ساسة العرب بلا حواجز في مذكرات عمرو موسى

الجزء الأول منها يروي رحلته من النشأة حتى مغادرته الخارجية المصرية... «بفعل شعبان عبد الرحيم والوشايات»

موسى مع مبارك والقذافي وصالح والرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال قمة سرت عام 2010 (غيتي)
موسى مع مبارك والقذافي وصالح والرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال قمة سرت عام 2010 (غيتي)
TT

ساسة العرب بلا حواجز في مذكرات عمرو موسى

موسى مع مبارك والقذافي وصالح والرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال قمة سرت عام 2010 (غيتي)
موسى مع مبارك والقذافي وصالح والرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال قمة سرت عام 2010 (غيتي)

رحلة طويلة من العمل في دروب الدبلوماسية، مصرياً وعربياً ودولياً، خاضها السياسي المصري البارز عمرو موسى. واستناداً إلى عقود من الخبرات والمواقف اللافتة، أقدم الرجل على نشر مذكراته التي صدرت حديثاً في القاهرة، تحت عنوان «كتابيه»، وهي جزء من ثلاثة أجزاء، تصدر تباعاً، وتتناول مراحل من سيرة صاحبها الذي تدرج في المناصب المختلفة.
يتناول الجزء الأول من سيرة موسى المرحلة منذ ميلاده في 1936 وحتى رحيله عن منصب وزير الخارجية المصري في عام 2001، عبر 655 صفحة تضمها دفتا الكتاب. ويروي موسى كواليس موضوعات ومواقف مع شخصيات مختلفة على الساحة المصرية والعربية والدولية، لعل أبرز ما يميزها أنها تكاد تكون في أغلبها كاشفة لطبائع وصفات عدد من السياسيين العرب، بل ويزيد عليها الأمين العام الأسبق للجامعة العربية، تقييمه لبعضهم وتحليله لسلوكياتهم. وترصد «الشرق الأوسط» في هذا العرض للمذكرات التي نشرتها «دار الشروق» المصرية، أبرز ما جاء فيها.
في نوفمبر (تشرين الثاني) 1994، وبينما كانت المساعي الإسرائيلية تتواصل لإقامة تجمع اقتصادي تحت اسم «السوق الشرق أوسطية»، لجمع الدول العربية والأفريقية إلى جانب إسرائيل، سعى موسى - بحسب مذكراته - وكان وقتها وزيراً لخارجية مصر، إلى تفعيل التنسيق بين السعودية ومصر وسوريا، للرد على «محاولة إسرائيل لضرب كيان الجامعة العربية».
توجه موسى إلى السعودية «وقابلت الملك الراحل فهد بن عبد العزيز، وأبلغته أن شيمون بيريز يسعى إلى إنهاء عصر المنطقة العربية، والأمر يقتضي تنسيقاً بين القاهرة ودمشق والرياض... وبعدما فكر الملك قليلاً أجاب: أنا موافق على عقد المؤتمر، ولكن لا بد أن يُعقد في مصر؛ لأنها أختنا الكبرى. ورددت على الملك بأنني جئت بتكليف من الرئيس مبارك لأقترح أن يكون الاجتماع في السعودية، وسأتوجه بعد ذلك إلى سوريا للتنسيق بشأن المؤتمر، فرد الملك: يجب أن يكون في مصر. وعند مغادرتي - والكلام لموسى - كانت في يد الملك سبحة أهداني إياها».
بعدها توجه موسى إلى دمشق «والتقيت الرئيس حافظ الأسد الذي ظل يكرر عليّ سؤاله: الملك فهد قال لك إنه مستعد لاجتماع ثلاثي؟ قلت له: نعم. فكرر السؤال مرة أخرى، فأجبت بالتأكيد. وقال الأسد: وهل سنتفق على موعد أم أنه مجرد كلام؟ فقلت له: لا طبعاً سنتفق، وقد حضرت إليك لأسمع منك استعدادك للمشاركة. غير أن الأسد عاد فقال: السعودية قالت لك ذلك؟ فقلت له: نعم يا سيادة الرئيس». وتابع موسى: «رجعت إلى مصر، وعرفنا أن سوريا أرسلت إلى السعودية تسأل عن مدى حقيقة موافقتها على الاجتماع الثلاثي، وقد أبلغت السعودية مصر باستفسار الأسد، وظل مبارك يضحك على شكوك الرئيس السوري التي لا تنقطع، وقال: ده (هذا) راجل شكاك جداً... يشك في نفسه».
- قطر وساستها
ويحكي موسى عن العلاقات بين مصر وقطر خلال فترة التسعينات من القرن الماضي، أثناء توليه الخارجية، فيقول: «قام تعاون كبير بيني وبين حمد بن جاسم (وزير خارجية قطر السابق). وكنت أداعبه دوماً بقولي: كفاك جمعاً للثروة. فيرد: أريد أن أصبح أغنى رجل في العالم العربي». ويواصل صاحب المذكرات: «سألت أمير قطر السابق حمد بن خليفة مرة: هل أكمل حمد بن جاسم المليار أم لا؟ فضحك بن خليفة ورد: لن يرتاح له بال ابن الـ... إلا إذا أصبح أغنى ثري عربي».
وفي موقع آخر من «كتابيه»، يتناول موسى واقعة تتعلق بالرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، والمسؤولين القطريين السابقين، ويشير إلى أن من بين «القفشات» (المزحات)، التي كان ينقلها أمير قطر السابق على لسان الرئيس السابق حسني مبارك، ويضحك عليها كثيراً حكاية طائرة حمد بن جاسم، التي أمر الأمير السابق بمنحها لصالح. فبعد أن شاهد الأخير الطائرة خلال توديعه رسمياً في مطار الدوحة، أبدى إعجابه بها، فمنحها له الأمير، وكان بن جاسم واقفاً إلى جانبها لا يتوقع ذلك، وظل يشير إلى هذا المقلب آسفاً، بينما ظل الأمير يتذكره ضاحكاً، وكان كلما التقى مبارك مع بن جاسم قال له: «كيف تترك طائرتك لعلي عبد الله صالح؟»، فيرد في أسى: «كانت جامبو يا سيادة الرئيس». فيعلق مبارك على الطريقة المصرية: «جامبو على جنبه»، وكان أمير قطر كلما سمع تعليق مبارك يدخل في نوبة ضحك.
ولا نزال مع قطر في مذكرات موسى التي يقول عنها: «أصبحت للقطريين أبواب مفتوحة في معظم عواصم العالم، إن لم يكن كلها، بالبناء على هذه الثروة الطائلة... فأصبحت الدوحة من ضمن العواصم ذات النفوذ، خصوصاً أنها خلقت لنفسها لوبياً خاصاً بها في الولايات المتحدة، وكان يدير استثماراتها شخص يهودي معروف، وهو رجل سهل الحركة سريع التواصل منفتح على كثير من الأوساط المتنفذة أميركياً وعربياً. وكان يتباهى بذلك، ولكنه كان قادراً على الوصول إلى أعلى السلطات الأميركية لتأمين الطلبات القطرية، بما فيها اللقاءات الخاصة برئيس الدولة».
- حساسية مبارك إزاء إيران
كانت العلاقات المصرية - الإيرانية بين الموضوعات التي تطرق إليها موسى؛ خصوصاً خلال فترة حكم مبارك. وروى في مذكراته واقعة كاشفة عن مدى حساسية مبارك إزاء هذا الملف، ففي مايو (أيار) 1992 «وبينما كنت أوشك على إكمال عامي الأول على رأس الدبلوماسية المصرية، التقيت وزير الخارجية الإيراني، حينها، علي أكبر ولاياتي، على هامش مؤتمر لدول عدم الانحياز في جاكرتا، في إحدى المناسبات الاجتماعية التي تقام خلال هذه القمم. تصافحنا وتحدثنا، ثم اتفقنا على أن الأمور التي تهم البلدين تقتضي لقاءً ثنائياً فيما بيننا. وكان الذي يحير الوزير الإيراني هو المكان الذي يمكن أن نجلس فيه معاً، باعتبار أنه لا علاقات دبلوماسية بين بلدينا. فطلبت منه أن يكون اللقاء في كافيتريا في آخر بهو الفندق، وقلت: لا يوجد ما يدعونا لإجراء مباحثاتنا في الخفاء».
لكن فور عودته إلى القاهرة، قدم موسى «تقريراً وافياً عن مباحثاتي مع الوزير الإيراني، لمبارك وقلت إنه آن الأوان لبحث العلاقات مع طهران. فعارض مبارك بشدة... وكان قراره برفض فتح ملف إعادة العلاقات مع إيران يستند إلى حرص شديد على العلاقات مع دول الخليج، ذلك أنها تعتبر أي تقارب مصري - إيراني تهديداً مباشراً لمصالحها». وأضاف: «أذكر واقعة تؤكد حساسية مبارك من فتح موضوع العلاقات مع إيران، فعندما كان مصطفى الفقي سفيراً لمصر في فيينا (1995 - 1999)، جاء ليقضي إحدى إجازاته السنوية في شهر رمضان بالقاهرة، ودعاه الدكتور علي الدين هلال، عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية - آنذاك - ليكون المتحدث الرئيسي في الإفطار السنوي الذي تقيمه الكلية، وفي كلمته تعرض الفقي إلى العلاقات المتوترة مع إيران والعراق، وقال: إننا يجب أن نحافظ على جسور من العلاقات مع هذه الدول». وفي اليوم التالي اتصل مبارك بموسى: «وكان ثائراً وغاضباً، وقال: إن مصطفى الفقي انتقد سياستنا الخارجية وهاجمها، وطلب مني أن أبلغ الفقي بقطع إجازته والعودة فوراً إلى فيينا، أو أن يترك منصبه إن كانت السياسات لا تعجبه».
- أربكان وتركيا و«الإخوان»
تفرد المذكرات فصلاً خاصاً عن العلاقات المصرية - التركية، وشهادة موسى على تفاصيل إدارتها، إذ يقول: «في منتصف التسعينات بدأ ظهور الإسلام السياسي بقوة على المسرح التركي... وهنا أعود إلى الزيارة التي قام بها مبارك في النصف الثاني من عام 1996 إلى تركيا، خلال الفترة القصيرة التي تولى فيها نجم الدين أربكان رئاسة الحكومة. كانت زيارة مشحونة لاعتراضنا على التعاون العسكري التركي - الإسرائيلي، ولذلك حرصنا على ألا تطول عن يوم واحد، وكان البرنامج لا يتضمن لقاء مع رئيس الحكومة أربكان؛ لكن الأخير طلب لقاء مبارك للترحيب به، والتعرف عليه باعتباره - أربكان - الرئيس الجديد للحكومة التركية، فوافق مبارك».
وينقل موسى نصاً تفاصيل الحوار الذي دار بين مبارك وأربكان على النحو التالي: «بعد عبارات الترحيب، قال أربكان لمبارك: سيادة الرئيس أنا لي عندك طلب. فرد مبارك: تفضل يا دولة الرئيس. قال: أرجوك أن تُخرج قيادات الإخوان المسلمين في مصر من السجون. فاعتدل مبارك في جلسته، وقال له: ماذا؟ كرر أربكان طلبه: أرجوك أن تُفرج عن قيادات الإخوان المسلمين. فباغته مبارك برد شديد الحدة: وانتم مالكم؟ انتم عايزينهم (تريدونهم) هنا؟ إحنا مش عايزينهم. خذوهم».
ويواصل صاحب المذكرات سرد تفاصيل اللقاء الذي كان شاهداً عليه: «صُدم أربكان من الرد القاسي. واستمر مبارك في حديثه قائلاً: هذه الموضوعات التي تمس شؤوننا الداخلية لا تفتحها معي مرة أخرى. أنا لست مُستعداً أن أتقبل هذا الأمر منك أو من غيرك. ثم أعرض مبارك في جلسته عن أربكان، بأن استدار فأصبح جانبه هو المواجه لرئيس الوزراء التركي الذي استشعر الحرج، فسلم علينا وغادر المكان».
- هدية القذافي الغريبة
ومن حدة المواجهة بين مبارك وأربكان، ينتقل موسى بالمذكرات إلى طرائف الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، ومواقفه المثيرة للجدل، إذ يقول إنه في إحدى زيارات مبارك ووزير الدولة للشؤون الخارجية السابق بطرس غالي لليبيا، وبينما كان الأخير يتحدث بطلاقة أمام القذافي عن الأوضاع في أفريقيا وغيرها، أعجب القذافي بغالي فأهداه «شوال مكرونة» (كيساً كبيراً من المعكرونة)، وظل غالي يتندر بالواقعة بين أصدقائه، كما كان مبارك يسأل غالي كلما التقاه عن مصير «الشوال»، وما إذا كان وزنه - يقصد غالي - قد زاد من كثرة أكل المعكرونة.
موقف شخصي مباشر آخر واجهه موسى، يكشف الحالة المزاجية التي كان عليها القذافي، إذ يقول: «فور تعييني وزيراً للخارجية، سرى همس قاده الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، مؤداه أن عمرو موسى القادم من نيويورك لترؤس الدبلوماسية المصرية ما هو إلا مبعوث أميركاني لمصر، وبعد تعييني بفترة قصيرة جاء القذافي في زيارة إلى القاهرة، ونصب خيمته الشهيرة في قصر القبة الرئاسي، ولأنه كان يتشكك في شخصي وفي نواياي أرسل هدايا تذكارية (ساعة يد) إلى كبار المسؤولين المصريين، أعضاء الوفد الرسمي الذي خاض مباحثات مع الوفد المرافق له، إلا وزير الخارجية».
وأشار إلى أن لقاءه الأول بالقذافي «كان غاية في الطرافة... توجهت إلى طرابلس، وأوصلوني إلى خيمته، جلست أمامه؛ لكنني فوجئت به ينظر إلى السماء، ويتجنب النظر إليّ لأنني كنت وقتها في نظره أميركانياً، وكان قراري ألا أفتح معه موضوع اتهاماته لي، وظل القذافي طيلة الجلسة ينظر يميناً ويساراً إلى السماء، وينطق بكلمتين ثم يسكت، كان من السهل جداً عليّ أن أجذب انتباهه، حدثته عن كتاب جديد كان صادراً للتو يتحدث عن البحر المتوسط وحلف شمال الأطلسي (الناتو) والقوة الأوروبية، فاهتم جداً بمعرفة التفاصيل الموجودة في الكتاب الذي لم يكن قد سمع بصدوره من قبل، وأخيراً بدأ ينظر في اتجاهي، وقد داعبته بأن بدأت أتكلم وأنا أنظر إلى السقف، ولا أرى إن كان قد فهم الرسالة أم لا. ولكن الأمور تحسنت، وبعد نحو سنة وجدته يرسل لي بلا مناسبة ساعة، وكانت هي ساعة اليد التي احتفظ بها ولم يهدها إليّ في زيارته للقاهرة».
- شتائم في القمة الإسلامية
يروي صاحب المذكرات واقعة لافتة شهدها مؤتمر القمة الإسلامي، المنعقد في الكويت في يناير (كانون الثاني) 1987، وسط أجواء المقاطعة العربية لمصر بعد اتفاقية السلام المصرية - الإسرائيلية، ويقول موسى: «افتتحت سوريا الاجتماعات بهجوم عنيف على مصر... كان الهجوم قاسياً في الاجتماع التحضيري المنعقد على مستوى السفراء. تحدث ممثل سوريا بكثير من العصبية. واتهم مصر بالخيانة والتخلي عن الحقوق والثوابت العربية، وفي الاجتماع الوزاري انبرى الوفد السوري برئاسة وزير الخارجية فاروق الشرع لتوجيه الشتائم إلى مصر بفظاعة، وتم تسجيلها في محاضر الجلسة؛ لأنه كان يتحدث بشكل رسمي واصفاً إيانا بأولاد الـ...، فما كان مني - والكلام لموسى - إلا أن قلت له من دون الميكروفون: أنت اللي ابن ستين...، وبعدها مباشرة فتحت الميكروفون، وقلت بكل حكمة وعتاب وكأني لم أرد على شتائمهم: هذا لا يليق يا أخي. لا يليق يا أخ العروبة. لا يصح أن تتورط في شتيمتنا بهذه الألفاظ الخارجة. فهاج وماج فاروق الشرع، وقال: أنت تشتمنا في السر وأمام الجميع تقول يا أخ العرب».
ويستكمل موسى حديثه: «على الفور تدخل وزير خارجية الكويت آنذاك الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، وجاء مسرعاً تاركاً رئاسة الاجتماع، وقال: ماذا يحدث؟ أيعقل أن تتبادلا الشتائم؟! قلت له: ارجع لتسجيل الجلسة فستجده هو من شتم يا معالي الوزير. قال: وأنت، ألم ترد عليه يا عمرو؟ قلت: لك ما سيرد في التسجيل يا سيادة الوزير. ضحك الشيخ الصباح، وقال: بذمتك يا عمرو قلت له إيش؟ قلت مبتسماً: هو شتم وأنا رديت عليه يا معالي الوزير. هو قال كذا وأنا قلت كذا، وانتهى الموضوع».
- مصر والتوريث
وتطرّق موسى في مذكراته إلى ما كان متداولاً في أواخر عهد مبارك، بشأن مساعيه لتوريث السلطة لنجله جمال، وروى صاحب «كتابيه» كواليس بعض ما كان يدور في أعلى مستويات الدولة بشأن الموضوع، وقال: «كان بيني وبين اللواء عمر سليمان، رئيس جهاز المخابرات العامة، لقاء دوري نتجاذب فيه أطراف الحديث، ونناقش القضايا المطروحة على الساحتين الخارجية والداخلية... في أحد اللقاءات تحدثنا عما كان يقال عن مساعي مبارك - أو أسرته - لتوريث حكم مصر لابنه جمال، وسليمان كان غاضباً جداً من هذا الموضوع... وقال: إن مبارك غير مرتاح، وربما لن يُمكن ابنه الشاب من مراده؛ لكن الضغوط كثيرة عليه من أسرته، وأنا شخصياً - والكلام لسليمان - قلت له إن الكلام عن التوريث خطير جداً حتى ولو لم يكن حقيقياً؛ لأن الانطباع أقوى من الحقيقة، وهو انطباع سلبي... الموضوع ده هيبوظ (سيفسد) الدنيا؛ لأن الولد مش هيقدر (لن يقدر) على مصر».
- الوشايات والأغنية الشهيرة
وعن روايات وأسباب خروج موسى من منصب وزير الخارجية، قال الرجل في مذكراته: «تأكدت رغبتي في ترك منصب وزير الخارجية خلال عام 2000 أكثر من أي عام آخر، فقد وصلت شعبية وزير الخارجية إلى الذروة، وملأ الرضا الشعبي عن أدائه الآفاق، نتيجة شعور المواطن المصري والعربي في كل مكان بأن عمرو موسى ينطق بلسانه، ويتخذ نفس المواقف التي يتمناها هذا المواطن تقريباً، في حدود ما لدى وزير الخارجية من صلاحيات، وكان هناك من لا يتردد في إيغار صدر رئيس الجمهورية تجاه أي مسؤول ناجح، فلا يجب أن يكون على الساحة شخص آخر معترف بدوره غير شخص الرئيس، ومن هنا يبدأ مسلسل الوشايات، وما أكثر من يجيدون لعب مثل هذه الأدوار».
ويستطرد موسى: «كل الشواهد في هذه السنة كانت تشير إلى أن أيامي باتت معدودة في الوزارة، غير أن هناك بعض الأحداث التي عجلت برحيلي من الوزارة، منها ما يتسم بالطرافة، مثل أغنية شعبان عبد الرحيم التي يقول ويكرر في أكثر من مقطع فيها: أكره إسرائيل... وأحب عمرو موسى، في ظل أجواء مشحونة بسبب الانتفاضة الفلسطينية الثانية، فأعطت هذه الأغنية كمية كبيرة من الذخيرة لكل من أراد التصويب على وزير الخارجية».
ويوضح صاحب «كتابيه» موقفه من الأغنية، قائلاً: «في الحقيقة لم أقابل صدورها بشيء من الضيق أو الضجر، رغم علمي بأنها ستفتح عليّ أبواب جهنم. أتى لي صديق بهذه الأغنية، وبينما كنا نسمعها معاً، صاح هذا الصديق فجأة: الله يخرب بيتك يا شعبان يا عبد الرحيم... الموضوع كده هيخلص بسرعة يا عمرو بيه»، في إشارة إلى أن أيامي باتت معدودة في الوزارة. ضحكت وقلت له: «يا رجل، 10 سنوات لي في الوزارة كافية جداً... ويا للروعة عندما أنهيها على نغمات اللحن شبه الوحيد لشعبان عبد الرحيم (إييييه)».
وأعرب موسى عن اعتقاده بأن مبارك لم يتخذ قراره بتغييره بناء على هذه الأغنية فقط؛ لكن كانت لديه تراكمات كثيرة قبلها بفعل الوشايات، بحسب تقدير موسى، مدللاً على ذلك برواية قال فيها: «أذكر أن (الأمين العام للحزب الحاكم ووزير الإعلام آنذاك) صفوت الشريف وكان ركناً معتبراً من أركان النظام، دعا مبارك إلى زيارة مبنى التلفزيون بمناسبة عيد الإعلاميين، ولم يوجه لي الدعوة مثل باقي الوزراء، وبينما الرئيس يتفقد المبنى - وطبقاً لما ذكره لي أكثر من واحد من كبار الصحافيين في تلك الفترة - إذ بصفوت يشير إلى مبنى الخارجية المجاور للتلفزيون على كورنيش النيل ويقول: هناك يا سيادة الريس... في هذا المبنى الضخم توجد إمبراطورية عمرو موسى».



دعم أوروبي متجدد للحكومة اليمنية من عدن

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يلقي كلمته في حفل «يوم أوروبا» (سبأ)
رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يلقي كلمته في حفل «يوم أوروبا» (سبأ)
TT

دعم أوروبي متجدد للحكومة اليمنية من عدن

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يلقي كلمته في حفل «يوم أوروبا» (سبأ)
رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يلقي كلمته في حفل «يوم أوروبا» (سبأ)

حمل احتفال بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن بـ«يوم أوروبا» في العاصمة المؤقتة عدن رسائل سياسية وإنسانية تتجاوز الطابع البروتوكولي، في أول فعالية من نوعها تُقام داخل اليمن منذ أكثر من 12 عاماً، وسط تأكيد أوروبي متجدد على دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وتعزيز مسارات الاستقرار والإصلاح، بالتزامن مع تحركات أممية ودولية لدعم قطاعات الحقوق والمياه وحماية الإرث التاريخي.

وشارك رئيس الوزراء وزير الخارجية اليمني، شائع الزنداني، في الاحتفال الذي نظمته بعثة الاتحاد الأوروبي بحضور رسمي ودبلوماسي واسع، مؤكداً أن اختيار عدن لاستضافة المناسبة في هذا التوقيت يحمل «دلالات سياسية مهمة»، خصوصاً بعد حوادث الاغتيال التي شهدتها المدينة أخيراً، وفي مقدمها اغتيال القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية، وسام قائد.

وقال الزنداني إن الحكومة تنظر بتقدير إلى الدعم السياسي والإنساني والتنموي الذي قدمه الاتحاد الأوروبي لليمن خلال سنوات الحرب، والذي تجاوز مليار يورو منذ اندلاع الصراع، مؤكداً أن الإرهاب والفوضى «لن ينجحا في تقويض حضور الدولة ومؤسساتها».

في المقابل، شدد رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن، السفير باتريك سيمونيه، على أن إقامة الاحتفال في عدن تمثل «رسالة دعم قوية» للحكومة اليمنية ورئيسها، في ظل ما وصفه بـ«الظروف البالغة الصعوبة» التي تواجهها البلاد.

رئيس الحكومة اليمنية وعدد من السفراء الأوروبيين خلال حفل «يوم أوروبا» في عدن (سبأ)

وأدان السفير الأوروبي جريمة اغتيال وسام قائد، معتبراً أنها «عمل جبان ودنيء»، مؤكداً أن الحادثة لن تؤثر على استمرار دعم الاتحاد الأوروبي للحكومة اليمنية ومؤسساتها، بل ستزيد من الإصرار على مواصلة الشراكة مع اليمن.

ويأتي هذا الحضور الأوروبي المكثف في وقت تسعى فيه الحكومة اليمنية إلى حشد دعم دولي أوسع للانتقال من مرحلة الاستجابة الإنسانية إلى مرحلة التعافي الاقتصادي وإعادة بناء المؤسسات، مع التركيز على تشجيع الاستثمار وتمكين القطاع الخاص وخلق فرص العمل.

ويرى مراقبون أن إقامة فعالية أوروبية بهذا الحجم في عدن تعكس رغبة غربية في إظهار دعم واضح للسلطة الشرعية، وإبراز المدينة بعدّها مركزاً سياسياً وإدارياً قادراً على استضافة الفعاليات الدولية رغم التحديات الأمنية.

تحركات حقوقية

في سياق متصل، بحث وزير حقوق الإنسان اليمني، مشعل عمر، مع بعثة الاتحاد الأوروبي سبل تعزيز التعاون في مجال حقوق الإنسان ودعم الإصلاح المؤسسي وحماية الحقوق والحريات.

وأكد الوزير التزام الحكومة بالوفاء بالتزاماتها الوطنية والدولية رغم الظروف الراهنة، مشيراً إلى استمرار العمل على تعزيز سيادة القانون وتطوير أداء المؤسسات وتحسين أوضاع الحقوق والحريات.

واستعرض المسؤول اليمني أولويات الوزارة خلال المرحلة المقبلة، وفي مقدمها تطوير آليات الرصد والتوثيق، ورفع كفاءة المؤسسات المعنية بإنفاذ القانون، إضافة إلى معالجة ملف المختطفين والمخفيين قسرياً، الذي وصفه بأنه من أبرز الملفات الإنسانية التي تحظى بأولوية لدى الحكومة.

اجتماع يمني مع وفد الاتحاد الأوروبي بخصوص حقوق الإنسان (سبأ)

كما أشار إلى استمرار الجهود بالتنسيق مع مكتب النائب العام لإغلاق مراكز الاحتجاز غير الرسمية ومعالجة أوضاع المحتجزين.

من جانبه، رحب السفير الأوروبي بما وصفه بـ«الخطوات المبكرة والإيجابية»، خصوصاً الزيارات الميدانية لمراكز الاحتجاز والسجون، معتبراً أنها تعكس اهتماماً حكومياً بملف حقوق الإنسان، ومؤكداً رغبة الاتحاد الأوروبي في تعزيز التعاون مع الحكومة اليمنية في مجالات بناء القدرات ومواءمة القوانين الوطنية مع المعايير الدولية.

المياه والتراث

في سياق هذا الحراك، شهدت عدن لقاءات بين مسؤولين يمنيين ومنظمات دولية لبحث مشاريع المياه والبيئة وحماية المعالم التاريخية، في ظل تفاقم التحديات البيئية وشح الموارد المائية.

وبحث وزير المياه والبيئة توفيق الشرجبي مع ممثلة هيئة الإغاثة الدولية، دينا رفعت، مجالات التعاون المتعلقة بقطاعي المياه والصرف الصحي، بما يشمل إعداد الدراسات والتقييمات الخاصة بالاحتياجات العاجلة والمتوسطة والطويلة الأجل، إلى جانب مشاريع إدارة الأحواض المائية وحماية المناطق الساحلية.

وأكد الوزير اليمني حرص الحكومة على توسيع الشراكة مع المنظمات الدولية لتحسين خدمات المياه وتعزيز التنمية المستدامة، بينما شددت المنظمة الدولية على أهمية وجود شريك حكومي فاعل لدعم المشاريع البيئية ومواجهة التغيرات المناخية.

وزير المياه والبيئة في الحكومة اليمنية خلال اجتماع مع مسؤولين دوليين في عدن (سبأ)

وفي السياق ذاته، ناقش الشرجبي مع المدير الإقليمي لمنظمة «اليونسكو» لدول الخليج واليمن، صلاح خالد، أوضاع مشروع صهاريج عدن التاريخية، وما تعرضت له من تأثيرات نتيجة التوسع العمراني والبناء العشوائي، إضافة إلى مشروع تحلية المياه الممول من اليابان، والحاجة إلى تمويل إضافي لاستكماله.

كما استقبل رئيس الوزراء شائع الزنداني وفداً من «اليونسكو» اطّلع منه على المشاريع الجارية في مجالات التعليم والثقافة وترميم المدن التاريخية وبناء القدرات، وسط تأكيد حكومي على أهمية توسيع التعاون مع المنظمة الدولية لحماية الإرث الثقافي ودعم التعليم الفني والمهني، وفق ما أفاد به الإعلام الرسمي.


«الرئاسي اليمني» يشدد على الإصلاحات وملاحقة منفذي الاغتيالات

جانب من أحدث اجتماع لمجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)
جانب من أحدث اجتماع لمجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)
TT

«الرئاسي اليمني» يشدد على الإصلاحات وملاحقة منفذي الاغتيالات

جانب من أحدث اجتماع لمجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)
جانب من أحدث اجتماع لمجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)

شدد مجلس القيادة الرئاسي اليمني على مواصلة الإصلاحات الاقتصادية والخدمية، وملاحقة المتورطين في أعمال الاغتيال التي شهدتها العاصمة المؤقتة عدن، بالتوازي مع إدانته للاعتداءات الإيرانية المتجددة وتأكيده على أولوية إنهاء الانقلاب الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة.

جاء ذلك خلال اجتماع ترأسه رئيس المجلس رشاد العليمي، وبحضور جميع أعضائه، حيث أكد أن الحكومة ماضية في تعزيز حضور مؤسسات الدولة وتحسين الأوضاع المعيشية والخدمات الأساسية، بالتوازي مع دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية لمواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة في المناطق المحررة.

واستعرض العليمي -حسب الإعلام الرسمي- أمام أعضاء المجلس نتائج زيارته الأخيرة إلى جيبوتي، ولقاءاته مع الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله، والرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، حيث ناقشت المباحثات تنسيق الجهود الأمنية في ظل تصاعد أنشطة التهريب والجريمة المنظمة وتحركات الجماعات المسلحة العابرة للحدود.

3 من أعضاء «الرئاسي اليمني» حضروا اجتماع المجلس عن بُعد (سبأ)

وحسب المناقشات، فإن التحركات اليمنية هدفت إلى إعادة تثبيت الحضور اليمني في معادلة أمن البحر الأحمر ومنطقة القرن الأفريقي، مع تصاعد المخاوف الدولية المرتبطة بأمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن.

وأشاد المجلس بنتائج الزيارة، معتبراً أنها عزّزت التنسيق الإقليمي لمواجهة التهديدات المشتركة، وفي مقدمتها حماية خطوط الملاحة الدولية، ومكافحة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة.

كما ناقش الاجتماع نتائج اللقاء الحكومي المصغر مع محافظي المحافظات المحررة، ومستوى التقدم في مسارات الإصلاح المالي والإداري، وتعزيز الحوكمة والشفافية، وتنفيذ القرارات المتعلقة بتحسين الأداء المؤسسي والخدمي.

وأكد المجلس أهمية الشراكة الاستراتيجية مع السعودية، ودورها في دعم جهود الحكومة اليمنية على المستويات الاقتصادية والأمنية، إلى جانب التنسيق مع المانحين لتخفيف الضغوط الاقتصادية والإنسانية.

الأمن المحلي والإقليمي

في الملف الأمني، ناقش المجلس التطورات الأخيرة في عدن، خصوصاً سلسلة الاغتيالات التي شهدتها المدينة، التي قال إنها استهدفت إرباك المشهد الداخلي وضرب الثقة بالمؤسسات الوطنية والدولية.

وأثنى المجلس على أداء الأجهزة الأمنية في ملاحقة العناصر المتورطة وإحباط مخططات إرهابية، مشيراً إلى تحسن التنسيق بين مختلف الأجهزة عقب خطوات توحيد القرار العسكري والأمني بدعم سعودي.

وجدد المجلس التزام الدولة بمواصلة مكافحة الإرهاب وتأمين المرافق الحيوية وحماية العاملين في المجال الإغاثي والقطاع الخاص، مع تأكيد عدم إفلات المتورطين في أعمال العنف من العقاب.

وفي السياق ذاته، ربط المجلس بين التهديدات الأمنية الداخلية واستمرار ما وصفه بالدعم الإيراني للحوثيين، مؤكداً أن استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب يمثّلان أولوية رئيسية للسلطات الشرعية.

وتناول الاجتماع أيضاً التطورات الإقليمية، بما في ذلك ما وصفه المجلس باستئناف إيران هجماتها العدائية على دول المنطقة، لافتاً إلى أن تلك التحركات تعكس استمرار سياسة طهران القائمة على زعزعة الاستقرار الإقليمي.

وجدد المجلس إدانته للهجمات والتهديدات الإيرانية التي استهدفت منشآت مدنية واقتصادية في كل من الكويت والإمارات العربية المتحدة والبحرين، لافتاً إلى أنها تمثّل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وتهديداً مباشراً لأمن المنطقة والملاحة الدولية.

Your Premium trial has ended


تقرير دولي يرصد تصاعد تسليح الحوثيين النوعي

الحوثيون يحصلون على أنظمة صاروخية حديثة وليست من مخزونات قديمة (إعلام حكومي)
الحوثيون يحصلون على أنظمة صاروخية حديثة وليست من مخزونات قديمة (إعلام حكومي)
TT

تقرير دولي يرصد تصاعد تسليح الحوثيين النوعي

الحوثيون يحصلون على أنظمة صاروخية حديثة وليست من مخزونات قديمة (إعلام حكومي)
الحوثيون يحصلون على أنظمة صاروخية حديثة وليست من مخزونات قديمة (إعلام حكومي)

أكد مركز دولي متخصص في تتبُّع الأسلحة أثناء النزاعات أن الدعم الخارجي لا يزال عاملاً أساسياً في تطوير القدرات العسكرية للحوثيين، خصوصاً في مجال الصواريخ المتطورة والطائرات المسيّرة، مشيراً إلى أن الترسانة التي استولت عليها الجماعة، عقب اجتياح صنعاء في عام 2014، كانت في معظمها أنظمة قديمة تعود إلى الحقبة السوفياتية، ولا تفسر التطور الكبير الذي طرأ على قدراتها العسكرية، خلال السنوات الأخيرة.

وفي تقرير حديث له، ذكر مركز دراسة الأسلحة أثناء النزاعات أن التهديد الحوثي تطوَّر بسرعة، خلال السنوات العشر الماضية، إذ باتت ترسانة الجماعة تضم مجموعة من الصواريخ المتطورة والطائرات المُسيّرة القادرة على تهديد السفن والبنية التحتية الحيوية والمناطق المأهولة بالسكان في المنطقة.

وذكر المركز الدولي أن مُحققيه وثّقوا أكثر من 800 مكوّن لصواريخ وطائرات مُسيّرة ضُبطت في عمليات بحرية حديثة في البحر الأحمر، مشيراً إلى أن هذه المكونات توفر معلومات مهمة حول طبيعة أنظمة الأسلحة التقليدية المتطورة التي يمتلكونها.

الدعم الخارجي عامل أساسي في تطوير قدرات الحوثيين العسكرية (إعلام حكومي)

وأكد أن هذه المكونات في معظمها إلكترونيات مثل الهوائيات والمحركات وأنظمة الملاحة والمعالجات الدقيقة، وهي مواد تُعرَف بأنها «ثنائية الاستخدام»، إذ يمكن استخدامها في المنتجات المدنية والعسكرية على حد سواء، كما أن عدداً منها متاح تجارياً في الأسواق المفتوحة.

وفي تقريره قال المركز إن الأدلة التي توصَّل إليها تؤكد استمرار تزويد الحوثيين بمُعدات إيرانية المنشأ، موضحاً أن تحليل المكونات الموثَّقة أظهر اعتماد هذه الأنظمة على مكونات متعددة الأغراض. وأضاف أن القوات الحكومية المُرابطة في جنوب البحر الأحمر اعترضت، خلال العامين الماضيين، عدة شحنات أسلحة غير مشروعة كانت في طريقها إلى الحوثيين.

منظومات إيرانية

أوضح المركز الدولي أن فريق التحقيق التابع له عثر على كميات كبيرة من مكونات الصواريخ والأنظمة غير المأهولة، إضافة إلى مواد مرتبطة بالتدريب العسكري والأنشطة الاستخباراتية.

وأكد أنه عندما استولى الحوثيون على ترسانة الجيش اليمني في عام 2014 كانت معظم الصواريخ المضادة للسفن التي حصلوا عليها قديمة ومن الحقبة السوفياتية. إلا أن الفحوصات التي أجراها خبراء المركز على المكونات المضبوطة كشفت ارتباطها بما لا يقل عن 12 نظاماً للأسلحة الإيرانية، بينها عشرة أنواع من الصواريخ تشمل صواريخ مضادة للسفن، وأخرى أرض-جو، وصواريخ باليستية.

كما وثَّق المحققون مكونات مرتبطة بصواريخ إيرانية الصنع لم يسبق رصدها بحوزة الحوثيين، وجرى التعرف على هذه الأنظمة من خلال المُلصقات الموجودة على المكونات، والتي تحمل تسميات تستخدمها إيران، رغم أن الحوثيين لا يعلنون عنها رسمياً.

صاروخ إيراني حديث لم يعلَن عنه من قبل ضُبط وهو في طريقه إلى الحوثيين (إعلام حكومي)

وأشار التقرير إلى أن محللي الاستخبارات الأميركية سبق أن أكدوا تطابق خصائص صاروخ «بركان-3» الحوثي مع صاروخ «رضوان» الإيراني، بما في ذلك الحمولة والزعانف والخصائص الفنية الأخرى. ولفت إلى أن الحوثيين استخدموا هذا الصاروخ، لأول مرة عام 2019، في هجوم على السعودية، ثم في هجمات لاحقة استهدفت إسرائيل.

ومن بين المكونات التي وثّقها المركز أيضاً قِطع تحمل علامات تشير إلى استخدامها في أنظمة بحرية هجومية غير مأهولة أو طوربيدات، بينها مراوح بحرية ثنائية وثلاثية الشفرات.

وأكد أن الملصقات الموجودة على هذه المكونات تكشف مستوى عالياً من التنظيم في عمليات الإمداد، موضحاً أن هذه العلامات لم تُشاهَد في أي سياق آخر، ويُعتقد أنها تُستخدم لتسهيل عمليات التجميع داخل مناطق سيطرة الحوثيين.

ورأى المركز أن هذه المؤشرات تعكس اتساع وتنوع أنظمة الأسلحة المتاحة للجماعة، بما في ذلك أنظمة لم تعلن إيران عنها رسمياً حتى عام 2025، مثل صاروخ «قائم» أرض-جو، مشيراً إلى احتمال وجود أنظمة أخرى لم تُكشف بعد.

اعتماد على الإمداد الخارجي

خلص الباحثون التابعون للمركز إلى أن هذه المعطيات تدل على أن الحوثيين ما زالوا يعتمدون بصورة كبيرة على الدعم الخارجي، وأن قدرتهم على إنتاج هذه الأنظمة، بشكل مستقل، لا تزال محدودة، خصوصاً أن كثيراً من المكونات يبدو أنه يُرسَل على شكل «مجموعات جاهزة» للتجميع.

وأوضح التقرير أن المكونات التي جرى توثيقها تحمل علاماتٍ لشركات تقع في 16 دولة وإقليماً، بينها الصين والولايات المتحدة وروسيا وألمانيا وفرنسا واليابان وإيران، لافتاً إلى أن بعض هذه المكونات مُزيفة، في حين تعمل فِرق التحقيق على تتبُّع سلاسل التوريد الخاصة بها.

وأشار المركز إلى أن 5 في المائة فقط من المكونات الموثَّقة يمكن ربطها مباشرة بالإنتاج الإيراني، مؤكداً أن الصناعات العسكرية الإيرانية تعتمد، بدرجة كبيرة، على التكنولوجيا الأجنبية، وهو اتجاه سبق توثيقه في تحقيقات سابقة أجراها المركز.

12 نظاماً للأسلحة الإيرانية وصل للحوثيين بينها صواريخ مضادة للسفن وأخرى باليستية (إعلام حكومي)

وبيّن التقرير أن معظم المكونات التي أمكن تحديد تاريخ إنتاجها صُنعت بعد عام 2020، في حين أُنتج جزء كبير منها خلال عاميْ 2023 و2024، ما يشير إلى أن الحوثيين يحصلون على أنظمة حديثة وليست من مخزونات قديمة.

ووفق هذه البيانات، فإن غالبية المكونات المستخدمة في الصواريخ والطائرات المسيّرة الحوثية تندرج ضمن قائمة «المكونات ذات الأولوية القصوى»، وهي قائمة أعدّتها دول مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي لمراقبة المواد الحساسة المستخدمة في تطوير الأسلحة المتقدمة.

وأوضح المركز الدولي أن تحليله لخمس منظومات صاروخية رئيسية أظهر احتواءها على نسب مرتفعة من المكونات الإلكترونية الدقيقة المصنَّعة في الخارج، ومنها صاروخ «غدير» الذي يطلق عليه الحوثيون اسم «المندب 2»، ما يعكس استمرار اعتماد الجماعة على شبكات إمداد خارجية معقدة ونشطة.