مواطن فلسطيني أعزل، لم يشكلوا أي خطر أو تهديد على جنود الاحتلال؟ لماذا لم يتألم فريدمان لمعاناة وألم وعذابات عائلاتهم وذويهم وأسرهم؟!



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.