استنفار القوات الكردية شرق سوريا... والنظام يتواصل مع عشائر عربية

استنفار القوات الكردية شرق سوريا... والنظام يتواصل مع عشائر عربية
TT

استنفار القوات الكردية شرق سوريا... والنظام يتواصل مع عشائر عربية

استنفار القوات الكردية شرق سوريا... والنظام يتواصل مع عشائر عربية

سجل استنفار أمني في مناطق سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية - العربية شرق سوريا، بعد اتهامها بـ«الخيانة» من قبل الرئيس بشار الأسد واعتبار نائب وزير الخارجية فيصل المقداد هذه القوات مشابهة لـ«داعش»، في وقت بدأ النظام السوري إعادة فتح قنوات مع قادة عشائر شرق سوريا لمواجهة محتملة مع الأكراد.
وكثفت الشرطة الكردية (آسايش) و«وحدات حماية الشعب» الكردي دورياتها في مدن منبج وتل أبيض ورأس العين والدرباسية والقامشلي والقحطانية والحسكة دورياتها وعززت نقاطها بعناصر إضافية خوفاً من تحرك أبناء العشائر العربية الذين يرفضون هيمنة الأكراد على مناطقهم بإشارة من النظام.
وقال مصدر في محافظة الحسكة: «تصريح الأسد لم يصف الأكراد بالخيانة، بل وصف كل من يعمل تحت المظلة الأميركية بالخيانة وهذا الأمر ينطبق على الأكراد والعرب والمسيحيين والتركمان باعتبارهم مشاركين في قوات سوريا الديمقراطية التي تعمل تحت المظلمة الأميركية». وأضاف: «رد فعل الأكراد على تصريحات الأسد كان قاسيا ولا يقل عن تصريحه فقد وصفوه بالخيانة باعتباره فتح أبواب سوريا أمام كل الإرهابيين. وغياب أي رد فعل من جميع المكونات الأخرى، يشير إلى أن وحدات الحماية الكردية وباقي الفصائل الكردية المشاركة معها تعمل تحت المظلة الأميركية وهم من ينسقون ويتواصلون مع الأميركيين لأنهم بصراحة لا يثقون بالعرب وغير هم من قوات سوريا الديمقراطية التنسيق فقط مع الوحدات الكردية، وهذا ما أكده الناطق الرسمي باسم قوات سوريا الديمقراطية طلال سلو بعد انشقاقه منتصف الشهر الجاري».
واتهمت «قوات سوريا الديمقراطية» في بيان الأسد بـ«الخيانة». وقالت: «الأسد وما تبقى من نظام حكمه، هم آخر من يحق لهم الحديث عن الخيانة وتجلياتها، بما أن هذا النظام هو المسؤول مباشرة عن فتح أبواب البلاد على مصراعيها أمام جحافل الإرهاب الأجنبي التي جاءت من كل أصقاع الأرض، كما أنه هو بالذات الذي أطلق كلَّ الإرهابيين من سجونه ليوغلوا في دماء السوريين بمختلف تشعباتهم». وأضافت: «النظام الذي ما زال يراهن على الفتنة الطائفية والعرقية ويتخندق وَفْق هذه المعطيات، هو ذاته أحد تعاريف الخيانة التي إن لم يتصدَّ لها السوريون ستؤدي بالبلاد إلى التقسيم، وهو ما لن تسمح به قواتنا بأي شكل من الأشكال». وكان وزير الخارجية السوري وليد المعلم قال إن «إقامة نظام إدارة ذاتية للأكراد في سوريا أمر قابل للتفاوض والحوار في حال إنشائها في إطار حدود الدولة».
ووصف المجلس التنفيذي لمقاطعة الجزيرة التابع للإدارة الذاتية في بيان تصريحات الأسد بأنها «كانت متوحشة بمثابة إعلان حرب جديدة على كل مناطقنا المحررة التي لم يميز بين مكوناتها، وكأنه بمعنى من المعاني يريد إعادة إنتاج الماضي الأسود القاتم لكل مكونات شعبنا العربية والكردية والسريانية والشيشانية والتركمانية وغيرها عبر اتهامها بالخيانة والتبعية. لا يحق لمن كان السبب في تدمير البلاد والعباد وملأ هذا الوطن بميليشيات الموت المرتزقة من كل أصقاع العالم أن يتهم القوى التي حاربت الإرهاب وحافظت على أمن واستقرار المنطقة بالخيانة».
ورد المقداد على موقف الأكراد ووصف «قوات سوريا الديمقراطية» بأنها «داعش» جديد في الشمال الشرقي من سوريا. وقال أمس: «هناك داعش آخر قد يسمى قسد، ويحاول الأميركيون دعمها ضد إرادة الشعب السوري». وأضاف: «هي في خدمة أميركا وخدمة المخططات الغربية ضد شعب سوريا وضد الدولة السورية»، معتبراً أنه «من يعمل على تفتيت الدولة السورية، ويضع شروط على إعادة دمج المناطق السورية ببعضها ليس بسوري ولا يمكن الوثوق به».
النظام السوري الذي ما زال يستند إلى قواعد له في شمال شرقي سوريا من عرب وأكراد وتركمان ومسيحيين وغيرهم، باشر ومنذ عدة أشهر إلى التواصل مع شيوخ عشائر العربية والتركمانية والكردية وغيرهم بعد اتخاذ الكثير منهم مواقف ضد النظام بسبب تصرفاته وخاصة في محافظات الحسكة ودير الزور والرقة والتي سيطر عليها تنظيم داعش. وكانت طائراته لا تفرق بين عناصر التنظيم والمدنيين، بل كانت تستهدف المدنيين أكثر وإشارات استفهام حول معارك وهمية بين عناصر التنظيم وقوات النظام التي سيطرة على مواقع عسكرية كان من الصعب السيطرة عليها لولا وجود تفاهمات وجر الثورة السورية إلى التطرف وخلق تنظيمات متطرفة شمال شرقي سوريا، بحسب نشطاء معارضين. وقال أحدهم: «شواهد كثيرة على تحالف النظام مع مسلحي داعش والذي سلم لهم محافظة الرقة وريف دير الزور الشرقي والغربي ونصف محافظة الحسكة».
وكان النظام وجد ضالته في ضغط «الوحدات» على العرب شمال وشرق سوريا ونظرة بعض عناصر إلى العرب للعودة إلى فتح قنوات التواصل مع شيوخ العشائر عبر أقاربهم ومعارفهم في دمشق وبعض المحافظات السورية الأخرى، ووجد الشيوخ عودة التواصل مع النظام فرصة لتخلصهم من «الوحدات» وقيادتها التي تتبع لجبل قنديل مقر حزب العمال الكردستاني وممارساتهم ضد العرب في تلك المناطق وصلت إلى حد المواجهات في مدينة منبج منتصف الشهر الماضي عندما فرضوا التجنيد الإجباري.
وقال أحد الشيوخ: «إذا فرض على أبنائنا التجنيد سنرسلهم للخدمة في الجيش السوري الذي سيعود إلى المنطقة عاجلاً وليس آجلاً ولن نرسل أبناءنا للخدمة العسكرية وتقديم التحية لعبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني».
تواصل النظام مع شيوخ العشائر لم يقتصر على الداخل، فقد أعاد النظام الشيخ نواف راغب البشير شيخ قبيلة البكارة واحدة من أكبر العشائر العربية في شمال وشرق سوريا من صفوف المعارضة إلى دمشق، وأظهره بأنه داعم للنظام عبر مساندة فصيل لواء «محمد الباقر» المكون من أبناء البكارة ونشر صورا له مع قادة الفصيل في مدينة دير الزور إلى جانب العميد عصام زهر الدين الذي قتل منتصف شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وقال أحد أبناء العشيرة: «إيران هي من أعادت الشيخ نواف البشير من تركيا وهو يقيم في حي كفر سوسة بدمشق تحت حراسة إيرانية. ولم يسمح له لقاء أي مسؤولين سوري، بل هو شخص منبوذ بالنسبة لهم بل وقصة إعادته استغلت فقط إعلامياً فقط».
تحالف «الوحدات» الكردية مع النظام السوري بني في البداية على مواجهة كل حراك شعبي في مناطق شرق سوريا، واعتبر عدد من المسؤولين السورين في تصريحات لهم أن «الوحدات الكردية هي جزء من القوى الوطنية». لكن هذا الوصف تلاشى بعد هجوم تنظيم داعش على مدينة الحسكة بتاريخ 25 يونيو (حزيران) 2015، حيث امتنعت «الوحدات» عن المشاركة لصد الهجوم على المدينة لأكثر من 20 يوماً من بدء الهجوم. ووعد قائد «الوحدات» الكردية الملقب بـ«لوند حسكة» بأن يشارك في صد هجوم «داعش» بعد مقابلة محافظة الحسكة السابق محمد زعال العلي، وقد وعد حسكة أن «تكون الوحدات الكردية إلى جانب الجيش والقوات الرديفة له في صد الهجوم»، بحسب مصدر. وأضاف: «قرار الوحدات الكردية ليس بيدهم هناك من يوجههم وهذه مشكلة بالنسبة لتعامل الحكومة السورية معهم، والتي ترفض لقاء أي مسؤول كردي ليس سوريا».
وتابع: «بعد هجوم داعش كانت قيادة الوحدات تنتظر سقوط مدينة الحسكة بيد تنظيم داعش وتقوم باستعادتها من تنظيم داعش وبذلك تفرض سيطرتها عليها بحكم الأمر الواقع، إلا أن صمود الجيش والقوات التي قاتلت معه أضاع الفرصة منهم، ودخلوا لتثبيت نقاط كان الجيش استعادها وبسطوا سيطرتهم عليها».
هذه السيطرة أوجدت حالة من الشك بين الحلفاء ضد تنظيم داعش، بل وصلت إلى حالة المواجهات عندما بدأت «الوحدات» تفرض سيطرتها على أغلب أحياء مدينة الحسكة والسيطرة على مقارها الحكومية وما كان من الصدام بد. وقال قائد إحدى المجموعات المسلحة التي تقاتل إلى جانب الجيش النظامي: «مع تمادي عناصر الوحدات الكردية في التعرض لنقاط الجيش والقوى الأمنية والرديفة لهم كان لا بد من المواجهة مع القوات الكردية، وهذا ما حصل وتدخل سلاح الجو في قصف مقرات الوحدات والآسايش في مدينة الحسكة بداية شهر أغسطس (آب) عام 2016، وعندها أدرك قادة الوحدات أن الحكومة السورية لن تسمح بسيطرتهم على محافظة الحسكة، وكل ما يقومون به هو تحت السيطرة بالنسبة للحكومة السورية».
وتعول الحكومة السورية في تواصلها مع شيوخ العشائر ووجهاء مناطق شمال وشرق سوريا على العنصر العربي، الذي يشكل نحو 70 في المائة من «الوحدات» الكردية، بحسب تصريحات قياداتها التي تنظر إلى هؤلاء كـ«مرتزقة»، كما يقول الشيخ محمد الفارس شيخ عشيرة طي في سوريا. وأضاف: «الوحدات تنظر إلى عناصرها العرب كمرتزقة وهم وقود أي معركة يدخلها الأكراد». وتابع: «عندما يكون الأمر يتعلق بالوطن سيكون العرب وكل شرفاء محافظة الحسكة وكل سوريا يدا واحدة ضد أي مشروع انفصالي أو غيره».



تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.


احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
TT

احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)

في خطوة يمكن أن ينظر إليها على أنها استكشاف مبكر لقدرة الحكومة اليمنية الجديدة على تحويل التعهدات الدولية إلى مسارات تنفيذية واضحة، انعقد اجتماع مجموعة شركاء اليمن بمشاركة واسعة من ممثلي الدول والمنظمات الأممية والدولية المانحة، في إطار حشد دولي تقوده السعودية لدعم خطة الحكومة برئاسة شائع الزنداني.

الاجتماع، الذي عُقد عبر الاتصال المرئي، جاء في سياق تحولات سياسية وأمنية شهدها اليمن منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وسط رهانات على إعادة ترتيب المشهدين السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية أكثر صلابة.

وأكد رئيس الوزراء وزير الخارجية، شائع الزنداني، في كلمته الافتتاحية، أن الحكومة الجديدة «تمضي في مرحلة مفصلية لإعادة ترتيب الوضع السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية واضحة».

وشدد على أن ذلك «يعزز قدرة الدولة على إدارة المرحلة المقبلة ويمنحها ثقلاً حقيقياً في أي مسارات مقبلة للتعامل مع ميليشيا الحوثي، سواء عبر التفاوض أو غيره من الخيارات التي تفرضها تطورات الميدان».

جانب من اجتماع مجموعة شركاء اليمن حيث يظهر الزنداني عبر الاتصال المرئي (إكس)

الزنداني رأى أن اجتماع مجموعة شركاء اليمن «يمثل محطة مهمة للانتقال إلى مرحلة أكثر تركيزاً على النتائج وأكثر انسجاماً مع الأولويات الوطنية»، بما يضمن، حسب تعبيره، «توظيف الموارد المتاحة بأعلى كفاءة لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية التي يستحقها الشعب اليمني».

وأشار إلى أن التحولات التي شهدها اليمن منذ ديسمبر الماضي، وما رافقها من قرارات وصفها بـ«الحاسمة» من قِبَل مجلس القيادة الرئاسي، أسهمت في «إعادة ضبط المسار الوطني، وإنهاء حالات الازدواج والتشظي في القرار السياسي والعسكري»، وتهيئة الأرضية لتشكيل حكومة «أكثر وحدة وتماسكاً وشمولاً في تمثيلها الجغرافي وإشراكها للمرأة والشباب».

برنامج متكامل

في الشق الاقتصادي، أعلن رئيس الوزراء اليمني أن حكومته شرعت في تنفيذ برنامج عمل متكامل يستند إلى خطة التعافي الاقتصادي وبرنامج الإصلاحات المالية ومكافحة الفساد، مؤكداً «الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء التعافي المستدام عبر استعادة التوازن المالي والنقدي، وتحسين إدارة الموارد العامة، وتحفيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل، والارتقاء بالخدمات الأساسية، لا سيما الكهرباء والمياه والصحة والتعليم».

حكومة الزنداني تنتظرها ملفات معقدة على صعيد الأمن والخدمات والاقتصاد (سبأ)

كما لفت إلى اعتماد وثيقة سياسة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والعمل على إنشاء وحدة متخصصة للشراكة وطرح مشاريع البنية التحتية وفق معايير دولية شفافة، بهدف تعزيز ثقة المستثمرين وتشجيع تدفق الاستثمارات، بالتوازي مع إعطاء أولوية لإصلاح نظام التقاعد وإعادة هيكلة المؤسسات العامة وضخ كفاءات شابة وفق أسس مهنية.

وجدد الزنداني التزام الحكومة الكامل بدعم جهود الأمم المتحدة والمبادرات الإقليمية والدولية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تنهي الحرب وتخفف المعاناة الإنسانية وتؤسس لسلام عادل ومستدام، مع الاستمرار في تعزيز الأمن الإقليمي والدولي ومكافحة الإرهاب وترسيخ سيادة القانون.

تنسيق الأولويات

في الاجتماع الدولي المساند للحكومة اليمنية، شدد محمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن، والمشرف العام على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، على أهمية استمرار العمل المشترك لتذليل العقبات أمام جهود السلام والتنمية في اليمن بقيادة الحكومة اليمنية.

وقال إن الاجتماع يمثل فرصة مهمة «للتعرف على أولويات الحكومة اليمنية والبنك المركزي اليمني»، بما يعزز التنسيق المشترك لضمان توجيه الدعم التنموي والمالي بكفاءة وفاعلية، ومساندة الجهات المانحة والمنظمات الدولية في مواءمة تدخلاتها وفق أولويات الحكومة.

وتعكس تصريحات آل جابر توجهاً سعودياً يركز على ربط الدعم المالي والفني بخطط تنفيذية واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، في سياق دعم استقرار سعر الصرف، والمساهمة في دفع الرواتب، وتوفير المشتقات النفطية لمحطات الكهرباء، إلى جانب المشاريع التنموية طويلة الأمد التي ينفذها البرنامج السعودي في قطاعات البنية التحتية والطاقة والمياه والصحة.

وفي السياق ذاته، استعرض محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أولويات البنك، مؤكداً الالتزام بمبدأ الشفافية ومحاربة التضخم، ومشيراً إلى أهمية التنسيق والدعم الدولي لمواجهة التحديات النقدية والمالية، في ظل ضغوط مستمرة على العملة الوطنية وتراجع الموارد العامة.

حضور أممي

بدوره، أكد المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، أهمية ما تقدمه السعودية من مشاريع تنموية في هذه المرحلة، لافتاً إلى وجود «مؤشرات إيجابية حالياً في اليمن خصوصاً مع تحسن استقرار قطاع الطاقة».

وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة في ظل ارتباط استقرار الكهرباء والخدمات الأساسية بتهيئة بيئة مواتية لأي مسار سياسي أو اقتصادي، فضلاً عن انعكاسها المباشر على الوضع الإنساني.

كما تطرق المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية، جوليان هارنيس، إلى التحديات الإنسانية المستمرة، مؤكداً الحاجة إلى دعم مستدام يواكب الإصلاحات الحكومية ويعزز قدرة المؤسسات الوطنية على إدارة الملف الإنساني بكفاءة.

ويعكس الاجتماع، وفق مراقبين، سعياً لإعادة صياغة العلاقة بين الحكومة اليمنية وشركائها الدوليين على أساس شراكة قائمة على الأولويات الوطنية، وتنسيق التدخلات، والانتقال من الاستجابة الطارئة إلى مسار تعافٍ مؤسسي طويل الأمد، في ظل استمرار تعقيدات المشهد الميداني والسياسي.