السيسي: السعودية تحقق خطوات عملاقة

شدد في حديثه إلى «الشرق الأوسط» على أهمية التوازن اللبناني والمصالحة الفلسطينية... واعتبر مياه النيل «قصة حياة أو موت» * قوى الشر تنظيمات متطرفة أو دول إقليمية تسعى لقلب المعادلات

الرئيس السيسي خلال حواره مع رئيس تحرير «الشرق الأوسط»
الرئيس السيسي خلال حواره مع رئيس تحرير «الشرق الأوسط»
TT

السيسي: السعودية تحقق خطوات عملاقة

الرئيس السيسي خلال حواره مع رئيس تحرير «الشرق الأوسط»
الرئيس السيسي خلال حواره مع رئيس تحرير «الشرق الأوسط»

شدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، على خطورة تصدع الدولة الوطنية ومؤسساتها، عادّاً أن الحل هو الدولة الوطنية الطبيعية والجيش الوطني بلا ميليشيات أو تدخلات مع احترام المواثيق والقرارات الدولية.
وأكد السيسي في حوار مع «الشرق الأوسط» على هامش رعايته «منتدى شباب العالم» في مدينة شرم الشيخ، تمسكه بالعلاقات الاستراتيجية مع السعودية، مكرراً عبارة «نحن دائماً معاً».
وفي تعليق على استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، قال إن «التوازن ضروري للحفاظ على الاستقرار في لبنان»، داعياً اللبنانيين إلى الاضطلاع بهذه المهمة «بعيداً عن التدخلات الخارجية».
وأعرب عن أمله في أن تنعكس المصالحة الفلسطينية إيجاباً على مسيرة السلام، مؤكداً أن الولايات المتحدة هي الطرف الأقدر على دفع هذه المسيرة إلى الأمام. وتوقع أن تعود العلاقات المصرية - الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترمب إلى ما كانت عليه وأن تزيد، ملمحاً إلى ضغوط تعرضت لها هذه العلاقات في 2011. وهنا نص الحديث:
* سيادة الرئيس. ماذا تريد مصر من «منتدى شباب العالم»؟
- حين نتحدث عن المستقبل، فهذا يعني أننا نتحدث عن الشباب. لدينا حرص دائم على اللقاء بالشباب والاستماع إلى آرائهم وتطلعاتهم وهواجسهم والتحاور معهم حولها. في اعتقادي أن عدم التواصل مع الشباب كان من أهم أسباب الثورات التي حصلت في مصر وليبيا وسوريا.
بناء الجسور مع الشباب ضروري لإشراكهم في التنمية ولإبعادهم عن التطرف وتمكينهم من لعب دور في صناعة الازدهار والاستقرار. ونحن نتحدث في مصر عن مجتمع شاب؛ إذ إن 65 في المائة من المصريين دون سن الأربعين.
بدأنا تجربة شملت محافظات مصرية عدة. كان يشارك في اللقاء نحو ألف شاب وتذاع المداولات مباشرة على الهواء، ليكون المجتمع شريكاً في التعرف على هواجس الأجيال الجديدة. لا أبالغ إذا قلت إن النتيجة كانت رائعة وأتاحت فرصة المشاركة في الهموم والآمال والتطلعات. وفي ضوء هذه النتيجة، قررنا توسيع المناسبة، فشبابنا جزء من شباب العالم ويتطلع مثلهم إلى فرصة عمل والعيش بكرامة، وأن تكون له مساهمته في مستقبل وطنه. اليوم وفي ضوء التطورات العلمية والتكنولوجية يملك الشباب خبرات كثيرة لا يجوز تجاهلها.
* من يستهدف مصر بالإرهاب؟ وما الجهات التي تدعم الإرهابيين؟
- القوى التي تستهدف مصر تستهدف المنطقة أيضاً. إنها قوى الشر التي تتشكل من تنظيمات متطرفة أو دول إقليمية تسعى إلى زعزعة الاستقرار وقلب المعادلات. قرارنا حاسم بالتصدي لهذه الاعتداءات والمحاولات، وإرادتنا صلبة. علينا كدول عربية أن نتكاتف دفاعاً عن أمننا القومي واستقرارنا ضد محاولات تقسيم بلادنا أو إغراقها في الفوضى واستنزاف اقتصادها وفرص تقدمها. أثق تماماً بأننا ومع أشقائنا في دول الخليج ودول عربية أخرى نستطيع إذا وحدنا جهودنا أن نتصدى لمن يستهدف بلداننا ومنطقتنا ودورنا.
* هل هناك دول لا تزال تدعم الإرهاب؟
- موقفنا واضح في هذا المجال. قلنا مع أشقائنا في السعودية والإمارات والبحرين اسم من يدعم الإرهاب بالمال والسلاح والإعلام، واتخذنا موقفاً قاطعاً برفض سياسات التدخل في شؤون الآخرين.
* أفهم أنكم تشيرون إلى قطر؟
- مطالبنا واضحة، وهي وقف دعم الإرهاب والتدخل في شؤون الآخرين، واحترام سيادة الدول، وهذه المطالب بديهية ومشروعة. الكرة في ملعب قطر. طبعاً هناك الوساطة الكويتية التي نقدرها، لكن الأمر في النهاية مرتبط برد فعل قطر. نحن لا نريد إملاء سياسات على الآخرين ولا التدخل في شؤونهم، ولهذا نتوقع منهم أن يعتمدوا سلوكاً مشابهاً. نريد السلام والاستقرار في المنطقة، ولا بد من وقف السياسات المزدوجة.
* لاحظنا في الفترة الأخيرة نوعاً من الهدوء في العلاقة مع تركيا...
- في علاقاتنا الخارجية لم نكن يوماً دعاة استفزاز أو تصعيد، لا؛ بل إن سياستنا تقوم على بناء جسور التعاون على القواعد الدولية المعروفة. ببساطة، مصر ليست دولة صغيرة ليقرر مصيرها الآخرون. نحن لا نقحم أنفسنا في السياسات الداخلية للدول الأخرى ونحترم خياراتها، ونتوقع من هذه الدول أن ترد بالمثل لتكون العلاقات الطبيعية ممكنة.
* تستمر الهجمات على بعض مراكز الأمن والشرطة في سيناء. كيف تسير المواجهة مع منفذي هذه الهجمات؟
- ترد القوات المسلحة على هذه الهجمات، وتوجه ضربات قاسية إلى الإرهابيين. الحقيقة أن هذه العمليات تتم في مساحة محدودة جداً من سيناء لا تزيد على اثنين في المائة. طبعاً هناك عامل لا بد للقوات المسلحة المصرية من أخذه في الاعتبار، وهو عدم التسبب في سقوط ضحايا في صفوف المدنيين، وهذا يؤخر العمليات أحياناً، فهؤلاء أبناء شعبنا وعلينا أن ننقذهم من الإرهاب وأن نحرص على سلامتهم. الأكيد هو أن الإرهاب لم ينجح في شل إرادة الدولة المصرية التي تتابع جهودها وخططها للتنمية ومعالجة المشكلات الاقتصادية والمعيشية.
* كيف تصفون العلاقات المصرية - السعودية حالياً؟
- العلاقة مع المملكة علاقة عميقة واستراتيجية، وهي لمصلحة البلدين والأمن القومي العربي. وهذا يصدق أيضاً على علاقتنا مع دولة الإمارات. لهذا ترى اصطفافنا معاً من أجل الدفاع عن الأمن القومي العربي. وبأمانة أقول إن أشقاءنا في السعودية يديرون الأمور بحكمة وحزم، ولهذا أقول لهم: نحن دائماً معاً. هذه المسألة واضحة تماماً. استقرار المملكة استقرار لمصر؛ والعكس صحيح. والأمر نفسه بالنسبة إلى الإمارات والبحرين والكويت.
* وكيف تنظرون إلى ما تشهده السعودية في الآونة الأخيرة؟
- أسجل بكل تقدير واحترام ما يجري في السعودية من خطوات عملاقة على أكثر من صعيد ستكون لها نتائجها الإيجابية داخل المملكة وخارجها، وهي خطوات مدروسة وجريئة. إنه في الحقيقة أمر مثير للإعجاب. فتحت قيادة خادم الحرمين الشريفين وولي عهده، تحقق السعودية قفزات نحو المستقبل. تتسم القيادة السعودية بالحزم والحكمة معاً في نهجها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتتحرك في كل المجالات بشكل رائع.
إن نهج السعودية القائم على الاعتدال، وتشديدها على المواجهة الشاملة للتطرف وأسبابه، وحرمان أنصار التطرف والغلو من مصادرة الدين ومنابره، وتشديدها على قيم الانفتاح والتعايش والشراكة والحداثة، كلها عناصر تثير الطمأنينة.
أريد أن أقول أيضاً إن تحرك السعودية في اتجاه العراق أمر رائع فعلاً، وهو رسالة للآخرين أننا كعرب نستطيع أن نكون قوة هائلة إذا كنا معاً. إن أشقاءنا في السعودية والإمارات والبحرين يعون تماماً مخاطر التدخلات وسياسات زعزعة الاستقرار، ويدركون أهمية تحصين الأمن القومي العربي. والقيادة السعودية تظهر حنكة وحزماً بتوازن رائع. وأكرر: نحن معاً نستطيع.
* تبدو مصر قريبة من الحل الروسي في سوريا...
- موقفنا من سوريا والأزمات الأخرى تحكمه ثوابت في سياستنا الخارجية. نحن مع الدولة الوطنية ووحدة أراضيها وضد كل محاولات التقسيم والتفتيت لأسباب عرقية أو مذهبية. ونحن مع أن تكون سيادة هذه الدول محمية من قبل الجيوش الوطنية لا من قبل الميليشيات المسلحة. نحن مع الدولة الوطنية والجيش الوطني، وليس مع الميليشيات الطائفية التي تؤدي إلى تفسخ الدول وإغراقها في حروب لا تنتهي. ونحن مع امتلاك كل دولة قرارها بعيداً عن أي هيمنة خارجية أو وصاية. نحن مع احترام القوانين الدولية وسيادة الدول وحدودها الدولية. وهذا ينطبق على سوريا وغيرها.
* هناك حديث عن احتمال قيام إسرائيل بشن حرب رداً على اقتراب «حزب الله» وميليشيات موالية لإيران من الجولان...
- أتمنى ألا يحدث ذلك؛ إذ يكفي المنطقة ما تعيشه من اهتزاز واضطراب. ثم إن التجارب تقول إن الحروب لا تحل المشكلات، وإن الأخطر من مجرياتها العسكرية هو نتائجها اللاحقة. يكفي سوريا أيضاً ما تعيشه، وأنا أدعو إلى احترام سيادتها وأمنها واستقرارها، وإلى احترام إرادة الشعب السوري. المزيد من الحروب لن يحل المشكلة. الحل هو إنهاء النزاعات بالحوار وعلى أسس سليمة لتمكين الدول من معالجة مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية وهي كثيرة.
* هل تتوقعون تقدماً في محاولات الحل في ليبيا؟
- دعمنا دائماً كل المحاولات لإخراج ليبيا من الوضع الذي تعيشه، فنحن لا نريد لليبيا أن تكون مصدر خطر على نفسها أو جيرانها. ولهذا أيدنا جهود المبعوثين الدوليين؛ وبينهم المبعوث الحالي (الدكتور غسان سلامة). ليبيا نموذج آخر لما يمكن أن يحدث حين تنهار الدولة وتتقدم الميليشيات لتقاسم البلد ومناطقه وثرواته. مطلبنا في ليبيا أن تكون مستقرة، وأن تُصان وحدتها، وأن يعيش الليبيون في ظل من يختارونهم بعيداً عن التطرف والإرهاب. ومرة أخرى؛ نحن مع الجيش الوطني وليس مع الميليشيات.
* وكيف ترون المخرج من الوضع الحالي في اليمن؟
- وفق القواعد التي أشرت إليها سابقاً؛ أي على قاعدة الحوار وقيام الدولة وجيشها الوطني استناداً إلى الاتفاق الداخلي واحترام المواثيق الدولية. يجب أن تنصرف الدول إلى الاهتمام بمشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية للتغلب على آثار الحروب، وألا تستخدم في عمليات زعزعة استقرار أو تهديد أمن الآخرين.
* والتطورات الأخيرة بين بغداد وأربيل؟
- قبل الاستفتاء أعلنّا بوضوح أننا مع وحدة العراق الذي يتمتع الأكراد فيه بحكم ذاتي، وشددنا على ضرورة حل المشكلات بالحوار. إننا مع وحدة العراق، ومع الحوار أسلوباً لحل المشكلات.
* ماذا يقلقك في الوضع العربي؟
- يقلقني ألا نكون معاً. هذا مصدر قلقي الوحيد. حين نكون معاً نستطيع حماية أمننا وحقوقنا ومصالحنا.
* تتصاعد الشكوى العربية من التدخلات الإيرانية في أكثر من دولة...
- موقفنا واضح هو أننا ضد كل أشكال التدخل الخارجي في شؤون الدول، وضد أي محاولة لزعزعة استقرارها وانتهاك سيادتها. وكما قلت لك إننا معاً نستطيع الدفاع عن الأمن العربي في وجه أي تحديات.

التوازن اللبناني
* يشهد لبنان أزمة جديدة، فقد استقال رئيس الوزراء سعد الحريري، وحمل بعنف على التدخلات الإيرانية في شؤون لبنان وعلى سلاح «حزب الله». هل تخشون من تدهور الوضع في لبنان؟
- لبنان بطبيعته دولة متعددة ومتنوعة التركيبة. التوازن في لبنان شرط من شروط الاستقرار، ولا بد من الحفاظ على هذا التوازن ودون أي تدخل خارجي. سبق وقلت إن ضعف الدولة الوطنية يفسح المجال للاضطراب والفوضى. أعتقد أن التجارب السابقة ستدفع اللبنانيين إلى إنقاذ استقرارهم الذي يعنينا كثيراً، فاستقرار لبنان مهم لنا وللعالم العربي.
* هل تغيرت حركة «حماس» بعد توقيع اتفاق المصالحة الفلسطينية؟
- المصالحة الفلسطينية مسألة حيوية ومهمة للشعب الفلسطيني، ونحن شجعنا جهود المصالحة وواكبناها ونعتبرها مصلحة خالصة للفلسطينيين. نأمل أن تصب نتائج المصالحة في خدمة مسيرة السلام. المنطقة تحتاج إلى السلام، لأن غيابه كلّف المنطقة كثيراً واستنزف طاقاتها.
* يكثر الحديث عن أفكار أميركية للحل...
- نحن نسعى مع كل الأطراف التي تستطيع أن تدلي بدلوها في هذا الموضوع. ونعتبر أن أميركا هي القوة الرئيسية القادرة على دفع عملية السلام إلى آفاق أفضل. ونستطيع نحن العرب بجهودنا أن نقنع الرأي العام الإسرائيلي بفوائد السلام التي يشكل السلام المصري - الإسرائيلي دليلاً عليها. إن إيجاد حل للقضية الفلسطينية يدخل المنطقة في وضع جديد، وأشقاؤنا في الخليج يتفهمون هذه المسألة.
* هل استعادت العلاقات المصرية - الأميركية حرارتها في عهد الرئيس دونالد ترمب؟
- نحن نعتبر العلاقات مع أميركا استراتيجية ولمصلحة الطرفين، ونحرص على أن تكون مستقرة. ولعل هذه العلاقة تعرضت في 2011 لضغوط، لكنها في عهد الرئيس ترمب ستعود إلى ما كانت عليه؛ وستزيد.
* والعلاقة مع روسيا؟
- علاقاتنا مع كل دول العالم جيدة، وهي طيبة مع روسيا والصين أيضاً. إن عصر الاستقطاب قد ولّى، وتهتم الدول اليوم بتنويع علاقاتها وتوسيع مجالات التعاون. ليس من الضروري أن تكون العلاقات مع دولة على حساب العلاقات مع دولة أخرى. والحقيقة أننا نحتاج إلى التعاون في مجالات عدة، بينها مكافحة الإرهاب، وهو أخطر عدو لنا. لهذا يجب أن يواجه باستراتيجية شاملة متعددة المحاور ولا تقتصر على البعد الأمني. لطالما رفعنا الصوت وحذرنا من أن الإرهاب هو العدو الأول للبشرية. إنه سلاح خبيث استخدم لتهديم الدول وتدميرها. وفي هذا السياق، جاءت دعوتنا المتكررة لتجديد الخطاب الديني ومنع الإرهابيين من هدم الدين نفسه قبل الدنيا. الدين رسالة تسامح وتعاون، والذين سعوا إلى مصادرته عبر التطرف ارتكبوا جريمة واسعة بحق الإنسانية وخالفوا روح الدين وتعاليمه.

قصة حياة أو موت
* سيادة الرئيس. إلى أين وصلت المفاوضات مع إثيوبيا بشأن مياه النيل؟
- موضوع مياه النيل موضوع حيوي وحساس جداً، ونحن نقاربه على قاعدة الحفاظ على مصالح مصر وتفهم مصالح الآخرين. لا نبالغ حين نقول إن النيل بالنسبة لنا قصة حياة أو موت. الموضوع حساس كما قلت، والتعاون فيه يحتاج إلى المثابرة للوصول إلى معادلة تفيد كل الأطراف. هذا جوهر سياسة مصر في هذا الموضوع.
* تشددون على دور الشباب. كيف ترون صعود الأدوار الشابة؟
- أقول إن الشباب طموح وإن الشباب أمل، وأرجو أن يفهم الجميع مقصدي في هذا الأمر.
* هناك انتخابات رئاسية في السنة المقبلة، وهناك دعوات تطالبكم بالترشح لولاية ثانية. هل اتخذتم قراركم؟
- أنا ابن هذا الشعب، وتربيت على أن كل جهد يجب أن يبذل من أجل مصر وأمنها واستقرارها وتمكين شعبها من عيش حياة طبيعية. هذا حق الناس، عليّ أن أعمل وأسعى.
المسألة ليست قراراً أتخذه أنا. لقد اعتبرت دائماً أن قرار الشعب هو القرار الحاسم، وأنا لا أستطيع ألا ألبي قرار الشعب، سواء كان يقضي باستمراري أو بعدم الاستمرار. الشعب صاحب القرار في هذا الأمر.
* ما اللحظة الأصعب في حياتك؟
- اللحظة التي أشعر فيها أن الوطن يتعرض للخطر، وأن أمن الناس يتعرض للخطر، وأن مستقبلهم مهدد. هذه أصعب لحظة.
* ما أصعب قرار اتخذته؟ هل كان قرار تغيير مسار الأحداث في يونيو (حزيران) الشهير؟
- أصعب قرار اتخذته كان قرار الترشح للرئاسة. أقول إنه الأصعب، لأنني كنت مدركاً حجم التحديات التي تواجهها مصر وحجم الأعباء التي تُثقل كاهل المواطن المصري.
* هل تم كشف أي خطة لاغتيالكم؟
- نحن عادة لا نتحدث في هذه المواضيع. وجوابي هو أننا نعيش عمرنا الذي كتبه ربنا.

ديغول وشوقي وأم كلثوم
* بمن أعجبت من الشخصيات التاريخية في القرن الماضي؟
- الحقيقة أنا معجب بالجنرال شارل ديغول. لقد عاش دائماً جندياً في خدمة بلاده ووضع مصلحة فرنسا فوق كل اعتبار.
* ومَن تحب مِن الشعراء؟
- الحقيقة لدى مصر ثروة حقيقية من الشعراء والكتّاب الكبار. وبالنسبة إليّ يأتي في طليعتهم أحمد شوقي.
* ومِن المطربات والمطربين؟
- أنا في هذا المجال ابن جيلي. ثروتنا الفنية هائلة، وبالنسبة إليّ أنا أحب أم كلثوم وعبد الحليم حافظ. الحقيقة أن مصر أنجبت تجارب فنية رائعة. كما أنها كانت نقطة جذب لعدد غير قليل من الفنانين العرب الذين جاءوا واندمجوا في مناخها الثقافي والفني.
* وأي الألوان تفضل؟
- لا أحب الألوان الغامقة.



بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، المشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.


«محادثات القاهرة»... «حماس» تبحث عن «ضمانات» لسد فجوات «أزمة السلاح»

فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«محادثات القاهرة»... «حماس» تبحث عن «ضمانات» لسد فجوات «أزمة السلاح»

فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تشهد مصر جولة محادثات جديدة بين وفد «حماس» الذي وصل إلى القاهرة، السبت، والممثل الأعلى لقطاع غزة في «مجلس السلام» والوسطاء، من أجل بحث المضي قدماً في تنفيذ وقف إطلاق النار المتعثر من قبل حرب إيران، وفق مصدر فلسطيني مطلع تحدث لـ«الشرق الأوسط».

وبينما تطالب «حماس» بإنهاء المرحلة الأولى قبل البدء في نظيرتها الثانية، وضمانات لتنفيذ الاتفاق كاملاً، تتمسك إسرائيل بـ«نزع السلاح»، فليس أمام الوسطاء سوى التحرك نحو سد الفجوات، وفق المصدر ذاته.

ويعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن الجولة الحالية من المحادثات تأتي بعد تباينات عديدة بشأن إطار ميلادينوف، وتعول فيها «حماس» على ضمانات واضحة، «وإلا فسنكون أمام مرحلة خطيرة تسعى لها إسرائيل لشن هجمات جديدة على القطاع تحت ذريعة نزع السلاح، وهو ما يتطلب تدخل الوسطاء بمقاربة وحلول وسط سريعاً».

ويُعدُّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ميلادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمَّن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام أميركية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقُّق النهائي من خلو غزة من السلاح». وتقول إسرائيل إنَّها لن توافق على الانسحاب من غزة ما لم يُنزَع سلاح «حماس» أولاً.

وقبيل انطلاق المحادثات أثيرت روايات بشأن محددات ومخرجات محتملة للمحادثات، لا سيما من إسرائيل الغائبة عن الاجتماع والمحادثات التي تتكرر للمرة الثانية خلال أسبوع بالقاهرة.

وأفادت قناة «كان» الإسرائيلية، الجمعة، بأن «حماس» تشترط لأي حديث عن السلاح إنهاء الاحتلال بشكل كامل، وانسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة ورفع الحصار، رافضة الربط بين الملفات الإنسانية وإعادة الإعمار وبين المطالب الأمنية الإسرائيلية والدولية.

وبالتزامن، نقلت وكالات عن مصدر قيادي في «حماس» قوله إن «الحركة ستعرض على الوسطاء قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق التهدئة، والتي تريد فيها إسرائيل و(مجلس السلام) نزع سلاح المقاومة في غزة، تنفيذ كامل البنود التي وردت في اتفاق المرحلة الأولى، وفي مقدمتها وقف الهجمات والخروقات ودخول المساعدات».

امرأة تجلس مع طفلين في حين يزحف رضيع بالقرب من خيمتهم بمخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في منطقة نهر البارد بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور حسام الدجني، قال إن الفترة الماضية شهدت فجوة لا تزال كبيرة بين الرؤى الدولية ومطالب الفصائل الفلسطينية، والزيارة الحالية تأتي لردم الفجوة الكبيرة التي نتجت منذ تسليم ميلادينوف ورقته التي سُربت لوسائل الإعلام، مؤكداً أن «رؤيته تحقق رغبات تل أبيب بشكل كامل عبر ربط كافة الملفات بنزع السلاح، دون التطرق لأي مقاربة سياسية أو أفق للانسحاب الإسرائيلي».

وأشار إلى أن «التحركات الفلسطينية الحالية تسعى لإيجاد حالة منطقية ومقبولة ضمن رؤية متكاملة تنسجم مع تطلعات السلام، دون جعل سلاح المقاومة شماعة لإفشال المبادرات، خاصة مع إصرار الجانب الإسرائيلي على اقتران تسليم السلاح بإنهاء الصراع دون مقابل سياسي حقيقي».

وشدد الدجني على ضرورة وضع رؤية متكاملة تربط حل معضلة السلاح بحل القضية الفلسطينية ككل، مع توفير ضمانات دولية لحماية الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة في ظل الانتهاكات الإسرائيلية اليومية، مؤكداً أنه «لا يمكن القبول ببدء المرحلة الثانية دون تطبيق المرحلة الأولى، كما لا يمكن قبول صورة الانتصار التي ينشدها نتنياهو والمتمثلة في تسليم المقاومة سلاحها مقابل إعادة الإعمار فقط، فهذا طرح لا يمكن قبوله فلسطينياً».

وحول غياب إسرائيل عن هذه الاجتماعات، أكد الدجني أن إسرائيل «تغيب عن الصورة، لكنها موجودة في جوهر الأحداث، وواضح تأثيرها على إطار ميلادينوف الذي لا يحمل أي التزام جاد للانسحاب».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، المختص بشؤون «حماس»، إبراهيم المدهون، أن ما يُثار في الإعلام الإسرائيلي حول اجتماع ميلادينوف مع الفصائل الفلسطينية، وحركة «حماس» تحديداً، والحديث عن رفض الحركة لما طُرح، هو طرح غير صحيح، وهو جزء من إعلام إسرائيلي يجب الانتباه له وعدم الانسياق معه.

ويرى أن حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية قدّمت رؤية واضحة لتنفيذ خطة السلام بشكل سليم، وأبدت استعداداً للالتزام بما تم الاتفاق عليه، لكن الاحتلال الإسرائيلي لم يلتزم بالمرحلة الأولى، وهو ما يعرقل الانتقال إلى المراحل التالية، لافتاً إلى أن ميلادينوف لم يُقدّم أي خطة جديدة، بل طرح محاولات للالتفاف على جوهر «خطة السلام»، في إطار حالة من التهييج والتضليل الإعلامي.

فلسطينيون بجوار جثث ذويهم الذين قُتلوا خلال غارة جوية إسرائيلية شرق مخيم المغازي للاجئين (أ.ف.ب)

ويأتي هذا الاجتماع دون موقف معلن من «حماس» سوى حديث الناطق باسم «القسام»، أبو عبيدة، الذي أكد قبل أيام أن «طرح ملف السلاح بهذه الطريقة الفجة ما هو إلا سعي مفضوح من قبل الاحتلال لمواصلة القتل والإبادة بحق شعبنا، وهو ما لن نقبله بأي حال من الأحوال. وما لم يستطع العدو انتزاعه منا بالدبابات والإبادة، لن ينتزعه منا بالسياسة وعلى طاولة المفاوضات».

وحسب صحيفتَي «يديعوت أحرونوت»، و«إسرائيل هيوم»، فإنه حال كان رد «حماس» سلبياً فسيكون القرار بيد إسرائيل، وسيتعيَّن عليها نزع سلاح «حماس» بالقوة.

وفيما يخص إمكانية موافقة «حماس» على إطار نزع السلاح، أوضح الدجني أن الحركة قد توافق فقط في حال وجود رؤية سياسية واضحة، أما تسليم السلاح كمدخل للاستسلام فهو أمر مستبعد. وأضاف أنه «في قضية السلاح، لا قرار لـ(حماس) ولا لـ(فتح) ولا لأي فصيل بعينه، هذا قرار وطني يتحمل مسؤوليته الجميع؛ لأنه يخص أجيالاً قادمة وليس مرحلة تاريخية، والمقاومة المسلحة مشروعة بالقانون الدولي»، داعياً إلى «معالجة جذر المشكل المتمثل في الاحتلال هي السبيل الوحيدة للوصول إلى سلام عادل وشامل».

ويعتقد المدهون أن «حماس» ما زالت معنية بالحفاظ على وقف إطلاق النار، وهو ما يتطلب تدخلاً جاداً من الوسطاء، ودوراً عربياً أكثر لمنع أي تصعيد بهذه المرحلة الخطيرة، محذراً من أن أي عدوان على غزة في هذه المرحلة يُعد جريمة وتصعيداً خطيراً بحق شعب أعزل التزم بالتهدئة، وخاصة أن «حماس» فعلت ما عليها لتجنب استئناف الحرب.


حراك تنموي واسع في اليمن بدعم سعودي مستدام

أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
TT

حراك تنموي واسع في اليمن بدعم سعودي مستدام

أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)

شهد اليمن خلال الربع الأول من عام 2026 حراكاً تنموياً لافتاً يعكس تحوّلاً تدريجياً نحو مقاربة أكثر شمولية في إدارة ملف التعافي وإعادة البناء، مدعوماً بجهود السعودية، حيث لم يقتصر على تنفيذ مشروعات خدمية آنية، بل اتخذ طابعاً استراتيجياً يوازن بين تلبية الاحتياجات العاجلة وبناء أسس تنمية مستدامة، من خلال التركيز على البنية التحتية، ودعم المؤسسات، وتمكين الإنسان، وتعزيز الشراكات الدولية.

وقد جاءت الحزمة التنموية التي أُعلنت في يناير (كانون الثاني) 2026 بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي (أكثر من 500 مليون دولار) لتؤكد هذا التوجه، حيث شملت 28 مشروعاً ومبادرة نوعية موزعة على قطاعات حيوية تمسّ الحياة اليومية للمواطنين، من الكهرباء والنقل إلى الصحة والتعليم والمياه، في امتداد لجهود أوسع نفّذ من خلالها البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن 268 مشروعاً منذ عام 2018. ووفق ما أوردته تقارير الإنجاز الخاصة بالبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، كان قطاع الطاقة إحدى أبرز ركائز هذا الحراك التنموي، حيث أسهمت منحة المشتقات النفطية في تشغيل أكثر من 70 محطة توليد كهرباء في مختلف المحافظات. ولم يقتصر أثر هذه المنحة على تحسين توفر الكهرباء فحسب، بل امتد ليشمل تعزيز استقرار منظومة الخدمات العامة بوجه عام.

الدعم السعودي لليمن شمل المجالات كافّة (إكس)

فاستقرار التيار الكهربائي أسهم في تحسين أداء القطاعات الحيوية مثل الصحة والمياه والتعليم. كما ساعد في تقليل فترات الانقطاع، ورفع كفاءة المحطات التوليدية، وتحسين موثوقية الشبكة. هذا التحسن انعكس بشكل مباشر على جودة الحياة اليومية، خصوصاً في ظل الطلب المتزايد على الطاقة. كما أن انتظام إمدادات الوقود لمحطات التوليد مكّن المؤسسات الخدمية من العمل بوتيرة أكثر استقراراً، وهو ما يُعدّ عاملاً أساسياً في دعم صمود المجتمعات المحلية وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية والمعيشية.

تعزيز الاستقرار المالي

على الصعيد الاقتصادي، شكّل دعم الموازنة اليمنية بقيمة 1.3 مليار ريال سعودي (أكثر من 345 مليون دولار) خطوة محورية في تعزيز الاستقرار المالي، حيث أسهم في تغطية النفقات التشغيلية ورواتب الموظفين، وهو ما ساعد في تخفيف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. ويأتي هذا الدعم ضمن منظومة أوسع من المساعدات الاقتصادية التي تجاوزت قيمتها 12.6 مليار دولار منذ عام 2012 وحتى 2026، شملت ودائع ومنحاً لصالح البنك المركزي اليمني، بهدف تحقيق التوازن المالي ودعم استقرار الاقتصاد الكلي. هذا النوع من التدخلات يعزّز ثقة المؤسسات المحلية، ويدعم قدرتها على الاستمرار في تقديم الخدمات، كما يُسهم في خلق بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار والنمو الاقتصادي. وفي ظل التحديات التي يواجهها الاقتصاد اليمني، يمثّل هذا الدعم ركيزة أساسية في مسار التعافي التدريجي.

عشرات المشروعات في اليمن أُنشئت بتمويل سعودي (إكس)

كما شهد قطاع البنية التحتية تطورات مهمة من خلال مشروعات استراتيجية مثل استكمال مراحل جديدة من طريق العبر، ورفع كفاءة مطار عدن الدولي. وتبرز أهمية هذه المشروعات في تعزيز الربط الجغرافي لليمن مع محيطَيه الإقليمي والدولي، وهو ما يُسهم في تنشيط الحركة التجارية وتسهيل التنقل. فالطرق والمطارات لا تُعدّ مجرد مشروعات خدمية، بل تمثّل شرايين اقتصادية تُسهم في تحريك عجلة التجارة، وتدعم التكامل مع الأسواق الإقليمية والدولية. كما أن تحسين البنية التحتية يُسهم في جذب الاستثمارات، وخلق فرص عمل، وتعزيز النمو الاقتصادي على المدى الطويل.

الاستثمار في الإنسان

إلى جانب البنية التحتية، يحظى الاستثمار في الإنسان بأولوية واضحة، حيث شهد قطاع الصحة دعماً نوعياً شمل بناء المستشفيات وتشغيلها، وتوفير الأجهزة الحديثة، وتأهيل الكوادر الطبية. ومن أبرز هذه التدخلات التشغيل الكامل لمستشفيات سقطرى وشبوة والمخا، ما أسهم في تحسين جودة الخدمات الطبية وتوسيع نطاق الوصول إليها. كما عزّزت هذه الجهود جاهزية المؤسسات الصحية للتعامل مع الحالات الطارئة والحرجة، وهو ما يُعد عنصراً حيوياً في ظل الظروف الإنسانية المعقدة التي تشهدها البلاد.

وفي قطاع التعليم، برزت مبادرات تهدف إلى دعم استقرار العملية التعليمية والتوسع في التعليم الفني والتدريب المهني، بما يتماشى مع احتياجات سوق العمل. وشملت هذه الجهود توقيع اتفاقيات لبناء مدارس نموذجية في عدد من المحافظات، بالإضافة إلى مشروعات تستهدف تعزيز تعليم الفتيات في المناطق الريفية. وقد أسهمت هذه المبادرات في تقليص فجوة المهارات، وتمكين الشباب، ورفع معدلات الالتحاق بالتعليم، خصوصاً بين الفتيات، مما يعزّز من فرص التنمية البشرية على المدى الطويل. إلى ذلك، لم تغفل الجهود التنموية الجانب المجتمعي، حيث شملت دعم قطاع الرياضة والشباب من خلال تنظيم بطولات رياضية في عدد من المحافظات، ما أسهم في تنشيط الحركة الرياضية واكتشاف المواهب.

كما تضمّنت المبادرات حملات لتحسين المشهد الحضري، ودعم الأنشطة الثقافية، مثل الاحتفاء بيوم اللغة السقطرية، وهو ما يعزّز الهوية الثقافية ويقوي الروابط الاجتماعية.

ويُظهر هذا البعد اهتماماً ببناء مجتمع متماسك وقادر على المشاركة في عملية التنمية، حيث يُعدّ الشباب محوراً أساسياً في أي مشروع تنموي مستدام.

الشراكات الدولية

يُلاحظ بوضوح تصاعد دور الشراكات الدولية في دعم الجهود التنموية، من خلال التعاون مع منظمات دولية، مثل «اليونيسكو» والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي. وتعكس هذه الشراكات تكاملاً في الأدوار، حيث تُسهم في تعزيز قدرات المؤسسات اليمنية وتوسيع نطاق التدخلات التنموية.

ومن أبرز هذه الشراكات مشروع تعزيز الأمن المائي في محافظة مأرب، الذي يأتي بوصفه أول ثمرة للتعاون بين البرنامج السعودي والاتحاد الأوروبي، ويستهدف تحسين الوصول إلى المياه في عدد من المناطق، بما يُسهم في تعزيز الأمن المائي وتحسين سبل العيش. كما امتدت التدخلات لتشمل القطاع الزراعي، من خلال مشروعات تهدف إلى تعزيز الأمن الغذائي وتحسين دخل الأسر، إلى جانب دعم مشروعات المياه والإصحاح البيئي، وهو ما يعكس نهجاً متكاملاً في معالجة التحديات التنموية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended