أهالي غوطة دمشق «أحياء وأموات» بسبب الحصار... والقصف

{الشرق الأوسط} تنشر شهادات عن حياة 400 ألف شخص شرق العاصمة السورية

بعد غارة على عربين في غوطة دمشق امس  (أ ف ب)
بعد غارة على عربين في غوطة دمشق امس (أ ف ب)
TT

أهالي غوطة دمشق «أحياء وأموات» بسبب الحصار... والقصف

بعد غارة على عربين في غوطة دمشق امس  (أ ف ب)
بعد غارة على عربين في غوطة دمشق امس (أ ف ب)

«أحياء، لكننا أموات» عبارة يقولها أهالي الغوطة الشرقية لدمشق عن الوضع الإنساني المرير الذي وصلوا إليه، جراء الحصار المطبق الذي تفرضه قوات النظام منذ نحو أربع سنوات وقصفه المتواصل لهم.
أبو حسين، وهو أب لثلاثة أولاد، يروي لـ«الشرق الأوسط» تفاقم معاناته بعد لجوئه إلى بلدة أخرى في الغوطة الشرقية، إثر سيطرة النظام قبل أكثر من عام على بلدته، ويقول: «منذ أن سيطر النظام على بلدتنا وتهجيرنا لم أستطع أن أعمل أي عمل بسبب عدم وجود فرص عمل في المنطقة، خاصة أن معظم الأراضي الزراعية حرمنا النظام منها، وكنا نعيش على بعض المساعدات التي كانت تقدمها لنا الجمعيات الإغاثية، ولكن الآن توقفت معظم هذه المساعدات بسبب تشديد الحصار علينا».
ألم ووجع أبو حسين، يزداد بسبب «بقاء أطفاله على وجبة واحدة خلال ثلاثة أيام، ونومه على صوت بكائهم من شدة الجوع»، ويؤكد: «معظم طعامهم هو الفجل والملفوف حتى ربطة الخبز أو الرز والبرغل والتي تعتبر من المواد الأساسية لا يستطع تأمينها بسبب الأسعار المرتفعة».
وتعتبر غوطة دمشق الشرقية من أوائل المناطق التي شهدت حراكا مناهضا للنظام قبل نحو سبع سنوات، وتشكلت فيها فصائل معارضة مسلحة أبرزها «جيش الإسلام»، وتمكنت من طرد قوات النظام منها بعد معارك عنيفة مستمرة حتى اليوم.
وفي مقابل عجزه عن استعادة السيطرة على المنطقة، عمد جيش النظام وميليشياته إلى استهدافها بشتى أنواع الأسلحة، وفرض حصار على نحو 400 ألف مدني يعيشون فيها منذ عام 2013 وعمد إلى تشديده مؤخرا في إطار سياسة «الجوع أو الركوع» التي يتبعها إزاء المناطق الخارجة عن سيطرته.
محمد، وهو ناشط في مجال الإغاثة يتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن تشديد النظام للحصار المفروض على الغوطة الشرقية خلال المرحلة الماضية، ويوضح: «حتى المعبر الوحيد (معبر مخيم الوافدين) الذي كان النظام يسمح للتاجر المنفوش بإدخال مواد غذائية منه قام بإغلاقه»، قبل أن يلفت إلى أن النظام عندما سمح لشخص موال لدمشق بإدخال مواد غذائية من المعبر فرض إتاوة على تلك المواد التي يتم إدخالها تصل إلى 5 دولارات أميركية على الكيلوغرام الواحد، الأمر الذي أسهم تدريجيا برفع أسعار المواد الغذائية، ووصل سعر الكيلو الواحد من المواد الأساسية بين 7 - 8 دولارات، في حين لا يتجاوز دخل العائلة 75 دولارا شهريا، كما توجد عائلات لا يوجد لديها أي دخل شهري.
تدهور سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار بسبب الحرب، ويصل حاليا إلى 470 ليرة، بعد أن كان نحو 50 ليرة قبل الحرب، بينما بقيت المرتبات الشهرية للموظفين تراوح مكانها ما بين 50 إلى 75 دولارا، على حين تحتاج الأسرة المؤلفة من 5 أشخاص إلى نحو 800 دولار لتعيش على الكفاف.
وما يزيد من طين مأساة الأهالي في الغوطة الشرقية بلة، بحسب محمد هو «إحجام وتوقف الجمعيات والمشاريع الإغاثية والداعمين عن دعم تلك المشاريع بسبب الارتفاع الجنوني للأسعار»، ويوضح: «معظم الداعمين أو المتعاطفين مع القضية السورية أصبحوا يركزون على المناطق المحررة في جنوب وشمال البلاد كون الأسعار ما زالت على حالها وهي أقل بعشرة أضعاف عما هي عليه في الغوطة الشرقية».
ويبدو الفرق شاسعا بين الأسعار في مناطق سيطرة النظام وما هي عليه في الغوطة الشرقية، ذلك أن سعر الكيلوغرام الواحد من كل من الرز، السكر، البرغل في الأولى لا يتجاوز نصف دولار على حين يصل في الثانية إلى ما بين 7 إلى 8 دولارات.

فتات... وموت بطيء وسريع
بلهجة غلب عليها السخرية، يصف محمد المساعدات الأممية التي تدخل بين فترات متباعدة وبكميات قليلة إلى الغوطة الشرقية، بأنها «مجرد فتات». ويضيف: «لم تؤثر على الوضع المعيشي للعائلات كونها لا تصل إلى حد جزء بسيط من حجم اسم الأمم المتحدة ومنظماتها الإنسانية»، ويلفت إلى أنه «في الغوطة يوجد 75 ألف عائلة محاصرة، بينما يتم إدخال مساعدات أممية لا تتجاوز الخمسة آلاف سلة في كل عملية دخول أممي للغوطة».
بدوره عبد الله، وهو أحد نشطاء المجتمع المدني، يتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن «استنفاد العائلات لمخزونها النقدي جراء الحصار والمعاناة الكبيرة جدا التي تمر بها لتأمين الدخل مع الازدياد الكبير للمصاريف وفشل المشاريع التنموية في تحقيق أي أرباح وانعدام أي فرص عمل بسبب فقدان المواد الأولية وارتفاع أسعارها جراء الحصار».
وبحسب عبد الله، فإن «كل هذا الحال يبدو مجرد كلمات تعجز عن توصيف الواقع كما هو»، مؤكدا أن ما يجري هو «إبادة ممنهجة يتبعها النظام بحق الأهالي في الغوطة الشرقية»، ويعتبر أن «من يعيشون في داخل الغوطة أحياء في الشكل ولكنهم في الحقيقة أموات».
ومع مواصلة النظام وحلفائه استهداف الغوطة الشرقية بشتى أنواع الأسلحة، فقدت الكثير من الأسر معيلها، ليأخذ هذا الدور الأطفال والنساء، فالطفل دياب شادي جمال الدين ابن العشرة أعوام متسرب من الدراسة بسبب الفقر وانعدام الإمكانيات وهو الأخ التوأم لعبد الرحمن المتسرب من المدرسة أيضاً والشقيق الحنون للطفلة هويدا التي لا يتجاوز عمرها السبع سنوات. ورغم صغر سن دياب، بات معيلا لأسرته إلى جانب أمه، ذلك أنه يضطر في معظم الأحيان رغم مرضه للعمل كأجير لدى أحد الباعة من أجل مساعدة والدته بتأمين معيشة الأسرة بعد أن قضى والده في بداية الحرب، ويبدو أن شدة المعاناة أطلقت لسانه بعبارات يعجز الكبار عنها، ويقول: «أمي باتت تهيم على وجهها مع لهاثها المتواصل لجلب الدواء وفي معظم الأحيان لا تتمكن من ذلك، لأن الأهم تأمين وجبة الطعام البسيطة والوحيدة في اليوم والتي حصرت موعدها بالساعة الرابعة مساءً وغالبا ما تكون من الأصناف المتوفرة بالسوق الشعبية مثل الملفوف المسلوق أو القرنبيط وبعيدة كل البعد عن الرز والبرغل» اللذين من الاستحالة تأمينهما في ظل الغلاء الفاحش، بينما توضح والدته أن دخل العائلة الوحيد هو ما تتقاضاه من كفالة الأيتام وهو غير قابل للزيادة ويبلغ 75 دولارا موزعة على الأطفال الثلاثة لكل منهم 25، لا تكاد تكفي ثمن الدواء الذي يتعاطونه بشكل مستمر.
ويعاني دياب من فشل كلوي منذ ولادته وخاصة كليته اليسرى، وهو بحاجة لرعاية طبية خاصة وتناول الدواء بشكل مستمر وتصل تكلفته ما يقارب 20 دولارا شهرياً، كما يحتاج إلى تغذية مستمرة من قبيل تناول الحليب والبيض والفواكه والبروتينات الحيوانية مثل اللحوم، الأمر الذي تقدر تكلفته بـ200 دولار شهريا ليصبح المجموع 220 شهريا، في حين كفالته الشهرية الحالية لا تتعدى 25 دولارا ما يدفع العائلة إلى العمل والتسول للحفاظ على حياتها بأقل الإمكانيات المتاحة.
شقيقته هويدا وهي من مواليد 2011 وبالصف الأول ومتفوقة بدراستها، ورغم صغر سنها إلا أنها تعاني من مرض السكري الذي أصيبت به منذ عامها الأول نتيجة الخوف الشديد الذي تعرضت له بسبب رمي عمها لها على الأرض أثناء هروبه من إحدى المداهمات التي كانت تشنها قوات النظام، وهي أيضا مثل أخيها بحاجة لتعاطي الدواء بشكل مستمر وهو عبارة عن إبرة أنسولين كل خمسة عشر يوماً.

هياكل عظمية
وتسبب منع قوات النظام دخول المواد الإغاثية والطبية إلى الغوطة الشرقية التي تبلغ مساحتها 104 كيلومترات مربعة، وتبعد نحو 10 كيلومترات فقط، عن مركز العاصمة دمشق، في قائمة لا تنتهي من الأمراض والآفات، وضحاياها غالبا من الأطفال والعجزة.
الطبيب أيمن يعمل في أحد المراكز الطبية يؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أن الحصار أثر سلبا بشكل كبير على الخدمات الطبية المقدمة للأهالي، وأدى إلى فقدان معظم الأدوية الطبية وخاصة أدوية الأمراض المستعصية مثل السرطان والسكري وبعض الإصابات الذي سببها القصف الهمجي على الغوطة. ويقول: «تسوق بعض المنظمات الأممية إلى ضرورة إخلاء بعض الحالات الطبية الحرجة بينما في حقيقة الأمر نحتاج إلى فك الحصار وإدخال المواد الطبية باستمرار»، ويؤكد أنه «حتى عندما تقوم الأمم المتحدة بإدخال مساعدات للغوطة فالمواد الطبية التي تدخلها لا تكفي لبضعة أيام وتكون خاضعة لشروط النظام بمنع بعض الأنواع من الدخول».
ويضيف أيمن: «إننا أحيانا نقف عاجزين على فعل أي شيء أمام بعض الحالات الحرجة، كما أن قسما كبيرا من أطفال الغوطة يعانون من سوء التغذية وخاصة عند الأطفال حديثي الولادة حيث إن كثيرا من الأمهات هن في الأساس يعانين من سوء التغذية بسبب الحصار».
ولعل صورة الطفلة روان التي تزن 8 كيلوغرامات وهي في الثامنة من العمر وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، وموت الرضيعة سحر وهي في شهرها الأول، دليل واضح على معاناة أطفال الغوطة.
وحذرت منظمة «يونيسيف» التابعة للأمم المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي من أن هناك نحو 1200 طفل في الغوطة الشرقية يعانون من سوء التغذية الحاد، وهو أعلى مستوى سجل في سوريا منذ بدء الحرب. وتداول ناشطون سوريون على مواقع التواصل الاجتماعي صورة رضيعة بدت أشبه بهيكل عظمي وقالوا إن «صحتها تدهورت كثيرا ما استدعى نقلها إلى العناية المشددة لكنها فارقت الحياة بسبب سوء التغذية».
هذه الأوضاع دفعت الناشطين في المنطقة إلى إطلاق حملة «الأسد يحاصر الغوطة» على مواقع التواصل الاجتماعي وعبر وسائل الإعلام المختلفة وذلك في أكتوبر الماضي. وتهدف هذه الحملة إلى نقل معاناة الغوطة وانعكاسات الحصار والتأكيد أن العالم يجب أن يقف أمام مسؤولياته تجاه نظام الأسد الذي يحاصر المدنيين.

وجبات النفايات
وأكد برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة في تقرير له، أن سكان الغوطة الشرقية المحاصرين يعانون من نقص شديد في الغذاء لدرجة أنهم يأكلون القمامة ويجبرون أطفالهم على التناوب في تناول الطعام. وأشار البرنامج إلى أن السكان تناولوا طعاما منتهي الصلاحية إضافة إلى علف الحيوانات والنفايات، وبقوا أياما من دون طعام وقاموا بأنشطة شديدة الخطورة للحصول عليه.
ولفت إلى حدوث الكثير من حالات الإغماء بين طلاب المدارس والمدرسين جراء الجوع، متوقعا أن يزداد الوضع سوءا خلال الأيام المقبلة مع نفاد الغذاء وتقلص استراتيجيات التكيف. وقال: إنه منذ سبتمبر (أيلول) الماضي اضطر نحو 175 ألف شخص في مدينة دوما على اتباع استراتيجيات للتكيف مع الوضع الطارئ، ويشمل ذلك البقاء لأيام دون غذاء، منوها إلى أنه رغم أن المنطقة زراعية، فإن الأراضي التي تصلح للزراعة على مشارف الغوطة الشرقية إما على خطوط القتال أو مستهدفة من قناصة قوات النظام والميليشيات الداعمة له. وأضاف التقرير أن 4 أشخاص على الأقل لقوا حتفهم من الجوع بما في ذلك طفل في دوما انتحر بسبب شح الطعام.
وما يفاقم من معاناة الأهالي حلول فصل الشتاء، بالتزامن مع سوء الأوضاع الإنسانية في المنطقة، وصعوبة الحصول على مصادر تدفئة، رغم بحث الأهالي عنها مع تواصل قصف قوات النظام للمنطقة بشكل يومي. ويقول نشطاء معارضون من المنطقة إن «الحالة المعيشية للمدنيين في الغوطة الشرقية زادت سوءاً مع قدوم فصل الشتاء، حيث تسبب القصف بدمار أجزاء كبيرة من الأحياء السكنية، وفقدت عشرات الأسر مأواها، كما لا يمكن للمدنيين البحث عن مصادر بديلة للتدفئة من قمامة أو بلاستك أو حطب، خوفاً من عمليات القصف والقنص المتكررة التي تنفذها قوات النظام». وتوضح مصادر، أن ارتفاع أسعار المحروقات ومصادر التدفئة في الغوطة، يمنع المدنيين من شرائها، ما دفع الكثير منهم إلى إحراق أثاث منازلهم ومقتنياتهم للحصول على القليل من الدفء الذي لا يكفي لعدة أيام.

خفض توتر شكلي
وفي مايو (أيار) الماضي دخلت الغوطة الشرقية ضمن اتفاق «خفض التوتر»، لتكون واحدة من أربع مناطق يفترض أن تتوقف فيها المعارك وتفتح إليها المعابر الإنسانية لإدخال المواد الغذائية والطبية وإخراج الحالات التي تحتاج إلى العلاج، وذلك وفق اتفاق ثلاثي أبرم بين روسيا وتركيا وإيران. غير أن ستة أشهر مضت والوضع في الغوطة الشرقية على ما هو عليه، بل ربما أسوأ، فالأهالي يهددهم الجوع والمرض نتيجة إطباق فكي حصار النظام على بلداتهم وقراهم.
أبو محمد، وهو قائد عسكري يؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أن دخول الغوطة ضمن مناطق «خفض التوتر» لم ينعكس إيجابا على الوضع الأمني فيها، حيث لم يلتزم النظام بالاتفاق وارتكبت قواته وحلفاؤها عدة مجازر منذ بدء سريان الاتفاق. ويضيف: «حتى الطائرات الروسية شاركت بالقصف الذي طال الغوطة رغم أن روسيا كانت الضامن لهذا الاتفاق، كما استخدم النظام وحلفاؤه أسلحة محرمة دوليا في القصف منها القنابل العنقودية والقنابل الارتجاجية والتي أدت إلى موت العشرات لا بل المئات من المدنيين، وقد لاحق القصف المدنيين ضمن الأقبية والملاجئ»، ليختم بالقول: «خفض التصعيد كان فرصة ليستغلها النظام من أجل التقدم على الأرض وليحقق مكاسب سياسية بتقدمه».
ولم يتوقف النظام وحلفاؤه عن قصف الأهالي في مدن وبلدات الغوطة الشرقية بشتى أنواع الأسلحة منذ بداية الأحداث، وأقدم على قصف المنطقة بالأسلحة الكيماوية في 21 أغسطس (آب) عام 2013، ما أودى بحياة ألف شخص و400 شخص.
وتحول الرضيع كريم عبد الله الذي فقد عينه جراء قصف جوي لقوات النظام في أكتوبر الماضي لبلدة حمورية، إلى رمز لمعاناة سكان الغوطة الشرقية، بعد انطلاق حملة تضامنية معه على مواقع التواصل الاجتماعي، نشر خلالها كثيرون صورهم وهم يغطون عينهم في إشارة إلى إصابته. ووصلت الحملة إلى قاعة مجلس الأمن الدولي، حيث نشر سفير بريطانيا لدى الأمم المتحدة ماثيو رايكروفت صورة له على موقع «تويتر» وهو يغطي عينه بيده. وعلق رايكروفت على الصورة بقوله: «حين نجتمع في مجلس الأمن ونحذر من أن عدم اتخاذ إجراء يعني وفاة مزيد من الناس، وقصف مزيد من المدارس، وتشويه مزيد من الأطفال... فهذا هو ما نعنيه»، مضيفا: «يجب إنهاء قصف وحصار الغوطة الشرقية».
ونشر متضامنون مع كريم صوراً لهم ولأطفال يغطون أعينهم. وشارك في الحملة متطوعون من الدفاع المدني (الخوذ البيضاء) في مناطق المعارضة، فضلاً عن عاملين في منظمات دولية وناشطين وصحافيين بينهم فريق التحرير في جريدة «بيلد» الألمانية اليومية.
وبحسب تقارير ونشطاء ومصادر طبية بريف دمشق، فإنّ 527 رضيعاً فقدوا حياتهم منذ عام 2014 بسبب المجاعة ونقص الأدوية الناجمة عن الحصار. وذكرت المصادر الطبية أنّ عدد الوفيات بسبب المجاعة قبل عام 2015 كانت 15 حالة، بينما وصل عدد الأطفال الذين ماتوا بسبب الجوع خلال الأشهر العشرة الأولى من 2017 إلى 227 حالة وفاة. وكانت الأمم المتحدة أعلنت أن 16 شخصاً على الأقل قضوا أثناء انتظارهم عمليات إخلاء طبي من منطقة الغوطة الشرقية. وقال يان إيغلاند، رئيس مجموعة العمل الإنساني التابعة للأمم المتحدة في سوريا إن «لائحة وُضِعَت قبل أشهر عدة تتضمن نحو 500 شخص في حاجة ماسَّة إلى إجلاء، يتقلص عددها بسرعة». وتابع: «الرقم ينخفض، ليس لأننا نقوم بإخلاء الناس، بل لأنهم يموتون»، وأضاف: «لدينا تأكيدات بوفاة 16 شخصاً من تلك اللوائح منذ إعادة تقديمها في نوفمبر (تشرين الثاني)، وربما يكون العدد أعلى»، مسلِّطاً الضوء على وفاة طفل في 14 من الشهر الماضي وسط فشل الجولة الأخيرة من مفاوضات جنيف. وقال: «أخشى أن يكون هناك المزيد. خلال فترة أعياد الميلاد هذه، سيكون هناك المزيد من الوفيات ما لم نبدأ عمليات الإخلاء». ومنطقة الغوطة الشرقية قرب دمشق أحد آخر معاقل الفصائل المسلحة التي تحاصرها قوات الرئيس بشار الأسد.
وقال إيغلاند إن «عمليات الإجلاء والجهود لإدخال مساعدات إلى المنطقة متوقفة لعدم الحصول على موافقة السلطات السورية»، وأكد: «هذا يجب أن يتوقف». وقال: «كيف نشعر بالأمان والسلام في أعياد الميلاد... في حين أكثر الناس براءة في هذا النزاع يموتون؟!». وتابع أنهم «يموتون ليس لعدم وجود مواد إغاثة، أو لأنه لا أحد يرغب في التوجه إلى هناك... بل لأنهم جزء من لعبة نفوذ».
ولم تستثنِ قوات النظام في غاراتها المرافق الحيوية والخدمية بالغوطة، حيث استهدف المدارس والمراكز الصحية، واضطر الطلاب إلى التوقف عن الذهاب إلى مدارسهم اعتباراً من نوفمبر الماضي. وأدّت غارة نفذتها مقاتلات النظام في 31 أكتوبر الماضي، على مدرسة في بلدة جسرين، إلى مقتل 5 مدنيين بينهم 3 طلاب، وبعدها في 25 نوفمبر استهدف حديقة لدار أيتام.



الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد

الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد
TT

الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد

الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد

في أول مقابلة له بعد أدائه اليمين الدستورية رئيساً للحكومة اليمنية، أعلن رئيس مجلس الوزراء، شائع الزنداني، أن حكومته ستنتقل قريباً إلى عدن، مؤكداً أن الوجود داخل البلاد ليس خطوة رمزية، بل هو شرط لفاعلية القرار واستعادة انتظام مؤسسات الدولة.

وقال الزنداني، خلال اللقاء الذي أجرته معه «الشرق الأوسط» في استوديوهات قناة «الشرق» بمقر «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)» في «مركز الملك عبد الله المالي (KAFD)» في الرياض، إن المرحلة «لا تحتمل خطاباً واسعاً»، وإنما تتطلب عملاً متدرجاً يعيد بناء الثقة ويثبت الإيقاع المؤسسي، مشدداً على أن تحسين المعيشة والخدمات والتعافي الاقتصادي تمثل أولويات عاجلة.

وبرر رئيس الوزراء اليمني احتفاظه بحقيبة «الخارجية» بالحاجة إلى استكمال إصلاحات تنظيمية ودبلوماسية بدأها سابقاًً.

وأوضح الزنداني أن تشكيل حكومته استند إلى معايير مهنية بعيداً عن المحاصصة، مع التركيز على الكفاءة، والتخصص، والتوازن الوطني.

اقتصادياً؛ تبنّى رئيس الحكومة اليمنية خطاباً واقعياً، متجنباً الوعود السريعة، مؤكداً أن التعافي يتطلب إعادة هيكلة الإدارة المالية، وضبط الموارد، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة.

وشدد على أن توحيد القرارين السياسي والعسكري يمكن مؤسسات الدولة من تطبيق القانون، ويجعل مبدأ المحاسبة ممكناً، كما يمنح الحكومة موقعاً تفاوضياً أشد تماسكاً في أي مسار سلام مقبل مع الحوثيين.


رئيس الصومال: نسعى لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

رئيس الصومال: نسعى لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»
TT

رئيس الصومال: نسعى لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

رئيس الصومال: نسعى لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

أكّد الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود أن بلاده تنسق مع شركائها، بقيادة السعودية، لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال»، وتحييد القرن الأفريقي عن أي تصعيد غير محسوب العواقب.

وكشف الرئيس حسن شيخ محمود، في حوار مع «الشرق الأوسط»، عن حزمة من 3 خطوات سياسية وقانونية، تتخذها بلاده حالياً، لإبطال هذا الاعتراف الإسرائيلي.

وتحدث عن وجود دول في المنطقة لها مصلحة في هذا الاعتراف الإسرائيلي، قائلاً: «لا أودّ تسمية دولة أو دول بعينها، لكن من الواضح أن البعض ربما يرى في هذا الاعتراف فرصة لتحقيق مصالح ضيقة وقصيرة الأمد على حساب وحدة الصومال واستقرار المنطقة».


قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
TT

قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)

دخلت قوات حفظ السلام المصرية، المنتظر أن تشارك في الصومال مرحلة جديدة، بعد اصطفاف عسكري حضره الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بالقاهرة.

تلك القوات التي أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنها أمام مشاركة «مرتقبة» في الصومال، تواجه تحديات عديدة منها، وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، رد فعل «حركة الشباب» المتشددة، وإثيوبيا التي وجهت اعتراضات علنية لهذا الوجود المصري على خلفية خلافات البلدين.

وأفاد الجيش المصري، في بيان نقلته «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية، الأربعاء، بأن «رئيس الصومال شهد اصطفاف القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه، وذلك في إطار الدور المصري الريادي الداعم للجهود الدولية في حفظ السلام، وتعزيز ركائز الأمن والاستقرار بالقارة الأفريقية».

ووفق البيان، «أتمت القوات المشاركة أعلى درجات الجاهزية من خلال مستوى تدريبي احترافي يُمكّن من تنفيذ المهام الموكلة إليها بكفاءة واقتدار تحت مختلف الظروف».

وكان الرئيس المصري قد قال في مؤتمر صحافي، الأحد، بالقاهرة مع نظيره الصومالي: «تناولت محادثاتنا مشاركة مصر المرتقبة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم والاستقرار في الصومال، حيث أكدتُ أن مصر ماضية في استكمال نشر قواتها ضمن البعثة، في إطار التزامها تجاه القارة الأفريقية، وفي ظل حرصها على تحقيق الأمن والاستقرار في كافة ربوع الصومال».

الخبير العسكري والاستراتيجي والمستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، اللواء عادل العمدة، قال إن مشاركة مصر المرتقبة تأتي بطلب من الصومال وموافقة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، لافتاً إلى أن «الاصطفاف» يعني عسكرياً قرب المغادرة، وأن القوات جاهزة لإتمام المهمة المكلفة بها.

القوات المصرية المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ووفقاً للخبير في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، تشير المعطيات المتداولة منذ فترة إلى أن مشاركة القوات المصرية ضمن بعثة حفظ السلام المرتقبة في الصومال «لم تكن فكرة طارئة، بل خياراً مطروحاً بجدية ظل مرهوناً بالحصول على الضوء الأخضر من قيادتي البلدين في القاهرة ومقديشو»، متوقعاً انتشارها قريباً.

ويأتي هذا الاصطفاف بعد نحو شهرين من إعلان إسرائيل في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، الاعتراف بإقليم أرض الصومال «دولة مستقلة ذات سيادة»، وحدوث مواجهات بالصومال، وهجمات من جانب «حركة الشباب».

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أعلن في ديسمبر 2024 أن بلاده ستشارك في قوة حفظ السلام الجديدة التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، التي حلت محل مهمة لمكافحة الإرهاب انتهت أواخر 2024.

وواجهت بعثة مصر منذ إعلان المشاركة تحديات. وفي يوليو (تموز) 2025، دعت الرئاسة المصرية المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامتها، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية.

وجاء نداء الرئاسة المصرية بعد دعوة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا خلال أبريل (نيسان) 2025، إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار».

جانب من القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ويرى العمدة أن أبرز التحديات تكمن في المهمة الموكلة إليها، وهي مكافحة الإرهاب والعناصر الخارجية على القانون، وتحديداً «حركة الشباب»، مستبعداً أن تكون هناك تحديات من الجانب الإثيوبي تجاه قوات مصر، «خاصة أن مصر دولة قوية وملتزمة بالإجراءات والمهام»، على حد قوله.

ويعتقد كلني أن احتمال وصول القوات المصرية لا يُنظر إليه بمعزل عن التوازنات الإقليمية الدقيقة؛ إذ يُرجَّح أن يثير قلق بعض دول الجوار، وفي مقدمتها إثيوبيا، في ظل استمرار ملفات خلافية عالقة بين القاهرة وأديس أبابا، وعلى رأسها أزمة سدّ النهضة.

ويضيف أن هذا التطور «يتقاطع مع شبكة من الترتيبات الأمنية والعلاقات المتشابكة التي تربط مصر بكلٍّ من إريتريا والسودان والصومال، فضلاً عن شبهات تتعلق بأدوار إسرائيلية غير مباشرة يُعتقد أن لإثيوبيا اطلاعاً عليها، وربما إسهاماً في تسهيل بعض مساراتها».

وعلى الرغم من وضوح دلالات هذا الحراك العسكري والسياسي، فإن تقدير حجم تأثير وصول القوات المصرية إلى الصومال لا يزال سابقاً لأوانه، وفق كلني الذي قال إن ردود فعل بعض دول القرن الأفريقي تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة، لا سيما في ظل مخاوف معلنة من تنامي قدرات الجيش الصومالي تدريباً وتسليحاً.