حكومة روحاني... تهدئة مع المحافظين وانقلاب على الحلفاء

حكومة روحاني... تهدئة مع المحافظين وانقلاب على الحلفاء
TT

حكومة روحاني... تهدئة مع المحافظين وانقلاب على الحلفاء

حكومة روحاني... تهدئة مع المحافظين وانقلاب على الحلفاء

«أحد الذين يقضون ليلاً بارداً في زاوية القبر، اسمه آرمان، سيبقى عالقاً في ذهني، آرمان ضائع وجدوه في القبر... العار لنا». هذه العبارة وردت في رسالة للمخرج الإيراني الفائز بالأوسكار مرتين، أصغر فرهادي، يعبر فيها عن حزنه العميق لوضع الطبقات المهمشة والفقيرة في إيران، بعد نشر تقرير صادم عن سكان القبور في طهران في فبراير (شباط) الماضي.
تعني آرمان بالفارسية الغاية المنشودة، وهنا استخدم فرهادي براعته الفنية لتقديم تراجيديا المهمشين. في جانب آخر من رسالته يؤكد أن «بعض المتلاعبين في السياسة سيجعلون من تقارير كهذه ذريعة لتسخين فرن الألاعيب السياسية والانتخابية المترهلة». ويضيف: «للأسف فإن حرارة الفرن لن تدفئ أجساد الأطفال والنساء والرجال المشردين في زوايا القبور والحدائق وتحت الجسور».
لكن رغم تحذير المخرج الإيراني، فإن الأوضاع المعيشية عامة، خصوصاً معاناة الفقراء، أصبحت بعد أشهر قليلة محور الحديث في انتخابات الرئاسة الإيرانية. قبل الدخول في إجراءات الانتخابات، تحدث المرشد الإيراني علي خامنئي مرات عدة عن ضرورة المشاركة الواسعة في الانتخابات. دعوة خامنئي لم تكن جديدة، إذ سبقتها مواقف مشابهة في الانتخابات المتتالية التي رفعت الحرج عن النظام في ظل أزمة المشروعية منذ إعلان «ولاية الفقيه» هوية للنظام الصاعد بعد ثورة 1979. لكن الجديد في مواقف المرشد الإيراني انتقادات غير مسبوقة للوضع المعيشي وأزمة البطالة في إيران.
فُهمت تلك الانتقادات على الساحة الإيرانية في سياق إصرار المحافظين على اختصار رئاسة روحاني بفترة رئاسية واحدة. لكن في الواقع، كانت مواقف خامنئي بمثابة الضوء الأخضر لمهاجمة أداء روحاني الاقتصادي وتأثيره على الوضع المعيشي، وهو ما شكل تهديداً لروحاني الذي لم يجد أمامه سوى رفع النبرة والعزف على الأوتار الخطيرة في الداخل الإيراني بتوسيع نطاق الوعود، حفاظاً على آماله في كرسي الرئاسة للمرة الثانية.
انقلب خطاب روحاني بعد المناظرة التلفزيونية الثالثة وردد شعارات التيار الإصلاحي، وتحولت حملاته الانتخابية إلى كرنفالات لترديد هتافات الثورة الخضراء. توجه إلى مناطق المكونات العرقية وبدأ خطاباته هناك باللغات المحلية. في الأحواز لجأ إلى الشعراء الشعبيين لترديد الأهازيج. وفي المناطق الأذرية تحدث باللغة التركية. وفي كرمانشاه وجه رسالة سلام إلى الكرد حول «إيران موحدة المصير» على وقع الدبكة الكردية. وتوجه إلى البلوش، أفقر شرائح المجتمع الإيراني، بوعود رفع التمييز الديني والقومي. انتقد روحاني بشكل عام تهميش القوميات، وحينذاك ذكر نائبه الأول إسحاق جهانغيري بأن «جهات» تمارس ضغوطاً لعرقلة توظيف أبناء القوميات.
وتطلبت انتقادات روحاني لوضع القوميات، رداً سريعاً من خامنئي حذر فيه من «تحريك الفوالق» في الساحة الإيرانية وإحداث «زلزال كبير في المجتمع».
بدورها، كانت وعود روحاني للمرأة التي تشكل نصف المجتمع الإيراني، مغرية وغير مسبوقة، منها تشكيل وزارة خاصة بشؤون المرأة شعارها رفع التمييز وتعيين أكثر من وزيرة بعدما وجدت المرأة في 3 مناصب بين مساعديه إضافة إلى مستشارة خاصة.
كذلك قال روحاني إنه يعول على الشباب في حكومته الجديدة، إذا فاز في الانتخابات. ورد على انتقادات لأكبر حكومة إيرانية سناً بحساب متوسط أعمار وزرائها، قال إنه يتجه إلى حكومة أكثر شباباً وحيوية. كما وعد الشباب الإيرانيين برفع القيود عن الحريات العامة وتحسين أوضاع الفنون والموسيقى والسينما، مما أدى إلى تجاوب من الفنانين والشخصيات المشهورة بإصدار بيانات رفعت نسبة أصوات روحاني.
تحت تأثير الوعود، شهد الأسبوع الأخير من الانتخابات تطورات كبيرة بإصدار زعماء الإصلاحيين محمد خاتمي وميرحسين موسوي ومهدي كروبي بيانات منفصلة تأييداً لحملة روحاني في الانتخابات. بلغ تفاؤل الإصلاحيين بتعويض خسائر السنوات الماضية والعودة أقوى من السابق ورفع القيود عن المثلث القيادي كروبي - موسوي - خاتمي، أعلى المستويات، بعدما تقمص روحاني دور الزعماء الإصلاحيين وهاجم القضاء بأشد العبارات، ووصف المدعي العام السابق بالرجل الذي لا يعرف سوى الإعدام والسجن.
أكثر من ذلك، أطلق روحاني سهام انتقاداته الحادة باتجاه «الحرس الثوري» في السياسة والاقتصاد. هنا اكتملت الصورة، وفاز روحاني في الانتخابات.
انتقادات روحاني أخذت منحى تصاعدياً بعد الانتخابات، ووصف «الحرس الثوري» بـ«الحكومة التي تحمل البندقية»، وأبدى انزعاجه من عبء «الحرس» على الاستثمار الأجنبي. انتقادات روحاني رد عليها المرشد الإيراني بتحذيره من تكرار سيناريو العزل السياسي للرئيس الإيراني الأول أبو الحسن بني صدر، كما أطلق خامنئي مشروع «حرية إطلاق النار». وبموازاته، انتقد كل من قائد «الحرس الثوري» محمد علي جعفري وقائد «فيلق القدس» قاسم سليماني مواقف روحاني، وحذروه من إضعاف دور «الحرس الثوري»، وكانت تلك المواقف بداية هجمة شرسة تعرض لها روحاني من كبار المسؤولين المتنفذين في السلطة وبلغت حد اتهامه ضمناً بمعاداة أجهزة الثورة.
تطور خطاب روحاني المفاجئ في أيام الانتخابات ضمن فوزه بفترة رئاسية ثانية. واستمر في التوهج في مرحلة ما بعد الانتخابات، عبر مهاجمة «الحرس الثوري» والقضاء، إلى أن أعلن الأخير اعتقال شقيقه ومستشاره الخاص حسين فريدون الشهر الماضي بيد مخابرات «الحرس الثوري» وبأوامر قضائية، قبل الإفراج عنه بكفالة مالية. وجاء الاعتقال في وقت كان فيه روحاني يجري مشاورات مع حلقته الخاصة لاختيار التشكيلة الحكومية ومراسم اليمين الدستورية.
قبل شهر من إعلان تشكيلة الحكومة، كشفت وكالات الأنباء عن لقاء جرى بين روحاني وخامنئي حول اختيار الوزراء. لم تنشر تفاصيل عن اللقاء. لكن مكتب المرشد الإيراني رد لاحقاً على اتهامه بفرض تشكيلة حكومية، بإصدار بيان قبل أسبوعين من مصادقة خامنئي على نتيجة انتخابات الرئاسة. أشار البيان إلى أن المرشد لا يتدخل في انتخاب الوزراء إنما دوره «استشاري» في اختيار 3 وزارات، هي الخارجية والاستخبارات والدفاع. وأضاف أن المرشد لديه «حساسيات خاصة» حول وزارات أخرى مثل التعليم والثقافة والإعلام والتعليم العالي.
بعد ذلك، التقى روحاني الخمسة الأبرز من قادة «الحرس الثوري»، ولم تمضِ أيام حتى أعلن مكتبه لقاء برئيس القضاء صادق لاريجاني ورئيس البرلمان علي لاريجاني. وخرج من اللقاء أنهم بحثوا الملفات الإيرانية الساخنة على المستوى الداخلي والإقليمي، وقانون العقوبات الأميركية الجديد.
وبعد تلك الأحداث، دخل روحاني في مرحلة هدنة مع المعسكر المتنفذ في النظام، وعلى رأسه المرشد، في حين ظهرت مؤشرات على تصدع التحالف بينه وبين المعسكر الإصلاحي. فعقب الانتخابات، أصر الإصلاحيون على ضرورة إبعاد عدد من الوزراء وتسمية وزراء يتناسبون مع شعارات روحاني للقيام بإصلاحات اقتصادية وسياسية وتحسين الحريات العامة.
في الثالث من أغسطس (آب)، صادق خامنئي على رئاسة روحاني. وفي المراسم التقليدية تحدث الرئيس عن برامجه وتمسكه بالاتفاق النووي وسياسة التعامل مع العالم، وختم خامنئي المراسم بالحديث عن أولويات إيرانية «الثورية»، وضرورة وجود سياسة خارجية تتعامل مع العالم كله، وفي الوقت نفسه طالب إدارة روحاني بمواجهة أميركا. وهو الذي كان رسم في بداية ولاية روحاني الأولى، الخطوط العريضة للسياسة الخارجية بتأكيد على «المرونة البطولية» التي شكلت نقطة انطلاق لعودة طهران إلى طاولة المفاوضات النووية والكشف عن مفاوضات سرية سبقت فوز روحاني آنذاك.
السبت الماضي، أزاح روحاني الستار عن خطابه الجديد، وقال إنه سيعلن حكومة «المصلحة والاعتدال». وفي أقل من 3 أيام، أرسل روحاني قائمة الحكومة التي طال انتظارها بين حلفائه. وأظهرت التشكيلة احتفاظه بنسبة كبيرة من أعضاء حكومته السابقة. بقي 9 وزراء مقابل 8 وزراء جدد. وبدا واضحاً أن عملية انتخاب الوزراء شارك فيها عملياً لاعبون عدة في النظام، وأنها أوسع من أن تقتصر على حزب «العدالة والتنمية» الذي يقوده روحاني. من جانب آخر، فإن فريقاً من المحللين يميل إلى أن روحاني بانتخابه التشكيلة الحالية، يظهر رغبته بعدم اختزال حزبه في التحالف مع الإصلاحيين.
حافظ روحاني على وزير الخارجية والاستخبارات، وهو ما يعني قبول خامنئي ببقاء محمد جواد ظريف ومحمود علوي في منصبيهما. بقي وزير النفط بيجن زنغنة. وشرح ظريف برنامجه قبل أيام أمام كتلة «الولاية» المحافظة، وأوضح أنه عين مساعداً له لتفعيل الدبلوماسية الاقتصادية. إعادة اختيار الثنائي ظريف وزنغنة توضح أن حكومة روحاني تتجه لسياسة خارجية تركز على العلاقات التجارية.
ردود الأفعال الأولية أوضحت الانقسام في معسكر حلفاء روحاني. فوفق مراقبين للشأن الإيراني، لم ينل روحاني هدنة كاملة مع التيار المحافظ، فيما كانت اختياراته دون توقعات حلفائه الإصلاحيين الذين انقسموا حول تشكيلة الحكومة.
راهن روحاني على لعب دور البراغماتي الذي يسعى إلى نيل رضا الجميع. لكن مقارنة تشكيلة الحكومة بالشعارات الكبيرة التي رفعها الرئيس الإيراني خلال الحملات الانتخابية وبعد فوزه، شكلت انتكاسة وأدت إلى تذمر بين الأطراف التي دعمت برامجه في الانتخابات.
خلال الشهر الماضي، خرجت خلافات روحاني وحلفائه الإصلاحيين مرات عدة إلى وسائل الإعلام. فبينما شدد روحاني في أكثر من مناسبة على أنه يتطلع إلى حكومة غير محسوبة على تيار واحد، انتقده رئيس كتلة «الأمل» الإصلاحية محمد رضا عارف الذي اعتبر أن الرئيس يدين للإصلاحيين بفترتين فاز بهما. وخرجت تصريحات مشابهة من أسرة الرئيس الراحل هاشمي رفسنجاني إلى وسائل الإعلام.
ورداً على ذلك، وجه فريق روحاني تهماً إلى الحلفاء المنتقدين. وقال إنهم يطالبون بحصة في الحكومة، وهو ما نفاه بشدة قادة التيار الإصلاحي. مواقف عارف رد عليها بعض النواب الإصلاحيين في البرلمان، وهو ما أثار شكوكاً بانقسام الإصلاحيين تجاه روحاني.
وربما كان أبرز مؤشر على تخلي روحاني عن وعوده هو الحفاظ على وزير الداخلية رغم المطالب الواسعة من الإصلاحيين بتغييره. كذلك تخلى الرئيس عن وعده بتعيين وزيرة من بين النساء، بعدما قالت مساعدته السابقة لشؤون المرأة إنه وعد بتأسيس وزارة خاصة بالنساء، وتعيين أكثر من امرأة في الحكومة. وكان 157 نائباً طالبوا بتعيين وزيرة.
وعلى صعيد الحريات العامة، فإن تحقق وعود روحاني مستبعد إلى حد كبير بعد تعيين محمد جواد آذري جهرمي (36 عاماً) وزيراً للاتصالات، وهو الذي شغل منصب رئيس دائرة التنصت في وزارة الاستخبارات.
وبغض النظر عن تخلي روحاني عن وعد بتعيين وزير من القوميات والسنّة، فإن تجاهل دعوة ممثلي السنة إلى مراسم المصادقة على نتائج الانتخابات بحضور خامنئي، وبعدها اليمين الدستورية، أثار تذمر تلك الشرائح. وفي السياق نفسه، فإن اختياره وزير الطاقة حبيب الله بيطرف الذي شغل سابقاً منصب وزير الطاقة في حكومة رفسنجاني، كان بمثابة صدمة لأهل المناطق المتضررة من سياسة بناء السدود في الأحواز وأذربيجان.
حتى الآن، أوضحت غالبية المواقف من تشكيلة روحاني الثانية أنها لا تتناسب مع شعاراته الداخلية، وأنها سجلت تراجعاً ملحوظاً عن وعوده الانتخابية. ولا يعول المراقبون على أن تجد التشكيلة الحالية حلولاً عاجلة للأزمات السياسية والاقتصادية والبيئية في الداخل.
وعلى ما يبدو، اختار روحاني التراجع عن وعوده بانتخاب تشكيلة تعرض مستقبله السياسي للخطر مع حلفائه الإصلاحيين. عودة روحاني إلى المنزل الأول (المحافظين) ربما أصدق ما اتفقت عليه ردود الأفعال الإصلاحية والمحافظة بعد إعلان تشكيلة إدارته.
كان الإصلاحيون يأملون بأن يتوجه بتشكيلة أفضل من تشكيلة السنوات الأربع الماضية، نظراً إلى تغير بنية البرلمان لمصلحته مقارنة ببداية ولايته السابقة. لكن انقلاب روحاني المفاجئ على وعوده، أغضب الإعلام الإصلاحي الذي اتهمه باختيار مصالحه الشخصية ومستقبله السياسي والنظر إلى مناصب أبعد من الرئيس، ربما بينها كرسي الرئاسة في مجلس تشخيص مصلحة النظام بدل رفسنجاني.
في اللحظات الأخيرة من إعلان تشكيلة الحكومة، وجه الرئيس الإصلاحي الأسبق محمد خاتمي رسالة إلى روحاني. لكن الاعتقاد السائد الآن أن خاتمي لم يعد يمثل جميع الإصلاحيين. رغم ذلك حاولت كتلة «الأمل» أن تظهر أنها ما زالت تحافظ على التحالف مع روحاني والتأثير عليه، وأن العلاقات مستمرة رغم التشكيلة المخيبة لآمال الإصلاحيين. ونقلت وكالة أنباء «إيلنا» الإصلاحية عن عضو الكتلة قاسم ميرزايي أن خاتمي التقى رئيس مكتب روحاني الجديد محمود واعظي ووزير العمل علي ربيعي. وبحسب ميرزايي، فإن موفدي روحاني شرحا برامج الحكومة لخاتمي الذي أعلن تأييده للحكومة الجديدة. وقبل يومين، نفت قائمة «الأمل» الإصلاحية أن تكون طلبت من بعض الوزراء الإصلاحيين المقترحين من قبل روحاني، الانسحاب من تشكيلته الوزارية.
في المقابل، فإن تغيير روحاني المفاجئ أثار حيرة الإعلام المحافظ، فوصفت مجلة «مثلث» المحافظة انقلاب روحاني على حلفائه الإصلاحيين بالعملية الجراحية في التركيبة السياسية الإيرانية. واعتبرت أن روحاني «مختص بمفاجأة الجميع». ففي وقت ذهبت فيه التوقعات إلى تقديم روحاني حكومة مقربة من الإصلاحيين، انقلبت بوصلة حكومته من حلفائه إلى المحافظين.
ورأت «مثلث» أن الاصطفافات السياسية في البلد تشغل روحاني أكثر من تشكيلة الحكومة. ويعني ذلك أن الرئيس يبحث إعادة تعريف نفسه في السياسة الإيرانية. واعتبرت أن 6 عوامل دفعت روحاني إلى اتخاذ القرار، أولها التأثير على التركيبة السياسية، ثم تقديم شخصية جديدة في محاولة لأخذ مكان رفسنجاني، وثالثاً: محاولة خلق التوازن في التقسيمات السياسية، ورابعاً: توثيق العلاقات بأركان النظام ودوائر صنع القرار العليا، وخامساً: تعميق الانقسام في التيار المتشدد والعمل على انهيار المعسكر، وأخيراً: إضعاف دور الإصلاحيين السياسي والإبقاء على الوضع الحالي. وخلصت المجلة التي تعبر عن وجهة نظر أوساط المحافظين إلى أن ما حدث يعزز مكانة اليمين المعتدل أكثر من السابق.
وأظهرت حكومة روحاني، وفق محللين، أن نتائج الانتخابات ليست العامل الأهم في تسمية الوزراء، إنما المعادلات السياسية والتحالفات داخل السلطة. وروحاني، وإن قبل بأن يكون متحالفاً مع الإصلاحيين، فإنه سياسي من التيار المحافظ وحليف استراتيجي لرئيس البرلمان علي لاريجاني. وبالعودة إلى أيام الانتخابات، كان لاريجاني وناطق نوري أعلنا افتتاح مكاتب للمحافظين المعتدلين لدعم حملة روحاني في الانتخابات. وبينت ردود الأفعال أن فريق رئيس البرلمان علي لاريجاني هو الرابح الأكبر من التحرك السياسي ومعادلة الانتخابات.
ومن المفترض أن يتجه روحاني هذا الأسبوع مع فريق وزرائه المقترحين للحصول على ثقة البرلمان. ما سيجري في الجلسة وما سيتبعها من تصريحات ومواقف من الكتلة النيابية، سيظهر مزيداً من ردود الأفعال على تراجع روحاني عن نسخته الإصلاحية في الانتخابات الأخيرة إلى دوره الطبيعي في المعسكر المحافظ. ولكن ما اتضح حتى الآن أن روحاني خسر كثيراً من مؤيديه في الشارع قبل أن تنال حكومته ثقة البرلمان.



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.