«الداعشي» الصيني رفض الـ «غزوة» فسجنوه وعذّبوه... والأميركي جذبته «استغاثة سورية»

«الشرق الأوسط» حاورت معتقلين من أفراد التنظيم في سجن أربيل... ورحلة الوافد من كازاخستان انتهت بالاستسلام للبيشمركة

«دواعش» (من أميركا والصين وكازاخستان والعراق وسوريا) حاورتهم «الشرق الأوسط» في سجن اربيل
«دواعش» (من أميركا والصين وكازاخستان والعراق وسوريا) حاورتهم «الشرق الأوسط» في سجن اربيل
TT

«الداعشي» الصيني رفض الـ «غزوة» فسجنوه وعذّبوه... والأميركي جذبته «استغاثة سورية»

«دواعش» (من أميركا والصين وكازاخستان والعراق وسوريا) حاورتهم «الشرق الأوسط» في سجن اربيل
«دواعش» (من أميركا والصين وكازاخستان والعراق وسوريا) حاورتهم «الشرق الأوسط» في سجن اربيل

صنع تنظيم داعش سلسلة من النكبات لدول ومدن. صنعها حين مارس الفتك بحق مجموعات وأقليات وأمعن نسفاً وذبحاً في مدن قريبة وبعيدة. صنع نكبة للمدن التي اتُهمت بإيوائه أو احتضانه. وصنع نكبة حين بررّ سلوك من كانوا يرغبون أصلاً في معاقبة تلك المدن. وصنع نكبة لأشخاص أوقعتهم دعاية «داعش» في براثنها.
إنها قصص غريبة. لهذا طلبت العودة مرة أخرى إلى مقر مكافحة الإرهاب في أربيل، علّني أظفر بحكايات جديدة غير التي نشرتها عن «الداعشيين» العراقي والسوري. هذه المرة عثرت على وافد من الصين، وثانٍ من كازاخستان، وثالث من القارة الأميركية. ووقف الحوار مع الأميركي قبل اكتماله بسبب ضرورات التحقيق.

«داعشي» من كازاخستان
تركت قوبلان أوزاق حسن يروي قصته. قال: «أنا من مواليد 1982، درست في مدينتي اكتو في كازاخستان وأماكن أخرى. تخصصت في الكيمياء والنفط. متزوج ولدي 3 أطفال. أنا من عائلة مسلمة، وفي محيطنا يتحدث الناس عن أوضاع المسلمين في العالم وما يتعرضون له في بعض الأحيان. وكنا، كالباقين، نتابع ما يجري عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي كانت تبث صوراً لما يجري في العراق وسوريا وغيرها.
في 2015 جئت في زيارة سياحية إلى أنطاليا في تركيا، وأردت استطلاع إمكان متابعة تخصصي فيها. استنتجت أن العيش في تركيا مكلف. هنا قال أصدقاء لي يدرسون في تركيا إنني أستطيع العيش في سوريا، وإن البلد رخيص وأستطيع العثور على فرصة عمل في المناطق التي يسيطر عليها التنظيم (داعش). كان لدي أيضاً أصدقاء يعيشون في الموصل. تواصلنا عبر الإنترنت فشجعوني على المجيء للعيش في الدولة الإسلامية (المزعومة). قالوا إنني أستطيع العيش من العمل في اختصاصي وتحصيل بعض المال.
طلبوا مني التوجه إلى غازي عنتاب، حيث كان شبان في انتظاري، وهم مزيج من العرب والأتراك. أخذوني مع عائلتي إلى الرقة. أنزلوني في بيت وأخذوا عائلتي إلى مقر آخر. كان في المقر الذي أقمت فيه شبان من جنسيات مختلفة. تم إخضاعنا في الرقة لدورة شرعية دامت 8 أيام. تناولت الدورة الوضوء والصلاة ونواقض الإسلام والجهاد ومحاربة الكفار. بعدها نُقلنا في باص ومن دون إغماض أعيننا إلى تلعفر وأخضعنا هناك لدورة عسكرية. أنا مصاب أصلاً بعطب في ظهري ولا أستطيع أن أكون عسكرياً مقاتلاً.
طلبت أن ألتحق بأصدقائي في الموصل فنشأ خلاف بين مجموعة من الوافدين ومسؤول التنظيم حول مسائل البيعة وتفاصيل أخرى. كنا 10 وأعادونا إلى الرقة، حيث وُضعت قيود هي نوع من الإقامة الجبرية. في النهاية سمحوا لكل واحد باختيار وجهته وأخذوني في باص إلى الموصل.
كان الجو هادئاً في الموصل حيث أقمت مع عائلتي. لكنهم سرعان ما أرغموني على التوجه إلى تلعفر في السنة نفسها، أي 2015. أقمت في محلة يُتقن عدد من المقيمين فيها الروسية. وكنت أتردد على هؤلاء. الروس الأصليون قلائل بينهم. وجدت هناك وافدين من أوزبكستان وطاجيكستان وداغستان والشيشان وتركمانستان. كانوا بالمئات ويعيشون مع عائلاتهم القديمة أو الجديدة. لم أسمع من هؤلاء أي تشكيك بخط التنظيم أو بالنهج الذي يسير عليه زعيمه أبو بكر البغدادي. معظم هؤلاء جاءوا لأسباب دينية وصدّقوا الأشرطة الدعائية.
لم أجد عملاً في ميدان تخصصي، فقررت شراء خيول وبيع لحمها وهكذا كان. وفي السنة الحالية قتل سائق باص بقذيفة فطلبوا مني أن أكون بديلاً له براتب شهري قدره 200 دولار.
هنا تبلورت لدي رغبة في الهرب، وكنا نسمع أخبار المعارك في الموصل. لم أعثر على فرصة عمل فعلية. اتصلت بالأمن في كازاخستان، فقالوا لي إذا أردت الهرب أن أصطحب معي من يريد المغادرة من أبناء كازاخستان. وبناء على توصية من القنصلية الروسية في أربيل أجريت اتصالاً بشخص قيل إن اسمه (أبو محمد الرمضاني). أرشدني عبر الجوال إلى خريطة تُظهر الطريق التي يمكن أن أسلكها لأسلّم نفسي إلى البيشمركة.
كان معي أولادي وزوجتي الحامل و4 نساء و10 أطفال. كانت الرحلة محفوفة بالأخطار. قطعنا 20 كيلومتراً بالسيارات. وكانت المنطقة الأخيرة ملغومة. تركنا السيارات واختبأنا في مزرعة. كنا نعرف أننا سنواجه القتل إذا اكتشفوا محاولتنا الهروب. في النهاية مشينا نحو كيلومترين وسلّمنا أنفسنا إلى البيشمركة قبل 25 يوماً».
قال قوبلان إنه لم يشارك في القتال، لكنه عانى من الغارات الجوية التي كانت تستهدف المنطقة. قال أيضاً إنه لم يشهد أي عمليات إعدام أو ذبح. سألته عن موقفه الديني من هذه الممارسات فرد قائلاً: «أنا لا أملك المعرفة الشرعية الكافية للإدلاء برأي قاطع». سألته إن كان يعتبر «دويلة داعش دولة إسلامية»، فتذرع أيضاً بنقص معارفه الدينية لتفادي الإجابة.

«الداعشي» الصيني
طلب «الداعشي» الصيني فور دخوله ألا يُنشر اسمه كاملاً «لأنني سأقتل في حال عودتي وربما على يد أفراد من عائلتي ليتفادوا غضب جهاز الأمن». سأكتفي بالحروف الأولى من اسمه الثلاثي، وهي س. ق. ك.
تركته يروي حكايته. قال: «أنا من مواليد أغسطس (آب) 1980 في ولاية خوتن في تركستان الشرقية. من عائلة مسلمة ولدي 4 أولاد، وُلد الأخير بينهم في تلعفر. درست في تركستان الشرقية وغادرت المدرسة بعد التعليم الابتدائي لأعمل مزارعاً مع والدي. لدي 3 أشقاء وشقيقة.
لا أعرف إن كنت تعرف كم هي صعبة حياة المسلمين هناك. الحجاب ممنوع وكذلك تعليم القرآن للأولاد. وممنوع إنجاب أكثر من 3 أولاد. الأمن الصيني لا يتساهل ولا يرحم. ينظرون إلى الممارسات الإسلامية تهديداً للنظام الشيوعي القائم. إنهم يسيطرون على كل شيء من الأمن إلى الإعلام إلى الجامعات. في الصين لا يحق لك أن تكون مختلفاً عن الموقف الرسمي للدولة. عليك إخفاء مشاعرك وقناعاتك. لكن المسلمين هناك يتحدثون أيضاً عما يتعرض له بعض المسلمين في العالم.
سمعت من مسلمين هناك أن تركيا مستعدة لاستقبال أشخاص مثلي من المسلمين الصينيين. وهكذا قررت القيام بالرحلة مع عائلتي. ذهبت من تركستان إلى شنغهاي بالطائرة. ومنها إلى لاوس، فتايلاند وبعدها ماليزيا ومنها إلى قيصرية في تركيا. كلفتني الرحلة 4 آلاف دولار وكنت أنوي طلب اللجوء في تركيا.
بعد 10 أيام من وصولي نفدت مدخراتي. جاء شخص وقال أنا على استعداد لإعطائك ما تحتاجه من فلوس إذا كنت تريد الذهاب مع عائلتك إلى سوريا، حيث يعيش المسلمون في ظل نظام إسلامي.
أخذني الرجل إلى غازي عنتاب عند الحدود التركية - السورية وتولى آخرون نقلي مع عائلتي إلى مقر في الرقة. أقمت هناك في مقر لـ(داعش)، وكان اسم المسؤول (أبو عبد الله). وبعد أيام قرروا نقل من يعرفون التركية إلى تلعفر. أنا دخلت إلى سوريا في فبراير (شباط) 2016. في تلعفر أرسلوني إلى حي الوحدة. أقمت 10 أيام في مقر ثم ألحقت بمعسكر (أبو هاجر التركستاني). أمضينا 38 يوماً وكان معي 15 شخصاً معظمهم من تلعفر. دورة شرعية تتضمن برنامج إعداد دينياً وموضوع الجهاد ومحاربة الكفار. في الشق العسكري تم تدريبنا على استخدام الأسلحة الرشاشة الخفيفة والثقيلة.
بعدها ألحقوني بـ(كتيبة سيف الدين) في (اللواء واحد). كان آمر الكتيبة أبو الزبير التركي وعدد أفرادها 50 مقاتلاً. بقيت في الكتيبة سنة ونصف السنة، ثم نقلوني إلى الخط الأمامي قرب ساتر ترابي وكان اسم (آمر الرباط) عبد الرحمن. شاءت المصادفة أنه لم تحصل معارك خلال وجودي على خط التماس. طبعاً في المعسكر كان (الأمير) أبو بكر يشجع على قتال الكفار. تعبئة دينية وعسكرية. وكان راتبي خلال تلك الفترة 250 دولاراً.
ذات يوم طلبوا مني التوجه في غزوة إلى الموصل. تحايلت لعدم الذهاب فسجنوني 4 أشهر تعرضت خلالها للتعذيب. وجدت الوضع في مناطق (داعش) غير ما توقعت، وبدأت أفكّر في الهرب. وقبل 20 يوماً نجحت في الوصول مع عائلتي إلى موقع للبيشمركة وسلّمت نفسي.
أنا لا أريد العودة إلى الصين. إذا وافقت تركيا على استقبالي أكون ممنوناً. إذا وافقت أميركا أو أوروبا على استقبالي أكون سعيداً. كل شيء إلا الصين، لأن عقابي هناك سيكون شديداً وربما قاتلاً. أنا لم أقتل. وأقول بأمانة إن (داعش) خدع العالم. صدقنا ما يتداول ودفعنا الثمن».

«الداعشي» الأميركي
لم يكتمل اللقاء مع «الداعشي» الأميركي. طلبت إدارة مقر مكافحة الإرهاب وقف المقابلة، لأن نشر ما تحدث عنه الرجل قد يساعد شركاء له على الفرار. سنكتفي بنشر ما لا يسيء إلى جهود المتابعة والتحقيق.
ولد ر. ك في 1988. انتقل لاحقاً إلى ترينيداد وتابع دراسات إسلامية. يقول إنه شاهد على «يوتيوب» أشرطة عما يحدث في سوريا. «شاهدت امرأة مسلمة يتصبب الدم من وجهها وسط الركام في سوريا وهي تستغيث وتسأل عن المسلمين، ولماذا لا يهبون لمساعدة إخوانهم. تأثرت أيضاً بمشاهد مساجد تعرضت للقصف.
في تلك الأيام تخرّجت زوجتي من كلية الطب. وكانت لدينا ابنة. اقترحت على زوجتي أن نذهب إلى سوريا لمدة شهرين نعمل خلالها في إطار المنظمات الإنسانية لمساعدة المسلمين هناك. وقررت أختي مرافقتنا في الرحلة. جئنا إلى تركيا. تولى تسهيل دخولنا إلى سوريا شاب اسمه طارق قُتل لاحقاً، وشخص آخر من (داعش) اسمه مصطفى.
أخذونا من غازي عنتاب إلى مكان في سوريا ومنه في حافلة لـ(داعش) إلى الرقة، وقبل الوصول عصبوا أعيننا. أقمت في مقر استقبال، وأُخذت عائلتي إلى مقر للنساء. في المقر كنا نتلقى الخبز والعدس والأرز والتونة.
بعد فترة جاء (أبو أنس الأزدي) وهو إمام ليدرّسنا العقيدة. علمنا لائحة الكفار من وجهة نظرهم وهي تشمل النظام السوري وغيره وكل من يعمل في نظام غير إسلامي».
بعدها خاض الشاب الأميركي في أسماء اعتبرت جهات التحقيق أن نشرها يساعد أصحابها على الهرب. طُلب مني وقف الحوار، وكان لا بد من التجاوب.


مقالات ذات صلة

الشرطة النرويجية توقف مراهقاً يشتبه في تخطيطه للاعتداء على مقر لـ«الناتو»

أوروبا الشرطة النرويجية تضرب طوقاً أمنياً في أوسلو (أ.ف.ب)

الشرطة النرويجية توقف مراهقاً يشتبه في تخطيطه للاعتداء على مقر لـ«الناتو»

أوقفت الشرطة النرويجية مراهقاً في الـ17 يُشتبه في أنه خطّط لتنفيذ اعتداء بمتفجرات على موقع تابع لحلف شمال الأطلسي (ناتو) في جنوب غربي الدولة الإسكندنافية.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
العالم العربي مخيم الهول في سوريا (د.ب.أ)

باريس: عمليات الفرار من مخيم الهول في سوريا لم تشمل مواطنين فرنسيين

أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية، الخميس، أنه لم يفرّ أي مواطن فرنسي من مخيم الهول في سوريا، الذي كان يستقبل عائلات عناصر في تنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي متعلقات سكان مخيم الهول خارج الخيم ويظهر أفراد من القوات الحكومية السورية بعد أن شهد فراراً جماعياً لأقارب مشتبه بانتمائهم لـ«داعش» (أ.ف.ب)

تنظيم «داعش» يكثف هجماته بتكتيك «الذئاب المنفردة» في سوريا

كثف تنظيم «داعش» هجماته بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة بشرق سوريا من خلال «تكتيك الذئاب المنفردة» بعد «فوضى عارمة» في مخيم الهول.

«الشرق الأوسط» (دمشق - مخيم الهول (سوريا) )
المشرق العربي القبض على متهم بالانتماء لتنظيم «داعش» في عملية أمنية في دير الزور (وزارة الداخلية)

الداخلية السورية: الواقع داخل مخيم الهول صادم ويشبه معسكر اعتقال قسري

قال المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا إن القوات السورية فوجئت بانسحاب «قسد» من مخيم الهول قبل أكثر من ست ساعات من وصول الجيش السوري لتسلم المخيم

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)

«الداخلية السورية» تُعد خطة لتأمين محافظة الحسكة

أعلنت وزارة الداخلية السورية، الأربعاء، أنها أعدّت خطة انتشار أمني لتأمين محافظة الحسكة، وذلك بالتوازي مع دخول وحدات الجيش العربي السوري إليها.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.


زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
TT

زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)

على وقع العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية الجديدة ضد النظام الإيراني، أعلن زعيم الجماعة الحوثية في اليمن، عبد الملك الحوثي، استعداد جماعته للتحرك في مسارات متعددة سياسياً وشعبياً وإعلامياً تضامناً مع طهران، دون التصريح المباشر بإعلان الحرب إلى جانبها.

وجاءت تصريحات الحوثي خلال خطاب متلفز، مساء السبت، دعا فيه أنصار جماعته إلى الخروج في مظاهرات حاشدة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وبقية المناطق الخاضعة لسيطرتها، مؤكداً أن الجماعة في «أهبة الاستعداد لأي تطورات»، وأن التحركات المقبلة ستشمل أنشطة جماهيرية وإعلامية وسياسية تهدف إلى إظهار التضامن مع طهران في مواجهة ما وصفه بالتصعيد الأميركي الإسرائيلي.

ويرى مراقبون أن الدعوة إلى التظاهر تمثل محاولة لإعادة تعبئة الشارع في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، وربط الصراع الداخلي اليمني بالتطورات الإقليمية، حيث ينظر إلى الجماعة بأنها أهم الأذرع العسكرية لإيران في المنطقة.

حشد من أنصار الجماعة الحوثية خلال تظاهرة في صنعاء أمام مبنى السفارة الأميركية (أ.ف.ب)

وزعم الحوثي في خطبته أن الضربات الإيرانية التي استهدفت قواعد عسكرية أميركية في المنطقة تمثل «حقاً مشروعاً»، معتبراً أنها تستهدف الوجود العسكري الأميركي وليس الدول التي تستضيف تلك القواعد.

ويأتي هذا الموقف متسقاً مع الخطاب السياسي والعسكري الذي تبنته الجماعة خلال الفترة الماضية، والقائم على تصوير الصراع بوصفه مواجهة إقليمية واسعة ضد النفوذ الأميركي والإسرائيلي ومناصرة الفلسطينيين في غزة.

ارتهان للمحور الإيراني

خلال الأعوام الأخيرة، تجاوز خطاب الجماعة الحوثية المجال الداخلي للصراع في اليمن، خصوصاً بعد تنفيذ هجمات بحرية وصاروخية مرتبطة بالحرب في غزة، الأمر الذي أدى إلى تصعيد المواجهة مع القوات الأميركية والإسرائيلية التي نفذت بدورها ضربات جوية ضد الجماعة والتي أدت إلى مقتل قيادات عسكرية ومدنية، بينهم رئيس أركان الجماعة وأكثر من نصف وزراء حكومتها الانقلابية.

ويشير محللون إلى أن ربط الحوثيين موقفهم بالتطورات الإيرانية يندرج ضمن ما يُعرف باستراتيجية «وحدة الساحات»، حيث تسعى الجماعة إلى تقديم نفسها كجزء من المحور الذي تقوده إيران، وليس مجرد طرف محلي في النزاع اليمني.

كما أن الدعوة إلى الحشد الشعبي تحمل بعداً داخلياً يهدف إلى تعزيز التماسك التنظيمي في ظل الضغوط الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة داخل مناطق سيطرة الجماعة التي تتخوف من إسقاط انقلابها إذا ما فقدت الداعم الرئيسي في طهران.

الجماعة الحوثية المدعومة من إيران تسببت في مقتل أكثر من 300 ألف يمني خلال سنوات الانقلاب (إ.ب.أ)

وتأتي تصريحات زعيم الحوثيين وسط مخاوف دولية من أن يؤدي أي تصعيد إضافي إلى توسيع نطاق المواجهة العسكرية، خصوصاً في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية.

وكانت الهجمات الحوثية السابقة ضد سفن مرتبطة بإسرائيل أو متجهة إلى موانيها قد دفعت الولايات المتحدة إلى تشكيل تحالف بحري لحماية الملاحة الدولية، أعقبته ضربات عسكرية استهدفت منصات إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة، قبل أن تتعهد الجماعة بعدم مهاجمة السفن الأميركية بناء على وساطة عمانية في منتصف 2025.

ويرى خبراء أن إعلان الجماعة الحوثية الاستعداد للتحرك تضامناً مع إيران قد يفتح الباب أمام عودة الهجمات بوتيرة أعلى، سواء عبر الهجمات البحرية أو إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

الموقف الحكومي

في بيان رسمي، حملت الحكومة اليمنية، النظام الإيراني المسؤولية الكاملة عن أي تصعيد يهدد أمن المنطقة، وعن استمرار سياساته القائمة على توسيع نطاق المواجهة عبر أدواته ووكلائه، وما يترتب على ذلك من تقويض لأمن الممرات المائية الدولية، وتهديد مصادر الطاقة، وتعريض شعوب المنطقة لمخاطر حرب مفتوحة لا تخدم سوى مشاريع الفوضى، والتخريب، والإرهاب.

وحذرت الحكومة الجماعة الحوثية من الانخراط بأي مغامرات عسكرية، دعماً للأجندة الإيرانية، أو محاولة استخدام الأراضي اليمنية منصة لاستهداف دول الجوار أو المصالح الدولية، مؤكدة أن أي تصرف من هذا القبيل يمثل عملاً عدائياً ضد اليمن، وتهديداً لمصالح شعبه، وأمنه القومي.

قيود الحوثيين وتعسفاتهم حرمت ملايين اليمنيين من المساعدات الإغاثية (أ.ف.ب)

وجددت الحكومة اليمنية دعوتها المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم إزاء الانتهاكات الإيرانية المتكررة لسيادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والعمل على ردع أي سلوك يزعزع أمن واستقرار المنطقة، ويفتح الباب أمام تصعيد واسع ستكون تكلفته باهظة على الجميع.

وشددت على أن أمن المنطقة مسؤولية جماعية، وأن الاستقرار لن يتحقق إلا باحترام سيادة الدول، والكف عن دعم المليشيات المسلحة، والامتثال الصارم لقواعد القانون الدولي.