هامبورغ تحصن شوارعها لاستقبال قادة العشرين

شبح فشل القمة يخيم على المنظمين وسط اشتداد المظاهرات

مدينة هامبورغ تحولت إلى قلعة محصنة بعد انتشار 20 ألف شرطي مسلح لتأمين شوارعها الخالية (إ.ب.أ)
مدينة هامبورغ تحولت إلى قلعة محصنة بعد انتشار 20 ألف شرطي مسلح لتأمين شوارعها الخالية (إ.ب.أ)
TT

هامبورغ تحصن شوارعها لاستقبال قادة العشرين

مدينة هامبورغ تحولت إلى قلعة محصنة بعد انتشار 20 ألف شرطي مسلح لتأمين شوارعها الخالية (إ.ب.أ)
مدينة هامبورغ تحولت إلى قلعة محصنة بعد انتشار 20 ألف شرطي مسلح لتأمين شوارعها الخالية (إ.ب.أ)

توافد، أمس، عشرات الوفود السياسية وزعماء الدول وآلاف الصحافيين إلى مدينة هامبورغ الألمانية، التي تحوَّلَت بمناسبة قمة مجموعة العشرين إلى قلعة محصنة بعد انتشار 20 ألف شرطي مسلَّح لتأمين شوارعها الخالية وعشرات الحراس الشخصيين والآليات المدرعة والمروحيات وطائرات الدرون.
وتبدو مظاهر الإجراءات الأمنية جلية بمجرد الوصول إلى مطار هامبورغ، إذ انتشرت الشرطة المسلحة وألغيت خدمات سيارات الأجرة لنقل المسافرين إلى وسط المدينة بسبب التحضيرات لاستقبال رؤساء أقوى اقتصادات العالم. وإن كانت السلطات قد أعدت ثاني أكبر مدينة في ألمانيا لاستقبال الزعماء ونحو 10 آلاف موفد و5 آلاف صحافي، فإن غالبية سكانها لا يحبذون احتضان مدينتهم الحدث الدولي.
ورفض سكان هامبورغ، أو الهامبورغيون كما يسمونهم في ألمانيا، في عام 2015 تنظيم مدينتهم فعاليات الألعاب الأولمبية لعام 2024 عبر استفتاء شعبي، معترضين على كلفة حدث دولي بهذا الحجم والإجراءات الأمنية الكثيفة التي ترافقه. أما اليوم، فتستقبل مدينة هامبورغ قادة أقوى عشرين دولة في العالم بدل الرياضيين، في حدث قد تصل كلفته إلى 185 مليون يورو، وفق ما أوردت مجلة «بوليتيكو».
وإلى جانب التكلفة والتهديد الأمني، عكّرت تحديات أخرى صفو تنظيم القمة، شملت خلافات متعددة الأوجه بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، التي تهدد بفشل الاجتماع الدولي، ولقاء الرئيسين الأميركي دونالد ترمب، والروسي فلاديمير بوتين الذي يتوقع أن يغطي على فعاليات القمة، بالإضافة إلى قضايا الهجرة و«البريكست» التي توتر العلاقات الأوروبية.
عندما اختارت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مدينة هامبورغ لتنظيم قمة العشرين، كانت تأمل أن يدعم الحدث الدولي مكانة المدينة دوليّاً ودعم قطاع السياحة بها، فضلاً عن تسجيل نقاط سياسية في إطار حملتها الانتخابية لولاية جديدة في انتخابات سبتمبر (أيلول) المقبل.
في المقابل، توافد بدل السياح عشرات الألمانيين والأوروبيين إلى المدينة للمشاركة في المظاهرات. وواجهت السلطات الألمانية تحديات تنظيمية بالغة، دفعت صحيفة «دي فيلت» إلى التساؤل: «من راودته فكرة تنظيم قمة العشرين في هامبورغ؟ لا توجد أي مدينة أقل أهلية في كل ألمانيا لاستقبال حدث بهذا الحجم». ويبدو أن الصحيفة كانت تشير إلى ثقافة التظاهر المتجذرة في ألمانيا وفي المدينة الشابة، التي غطيت جدرانها برسومات وعبارات تدعو إلى الاحتجاج ضد قمة العشرين.
وتوجَّه خلال الأيام الماضية عشرات الناشطين اليساريين للمشاركة في مظاهرات كبيرة، في مختلف أرجاء المدينة. وزودت السلطات الفنادق التي تستقبل المشاركين في القمة بخريطة لأبرز الاحتجاجات المرخَّص لها في المدينة، فيما نشرت قوات مكافحة الشغب وأقامت مركزاً للتوقيف يمكن أن يستوعب حتى 400 شخص، كما خصصت قضاة للتوقيفات.
وأوضحت تارا بوهلمان، وهي مديرة أحد الفنادق في المدينة، لـ«الشرق الأوسط» أن حركة التنقل قيدت إلى حد كبير وأن السكان المدينة يفضلون استخدام وسائل التنقل العام بدل سياراتهم الخاصة بسبب انتشار نقاط التفتيش في الشوارع الرئيسية. وتابعت بوهلمان أن رجال الأمن والسلطات المحلية تواصلت بفاعلية مع السكان، وأخبرتهم بأماكن الاحتجاج كما زودتهم بخريطة تبرز المحطات والطرق المغلقة.
ودعا نشطاء مناهضون للحدث الدولي ومجموعات مدافعة عن البيئة ونقابات وطلاب وكنائس إلى نحو 30 مظاهرة قبل وخلال القمة. وقال أحد المنظمين، يدعى أندرياس بليشميت، لوكالة الصحافة الفرنسية إن شعار المظاهرات، هو «أهلاً بكم إلى الجحيم» هو لتوجيه رسالة بأن «المتظاهرين مستعدون للقتال... لكن أيضاً ليرمز إلى أن سياسات مجموعة العشرين في أنحاء العالم مسؤولة عن الظروف الشبيهة بالجحيم مثل الجوع والحرب والكوارث المناخية».
وأضاف بليشميت أنه أثناء القمة، سيسعى النشطاء إلى منع الوصول إلى موقع انعقاد القمة، وكالعادة «الاحتفاظ لأنفسهم بخيار المقاومة المناضلة» ضد الشرطة. وبالإضافة إلى الناشطين اليساريين، تواجه السلطات خطر اشتباكات بين متظاهرين أكراد معارضين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وأنصاره من المتظاهرين الأتراك.
بدورها، اعتبرت المستشارة الألمانية أنه فيما يتعين احترام المظاهرات السلمية، فإن «مَن يلجأ إلى العنف يسخر من الديمقراطية». وردّاً على ذلك، تجمع نحو 11 ألف شخص مساء أول من أمس في وسط المدينة على أنغام موسيقى «التكنو» دون تسجيل أي حوادث. وسمح للمتظاهرين بإقامة خيامهم في حديقتين في المدينة لتمضية الليل.
وصباح أمس، وجدت ثماني سيارات فاخرة محترقة لدى وكالة لشركة «بورش»، ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها، فيما تحقق الشرطة في احتمال ارتباط الحادثة بالقمة.
ومنعت سلطات مدينة هامبورغ تنظيم مسيرات من قلب المدينة وعلى طول الطرق المؤدية إلى المطار، مما حتّم على المتظاهرين التوجه إلى المنطقتين البحريتين سان باولي والتونا، بعيداً عن القمة. وتعهد بعض النشطاء بتحدي المنع متوعدين بـ«عصيان مدني»، وقطع طرق لتخريب التنظيم اللوجيستي للقمة. كما اتهم المتظاهرون السلطات بتحويل المدينة إلى «قلعة» ومنعهم من حقهم الدستوري الذي يضمن التجمع والتظاهر.
وتقول سلطات المدينة إنها لن تخاطر في مسألة حماية الزعماء والإعلاميين من التهديدات الإرهابية المحتملة والمظاهرات. وتصاعدت الخلافات التي نقلت إلى المحاكم في الأسابيع القليلة الماضية، بشأن المخيمات الاحتجاجية عندما قامت الشرطة الأحد، ومرة أخرى مساء الثلاثاء، بإزالة مخيمات من حدائق عامة وساحات. وفي أعقاب ذلك، عرض مسرح وكنائس ومواطنون تقديم مساحات لاستضافة بعض المتظاهرين القادمين من أماكن أخرى في ألمانيا وأوروبا. وفي السنوات القليلة الماضية عقدت الاجتماعات الكبيرة الشبيهة بقمة مجموعة العشرين، في مواقع نائية. لكن ألمانيا أجبرت بسبب المطالب اللوجيستية على استضافة القمة في مدينة كبيرة بمركز اجتماعات ضخم وعشرات الفنادق.
ويخشى كثيرون تكراراً لمواجهات كتلك التي وقعت على هامش قمة مجموعة الثماني في جنوى عام 2001، أو في افتتاح مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت عام 2015.



«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويتر» للأنباء».

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة لبعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».