مستشار الأوقاف الليبي السابق يروي لـ «الشرق الأوسط» تفاصيل مثيرة من سنوات حبسه

أبو صوة قال إن القذافي سمح لجيشه بالانصراف قبل أن يتوجه للموت في سرت

أبو صوة خلال حديثه لـ»الشرق الأوسط» عقب وصوله إلى القاهرة
أبو صوة خلال حديثه لـ»الشرق الأوسط» عقب وصوله إلى القاهرة
TT

مستشار الأوقاف الليبي السابق يروي لـ «الشرق الأوسط» تفاصيل مثيرة من سنوات حبسه

أبو صوة خلال حديثه لـ»الشرق الأوسط» عقب وصوله إلى القاهرة
أبو صوة خلال حديثه لـ»الشرق الأوسط» عقب وصوله إلى القاهرة

منذ اعتقاله في بيته بطرابلس صيف عام 2011، وحتى إطلاق سراحه مؤخرا هذه السنة، مرَّ علي أبو صوة، مستشار الهيئة العامة للأوقاف في ليبيا في عهد الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، على معظم السجون بالعاصمة طرابلس، لكن أكبر مدة أمضاها بين الزنازين كانت في سجن الهضبة مع كبار رجال النظام السابق، ومن بينهم عبد الله السنوسي رئيس المخابرات، وأبو زيد دوردة رئيس جهاز الأمن الخارجي، والبغدادي المحمودي آخر رئيس وزراء في عهد القذافي، والساعدي نجل هذا الأخير، وعديد من القيادات الأخرى من المخابرات والشرطة العسكرية واللجان الثورية والأمن الداخلي.
وبعد خروجه من ليبيا ووصوله إلى القاهرة مؤخرا، روى أبو صوة، في مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط»، ما كان يدور من وقائع التعذيب البشعة في هذه السجون، وخلاصة ليالي الحوار مع القادة السابقين، حيث جرى التطرق إلى الأيام الأخيرة لنظام معمر القذافي، ومن بينها خروج العقيد الراحل من طرابلس إلى مدينة بني وليد.
وجرى القبض على أبو صوة يوم سقوط طرابلس بيد المنتفضين في رمضان عام 2011، وكان وجهه مألوفا للعامة بسبب ظهوره على قنوات التلفزيون ودفاعه عن نظام القذافي. وفي خضم الفوضى جرى اعتقاله من منزله على طريق مطار طرابلس الدولي، ولم يسمح له حتى بتغيير ملابسه. وبعد أعوام من الاعتقال جرى الحكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات بتهمة معاداة ثورة فبراير (شباط)، بينما كان قد أمضى من هذه المدة خمس سنوات وثمانية أشهر رهن الاحتجاز.
في ذكرى رحيل القذافي السادسة التي توافق اليوم، يتم الكشف لأول مرة عن اجتماع سريع عقده القذافي في بني وليد مع قياداته العسكرية، حيث أَذِنَ لمن يريد من قيادات جيشه بالانصراف، «قبل أن يتوجه للموت في مدينة سرت»، بحسب أبو صوة، الذي قال إنه سأل في إحدى ليالي سجن الهضبة السنوسي عما إذا كانت هناك خطة بديلة لما بعد سقوط طرابلس في يد المنتفضين ضد حكم القذافي، فأجابه: «لا... كان كل شيء يسير بشكل عشوائي».
ويوم دخول المنتفضين المسلحين إلى طرابلس بمساعدة ضربات حلف «ناتو»، تقرر الخروج سريعا من العاصمة، لدرجة أن ابنة القذافي الدكتورة هناء كانت في ذلك اليوم تجري عملية جراحية ليد أحد الضباط المصابين، وتوجهت الحراسات إلى مقر العيادة لإخلائها فورا. ويبدو أن القذافي، حسب أبو صوة، كان يكن محبة خاصة لرجل من وجهاء قبيلة ورفلة من مدينة بني وليد، وهو الشيخ جبران جبران. ويضيف موضحا: «ما عرفته أن أسرة القذافي توجهت للإقامة في منزل الشيخ جبران قبل أن تغادر ليبيا... وقد خرجت من بني وليد وليس من طرابلس أو من سرت، كما كان الاعتقاد سائدا في ذلك الوقت».
والشيخ جبران نفسه قتل في أول غارة فرنسية على ليبيا قبل تدخل حلف الناتو في مارس (آذار) من عام 2011، وقد جرى وقتها تكليفه بقيادة الرتل الشهير الذي كان قد توجه حينذاك إلى بنغازي لإنهاء الانتفاضة، إلا أن الرتل تعرض لقصف من الطائرات الفرنسية وأبيد وهو في الطريق.
وكان الشيخ جبران «آمر جحفل»، ومقربا من القذافي، ويحظى باحترام كبير في بني وليد وفي قبيلته ورفلة. وبهذا الخصوص يقول أبو صوة: «القذافي أمر بناته وأسرته أن يقيموا في بيت عائلة الشيخ جبران في بني وليد. وهذا البيت تم قصفه فيما بعد وحرقه حين دخلت قوات (من مصراتة وطرابلس) للمدينة في 2012».
وفي العشرين من أغسطس (آب)، وعقب خروجه من طرابلس، توجه القذافي، حسب أبو صوة، إلى بني وليد وعقد اجتماعا نادرا مع قادته، ومنح الإذن لكل الضباط الذين حوله بالانصراف، وأعطى توجيهاته الأخيرة، وقال لهم إن كل من يريد أن يأخذ وجهة فليذهب لحال سبيله، وأن كل ضابط لديه إذن عسكري بهذا، موضحا أنه لن يُلزم أحدا بالبقاء معه، ثم توجه بعد إلى سرت، حيث رافقته سريته الخاصة، وكان من أبرز قادتها عز الدين الهنشيري الذي قتل فيما بعد، ومنصور ضو المعتقل حتى الآن.
وفي الطريق من طرابلس إلى سرت، سلك القذافي الطريق الجنوبي الذي يؤدي إلى بني وليد أولا، حسب شهادة أبو صوة، الذي أوضح أن «الضباط في سجن الهضبة أخبروه أنه كان الطريق الوحيد الآمن في ذلك الوقت، لأن الطريق الساحلي كان مغلقا. وفي بني وليد التقى بعض الضباط، وأعطى توجيهاته الأخيرة. وقال لرجاله إنه لن يُلزم أي أحد بأي شيء».
أما عبد الله السنوسي فيقول، وفقا لرواية أبو صوة، إنه انتقل لمتابعة التطورات في ليبيا انطلاقا من منطقة الجفرة على تخوم كل من بني وليد وسرت، ولم يلتق بعدها القذافي إلا مرة واحدة بعد ذلك، حيث توجه إليه ليخبره بنبأ مقتل خميس القذافي في قصف قام به حلف الناتو على موكبه أثناء تحركه على الطريق بين مدينتي ترهونة وبني وليد.
ويتذكر أبو صوة تلك الأيام الصعبة في سجن الهضبة وحديثه مع السنوسي بقوله: «الفراق قبل الأخير بين القذافي ورئيس مخابراته كان في بني وليد عقب ذلك الاجتماع، الذي أشرت إليه مع الضباط... لكن الفراق الأخير كان بعد أن توجه السنوسي من الجفرة إلى القذافي في الحي رقم 2 في سرت لكي يخبره بمقتل نجله خميس. وكان ابن السنوسي هو الذي يقود السيارة بنجل القذافي، وهو في الوقت نفسه ابن خالة خميس... وقد تعرضت السيارة لقصف من طائرات الناتو... وتوفي محمد عبد الله السنوسي مباشرة، لكن خميس مات في المستشفى في بني وليد، وتم دفنهما في بني وليد أيضا».
بعد ذلك تلاحقت الأحداث سريعا، حسب أبو صوة. فقد انسحب السنوسي مرة أخرى إلى الجنوب، ثم انتقل إلى النيجر، ومنها إلى مالي، حيث كان معه هاتف ثريا يجري منه اتصالاته بهوية أخرى، كما كان يحمل جواز سفر باسم مختلف. ومن مالي سافر إلى المغرب حيث جرى رصده هناك، وطلبت منه السلطات المغربية مغادرة البلاد. ومن هناك انتقل إلى موريتانيا.
وبعد قليل من الصمت، يعود أبو صوة للتذكر قائلا: «مما حدثني به عبد الله السنوسي أنه في أول زيارة لزوجته له بعد أن استقر في فيلا في معسكر بموريتانيا، قالت له: يا عبد الله جهز نفسك سيتم تسليمك... وقد انزعج السنوسي من تحذير زوجته له وشعر بإحباط وتشاؤم، وقال لها: كيف تفكرين هكذا؟ وبعد أيام جرى تسليمه إلى ليبيا بالفعل».
وأبرز أبو صوة أن الجماعة الليبية المقاتلة حوَّلت غرف الدراسة والمحاضرات في كلية الشرطة بطرابلس إلى سجن وزنازين حديدية لقيادات النظام السابق، وخصصت طابقا يقع تحت الأرض معزولا عن العالم لكبار رجال القذافي، وقال بهذا الخصوص: «السجن المعروف اليوم باسم سجن الهضبة كان كلية لتخريج ضباط الشرطة، وكان يتكون من عنابر وصالات دراسة، جرى تحويلها في ظرف شهرين بعد 2011 إلى زنازين لكي يكون مكانا شديد الحراسة... وقد كان الغرض من سجن الهضبة هو أن يكون مكانا ذا حراسة مشددة في قلب العاصمة لكي تسجن فيه العناصر البارزة في النظام السابق، مثل الساعدي القذافي وعبد الله السنوسي، فالصالات وعنابر الدراسة وكل شيء صنف من جديد، وبنيت وأعدت لكي تكون سجونا ضيقة جدا، ويوجد داخل سجن الهضبة سجن آخر تحت الأرض يسمى سجن الحفرة، والمصطلح المتداول عنه، تندرا، بين السجناء كان هو الفيلات، وذلك بسبب عزلته التامة عن العالم».
ويضيف أبو صوة متحدثا عن هذه المرحلة الصعبة من حياته: «كان سجن الحفرة مكانا معدا للتعذيب، وظل لمدة سنتين مكانا لعزل عبد الله السنوسي. وهو يقع تحت أرض السجن الرئيسي، ومن يدخله لا يسمع صوت أي شيء... صمت مطبق... لا بشر ولا حتى صوت سيارة عابرة، وكله مطلي من الداخل باللون الأسود، سواء الممرات أو الجدران، وكل زنزانة فيه مطلية بالأسود بالكامل، ومنعدمة الإضاءة. وفيها حمام صغير جدا، بحيث حينما تراه للوهلة الأولى تقول إنه يستحيل أن تتمكن من الدخول إليه لقضاء حاجتك».
مكث أبو صوة في سجن الهضبة نحو أربع سنوات في عنبر يسمى «الأزلام»، والمقصود بهم كبار شخصيات النظام السابق، وذلك بعد أن طاف على عدة سجون أخرى بشعة، من بينها سجن النعايمي في عين زارة، وسجن الجديدة وسجن إمعيتيقة وغيرها من السجون القاسية. أما حين وصل إلى سجن الهضبة فقد وجد أن «عبد السنوسي موضوع في غرفة بسجن تحت الأرض ويعامل معاملة سيئة ويتعرض للتعذيب... لكن أخيرا أمر النائب العام بإصلاح وضعه، ونقله إلى غرفة. لكن السجانين أنفسهم الذين كانوا يعذبونه تحت الأرض تبعوه في اليوم نفسه الذي نقل فيه إلى الغرفة الجديدة، وأخرجوه في الممر وضربوه ضربا مبرحا، وقالوا للسنوسي ستطالك أيدينا أينما ذهبت».
في السجن لم يكن يتم السماح بالاختلاط بين رموز النظام السابق، يوضح أبو صوة الذي يضيف قائلا: «في البداية كانوا متساهلين، لكن بعد أن امتلكت الجماعة المقاتلة زمام الأمور في الإشراف على السجن، أصبحت تتعامل مع هذا الوضع بحساسية كبيرة جدا، وأصبح لا يمكن لأي أحد مثلا أن يتحدث مع عبد الله السنوسي، ولو سلم على شخص وتحدث معه ولو بربع كلمة، فإنه يتم الإعلان عن النفير داخل السجن وإجراء تحقيق، وفرض عقوبات. لكن أحيانا يكون هناك نوع من التساهل... فمن الممكن، مثلا، أن نلتقي معه داخل العيادة، أو بعد منتصف الليل، بعد أن يهدأ السجن، حيث نتحدث من خلال فتحات الأبواب الحديدية للزنازين».
ويتابع أبو صوة: «زنزانتي كانت أمام زنزانة السنوسي، وقد بقيت أتحدث معه عبر شراعات الأبواب طيلة أربعة أشهر، وهي الفترة التي سمعت منه الكثير عن أحداث 2011 وما قبلها. رموز النظام السابق الكبار يكونون عادة في سجون انفرادية. أما أنا فكان معي اثنان في غرفتي، هما مدير الشؤون الفنية في جهاز الأمن الخارجي، الشيباني عبد السلام، وتم الإفراج عنه ولله الحمد، وضابط في جهاز الأمن الخارجي، يدعى عبد الله صالح، وقد سجن ظلما لست سنوات تقريبا».
وكان الضابط صالح أحد المسؤولين عن الأمن الشخصي للقذافي، ومسؤولا عن سلامة أغراضه في رحلاته، والقيام بتفتيش كل من يدخل عليه، وظن السجانون أن لديه معلومات، وقد سجن ست سنوات إلا شهرين، وخرج براءة، كما كان صالح قد أمضى أربع سنوات معتقلا في مصراتة، ورأى صنوف العذاب ألوانا، قبل أن يتم نقله إلى سجن الهضبة باعتبار أنه من أبناء طرابلس.
ومما عرفه أبو صوة من الضابط صالح أن «القذافي كان إذا انتقل من البيت وخرج إلى الساحة أو الهواء الطلق ليتحدث مع رفيقه الذي معه، فهذا يعني أن الموضوع حساس جدا، لأنه كان يخشى من التسجيل، ويخشى حتى ممن يصنع له الشاي أو يقدم له القهوة في الخيمة أو في المكتب».
بهذا الخصوص يقول أبو صوة: «في مرة سألت الضابط صالح لماذا يجلس القذافي على مقعد بلاستيك قيمته 25 دينارا ليبيا، ويلزم ضيوفه من كبار الزعماء بالجلوس على مثل هذه الكراسي الرخيصة، فأجابني قائلا إن القذافي كانت لديه فلسفة في هذا الأمر، على اعتبار أنه لا أحد يستطيع أن يضع في هذه الكراسي العارية الملساء شيئا مثيرا للريبة كأجهزة التنصت ولواقط الصوت وغيرها».
أمضى أبو صوة وقتا طويلا مع الساعدي نجل القذافي، وقال عنه «إنه كان يفضل الوحدة داخل السجن... وكان حديثي مع الساعدي أكثر من أي شخص آخر... هو مضطرب في إجاباته وفي موقفه. وهو شخص متدين. كان مناصرا لوالده لكنه لم يحمل في البداية البندقية ليقاتل. وعقب سقوط النظام انخرط في العمل العسكري في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه... ومعظم مناقشاتي مع الساعدي في السجن كانت دينية حول قضايا الفكر والمنهج والعقيدة والفقه. وقد درسنا حتى مسائل في قواعد النحو والصرف».
وأشار أبو صوة إلى أن الساعدي كان «دائما لوحده في الزنزانة، وإن كان في بعض الأحيان مع شخص أو شخصين، وكان يكون وحده، إما بطلب منه وإما لعقوبة لحقت به. وقد تعرض لعدة مواقف نتج عنها معاقبته بالحبس الانفرادي. فقد كان له موقف صلب في قضية المصالحة التي حاول أن يطرحها مدير السجن خالد الشريف، الرجل الثاني في تنظيم الجماعة الإسلامية المقاتلة، وكان للساعدي فلسفة مختلفة عن فلسفة عبد الله السنوسي، أو البغدادي المحمودي أو غيرهما في موضوع المصالحة. لقد كان مناورا وكانت لديه شروط صارمة مثل الإفراج أولا عن بعض السجناء لإثبات حسن النيات».
ويتذكر أبو صوة أن أبو زيد دوردة كان أيضا من أشد سجناء النظام السابق صلابة في وجه سجانيه من الجماعة الليبية المقاتلة: «ولم يرضخ، ولم يتنازل قيد أنملة، إنه يؤمن بمشروع المصالحة، ولكن تساءل مع مَن؟ فمن يحكمون اليوم هم أنفسهم منقسمون، ولا توجد قيادة تملك القرار».
وتابع أبو صوة قائلا: «في يوم من الأيام قال دوردة لآمر من أمراء الجماعة الإسلامية المقاتلة أثناء محاولة التفاوض على الصلح مع قيادات النظام السابق: أنتم تحملون فكرا منحرفا، والدخول معكم في حوار أمر مستحيل... لقد أخرجناكم من السجون وعفونا عنكم وأعطيناكم الأموال، ففعلتم ما فعلتم. من الصعب أن نخوض معكم تجربة أخرى نهايتها معروفة».
وبسبب هذا الموقف عوقب دوردة عقابا شديدا، وبقي في السجن الانفرادي، وناله الكثير من الشتم والسب، وتعرض لأهوال من التعذيب بسبب عدم مرونته، حسب أبو صوة الذي أوضح أيضا أن الحالة الصحية لرئيس الوزراء السابق المحمودي كانت متدهورة في السجن، لأنه «كان يعاني من مرض... ولقي من التعذيب والإهانة ما لا يخطر على بال. فقد كان ينظف دورات المياه، ويقوم بغسيل ممرات السجن... ويعلم أنه يمكن أن يفعلوا به كل شيء. حالة من التعذيب النفسي والجسدي. كما أُجريت له عملية في ظروف غير صحية داخل السجن، ورفضت الجماعة المقاتلة إخراجه حتى لعيادة قريبة جدا من السجن تحت حراسة مشددة. وتم تعقيم العيادة في السجن تعقيما سيئا، وأجريت له عملية مناظير في البطن أكثر من مرة، لأن لديه مشكلات في المعدة وفي الكبد».
ويضيف أبو صوة موضحا أن المحمودي كان يعاني كذلك من مشكلة صحية أخرى تتعلق بمنطقة الحوض في جسده... «وكان يعاني عذابا مريرا بسبب ذلك. فمثلا كان حوضه يتعرض إلى فصل عن مكانه، ولا تتم إعادته إلا بطريقه صعبة جدا من قبل إخصائي علاج طبي. وقد رأيته يسقط على الأرض فيحدث له هذا الأمر، وكان يتألم ويصرخ. وقد رأيت حراس السجن وهم يقومون بتصويره بالهواتف وهو ينظف الحمامات وينظف الساحة من بقايا السجائر».
ويؤكد أبو صوة أنه رأى أيضا ضباطا قطريين يحضرون التحقيقات داخل عدة سجون، منها إمعيتيقة والهضبة، مع المساجين من رجال المخابرات الليبية... ويقول بهذا الخصوص: «في البداية حضر قطريون في صالات التحقيق، ووجهوا أسئلة، ربما لم يتعاملوا مع السجين مباشرة، لكن الغرض كان معروفا، كان القطريون، في البداية في سجن إمعيتيقة وفي سجن الهضبة».
وأوضح أبو صوة أن هذه الملاحظات جاءت في ظروف عصيبة... «بالنسبة لي كسجين لا تتحرك إلا ورأسك إلى الأسفل، ولا يسمح لك بالخروج إلا وأنت ذاهب للنيابة. ورغم هذا شاهدت في إحدى المرات اثنين من الضباط القطريين داخل سجن الهضبة وهم في صحبة أحد كبار قيادات الجماعة الليبية المقاتلة (ذكر اسمه)... حدث ذلك في بداية 2014 وكانا ضابطين شابين. تجولا لكن لم أعرف ماذا فعلا. فالسجين مثلي لا يخرج إلا للنيابة أو للتحقيق... وكل من كان يأتي ليحقق معي كان يُسمح له بذلك».
ويتابع أبو صوة موضحا: «كل الضباط الكبار الذين كانوا معي في سجن إمعيتيقة قالوا لي إن ضباطا قطريين حققوا معنا في البدايات، أي في 2011. كانوا يقيمون في فندق قريب من السجن، وكانوا حريصين على جمع المعلومات».
وعما إذا كان قد سأل أيا من قيادات النظام السابق عما يثار بشأن نقل الأرشيف الأمني الليبي إلى قطر، يقول أبو صوة: «أخبرني ضابط في الأمن الخارجي، وكان منشقا على القذافي، بأن ما مقداره حمولة شاحنة ضخمة من وثائق جهاز المخابرات تم نقلها إلى قطر». قبل أن يضيف: «تكلمت أيضا مع أبو زيد دوردة حول هذا الموضع، أي موضوع أرشيف الدولة، فقال إنه كانت هناك أوامر بحرق هذه الأشياء. لكن الوقت والظرف لم يسعفهم، لأن سقوط طرابلس كان مفاجئا».
ويضيف أبو صوة موضحا: «كان هناك سباق محموم من جانب أطراف ليبية على جمع المعلومات من رجال المخابرات عن النشاط الخارجي لهذا الجهاز في عهد القذافي... أنت تعلم أن جهاز الأمن الخارجي مثل أي جهاز مخابرات كانت له عمليات في الخارج، فكان المحققون حريصين على الحصول على تفاصيل موثقة، واعترافات بشأن كل عملية، بعد التعذيب والتهديد... ويقومون بالتسجيل صوتا وصورة لضباط الأمن الخارجي، وما قاموا به من أعمال خارج ليبيا».
وفي هذا السياق يتذكر أبو صوة واقعة تخص رئيس الإدارة الفنية لجهاز الأمن الخارجي، الشيباني عبد السلام، قائلا إن هذا الرجل الطاعن في السن والمريض «رفض رفضا تاما إفشاء أي معلومات، ولم يتعاون معهم أبدا رغم مرضه، فهو يعاني من حساسية حادة في صدره، وكانوا يخشون تعذيبه خوفا من أن يلقي حتفه، إلا أن الإهانة والسب لم تتوقف بحقه. وجرى تقييده... وظل يوما كاملا مكبلا في حديد الدرج ولا يستطيع أن يجلس».
وبخلاف زنازين «الحفرة»، هناك وسائل تعذيب كثيرة في سجن الهضبة لرموز النظام السابق، حسب أبو صوة الذي يوضح: «بعد أن وقعت حالات قتل بحق سجناء، صدرت تعليمات بعدم اللجوء إلى الضرب... ومنذ ذلك الوقت ظهرت طرق جديدة، منها مثلا وضع عشرين شخصا في غرفة لا تسع إلا لثلاثة أشخاص فقط، ويتم منعهم من شرب الماء والطعام إلا بكميات محدودة، ومن الدخول إلى الحمام، ويُعطَون قوارير بلاستيكية فارغة لقضاء الحاجة. وليس أمامك إلا خيار واحد، وهو الاعتراف بما طلب منك الاعتراف به أمام النيابة».
وممن كان شاهدا على موتهم تحت التعذيب، يذكر أبو صوة أربعة أشخاص، من بينهم ضباط جرى التنكيل بهم في محاولة للحصول على معلومات منهم بخصوص اختفاء الإمام الشيعي اللبناني موسى الصدر في عهد القذافي... «كان هذا الضابط يلقب باسم محمد الوراكينة، كما قُتل تحت التعذيب شخصان آخران، أحدهما عقيد في جهاز الشرطة العسكرية يدعى حبيب، كان يعاني من ارتفاع في ضغط الدم وتم تعذيبه حتى مات. وآخر اسمه العميد أبو بكر مؤمن، ومات بسبب الإهمال الصحي حيث كان زملاؤه يصرخون داخل الزنزانة بأنه مريض ولديه شلل بسبب جلطة وتم إهماله حتى توفي».



قائد خفر السواحل اليمنية: سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها في البحر الأحمر

بعد سيطرتها على باب المندب سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها حسب اللواء القملي (سبأ)
بعد سيطرتها على باب المندب سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها حسب اللواء القملي (سبأ)
TT

قائد خفر السواحل اليمنية: سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها في البحر الأحمر

بعد سيطرتها على باب المندب سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها حسب اللواء القملي (سبأ)
بعد سيطرتها على باب المندب سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها حسب اللواء القملي (سبأ)

قال رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية، اللواء الركن خالد القملي، إن سيطرة الحوثيين على مدينة المخا وباب المندب وجزر البحر الأحمر تمثل «تحولاً نوعياً» في طبيعة التهديد الذي تشكله الجماعة، ويتجاوز استهداف السفن إلى توسيع شبكات التهريب، وتعزيز القدرة على رصد حركة الملاحة في أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية (الشرق الأوسط)

وكشف القملي، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، أن سفناً يستخدمها الحوثيون للتهريب باتت تجوب سواحل البحر الأحمر علناً، من دون إطفاء أجهزة التتبع، بعدما كانت تطفئها في السابق خشية ضبطها من خفر السواحل اليمنية.

وحذّر من أن المخاطر المرتبطة بالسيطرة على مواقع ساحلية وجزرية لا تقتصر على تهريب الأسلحة، بل تشمل تهريب معدات الاتصالات والتقنيات مزدوجة الاستخدام والمخدرات والمكونات العسكرية.

وشدد اللواء القملي على أن مواجهة هذه الشبكات تستدعي «ربط منظومات المراقبة والاعتراض على الضفتين اليمنية والأفريقية معاً»، والتعامل مع مسار التهريب بوصفه شبكة متكاملة تمتد من الساحل الصومالي وجيبوتي إلى باب المندب والساحل الغربي اليمني.

تغيّر طبيعة التهديد الحوثي

أكد رئيس خفر السواحل اليمنية أن التطورات الأخيرة في المخا وباب المندب وجزر البحر الأحمر غيّرت طبيعة التهديد الحوثي؛ إذ لم يعد، وفق تقديره، مقتصراً على الجانب العسكري المباشر أو حرية الملاحة، بل امتد إلى شبكات التهريب والصلات المحتملة مع تنظيمات مسلحة في المنطقة.

عناصر من خفر السواحل الجيبوتية خلال دورية سابقة في باب المندب (الشرق الأوسط)

وأوضح أن السيطرة على هذه المواقع تمنح الحوثيين قدرة أكبر على تأمين مسارات الإمداد البحري وتوسيعها بين الساحل الغربي اليمني والقرن الأفريقي، مستفيدين من طبيعة المنطقة الجغرافية وكثافة حركة القوارب الصغيرة والجلبات.

وأضاف: «بدلاً من الاعتماد على مسار واحد، بات في إمكان الجماعة، استخدام مواقع ساحلية وجزرية متعددة لاستقبال الشحنات وإخفائها وإعادة توزيعها، لكن الأخطر هو تنوع المواد التي يمكن نقلها عبر تلك المسارات، فإلى جانب الأسلحة، يفتح امتداد شبكات التهريب عبر خليج عدن والساحل الصومالي المجال أمام نقل معدات اتصالات وتقنيات مزدوجة الاستخدام ومخدرات ومكونات عسكرية، مع إمكان تغيير الطرق ووسائط النقل لتفادي الاعتراض».

ميناء المخا تعرض لأضرار واسعة جراء الهجمات الحوثية بالصواريخ والطائرات المسيّرة (إعلام محلي)

وكان القائم بأعمال السفارة الأميركية في الرياض نيل هوب اتهم إيران بامتلاك سفن عملت في البحر الأحمر ونفذت في السابق عمليات سيبرانية واستخباراتية لمصلحة الحوثيين، فضلاً عن نقل مكونات للصواريخ والطائرات المسيّرة، والمشاركة في نقل النفط عبر ما يعرف بـ«أسطول الظل».

ولفت القملي في هذا السياق إلى ما أوردته تحقيقات أممية بشأن تنويع الحوثيين سلاسل إمدادهم ومصادر حصولهم على الأسلحة والمعدات، عادّاً ذلك مؤشراً إلى تطور قدراتهم التنظيمية والتشغيلية.

باب المندب... ورقة ضغط

وحذّر رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية من انتقال الحوثيين من امتلاك القدرة على استهداف السفن إلى امتلاك مواقع جغرافية استراتيجية تتيح لهم مجالاً أوسع للرصد والإنذار المبكر والاستهداف قرب باب المندب.

وقال إن «وجود سواحل وجزر ومواقع قريبة من المضيق تحت سيطرة طرف يمتلك صواريخ وطائرات مسيّرة وزوارق مسلحة يرفع مستوى المخاطر أمام السفن العابرة، ويزيد احتمالات اضطراب الملاحة وارتفاع تكاليف التأمين والحماية، فضلاً عن احتمال دفع بعض شركات الشحن إلى إعادة توجيه رحلاتها بعيداً عن المنطقة».

وتابع بقوله: «لا تكمن الخطورة بالضرورة في قدرة الحوثيين على إغلاق باب المندب إغلاقاً كاملاً، بل في امتلاكهم القدرة على إبقاء المخاطر التي تواجه حركة الملاحة الدولية عند مستوى مرتفع، واستخدام الممر البحري ورقة ضغط متى أرادوا».

وتُظهر متابعة المنظمة البحرية الدولية لأمن البحر الأحمر استمرار اهتمامها بالهجمات التي استهدفت السفن والبحارة في المنطقة؛ كما مدّد مجلس الأمن في يوليو (تموز) 2026 تكليف الأمين العام تقديم تقارير بشأن هجمات الحوثيين في البحر الأحمر.

توسع الصلات مع جماعات مسلحة

وتطرق اللواء خالد القملي إلى بُعد آخر يراه مثيراً للقلق، يتمثل في احتمال أن تهيئ السيطرة على مواقع في باب المندب بيئة بحرية أكثر ملاءمة لتوسيع الاتصالات القائمة بين الحوثيين وشبكات مسلحة في القرن الأفريقي، وفي مقدمتها حركة «الشباب» الصومالية، عبر مسارات يصعب ضبطها بالكامل.

أكد القملي أن سيطرة الحوثيين على باب المندب تمثل «تحولاً نوعياً» في طبيعة التهديد الذي تشكله الجماعة (سبأ)

وحذّر من احتمال انتقال العلاقة من تبادل الأسلحة أو تهريبها إلى تعاون أوسع يشمل التمويل والمعدات والخبرات والتكنولوجيا والاتصالات، مستفيدة من شبكات التهريب القائمة بين اليمن والصومال.

ومن شأن حدوث ذلك، وفق تقدير القملي، أن يحوّل باب المندب من ممر لوجستي إلى حلقة وصل تشغيلية بين الحوثيين وجماعات مسلحة في القرن الأفريقي، ويوسع نطاق التهديد ليشمل خليج عدن والمنطقة المقابلة للساحل اليمني.

ربط منظومات المراقبة والاعتراض

أكد اللواء القملي أن الإجراءات الأمنية داخل المياه اليمنية، على أهميتها، لا تكفي وحدها للتعامل مع مسارات تهريب تمتد عبر الساحل الصومالي وخليج عدن وجيبوتي وباب المندب.

ودعا إلى تعزيز التعاون المباشر بين خفر السواحل اليمني ونظرائه في الصومال وجيبوتي، خصوصاً في تبادل المعلومات البحرية والاستخباراتية، وتتبع القوارب المشبوهة، وتنسيق عمليات الاعتراض.

باتت الجماعة الحوثية قادرة على استخدام مسارات متعددة لاستقبال الشحنات المهربة وفقاً للواء القملي (إ.ب.أ)

ويشمل هذا التعاون، وفق القملي، مراقبة حركة الجلبات وسفن الصيد التي تُستخدم لنقل الأسلحة والمخدرات والمعدات. لافتاً إلى أن «المتابعة الميدانية خلال السنوات الماضية أظهرت أن مكافحة التهريب في باب المندب لا تتحقق بالسيطرة على الجانب اليمني من الممر وحده، وإنما تتطلب ربط منظومات المراقبة والاعتراض على الضفتين اليمنية والأفريقية معاً».

وخلص رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية إلى أن التعامل مع الساحل الصومالي وجيبوتي وباب المندب والساحل الغربي اليمني بوصفها أجزاء من شبكة تهريب واحدة هو الأساس لمنع الحوثيين أو الجماعات المسلحة في القرن الأفريقي من استغلالها، والحيلولة دون تحول البحر الأحمر وخليج عدن إلى مساحة تتحرك فيها تلك الشبكات بحرية أكبر.


الحوثيون يختبرون ولاء الساحل الغربي اليمني بالتجنيد والجباية

فرض الحوثيون نمط إدارتهم في الجباية والتجنيد على السكان في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)
فرض الحوثيون نمط إدارتهم في الجباية والتجنيد على السكان في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)
TT

الحوثيون يختبرون ولاء الساحل الغربي اليمني بالتجنيد والجباية

فرض الحوثيون نمط إدارتهم في الجباية والتجنيد على السكان في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)
فرض الحوثيون نمط إدارتهم في الجباية والتجنيد على السكان في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)

«سنختبر ولاءكم في الجبهات وفي أعداد المجندين»... بهذه الجملة طالب القادة الحوثيون أعيان ووجهاء الساحل الغربي اليمني خلال الأيام الماضية، بعد سيطرة الجماعة على مناطق حيس والخوخة والمخا وصولاً إلى باب المندب.

فلم تكد الجماعة المتحالفة مع إيران تحكم قبضتها على مديريات الساحل الغربي، حتى بدأت بفرض منظومة من الإجراءات الأمنية والمالية والاجتماعية تستهدف إحكام السيطرة على السكان، عبر ابتزاز الوجهاء والأعيان لتجنيد مقاتلين، وإخضاع الأطفال والشبان لدوراتها الثقافية، وفرض الجبايات على التجار، بالتزامن مع حملات اعتقال ومداهمة ونهب لممتلكات خاصة ومرافق عامة.

وقالت مصادر محلية إن القادة الميدانيين الحوثيين ألزموا الأعيان والمشايخ ومسؤولي الأحياء، المعروفين بـ«عقال الحارات»، وهم أصحاب مناصب شبه رسمية، في بلدات وأرياف مديريات المخا وذوباب وموزع والوازعية في محافظة تعز، وحيس والخوخة في محافظة الحديدة، بتجنيد مقاتلين وإلحاق أطفال وشبان بما تسمى «الدورات الثقافية»، وحذرتهم من التخلف عن تنفيذ تلك المطالب.

وذكرت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، أن القادة الحوثيين أبلغوا الوجهاء والأعيان بأنهم يخضعون لـ«اختبار ولاء» بعد نحو 8 أعوام من سيطرة الحكومة الشرعية على المنطقة، وطالبوهم بإثبات ولائهم من خلال تنفيذ مهام تشمل التجنيد والتجسس على السكان وجمع الجبايات.

نازحون في مخيم قرب عدن هربوا من جحيم الحوثيين في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)

وقالت المصادر إن القادة الحوثيين دأبوا على تذكير هؤلاء الأعيان بأنهم يخضعون لاختبار ولاء، وعليهم إثباته من خلال رفد معسكرات التدريب والجبهات والدورات الثقافية بالشباب والأطفال.

وبحسب المصادر، حددت الجماعة حصصاً متفاوتة من المقاتلين والأطفال لكل منطقة وفق كثافتها السكانية، لكنها طالبت الوجهاء الذين رصدت تعاونهم مع السلطات المحلية خلال فترة سيطرة الحكومة بمضاعفة تلك الحصص، وتجنيد أقاربهم لإظهار «حسن النوايا».

حظر تجول غير معلن

بحسب المصادر، طالبت الجماعة الحوثية السكان في الساحل الغربي، بإقناع أقاربهم النازحين في مناطق سيطرة الحكومة بالعودة، لا سيما المنتمين إلى الجيش اليمني. وترجح المصادر أن يكون ذلك وسيلة لتجنيد بعض العائدين، أو اعتقالهم وإجبارهم على الكشف عن معلومات عسكرية وأمنية.

ولا تقتصر إجراءات السيطرة على التجنيد؛ ففي مديريتي حيس والخوخة، أفادت مصادر محلية بأن مسلحين حوثيين يتبعون ما تسمى «هيئة الزكاة»، داهموا محال تجارية وفرضوا على ملاكها مبالغ مالية، إلى جانب إلزامهم بتقديم مواد غذائية لعناصر الجماعة.

قادة حوثيون في مدينة الخوخة على الساحل الغربي (إعلام حوثي)

وطبقاً للمصادر، فإن الحوثيين احتجزوا عدداً من التجار الذين رفضوا دفع المبالغ المفروضة، ولم تطلقهم إلا بعد دفع المبالغ المطلوبة منهم إلى جانب غرامات تأخير.

وافتتحت الجماعة، بعد ساعات من سيطرتها على حيس، مقراً لما تسمى «هيئة الزكاة» في المديرية، ضمن مساعيها لفرض الجبايات على السكان والتجار، وتعويض خسائرها المادية في التصعيد العسكري وفقاً لمراقبين.

وفي المخا، تصاعدت المخاوف بين السكان مع استمرار الإجراءات الأمنية والمداهمات والاعتقالات، خصوصاً بعد احتجاز شابين من أبناء المدينة ونقلهما إلى منطقة البرح، الواقعة بينها ومدينة تعز باتجاه الشرق.

وتتحدث مصادر حقوقية عن اقتحام منازل واعتقال مدنيين وأشخاص تشتبه الجماعة في ارتباطهم بالقوات الموالية للحكومة، إلى جانب تقارير عن اعتقال صحافيين وناشطين.

واشتكى السكان من فرض قيود مشددة على الحركة والتجمعات، خصوصاً خلال ساعات المساء، ما يضطرهم إلى المبيت في منازلهم قبل مغيب الشمس.

30 ألف سلة غذائية في الساحل الغربي اليمني استولى عليها الحوثيون (إعلام حوثي)

وكشف عدد من الأهالي لـ«الشرق الأوسط»، عن اضطرارهم إلى ترك هواتفهم في المنازل بسبب إجراءات التفتيش التي تطالهم خلال تجولهم في الخارج أو مزاولة أعمالهم وأنشطتهم اليومية، وإجبارهم على فتحها والخضوع للتحقيق في حال اشتبه عناصر الجماعة في محتوياتها.

نهب المساعدات

تتزامن الإجراءات الأمنية والمالية الحوثية مع اتهامات للجماعة بالاستيلاء على ممتلكات ومرافق وموارد مخصصة للسكان. وقالت السلطات المحلية التابعة للحكومة اليمنية في الحديدة، إن الجماعة استهدفت عيادات طبية ومستودعات للغذاء والإيواء ومشروعاً للإمداد المائي مدعوماً من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية.

كما أدانت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل اقتحام مخازن تابعة لمركز الملك سلمان وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمات محلية ودولية في الساحل الغربي، والاستيلاء على محتوياتها الإغاثية، محذرة من أن تعطيل تلك المنشآت يعرقل وصول المساعدات إلى مستحقيها.

الحوثيون جيّروا خدمات المنشآت الحيوية والصحية في الساحل الغربي لصالح أنشطتهم (إعلام حوثي)

وقالت الوزارة إن العيادات المدعومة من مركز الملك سلمان كانت تقدم خدمات مجانية لنحو ربع مليون مستفيد سنوياً، تشمل الفحوصات والعمليات الجراحية والأدوية، معتبرة أن تعطيلها يضاعف الأعباء على المرضى والأسر الأكثر احتياجاً.

وفي مؤشر على اتساع نطاق التداعيات، وثق تقرير حقوقي 958 جريمة وانتهاكاً في مديريات الساحل الغربي، بينها المخا وذوباب والوازعية وموزع وحيس والخوخة، خلال الفترة من 3 إلى 11 سبتمبر (أيلول)، شملت الاعتقال والاختطاف والإخفاء القسري واقتحام المنازل ونهب الممتلكات، إلى جانب نزوح نحو 2300 أسرة.

وتشير هذه الوقائع، في مجملها، إلى أن السيطرة الحوثية على الساحل الغربي لا تتوقف عند التحول العسكري في خريطة النفوذ، بل تترافق مع محاولة لإعادة تشكيل الحياة المحلية وفق منظومة من الولاء والجباية والرقابة الأمنية، في وقت يدفع فيه المدنيون تكلفة إضافية من حريتهم ومواردهم ووصولهم إلى الخدمات الأساسية.


2300 حوثي بين قتيل وجريح في 8 جبهات خلال 3 أيام

غارات جوية متصاعدة تستهدف قدرات الحوثيين وتعزيزاتهم (رويترز)
غارات جوية متصاعدة تستهدف قدرات الحوثيين وتعزيزاتهم (رويترز)
TT

2300 حوثي بين قتيل وجريح في 8 جبهات خلال 3 أيام

غارات جوية متصاعدة تستهدف قدرات الحوثيين وتعزيزاتهم (رويترز)
غارات جوية متصاعدة تستهدف قدرات الحوثيين وتعزيزاتهم (رويترز)

تكبّدت الجماعة الحوثية خسائر بشرية وعسكرية كبيرة في ثماني جبهات يمنية، وفق حصيلة أعلنتها القوات الحكومية، في وقت تتركز فيه المواجهات الأشد في تعز ولحج، حيث تصطدم هجمات الجماعة المتواصلة بالضربات الحكومية الاستباقية ضمن مسعاها لتثبيت خطوط التماس وقطع طرق الإمداد القادمة من مناطق سيطرة الجماعة.

وقالت القوات المسلحة اليمنية إنها نفذت 706 عمليات استهداف نوعية ودقيقة في جبهات كتاف، والبقع، وعلب، والجوف، ومأرب والبيضاء، ولحج وتعز، مستخدمة الطيران الحربي والطائرات المسيّرة والقناصة والمدفعية وراجمات الصواريخ، مشيرة إلى أن هذه العمليات أسفرت، حسب حصيلتها، عن مقتل وإصابة 2316 عنصراً حوثياً خلال ثلاثة أيام.

وأوضحت القوات الحكومية أن العمليات طالت مواقع وعناصر وقدرات عسكرية للجماعة، وأدت إلى تدمير أو إعطاب ناقلات جنود وعربات وتعزيزات عسكرية ومنصات إطلاق صواريخ ومخازن أسلحة وعتاد ومعدات أخرى.

دخان يتصاعد من موقع للحوثيين استهدفه الجيش اليمني (رويترز)

وتعكس هذه الحصيلة، وفق رواية القوات المسلحة اليمنية، اتساع نطاق الاستهداف من خطوط المواجهة المباشرة إلى العمق اللوجستي للجماعة الحوثية، في وقت تدفع فيه الأخيرة بمزيد من العناصر والتعزيزات إلى الجبهات للحفاظ على مكاسبها الأخيرة في الساحل الغربي، وفتح مسارات ضغط جديدة على تعز.

معركة تعز

في تعز، بدت الجبهة الأكثر نشاطاً خلال الساعات الأخيرة، مع تزامن الهجمات البرية الحوثية مع ضربات جوية استهدفت مواقع التجميع والتخزين والتحرك.

ونفَّذ الطيران الحربي، وفق مصادر عسكرية رسمية خمس غارات على مواقع حوثية شرق المحافظة، شملت مفرق ماوية ومحيط مدينة الصالح ومعسكر الاستقبال التابع لسلاح المهندسين.

وقالت مصادر ميدانية إن الضربات جاءت بالتزامن مع اجتماع لقيادات عسكرية حوثية ووصول تحشيدات إلى المنطقة، وإن بعض الأهداف كانت تستخدم لتخزين الأسلحة والمعدات.

دخان يتصاعد إثر ضربة جوية استهدفت مواقع للحوثيين في شرق مدينة تعز (رويترز)

كما استهدف الطيران الحربي تعزيزات حوثية في منطقة المرزم بالربيعي غرب مدينة تعز، وقالت مصادر عسكرية إن إحدى الغارات أصابت دبابة وأدت إلى احتراقها.

وفي الجبهات الغربية، تصدت القوات الحكومية لهجوم حوثي في جبهة العنين، كما أفادت مصادر محلية بتصدي القوات الحكومية ومقاتلين من أبناء المنطقة لهجمات شنتها الجماعة على بني بكاري والعنين في جبل حبشي، عقب وصول تعزيزات حوثية كبيرة إلى المديرية.

وبالتوازي، استهدفت المدفعية الحكومية تجمعات ومواقع حوثية في الأقروض، والكدحة، وسائلة غراب، والجعشاء والزيبيا، كما دمرت مدفعاً في البحابح واستهدفت طقماً عسكرياً في ضاحة الرباح، وفق موجز للمركز الإعلامي لمحور تعز.

وأعلنت الدفاعات الجوية الحكومية إسقاط طائرة مسيّرة حوثية فوق جبهة الكدحة. وتواصلت في المقابل الهجمات الحوثية بالقصف المدفعي؛ إذ أطلقت الجماعة أكثر من ست قذائف باتجاه قرى في منطقة الضباب غرب تعز، متسببة، وفق مصادر محلية، في أضرار مادية بالمنازل وحالة من الذعر بين السكان.

نزيف الإمدادات

لا تقتصر المعركة بين القوات المسلحة اليمنية والحوثيين على المواقع الأمامية؛ إذ تحولت طرق نقل المقاتلين والعتاد أهدافاً رئيسية للعمليات الحكومية.

وتقول مصادر محلية إن الحوثيين دفعوا بمئات العناصر من اتجاه فرع العدين في محافظة إب باتجاه جبل رأس في الحديدة، على متن عشرات الحافلات، لتعزيز جبهات الوازعية، والبرح وبني عمر.

كما دفعت الجماعة بتعزيزات بشرية كبيرة باتجاه جبهة حيفان في تعز، في وقت تتحدث فيه مصادر ميدانية عن تحركات حوثية تستهدف الضغط نحو مديريات الشمايتين، والتربة والمقاطرة من أكثر من اتجاه.

وتشير هذه التحركات إلى أن الجماعة تسعى إلى الإبقاء على ضغطها العسكري غرب تعز، بالتزامن مع الدفع باتجاه حيفان والمناطق الشرقية والجنوبية، في محاولة لإيجاد مسارات متعددة نحو المحافظة.

وفي المقابل، تركز القوات الحكومية على استهداف التعزيزات قبل وصولها إلى خطوط القتال، مستفيدة من الطيران الحربي والمسيّر والمدفعية.

وقال الناطق العسكري ماجد النزيلي إن القوات الحكومية قتلت أربعة خبراء إيرانيين قال إنهم متخصصون في تشغيل وإطلاق الطائرات المسيّرة والصواريخ في محافظة تعز، دون إيراد تفاصيل عن هوياتهم.

ضغط في لحج

في لحج، تواصلت المواجهات على المحاور المتصلة بالساحل الغربي والمناطق المطلة على باب المندب، مع استمرار القصف والتحركات العسكرية في الوازعية، والمضاربة، ورأس العارة، والأغبرة وكهبوب.

وقالت مصادر ميدانية إن قوات العمالقة نفَّذت ضربات بطائرات مسيّرة ضد تجمعات وآليات حوثية في كهبوب، بالتزامن مع صد هجوم جديد للجماعة.

وتزامن ذلك مع تحركات عسكرية حكومية في جبهات الصبيحة، حيث تفقَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي، رفقة قائد المنطقة العسكرية الرابعة اللواء حمدي شكري، سير العمليات ومستوى الجاهزية في الخطوط الأمامية.

وأكد الصبيحي أهمية رفع الجاهزية واليقظة والاستعداد للتعامل مع التطورات الميدانية، مشيداً بثبات القوات في مختلف المواقع.

وتظهر تطورات تعز ولحج أن خطوط التماس منذ أيام لا تزال ثابتة نسبياً رغم كثافة الهجمات والتعزيزات، لكن ثبات الخريطة لا يعني هدوء الجبهات؛ إذ تحاول الجماعة الحفاظ على مكاسبها في الساحل الغربي، في حين تعمل القوات الحكومية على استنزاف القوة البشرية والعسكرية التي تدفع بها إلى مناطق القتال.

وتقول القوات الحكومية إن عملياتها استهدفت أهدافاً عسكرية، في حين تتبادل مع الحوثيين الاتهامات بشأن الأضرار المدنية الناجمة عن الغارات والقصف. وأكد النزيلي أن القوات الحكومية تلتزم، وفق قوله، باستهداف الأهداف العسكرية المشروعة وقواعد القانون الدولي الإنساني.