«دون جوان المكتبات» ألبرتو مانغويل: لديّ 40 ألف كتاب... ومصيرها يقلقني

الكاتب الأرجنتيني قال لـ«الشرق الأوسط» إنه لم يقصد ابتكار نوع جديد من الأدب

مانغويل في مكتبته
مانغويل في مكتبته
TT

«دون جوان المكتبات» ألبرتو مانغويل: لديّ 40 ألف كتاب... ومصيرها يقلقني

مانغويل في مكتبته
مانغويل في مكتبته

قبل خمس عشرة سنة تقريباً، أطل علينا كاتب لم نكن، آنذاك، قد سمعنا به عربياً، اسمه ألبرتو مانغويل، أرجنتيني المولد، كندي الجنسية، مقيم في فرنسا، ليحدثنا عن القراءة التي حرث في تاريخها وفنونها. واستمرت الكتب المترجمة له عبر «دار الساقي»، لنقرأ عبرها انطباعات القارئ المثقف النهم لكتب الآخرين منذ بدأت الكتابة أشكالها الأولى مسمارية على ألواح الطين في بلاد الرافدين، حتى تبلورها بأبجدية واضحة واختراع آلة الطباعة.
ويمكن القول إن ألبرتو مانغويل قد أحدث نوعاً أدبياً جديداً، اسمه «علم القراءة»، دون أن يعي في حينها أنه يبتكر نوعاً أدبياً جديداً، كما يقول في حواره مع «الشرق الأوسط». وقد وجه قراءه عبر تلك الكتابات لمتابعة تفاصيل عميقة عن القراءة، وعن الكتب والمكتبات؛ كتب مثل «فن القراءة» و«تاريخ القراءة» و«يوميات القراءة» و«المكتبة في الليل»، وعناوين أخرى، احتفت بفعل القراءة وتطوره مثل أي تقاليد أخرى، بعد أن كانت الدراسات الحديثة تركز تاريخياً على اختراع الكتابة وتطورها. ومن أفضال مانغويل أنه أعاد الاعتبار للثقافة الإنسانية جمعاء، فلم يتوقف عند ثقافة محددة في قراءاته، فهو مطلع على آداب الشعوب القديمة، وعلى نتاج أدباء معاصرين، لهذا تزدحم مكتبته، وتتعدد غرفها وأماكنها إلى حد أنها وصلت إلى 40 ألف عنوان كتاب.
وهذا حوار تم معه عبر رسائل إلكترونية...
> بإصدارك كتباً عن القراءة، تاريخها وفنها، استحدثت ظاهرة غير مسبوقة في الأدب، بمعنى أصح: نوعاً أدبياً جديداً... كيف حدث أن قرأت كتباً معينة بطريقة أخرى غير الطريقة النقدية التقليدية؟
- لم أكن على دراية حينها بأنه كان نوعاً جديداً؛ إن تعريفات النوع الأدبي تتعلق بقيود لا أقبلها، وكل كاتب (ما لم يكن لديه أو لديها عقل بيروقراطي) يمزج ويناسب بين ما نتفق أو نختلف على تسميته «النوع». فلقد مزج براوننغ القصائد الشعرية مع المناجاة المسرحية، وجمع ابن بطوطة بين قصص الرحلات والسير الذاتية، وكتب بورخيس القصص الخيالية التي بدت مثل دراسات، كما أن أبو العلاء المعري نسج الكتابة اللاهوتية في الكوميديا الشعرية. ولأن القراءة بالنسبة لي هي الوسيلة الطبيعية لتجربة العالم، فإن تعليقاتي على ما أقرأ هي نوع من أنواع السير الذاتية والنقد والأبحاث التاريخية، وفي بعض الأحيان مقتطفات من قصص مختلفة.
> أتساءل عما إذا كان بين أكوام الكتب الضخمة في مكتبتك... هناك كتب (وربما مؤلفون معينون) لديهم تأثير أعمق على شخصيتك من مؤلفات ومؤلفين آخرين.
- بكل تأكيد، غير أن كثيراً من هذه التأثيرات يتوقف على الزمن والمكان. في لحظات معينة، كانت كتب تشيسترتون والقديس يوحنا، وكتب أليس (سلسلة كتب للمراهقين للكاتبة فيليس رينولدز نايلور)، ذات تأثير رهيب على نفسي. وفي لحظات أخرى، كان تأثير مسرحية «الملك لير» و«الليالي العربية» عميقاً عليّ. أما الآن، فإنني أعاود باستمرار القراءة لميشيل دي مونتين ودانتي، على وجه التحديد. وكذلك بورخيس وستيفنسون وأبو نواس وفيرجينيا وولف وكالفينو وأولغا سيداكوفا وصادق هدايت وكافكا وميغيل هرنانديز ومحمود درويش وسينثيا أوزيك ونورمان مانيا وخوان رولفو. ويبدو أن القائمة ممتدة بلا نهاية.
> قلت ذات مرة إن الإلحاح للحصول على كتاب وامتلاكه «هو نوع من الرغبات التي لا يمكن مقارنتها بأية متعة أخرى»... أنت تكتب أيضاً الآن الرواية وغيرها، فهل متعة الكتابة تماثل متعة القراءة عندك؟
- إن الرغبة في اقتناء كتاب ما لا يمكن مقارنتها بالرغبات الأخرى، بسبب أنها لا ترتبط بالأنانية أو الجشع أو الشهوة، بل إنها الدافع الذاتي لأن تكون جزءاً من شيء أعظم منك، وأن تنتمي إلى كوكبة قد تمنحك معنى حقيقياً لوجودك في الحياة، وتلك الإرادة هي التي تستكمل المكتبة التي تعبر عن كينونتنا. وإنني أتوق كثيراً لاقتناء كتاب ما، كما قد أتوق تماماً لأصبع مفقودة.
> ذكرت صحيفة «ذي سكوتلاند أون صنداي» ذات مرة أن «ولع الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل بالقراءة يشبه كازانوفا وولعه بالنساء»... هل راق لك مثل هذا التشبيه؟
- أجده طريفاً للغاية. لقد وصفني جورج شتاينر بتعبيره «دون جوان المكتبات»، وإنني أحب التفكير في الكتب بطريقة إيروتيكية.
> كم تضم مكتبتك من عناوين تقريباً؟
- لديّ في حدود 40 ألف عنوان كتاب.
> وماذا تنوي أن تفعل بهذا الموروث الكبير من الكتب... هل ستهديها لاحقاً لمكتبات وطنية مثلاً أم ستتركها لعائلتك؟
- بصراحة، حتى الآن لا أدري ماذا سأفعل بهذه الكتب، ولكن من المؤكد أن عائلتي لا تريد أن تتورط بعبء مكتبة بهذا الحجم.
بورخيس يشبه كتبه
> قرأت لبورخيس لمدة أربع سنوات كاملة، وهو الذي كان مديراً للمكتبة الوطنية في خمسينات القرن الماضي، المنصب الذي تشغله أنت الآن... فهل يمكنك إخبارنا عن كتبه المفضلة؟ وأي أنواع الكتب التي كان يفضلها أكثر من غيرها؟
- كان بورخيس يقرأ الأدب الإنجليزي بصورة أساسية، بيد أن الكتابات الشرقية والعربية كان لها أبلغ الأثر على أعماله الأدبية. كان يحب القصص الملحمية، وكان لديه ذوق خاص لأدب العنف والمشاعر المرهفة. وتأتي القوة الكبيرة في كتاباته، كما أعتقد، من مقدرته الفريدة على تحويل كل شيء يقرأه إلى «بورخيس». ومن بين أفضل الكتاب المقربين إليه كان ستيفنسون وكيبلينغ وتشيسترتون وكارلايل ودي كوينسي وروبرت فروست وإيكا دي كويروز ودانتي.
> ذكرت في كتابك حول بورخيس أنه لم يلتزم أبداً بالانتهاء من قراءة كتاب ما. كقارئ، هل تلتزم أنت دائماً بإنهاء قراءة أي كتاب في حال عدم الاستمتاع بقراءته؟
- أبداً، أنا أشرع في قراءة صفحة أو صفحتين من أي كتاب، فإن لم يغرني ما أقرأه بالاستمرار والمواصلة، فإنني أتخلى عن ذلك الكتاب فوراً. ربما أعاود قراءته مرة أخرى في المستقبل، غير أن علاقتي المبدئية به تكون قد انقطعت.
> هل تشعر أن هناك فارقاً بين بورخيس كإنسان وبين كتبه؟ لقد أدركت أنك لم تذكر كتبه بين تلك المفضلة لديك، بحسب قائمة في لقاء صحافي معك. صحح لي إن أغفلت شيئاً.
- بورخيس الإنسان تقاسم مع بورخيس الكاتب سمات كثيرة، بينها الذكاء والدعابة والاعتبارات الأخلاقية، ولكنني لم أتعرف عليه بصورة مقربة ووثيقة، وأعتقد أن الصديق الحقيقي الوحيد لديه كان أدولفو بيوي كاساريس؛ لقد كان بورخيس حريصاً على خصوصيته. وما من شك في أن كتب بورخيس هي من ضمن الكتب المفضلة عندي، وأعتقد أنك اطلعت على قائمة عن كتبي المفضلة باللغة الإنجليزية، وترجمات بورخيس إلى اللغة الإنجليزية هي شيء أمقته.
> برأيك هل اتهم بورخيس بمعاداة القومية الأرجنتينية لمجرد أنه تبنى الميثولوجيا والتراث الأجنبي في كتاباته، مثل «الليالي العربية»، متجاهلاً الميثولوجيا الوطنية؟
- عارض بورخيس الحمقى من أنصار القومية الأرجنتينية الرعناء، الذين كانوا مثل أولئك الذين قالوا، وفقاً للمؤرخ اليوناني القديم بلوتارخس، إن قمر إسبارطة هو أكثر جمالاً وبهاء من قمر أثينا. وقال إنه يمكننا أن نكون أرجنتينيين بأن نكون عالميين.
> ما أهدافك بوصفك مديراً للمكتبة الوطنية في الأرجنتين الآن؟ ومجلتكم تنشر باللغة الإسبانية، فهل فكرتم في نشر إصدارات بلغات أخرى، مثل الإنجليزية، بغية الوصول إلى قطاع أكبر من الجمهور؟
- لقد فكرت في الأمر، وكم أود القيام به، ولكن تنقصنا الميزانية الكافية للتنفيذ. أود أن تكون المكتبة الوطنية مكتبة عالمية حقاً، ونحن نوقع على اتفاقيات مع كثير من المكاتب الوطنية في بلدان أخرى حول العالم. كما أننا نعمل على تنظيم معرض مشترك مع مدير مجلس المكتبات العامة في القاهرة، خالد الخميسي؛ معرض كبير يحمل عنوان «بورخيس والعالم العربي».
> حصلت أخيراً على جائزة «فورمنتور دي لاس ليتراس» المرموقة، لإنجازاتك على مدى حياتك الأدبية... هل تشعر بأن الجائزة هي نوع من أنواع المكافأة للكاتب على جهده الشاق؟ وفي هذا الصدد، هل سبق لك أن قرأت لمؤلفين ما وشعرت بالدهشة لأنهم لم يحصلوا حتى الآن على أية جوائز؟
- الجائزة هي ثمرة آراء بعض القراء (في لجنة تحكيمها). وإن كان تولستوي في هيئة للحكم على أعمال شكسبير، لم يكن ليمنح شكسبير الجائزة لأن تولستوي كان يمقت الملك لير. إن الجوائز تتعلق بالآراء ليس إلا، وهو السبب في أن بورخيس أو محمود درويش لم يحصلا على جائزة نوبل، في حين أن داريو فو وبوب ديلان حصلا عليها. واليوم، لو لي حق القرار، كنت سأمنح جائزة نوبل إلى نورمان مانيا أو سيس نوتبوم أو آن كارسون أو مارغريت أتوود أو إيان ماك - إيوان.
المكتبات والحروب
> وصفت إعادة افتتاح المكتبة الوطنية اللبنانية، التي دمرت خلال الحرب الأهلية عام 1975، بأنه «مشروع سياسي للمصالحة بين جموع الشعب اللبناني». أود أن أضيف أنه مما يؤسف له، كما تعلم، أن المئات من الكتب النادرة المطبوعة والمخطوطات التي لا تقدر بثمن، وغيرها من المعالم الأثرية، قد نالها الدمار أو النهب أو الحرق في البلدان التي مزقتها الحروب، مثل العراق وسوريا واليمن وفلسطين. وأعتقد أنهم في حاجة إلى اهتمامكم كأحد الكتاب البارزين في العالم الآن.
- أوافقك الرأي تماماً، وهذا هو السبب في أنني أثناء تقريظ أحد الكتب لملحق صحيفة «التايمز»، أشرت إلى أنه عندما تعرضت المنازل الفلسطينية للنهب في عام 1948، سُرقت الكتب والمخطوطات من بيوت الفلسطينيين ثم ظهرت مرة أخرى في المكتبة الوطنية الإسرائيلية. وعندما أغلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بشكل تعسفي، المكتبة الأوكرانية في موسكو، وأمر بسجن مديرها، قررت أن افتتح فرعاً للمكتبة الأوكرانية داخل المكتبة الوطنية في الأرجنتين، حيث توجد الآن. لا يمكننا التغافل عن أعمال السرقة والقرصنة والرقابة القميئة، ولا أن نلتزم الصمت المطبق حيالها، وإلا صرنا شركاء في تلك الجرائم.
> نشرت «دار الساقي» أغلب كتبك المترجمة إلى العربية. وبالنسبة لي، الترجمة جيدة للغاية. هل أنت على علم بترجمة أخرى غير التي نشرتها «دار الساقي»، أعني باللغة العربية؟
- أعتقد أن هناك ترجمة أخرى، ولكنني لا أذكر أين تمت. لقد كانت «دار الساقي» مخلصة لأعمالي على مدى سنوات؛ منذ أيام السيدة الرائعة مي غصوب، الصديقة العزيزة التي أفتقدها كثيراً.


مقالات ذات صلة

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

ثقافة وفنون «أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

أصدرت «منشورات رامينا» في لندن الترجمة العربية لكتاب «أناهيتا وكَميفان» للمسرحي والكاتب الكردي هلكت إدريس عابد، بترجمة شمال آكريي

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون نبوءة جورج أورويل المخيفة

نبوءة جورج أورويل المخيفة

السيطرة على البشر وتوجيههم عن طريق التحكم في الخلايا العصبية والشرائح الذكية نبوءة رأيناها تتحقق في أفلام الخيال العلمي، بل قرأنا عنها في أدب وأفلام الديستوبيا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

كثيرة، منذ القرن التاسع عشر، هي الأعمال الأدبية العربية وكتب الرحلات والمذكرات التي تتمحور حول موسم الهجرة إلى الشمال، أوروبا أو القارة الأميركية الشمالية.

د. ماهر شفيق فريد
كتب رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

صدر حديثاً للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة كتاب جديد بعنوان «شي جينبينغ: 101 قصة من الطفولة إلى القيادة العالمية»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب مستقبل القرار الطبي في زمن الذكاء الاصطناعي

مستقبل القرار الطبي في زمن الذكاء الاصطناعي

يقدم الكتاب مفهوم «السلطة السريرية» بوصفه إطاراً يحافظ على الدور القيادي للطبيب في اتخاذ القرار

«الشرق الأوسط» (لندن)

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية
TT

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

كثيرة، منذ القرن التاسع عشر، هي الأعمال الأدبية العربية وكتب الرحلات والمذكرات التي تتمحور حول موسم الهجرة إلى الشمال، أوروبا أو القارة الأميركية الشمالية. والأمثلة ليست بحاجة إلى تذكرة: رفاعة الطهطاوي، توفيق الحكيم، يحيى حقي، الطيب صالح، سهيل إدريس.. إلخ. لكن ماذا عن موسم الهجرة من الجنوب إلى الجنوب، من بلد عربي أفريقي أو آسيوي إلى دول الخليج؟

سؤال يجيب عنه كتاب صادر باللغة الإنجليزية هذا الصيف هو كتاب «الهجرة إلى الخليج في الرواية العربية» (Migration to the Gulf in the Arabic Novel) (مطبعة جامعة إدنبرة 2026، 271 صفحة) من تأليف نادين دقاق (Nadeen Dakkak) المحاضرة في قسم اللغة الإنجليزية والكتابة الإبداعية في جامعة إكستر البريطانية. والكتاب هو أحدث إصدارات سلسلة «دراسات إدنبرة في الأدب العربي الحديث» التي يشرف عليها الدكتور رشيد العناني. وقد صدر منها حتى الآن - اعتباراً من عام 2013 - أكثر من 30 كتاباً.

كان انبثاق النفط من رمال الصحراء - وما تبعه من تحديث متسارع الخطى - إيذاناً بتغيرات جيو - سياسية واجتماعية واقتصادية مهمة طالت الحياة في دول الخليج وجعلتها محط أنظار ومعقد آمال آلاف يحلمون بـ«عقد عمل» يعودون بعده إلى بلادهم وقد غدوا أقدر على مواجهة تكاليف العيش والضغوط الاقتصادية الواقعة عليهم وعلى من يعيلون.

عالج موضوع الهجرة، خلال سبعينات القرن الماضي وثمانيناته، كتاب مصريون وفلسطينيون، أو فلسطينيون أردنيون، ولبنانيون، وأريتري. من هذه الأعمال خماسية «مدن الملح» لعبد الرحمن منيف، «رسالة البصائر في المصائر» لجمال الغيطاني، «اهبطوا مصر» و«صمت الرمل» لمحمد عبد السلام العمري، ثلاثية «أطفال بلا دموع» لعلاء الديب، «مسك الغزال» وأقصوصتان من المجموعة القصصية «وردة الصحراء» لحنان الشيخ، «بيع نفس بشرية» لمحمد المنسي قنديل وغيرها.

من الأعمال التي يتوقف عندها كتاب نادين دقاق رواية «براري الحمى» (1985) لإبراهيم نصر الله وهي عن مدرس شاب يعمل في بلد عربي بعقد مؤقت. ونحن نراه ممدداً في فراشه في حالة هلاس متولد من الحمى عقب لدغة بعوضة. إنها رؤية كافكاوية ناجمة عن شعور بالعجز والاضطهاد.

وهناك رواية إبراهيم عبد المجيد «البلدة الأخرى» (1991) وبطلها خريج قسم فلسفة يعمل في وظيفة إدارية بإحدى الشركات في بلدة عربية. تروى الأحداث بضمير المتكلم على لسانه. وإذ يفدحه الشعور بركود حياته يحاول كتابة يوميات ويصبح مدمناً على برامج تافهة ومسلسلات أميركية على شاشات التلفزيون. ولكن عودته إلى مصر بعد عام من الاغتراب لا تنبئ بما هو أفضل. ويعدد الدكتور محمد بدوي تقنيات الروائي هنا، وهي التشويق ولغة السرد التي تركز على تفاصيل دون أخرى ومنظور المراقب للأحداث.

و«سمراوية» (2012) رواية للقاص الأريتري حاجي جابر تصور حيرة الجيل الثاني من المهاجرين. إن عمر يلتقي في مقهى بأسمرة فتاة تدعى سمراوية، ويقع في حبها من أول نظرة. وتتحرك الرواية في نقطة وسط بين الخيال والواقع مجسدة اقتلاع الأريتري من أرضه. فوالد عمر وأجداده يضطرون إلى الهجرة من بلدهم عقب الصراعات السياسية العنيفة في حرب استقلال أريتريا عن إثيوبيا. والحكي في الرواية لا يتخذ شكل خط مستقيم وإنما يمثل تنقلاً بين الطفولة والرشد وسفراً عبر عدة مدن.

وفي خلفية هذه الأعمال تتخايل رواية الأديب الفلسطيني غسان كنفاني «رجال في الشمس» (1962) التي تعزف نغمة مأسوية، إذ تصور محنة الاقتلاع من الوطن السليب والحلم الذي يتحول إلى كابوس وذلك من خلال ثلاثة فلسطينيين يحاولون الوصول إلى الكويت عبر صحراء العراق فيكون مآلهم الموت اختناقاً داخل صهريج الشاحنة التي تقلهم في وقدة القيظ.

وإذا كان من الممكن أن نعتبر روايات الهجرة إلى الخليج جنساً أدبياً قائماً بذاته - وإن يكن على نطاق محدود - فما هو المستقبل الذي ينتظر هذا الجنس الأدبي؟ تختم نادين دقاق كتابها بأن تقول: من الصعب أن نرجم بالظنون عن المستقبل المنظور، وهل سيشهد مزيداً من الإضافات إلى هذا الجنس، ولكن المؤشرات تومئ لأن الاتجاه نحو التعددية قد يكون الاتجاه الغالب على المدى الطويل، بما يعكس التعدد على أرض الواقع وتشابك خيوطه. تشهد بهذا كثير من الكتابات في المجلات الأدبية الصادرة في دول الخليج ومدونات الفضاء الإلكتروني.

ما من كتاب واحد يمكنه أن يغطي كل ما يمكن أن يقال في موضوعه. وليس من العدل أن نطالب نادين دقاق بأن تذكر كل ما كتب عن الخليج. ولكني افتقدت عملاً واحداً أحسب أنه لا يمكن إغفاله في هذا السياق، حيث إنه يقع من موضوع المؤلفة في الصميم. إنه رواية «الخليج» للروائي المصري محمد جبريل. بطل الرواية رؤوف العشري صحافي يعمل في منطقة الخليج إبان الغزو العراقي للكويت. وتنتقل بنا المشاهد بين الكويت ومسقط والإسكندرية، فللمكان حضور بارز في هذا العمل، حيث تتجاور نقائض الحداثة والتراث، وتنهض أحدث مخترعات الغرب التكنولوجية في مواجهة قيم تقليدية تراثية تحكم دوافع السلوك وأنماط العيش. وفيما عدا هذا النقص ليس لدى إلا الثناء على كتاب يجمع - مثل سائر كتب السلسلة التي تضمه - بين دقة البحث العلمي ونفاذ البصر النقدي وإتقان الإخراج الطباعي.


رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

شي جينبينغ
شي جينبينغ
TT

رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

شي جينبينغ
شي جينبينغ

صدر حديثاً للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة كتاب جديد بعنوان «شي جينبينغ: 101 قصة من الطفولة إلى القيادة العالمية»، يحمل عنواناً فرعياً هو «رحلة الإنسان والقائد وباني نهضة الصين نحو المستقبل»، ويقدّم سيرة فكرية وإنسانية للرئيس الصيني شي جينبينغ من خلال مائة قصة وقصة، تجمع بين السرد الأدبي والتوثيق التاريخي والتحليل السياسي.

لا يقدّم الكتاب سيرة تقليدية تكتفي بتسجيل المحطات الزمنية أو استعراض الإنجازات، بل يسعى إلى الاقتراب من التجربة الإنسانية التي أسهمت في تكوين شخصية شي جينبينغ، وتتبع العوامل المختلفة التي رافقت انتقاله من طفولة اتسمت بالتحديات، إلى تجربة قاسية في الريف الصيني، ثم إلى مواقع المسؤولية، وصولاً إلى قيادة الصين في مرحلة تشهد تحولات واسعة.

ينطلق قميحة من أن الكتابة عن القادة الكبار ليست أمراً يسيراً؛ لأنها تتطلب محاولة لفهم روح التجربة الإنسانية والظروف التي صنعتها. ويرى أن الكتابة عن شي جينبينغ تضع الكاتب أمام تحديين متلازمين: تحدي الفهم وتحدي الإنصاف، ولا سيما أن تجربته القيادية نشأت في سياق صيني خاص، يختلف في جذوره الفكرية والتاريخية والسياسية عن النماذج الغربية السائدة.

ومن هنا، يعود الكتاب إلى البدايات الأولى في حياة شي جينبينغ، وإلى البيئة العائلية التي نشأ فيها والقيم التي تلقاها، قبل أن يتوقف عند تجربة إبعاده في سنوات شبابه إلى قرية ليانغجياخه الريفية. وهناك واجه الفقر والعمل الشاق وقسوة الظروف الطبيعية والاجتماعية، واختبر بصورة مباشرة تفاصيل حياة المزارعين وتطلعات الفئات الأكثر احتياجاً.

وتكشف القصص كيف أسهمت سنوات الطفولة والشباب في بناء إرادة قوية مكّنت شي جينبينغ من مواجهة الصعوبات والاستمرار في مسيرته السياسية. كما تتناول انخراطه المبكر في العمل العام، وبدايات مسيرته داخل الحزب الشيوعي الصيني، والتجارب الإدارية التي خاضها في المناطق المحلية، حيث تعرّف عن قرب إلى تحديات التنمية والفقر والبنية التحتية والتعليم والإدارة العامة.

ويتابع الكتاب انتقال شي جينبينغ بين مواقع المسؤولية في عدد من المقاطعات الصينية، مستعرضاً كيف تطورت رؤيته للإدارة والإصلاح من خلال العمل الميداني والتواصل المباشر مع المزارعين والحرفيين وأصحاب المشاريع الصغيرة.

ويقول المؤلف إن الكتاب، رغم تركيزه على سيرة قائد، لا ينظر إلى القيادة بوصفها فعلاً فردياً معزولاً، ولا إلى التاريخ بصفته صناعة شخص واحد. فالتجربة التي يتناولها نشأت داخل إطار جماعي واسع، كان فيه الحزب الشيوعي الصيني القوة التنظيمية والفكرية التي رافقت مسيرة التحديث، في حين كان الشعب الصيني شريكاً فاعلاً في البناء والتحول، لا مجرد متلقٍ للسياسات.

وعلى هذا الأساس، يقدّم المؤلف مسيرة الصين بوصفها نتيجة تفاعل مستمر بين القيادة والرؤية، وبين التنظيم الحزبي والإرادة الشعبية.

ولا تتوقف القصص عند سيرة شي جينبينغ، بل تنتقل إلى دراسة أبرز ملامح فكره في الحكم وإدارة الدولة، وفي مقدمتها مفهوم الحلم الصيني والنهضة الوطنية والازدهار المشترك والعدالة الاجتماعية. كما تتناول رؤيته لتحديث الحوكمة، وتعزيز الانضباط داخل الحزب، ومكافحة الفساد.

ويرصد الكتاب حرص شي جينبينغ على الجمع بين عناصر من الفكر الصيني التقليدي ومتطلبات الدولة الحديثة. ففي خطابه السياسي تبرز مفاهيم مستمدة من التراث الحضاري الصيني، مثل الانسجام والمسؤولية الأخلاقية واحترام المعرفة وأولوية المصلحة العامة، إلى جانب مقاربات حديثة في الإدارة والاقتصاد والتكنولوجيا والتخطيط الاستراتيجي.

ويضيء المؤلف على العلاقة بين حكمة التراث الصيني وروح الثورة ومقتضيات العصر، موضحاً كيف حافظت القيادة الصينية على عناصر الهوية الثقافية الوطنية، بالتوازي مع الانفتاح على الابتكار العلمي والتكنولوجي وتطوير أدوات الحوكمة.

ويخصص الكتاب مساحة واسعة للتحولات التي شهدتها الصين في العصر الجديد، وفي مقدمتها مكافحة الفقر وتحسين الأوضاع المعيشية، وتنمية المناطق الريفية، وتحديث البنية التحتية، ودعم التعليم والبحث العلمي، وتعزيز الابتكار والتحول الرقمي، وتطوير الصناعات والتكنولوجيا والطاقة النظيفة.

كما يتناول تجربة الصين في تحقيق قدر أكبر من التوازن بين المدن والأرياف، ودعم المشاريع المحلية، وتحديث الزراعة والصناعة، وتعزيز الأمن الغذائي، وإدارة الموارد الطبيعية، والمحافظة على البيئة. ويربط الكتاب هذه التحولات بفكرة أساسية مفادها أن التنمية لا ينبغي أن تُقاس بحجم الاقتصاد وحده، بل بقدرتها على تحسين حياة الناس وتوسيع فرصهم وتعزيز شعورهم بالأمان والاستقرار.

ويتوقف قميحة عند التحول الذي قاد الصين من «ورشة عمل عملاقة» إلى قوة علمية وتكنولوجية ومختبر لتجربة تنموية وحضارية تسعى إلى تقديم رؤيتها الخاصة للعالم. ولا يتعامل الكتاب مع هذه التجربة بوصفها نموذجاً يجب استنساخه، بل بوصفها مساراً تشكل خارج النموذج الغربي التقليدي ويستحق أن يُقرأ ويُفهم ضمن سياقه التاريخي والثقافي.

ويتناول الكتاب كذلك المكانة المتنامية للصين، وكيف انتقلت في ظل قيادة شي جينبينغ إلى دور أكثر حضوراً في مناقشة مستقبل النظام العالمي. ويعرض في هذا السياق المبادرات الخمس الكبرى التي طرحها الرئيس الصيني، وهي مبادرة الحزام والطريق، ومبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية، ومبادرة الحوكمة العالمية.

ومن خلال هذه المبادرات، يبرز الكتاب رؤية شي جينبينغ إلى مستقبل الصين ودورها الدولي، ليس بوصفها دولة تبحث عن تنميتها الخاصة فقط، بل قوة تدعو إلى التعاون والمنفعة المتبادلة وتقاسم فرص التنمية مع العالم، ولا سيما مع دول الجنوب العالمي.

وفي موازاة صورة القائد وصانع السياسات، يقترب الكتاب من شي الإنسان، من خلال قصص تتناول علاقته بالشعب وأسرته، وزياراته الميدانية، وشغفه بالقراءة والتاريخ، وطريقته في التواصل مع المواطنين والمسؤولين.

وتعتمد القصص على وقائع موثقة وخطابات رسمية وشهادات. وقد أعاد المؤلف صياغة هذه المادة بأسلوب قصصي وتأملي، محافظاً على التوازن بين جاذبية السرد الأدبي ومتطلبات الدقة التوثيقية.


«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية

«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية
TT

«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية

«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية

صدر العدد السادس عشر- من مجلة «الأديب الثقافية»، وقد تضمّن موضوعات عدة، منها: محور «التحولات الرقمية ما بعد المعلوماتية »، ابتداءً من إنترنت الأشياء، وصولاً إلى «الروبوت المفكر»، ومروراً بالمعلوماتية الفائقة ما بعد الافتراضية، بما في ذلك التحديات الجديدة في طور المجتمع الخامس، ومجتمع السايبر، واتجاهات المستقبل في التحوّلات الرقمية، والبودكاست في الخطاب الرقمي المعاصر، ومن بحوث هذا المحور:

«العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية العربية المعاصرة» للدكتورة وسن عبد المنعم ياسين، و«ما بعد الافتراضية: رقمنة الأدب وتشكيل الوعي الجديد» للدكتورة إيمان عبد دخيل، و«الحداثة السائلة وسلطة التأويل في عصر الذكاء الاصطناعي» للدكتورة أوراد محمد كاظم، و«السرد البصري وتحولات المعنى الرقمي» للدكتور عمر رعد أسعد، و«أزمات البحث عن الذات في زمن الحب السائل» للدكتورة إنصاف سلمان، و«الروبوت المفكر - الرقمنة بوصفها بنية مفكرنة» للناقد عباس عبد جاسم.

وفي حقل «بحوث» قدّمت الدكتورة سنا صباح علي أستاذة الفلسفة المعاصرة في جامعة البصرة دراسة عن «جدل الفضاء والمعنى في العمارة المعاصرة عند جان بودريارد»، وكتب الباحث المغربي حمزة بومليك عن «ضفاف النظر، لغة بصرية مشتركة في البحر المتوسط»، وقدّم الناقد الدكتور سمير الخليل «رؤية في مصطلح - ما وراء التجنيس - الميتاتجنيس»، وبحث الدكتور علي محمد ياسين في «الحداثة الشعرية -والخروج على سلطة النموذج - بنية التعليق في الجملة الشعرية»، وقدّمت الباحثة الدكتورة تبارك عمار حسن العزاوي دراسة عن «أنطولوجيا النص وتحولات الوعي» واتخذت من «الوعي الشقي» محوراً لدراستها الأنطولوجية.

وفي حقل «حوار» حاور الدكتور أحمد ضياء - المُنَظِّرة النسوية والأستاذة الجامعية التونسية الدكتورة آمال قرامي.

وتضمن حقل «قراءات» قراءة للدكتورة إنصاف سلمان لكتاب «الذات والدواة» للمفكر والروائي المغربي سعيد بنسعيد العلوي.

وكتب الناقد الدكتور حاتم الصكر عن «عطايا الماضي المستقبلية» من خلال قراءة في ديوان «ألواح الطين وأسرار القصيدة» للشاعرة العراقية المغتربة دنيا ميخائيل.

وقدَّم الدكتور قيس عمر محمد قراءة في «المرجعيات الثقافية» لرواية «يوليانا» لنزار عبد الستار.

وقدَّمت الدكتورة رغد محمد جمال البياتي «قراءة في النسق المتعالي» لكتاب «اللامفكر فيه في الفكر النقدي».

وفي حقل «نقطة ابتداء» كتبت الشاعرة والكاتبة العراقية المغتربة أمل الجبوري عن «أبي البركات البغدادي وفوكو - هل أزمتنا أزمة معرفة أم أزمة ضمير؟».

تصدر «الأديب الثقافية» عن «مركز تنوير للبحوث والدراسات التنموية» بطبعتين ورقية وإلكترونية.