الاتفاق الأميركي ـ الروسي ـ الأردني: تزامن إبعاد «حزب الله» مع قتال «النصرة»

«الشرق الأوسط» تنشر بنود المذكرة الثلاثية لاتفاق الجنوب السوري

الاتفاق الأميركي ـ الروسي ـ الأردني: تزامن إبعاد «حزب الله» مع قتال «النصرة»
TT

الاتفاق الأميركي ـ الروسي ـ الأردني: تزامن إبعاد «حزب الله» مع قتال «النصرة»

الاتفاق الأميركي ـ الروسي ـ الأردني: تزامن إبعاد «حزب الله» مع قتال «النصرة»

كشفت وثيقة الاتفاق الأميركي - الروسي - الأردني، اطلعت «الشرق الأوسط» على مضمونها، عن تعهد موسكو بـ«تنفيذ فوري» لإبعاد «مقاتلين غير سوريين» في إشارة إلى «حزب الله» وميلشيات إيران من «منطقة آمنة» بعمق وسطي قدره 5 كيلومترات بين قوات النظام وفصائل المعارضة وسط نشر عشر نقاط روسية للرقابة ونقطتين للتفتيش، مقابل تعهد واشنطن وعمان بالعمل فوراً مع فصائل المعارضة لقتال «داعش» و«جبهة النصرة» وتنظيم «القاعدة» عن خط التماس في هدنة جنوب غربي سوريا. ويطرح ذلك موضوع التزامن بين الأمرين.
وبعد تبادل وزيري الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون والروسي سيرغي لافروف الزيارات إلى موسكو وواشنطن، بدأ الطرفان في مايو (أيار) العمل في عمان على تنفيذ اتفاق «خفض التصعيد» في جنوب سوريا قرب الأردن، وخط فك الاشتباك في الجولان مع إسرائيل، باعتبار أن الأميركيين رفضوا المشاركة رسمياً في عملية آستانة التي انطلقت نهاية العام، وأنجزت مسودة الاتفاق في مايو الماضي. وجرت في العاصمة الأردنية محادثات مكثفة بين دبلوماسيين وعسكريين ورجال استخبارات من أميركا وروسيا والأردن، حيث اعتقد الوفد الأميركي أنه حقق إنجازاً لاختبار مدى قدرة روسيا على ممارسة النفوذ على إيران في سوريا بإدخال عبارة منع وجود «قوات غير سورية» في منطقة «خفض التصعيد» في إشارة إلى «حزب الله» وميلشيات تدعمها إيران، خصوصاً «حركة النجباء».
ولدى التوصل إلى المذكرة الثلاثية، أعلن الرئيسان دونالد ترمب وفلاديمير بوتين خلال لقائهما في هامبورغ في 7 يوليو (تموز) الاتفاق على إقامة منطقة «خفض التصعيد» جنوب غربي سوريا، لكن عمق انسحاب «القوات غير السورية» في إشارة إلى «حزب الله» وميلشيات إيران بقي عقدة رئيسية في المحادثات التي استمرت خلال الفترة الماضية، إضافة إلى نقاط انتشار المراقبين الروس وشروط فتح المعبر الحدودي الأردني - السوري. وطرحت أرقام عدة لعمق الانسحاب. وتأرجحت الطروحات بين أن يكون 20 ميلاً و10 أميال وصولاً إلى خمسة أميال وسط محادثات مكثفة بين مسؤولين إسرائيليين وأميركيين لإبعاد «حزب الله» والإيرانيين عن الجولان.
مبادئ الحل
وقبل لقاء سريع بين ترمب وبوتين، أنجزت المحادثات الثلاثية في عمان في 8 من الشهر الحالي الاتفاق على مذكرة تفاهم ثلاثية وخرائط أعدها خبراء عسكريون، إضافة إلى مبادئ للحل السياسي في سوريا. واستطاع تيلرسون ولافروف صوغ مسودة اتفاق ترمب - بوتين الذي أعلن خلال لقاء سريع بين الرئيسين في فيتنام في 11 الشهر الحالي، تضمن ثلاثة مبادئ: الأول، سياسي، دعم عملية جنيف لتنفيذ القرار 2254 وإجراء إصلاحات دستورية لإجراء انتخابات سوريا. الثاني، عسكري، تنسيق بين الجيشين الأميركي والروسي في محاربة الإرهاب وهزيمة «داعش» شرق سوريا. الثالث، تنفيذ اتفاق «خفض التصعيد» جنوب غربي سوريا ومباركة مذكرة التفاهم في عمان.
وتضمن اتفاق ترمب - بوتين الترحيب بمذكرة تفاهم جديدة أميركية - روسية - أردنية وُقِّعت في عمان في 8 من الشهر الحالي لـ«الخفض والقضاء النهائي على وجود القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب من المنطقة لضمان سلام أكثر استدامة»، على أن يراقب ذلك، مركز الرصد في العاصمة الأردنية الذي يتناول الخروقات وكيفية التعاطي معه.
وبحسب نص المذكرة الثلاثية، التي اطلعت عليه «الشرق الأوسط»، فإنه يقع في سبعة مبادئ مشابهة لوثائق اتفاقيات «خفض التصعيد» في غوطة دمشق وريف حمص ومناطق أخرى، بحيث تؤكد الأطراف المعنية «احترام مبدأ سيادة الجمهورية العربية السورية وسلامتها الإقليمية وضرورة توقف سفك الدماء، ومرجعية الحل الشامل في سوريا المبني على القرارات الدولية، ولا سيما بيان جنيف 1 وقرار مجلس الأمن رقم 2118 والقرار رقم 2254 واتفاقية أنقرة لوقف إطلاق النار المؤرخة بتاريخ 30 ديسمبر (كانون الأول) 2016».
وتناولت المذكرة تأكيد الأطراف الثلاثة «استمرار تجميد» وتنفيذ اتفاق وقف النار أو «خفض التصعيد» في أرياف درعا والقنيطرة والسويداء بين الحكومة السورية والقوات الموالية لها من جهة وفصائل المعارضة من جهة ثانية، إضافة إلى «التزام بقاء الترتيبات الإدارية والأمنية الخاصة بالمعارضة»؛ ما يعني بقاء المجالس المحلية ومؤسسات المعارضة «خلال فترة مؤقتة»، مع التأكيد على ضمانات بعدم حصول أي تغيير ديموغرافي والسماح بعودة اللاجئين والنازحين إلى بيوتهم.
وتناولت الفقرة الأهم، بحسب مسؤولين غربيين لديهم الوثيقة الثلاثية، أن يتم في المرحلة الأولى إقامة «منطقة عازلة» خالية من وجود المقاتلين الأجانب غير السوريين في إشارة إلى «حزب الله» وميلشيات إيران، مع تأكيد على رفض أي وجود عسكري أو استخباراتي أجنبي في المنطقة المحددة والمعرفة باسم «منطقة عازلة» بموجب خرائط مرفقة بالمذكرة يُعتقد أنها بعمق وسطي قدره خمسة كيلومترات في محاذاة منطقة سيطرة المعارضة في أرياف درعا والسويداء والقنيطرة. ونصت المذكرة أيضاً على أنه «لن يكون هناك أي وجود بأي شكل من الأشكال، بما فيه الاستخباراتي في هذه المنطقة العازلة».
ولا يشمل القوات غير السورية، الفصائل الموقعة على هذا الاتفاق، بحسب الوثيقة، التي نصت أيضاً على أن تلتزم روسيا بدء «التنفيذ الفوري» لهذا البند الخاص في المرحلة الأولى من المذكرة، المتعلقة بإبعاد «القوات غير السورية» من المنطقة «العازلة»؛ إذ إن الجيش الروسي سيقيم فيها عشر نقاط تفتيش ونقطتي رقابة لضمان الالتزام، على أن تقوم أميركا والأردن بتنفيذ فوري أيضاً لقتال «داعش» وإخراج «النصرة» وفصائل مرتبطة بتنظيم القاعدة من مناطق سيطرة فصائل «الجيش السوري الحر» أو يما يعرف بـ«الجبهة الجنوبية» بموجب خريطة حددها الجيش الروسي.
وإذ يذكر الاتفاق الثلاثي «النصرة» و«داعش»، لم يذكر بالاسم إيران أو «حزب الله»، لكن المفاوضات كانت تدور عنهما. وقال مسؤول أميركي رفيع المستوى: «مذكرة الأطراف تكرس التزام الولايات المتحدة وروسيا والأردن بالقضاء على وجود القوات الأجنبية غير السورية. ويشمل ذلك القوات الإيرانية والميليشيات التي تدعمها إيران، مثل (حزب الله) اللبناني والمتطرفين الأجانب الذين يعملون مع (جبهة النصرة) وغيرها من الجماعات المتطرفة من المنطقة الجنوبية الغربية... ما قوض وقف إطلاق النار وشكل تهديداً للأردن وإسرائيل». ونفى مسؤولون روس أن يكون الاتفاق نص على سحب «حزب الله» وإيران، مشيرين إلى أن ذلك مرتبط باستقرار وقف النار وتحقيق السلام.
مجلس محلي معارض
يضاف إلى ذلك، تضمنت المذكرة السماح بإدخال المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الأعمار وتعهد الأردن بفتح معبر الحدود مع سوريا لتسهيل الحركة التجارية بموجب ترتيبات متفق عليها مع الحكومة الأردنية وفصائل المعارضة جنوب سوريا ووجود رمزي ما للسلطات السورية. وأوضح المسؤول الأميركي: «المذكرة التي تم التوقيع عليها بالأحرف الأولى في عمان، وأقرها الرئيسان اليوم، تعكس الالتزام الثلاثي بأن الترتيبات الإدارية وترتيبات الحكم القائمة في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في الجنوب الغربي ستبقى خلال هذه المرحلة الانتقالية. وإن المعارضة بعبارة أخرى لا تسلم الأراضي إلى النظام؛ مما يؤجل المسائل المتعلقة بترتيبات سياسية طويلة الأجل للعملية السياسية بموجب قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2254».
عملياً، يعني تنفيذ المرحلة الأولى من المذكرة ابتعاد «حزب الله» وميلشيات إيرانية بحدود 15 كيلومتراً عن خط فك الاشتباك، ومسافة أقل من حدود الأردن، باعتبار أن فصائل المعارضة تسيطر على منطقة بعمق يصل إلى عشرة كيلومترات بين الجولان ودمشق. وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية أمس، بأن المرحلة الثانية من المذكرة بعد القضاء على «جبهة النصرة» و«داعش» تتضمن إبعاد «حزب الله» وإيران بعمق 40 كيلومتراً من الأردن. ولم يتم التأكد من ذلك من مصادر أخرى، علماً بأن مصادر تحدثت سابقاً عن 30 كيلومتراً كحد أقصى.
وطرح في هذا السياق موضوع إحياء اتفاق فك الاشتباك بين سوريا وإسرائيل للعام 1974، ونص على نشر «القوات الدولية لفك الاشتباك» (اندوف) لمراقبة التزام الطرفين بمناطق عازلة وأخرى محدودة السلاح. ونشرت وسائل إعلام غربية أن إسرائيل أصرت على إحياء منطقتين محدودتي وجود السلاح بعمق 20 كيلومتراً من خط فك الاشتباك في الجولان، بحيث يحظر وجود «حزب الله» وميلشيات إيران. واقترحت موسكو حلاً وسطا تضمن بالسماح بانتشار قوات النظام خصوصاً في منطقة حضر الدرزية التي تعرضت لهجوم من «النصرة» الأسبوع الماضي.
وكانت موسكو تريثت بالطلب من طهران سحب «حزب الله» وميلشيات إيران من الجنوب. ونفى مسؤولون روس أن يكون الاتفاق الثلاثي نص حرفياً على ذلك، ما يفتح الطريق لـ«الغموض البناء» وسعي روسيا إلى عدم إحراج حلفائها خلال تنفيذ الاتفاق الثلاثي.



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.