أحمد الجربا: لا عودة في سوريا إلى الاستبداد... والأسد يخرج بعملية سياسية

أكد لـ«الشرق الأوسط» أن التقسيم مستحيل واللامركزية هي الحل واعتبر «حزب الله» خطراً على الدول المجاورة

أحمد الجربا (أ.ب)
عناصر من «قوات النخبة» التابعة لـ «تيار الغد» خلال تدريبات في شرق سوريا («الشرق الأوسط»)
أحمد الجربا (أ.ب) عناصر من «قوات النخبة» التابعة لـ «تيار الغد» خلال تدريبات في شرق سوريا («الشرق الأوسط»)
TT

أحمد الجربا: لا عودة في سوريا إلى الاستبداد... والأسد يخرج بعملية سياسية

أحمد الجربا (أ.ب)
عناصر من «قوات النخبة» التابعة لـ «تيار الغد» خلال تدريبات في شرق سوريا («الشرق الأوسط»)
أحمد الجربا (أ.ب) عناصر من «قوات النخبة» التابعة لـ «تيار الغد» خلال تدريبات في شرق سوريا («الشرق الأوسط»)

أكد رئيس «تيار الغد» السوري المعارض أحمد الجربا، في حديث إلى «الشرق الأوسط» أنه لا عودة في سوريا إلى الاستبداد، لافتاً إلى أن تنفيذ «بيان جنيف» والقرارات الدولية «التي اكتنفها الغموض حول مصير رئيس النظام السوري بشار الأسد على أرض الواقع، وانطلاق الحل السياسي في سوريا، ستؤدي بطبيعة تطور الأمور إلى مغادرة الأسد السلطة».
وأكد الجربا، أن تقسيم سوريا «مستحيل»، مع قناعة بضرورة اعتماد اللامركزية لسوريا «المستقبل»، لافتاً إلى أن «الأكراد جزء لا يتجزأ من النسيج السوري، ولا بد من إعادة الاعتبار لهم كقومية ثانية في البلاد».
وقال إن هناك «صراعاً إيرانياً مع المحيط والعالم، وأن إيران تحاول السيطرة على الحدود العراقية - السورية، ليسهل لها الوصول إلى الميليشيات التابعة لها في المنطقة العربية»، قائلا إن «(حزب الله) خطر على الدول المجاورة مثله مثل تنظيم القاعدة و(داعش)، وباقي الميليشيات الشيعية في الحال نفسها».
وتساهم «قوات النخبة العربية» التابعة لـ«تيار الغد» ضمن «قوات سوريا الديمقراطية» في معركة تحرير الرقة. وقال الجربا أمس إن «مجلساً مدنياً من أهلنا سيحكم الرقة بعد تحريرها من الإرهاب؛ وذلك ضمن مشروع سوريا الحرية والكرامة والتعدد، حيث إنه الحلم الذي ثار من أجله السوريون».وهنا نص الحديث الذي أجرته «الشرق الأوسط» خطياً وهاتفياً أمس:
* معركة الرقة حاسمة و«قوات النخبة» التابعة لـ«تيار الغد» تشارك فيها، لماذا؟ هل الهدف إعطاء شرعية عربية لـ«وحدات حماية الشعب» الكردية و«قوات سوريا الديمقراطية»؟
- أعلنا منذ تأسيس «قوات النخبة» من فصائل ومقاتلين في «الجيش الحر» أن الهدف الأسمى في المرحلة الحالية هو مواجهة الجماعات الإرهابية. لا يمكن القيام بشيء أو التفاؤل بقيام شيء في سوريا إلا بالتخلص من هذه الآفة الخطرة التي ألحقت الكثير من الأذى بحلمنا وسعينا إلى سوريا حرة كريمة. تنظيم داعش الإرهابي، لم يشكل يوما خطرا على النظام (السوري) كما شكلت من خطر علينا كقوة سياسية ديمقراطية.
أما موضوع مشاركة «قوات النخبة» ومسألة الشرعية لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، لا أعتقد أن هذه المسألة في ذهننا أو في ذهن شركائنا في «قوات سوريا الديمقراطية». لا أعتقد أننا أو أي طرف سوري آخر يملك صكوك الشرعية. وفي كل الأحوال، فإن «قوات النخبة» و«قوات سوريا الديمقراطية» من أبناء سوريا، والاختلاف لا يعني أبدا الخلاف. وما يجمعنا كبير جدا ومهم جدا. أهميته وحجمه بقدر سوريتنا وحلمنا بذلك.
* هل هذا يعني أنكم متفقون على كيفية حكم الرقة بعد تحريرها من «داعش»؟
- الرقة جزء من سوريا ومستقبلها من مستقبل بلادنا كله. هي في الأسر وستتحرر قريباً. لم تكن الرقة خارج المشروع الوطني حتى يكون لها مستقبل خاص بها. هي قلب سوريا وهي قلبنا جميعاً. لن يحكم الرقة، إلا أهلها السوريون الوطنيون الديمقراطيون. وها هم أهل الرقة يبذلون الغالي والرخيص إلى جانب إخوتهم في «قوات النخبة» و«قوات سوريا الديمقراطية» لاستئصال هذا السرطان الخبيث. ولن يكون هناك استئثار أو حكم جائر في الرقة بعد التحرير. لم نذهب هناك بجنود مرتزقة مجلوبين من الخارج، بل ذهبنا لتحريرها بسواعد السوريين الأبطال وأبناء المنطقة نفسها وأبناء القبائل ذاتها. القبائل العربية والعائلات التي دفعت الضريبة الأكبر في تاريخ البشرية لمطالبتها بالحرية والكرامة. نعم سيحكم الرقة مجلس مدني من أهلنا ضمن مشروع سوريا الحرية والكرامة والتعدد، سوريا الحلم الذي ثار من أجله السوريون.
* وهذا مدعوم من التحالف الدولي ضد «داعش» بقيادة أميركا؟
- نعم نحن جزء من التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب الذي تقوده أميركا. وهذه العملية ضمن الرؤية الأممية لمكافحة واحدة من أخطر الآفات التي مرت على تاريخ البشرية. آفة الإرهاب المقنّع بالدين الإسلامي الحنيف زوراً وبهتاناً. بالنسبة إلى الرقة، فإن «اليوم التالي» مثل هذا اليوم وسنبقى جزءاً من المنظومة الدولية وملتزمين بقرارات مؤسساتها الناظمة للعلاقات بين الدول والهيئات.
وسوريا الغد التي نسعى إليها هي سوريا المنخرطة ضمن الجهود الدولية لإحلال السلام ومناهضة كافة المجموعات الخارجة عن الأعراف والقيم الإنسانية. وإذا تضافرت الجهود ستكون هناك فرصة حقيقية لتكون الرقة نموذجاً أو مثالاً يحتذى لسوريا الغد.
* هل بحثت مع الأميركيين أن تذهب شخصياً إلى الرقة بعد التحرير؟
- لا يمكن سؤال صاحب البيت إن كان تحدث مع الصديق أو الحليف حول عودته إلى البيت. طبعا هذه أمور بديهية. لي في الرقة أهل وأحبة. كل عائلة فيها هم أهلي، مثلها مثل كل المدن السورية. ودفعنا في سبيل تحرير الرقة من وحش الإرهاب دماءً عزيزة ودماء شهدائنا الطاهرة. بعض هؤلاء الشهداء، أكلنا معهم في صحن واحد. ليس من السهل أبدا أن تفقد أعزاء لك، افتقدتهم للأبد بعض ترك وراءه أماً أو ثكلى أو زوجة وأطفالا، لصالح هدف أسمى.
نعم سأعود إلى الرقة وسأقف على كل ذرة تراب فيها وهي تروي حكاية أهلها الصابرين المقاومين. نعم التقت أهدافنا مع أهداف التحالف الدولي لمواجهة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، والمواجهات مستمرة وبشكل عنيف حتى الآن وبإذن الله ستتحرر (الرقة) قريبا وبعدها دير الزور الأبية وستتحرر سوريا كلها والعودة قريبة.
* ماذا عن «معركة البادية»، لماذا أنتم غير مشاركين فيها؟ هل رفض الأميركيون ذلك؟
- لا شيء يمنعنا من التواجد في أي بقعة من أرضنا السورية. هي بلادنا ومن واجبنا أن نكون حاضرين في كل زاوية فيها تتطلب وجودنا ومشاركتنا فيها والدفاع عنها وحمايتها. لا ننتظر إشارة من أحد للذهاب إلى أي بقعة في بلادنا تحتاج وجودنا. ولا توجد قوة تستطيع منع ابن المكان من حضوره إلا الموت، والأرواح في أيدي الله. وقدمنا الشهداء والكثير من الجرحى في أطراف دير الزور وفي معركة تحرير الرقة.
* هل أنتم جزء من القوات الموجودة في معسكر التنف قرب حدود العراق الذي أقامته أميركا؟
- معسكرا التنف والزقف (جزء من) صراعات تتجاوز الساحة السورية إلى تضارب في المصالح الدولية والإقليمية، ونأمل أن تنتهي وتجد لها مخرجاً مناسباً. نسعى لذلك عبر علاقاتنا وحواراتنا مع أصدقائنا.
* تقصد أن هناك صراعا أميركيا- إيرانيا على شرق سوريا؟
- هناك صراع إيراني مع المحيط والعالم في العراق وسوريا ولبنان ودول الخليج العربي وأفريقيا وأميركا اللاتينية. تحاول إيران السيطرة على الحدود العراقية - السورية ليسهل لها الوصول إلى الميليشيات التابعة لها في المنطقة العربية. الغاية هي إيصال السلاح والمقاتلين إلى كافة الدول العربية وإذكاء وإشعال الحروب. دول الإقليم وأميركا تحاول جاهدة وقف هذا المد الخطير وهذه الاندفاعة الهوجاء.
رأينا كيف وصل الإرهاب إلى عواصم أوروبا ومدنها. وتعلم أميركا تمام العلم أن المشروع الإيراني في توسيع دائرة الحرب لتشمل المنطقة كلها يهدد أمنها وأمن العالم. واختبرت أميركا الاندفاعة الإيرانية في العراق ورأت كما رأينا جميعا نتائجها. وأحد نتائج الاندفاعة الإيرانية في العراق كانت ولادة «داعش». و«داعش» ابن شرعي للمنطق الإيراني القائم على السرديات التاريخية الفظة والمغلوطة واللاإنسانية.
نعم هناك صراع، وأعتقد أن إيران المتكبرة والمتعجرفة والمندفعة للحروب والفتن والتي تدفع بالطائفية المقيتة لن تستمر طويلا ودروس التاريخ تبين لنا ذلك.
* إذن، أميركا تريد كسر «الهلال الشيعي» في سوريا؟ هل هذا ممكن عمليا؟
- ليست أميركا وحدها، إنما السوريون ومعهم الأشقاء العرب يقاومون المشروع الإيراني في التمدد والاستيلاء على تاريخنا وأرضنا. إيران تستخدم إخوتنا الشيعة بسرديات تاريخية عفى عنها الزمن في مغامرات ليست في مصلحة أبناء المنطقة عموما والطائفة الشيعية خصوصا مشروع الهلال الشيعي مثل مشروع «داعش». أفقه مسدود ولم ولن يحصد إلا القتل والدمار والتهجير.
* وهل تظن أن جهود إقامة «المنطقة الآمنة» في جنوب سوريا جزء من هذا التصور؟
- جنوب سوريا مثل شرقها وشمالها وغربها. هناك امتداد بشري للسوريين على أطراف الحدود. وهناك أمن عربي وإقليمي مهدد من طرف التنظيمات الإرهابية التي تقاتل النظام وأخرى تقاتل معه. و«حزب الله» خطر على الدول المجاورة مثله مثل تنظيم «القاعدة» و«داعش». وباقي الميليشيات الشيعية بنفس الحال.
نحاول مع أشقائنا العرب وأصدقائنا في الاتحاد الروسي والولايات المتحدة الأميركية للوصول إلى حل يفضي إلى إخلاء المناطق من الميليشيات، وجنوب سوريا هو إحدى أولوياتنا لما له من أهمية، والخشية الكبرى لنا أن يتحول الجنوب السوري إلى مبرر إلى إسرائيل للتدخل (في سوريا). وهنا ستكون الأزمة أكثر تعقيدا، لذا لا بد من حل عاجل وحاسم للمنطقة ومنها جنوب سوريا.
* درعا في الجنوب السوري جزء من مشروع «المنطقة الآمنة» وأيضا جزء من مناطق «خفض التصعيد»، هل تتخوف من تقسيم سوريا؟
- أجزم باستحالة تقسيم سوريا لسبب بديهي وهو أن سوريا لا تقبل القسمة وكذلك السوريون. سوريا الواحدة ووحدة التراب السوري هي الشكل الطبيعي القادر على البقاء. ودون ذلك يعني استمرار الحرب. طبيعة البلاد وطبيعة شعبها وتفاصيل الحياة تقول ذلك. أما مناطق «خفض التصعيد» الذي توصلت إليه الأطراف الدولية والإقليمية في آستانة فهي إحدى المحاولات للتهدئة والدخول في العملية السياسية. رغم مآخذنا على بعض التفاصيل في ذلك الاتفاق ومنها مشاركة إيران في عمليات المراقبة والفصل، فإننا نؤيد بالمجمل أي مسعى لتوقف نزيف الدم السوري.
* ثم الانتقال إلى العملية السياسية؟
- يعلم الجميع أن تعثر العملية السياسية منذ البداية وحتى أجل أتمنى أن لا يطول، هو بسبب الحرب المفروضة على السوريين. لا يمكن التقدم في العملية السياسية وأهلنا مشغولون بتشييع فلذات أكبادهم ومتابعة أخبار القصف والتهجير والتدمير. لا بد من وقف الاقتتال على أرضنا، أولا بالترافق مع إخراج جميع الميليشيات والعناصر الأجنبية والقضاء على التنظيمات المصنفة أنها إرهابية. حينها ستكون العملية السياسية والحوار السوري- السوري إمكاناً لا احتمالاً. أما ما عدا ذلك فهي محاولات ستتعثر كثيرا كما نلاحظ من مسار مفاوضات جنيف المتعثر.
* كنت رئيسا لوفد المعارضة في جنيف العام 2014، هل تعتقد أن الحديث حالياً عن هيئة انتقالية و«بيان جنيف» واقعي؟
- نعم كنت رئيسا لأول وفد من المعارضة السورية لمفاوضات جنيف، وكنت وما زلت أراهن على المفاوضات برعاية دولية كطريق وحيد للحل ووقف الحرب، وإنشاء هيئة انتقالية هو الأساس للانطلاق لسوريا جديدة. لكن مع الأسف أن الذي نراه في مفاوضات جنيف ومنذ أكثر من عام هو استعراض بين المعارضة والنظام.
نعم هيئة الحكم الانتقالي و«بيان جنيف» واقعيان إذا توفرت الوسائل والضمانات الحقيقة لتنفيذهما. ما زلت أراهن على الحل الذي يجترحه السوريون، وأرى «بيان جنيف» يؤدي إلى ذلك وهيئة الحكم الانتقالي هي إحدى الخطوات التي تؤدي للوصول إلى سوريا جديدة.
* أين تضع الأكراد حلفاءك ضمن «سوريا الجديدة»؟
- أولا، إنني لست متشائماً أبداً رغم كل الألم الذي يعترينا بسبب ما يجري منذ أكثر من ست سنوات وما زلت أؤمن بمستقبل سوريا واحدة متعددة حرة ديمقراطية يشارك في بنائها وإدارتها جميع أبنائها باختلاف انتماءاتهم السياسية والعرقية والدينية والطائفية. أؤمن أن سوريا التي أسعى إليها مع أعضاء وكوادر «تيار الغد» و«قوات النخبة» وحلفائنا من القوى السياسية والنخب السورية المستقلة والمؤسسات المدنية ليست شعارات أبدا. وإنما هي الحل الوحيد القابل للحياة ولا يوجد غيره. وأن هذه الحرب لا بد أنها ستنتهي. وسوريا القادمة لا يمكن بحال من الأحوال أن تعود إلى سنوات الاستبداد حيث النظام المركزي هو الآمر والناهي. لذلك يجب أن تكون سوريا الجديدة ذات حكم لا مركزي. سوريا التي نبحث عنها هي سوريا الواحدة القوية بتعددها الغنّاء بعربها وأكرادها وتركمانها وسريانها وكل انتماء وطني فيها.
* والأكراد؟ هناك من يحذر من مشروع انفصالي؟
- الأكراد جزء لا يتجزأ من النسيج السوري ومن التاريخ السوري القديم والحديث ولقد تعرضوا للاضطهاد على مدى عقود. لذلك لا بد من إعادة الاعتبار لهم كقومية ثانية في البلاد. لهم ما لنا وعليهم ما علينا وبهذه الحال لا أعتقد أن ثمة كردياً سورياً يفكر بالانفصال. علاقة سوريا بالكردي كعلاقة القلب بالأوردة والشرايين لا يمكن فصلها.
وعلاقتنا مع الإخوة في الإدارة الذاتية (في سوريا) و«مجلس سوريا الديمقراطية» في حالة شراكة وتطور مستمر، وهي علاقة عمّدت بالدم في مواجهة «داعش» في الرقة وعموم المنطقة الشرقية في سوريا. وهم شركاؤنا في هذه الحرب، وفي الأسابيع القادمة سيكون هناك تعزيز للاتفاقات السابقة بيننا وسيكون لها، بإذن الله، مردود إيجابي لما فيه خير للسوريين عموما وإضافة هامة في طريق الحل السياسي في سوريا.
* لكن هناك مشروعاً لإجراء استفتاء على الاستقلال في إقليم كردستان العراق؟
- أنا شخصيا و«تيار الغد» لنا علاقة استراتيجية مع الرئيس مسعود البارزاني في كردستان العراق والسيد البارزاني له وقفات مضيئة مع السوريين في محنتهم، هناك أكثر من مخيم للسوريين في الإقليم. وفي بداية الثورة السورية كان الثوار في الجزيرة السورية يلجأون إلى حكومة الإقليم من ظلم النظام أو «داعش» بعد ذلك. بالنسبة لنا، هناك علاقة عائلية وقبلية وطيدة مع أسرة السيد البارزاني بدأت في ثلاثينات القرن التاسع عشر.
بالنسبة إلى موضوع الاستفتاء على الاستقلال، هو لا يعني الانفصال، لكنه خطوة في هذا الاتجاه. الإخوة الكرد في العراق عندما تم اتفاق سايكس- بيكو خيروا بين الانضمام إلى تركيا أو إيران أو العراق واختاروا أن يكونوا مع العراق. أي إنهم فضلوا العرب على تركيا وإيران. مساحة إقليم كردستان اليوم هي تعادل 5 مرات من مساحة لبنان أو قطر، إضافة إلى تعداد سكاني لا يقل عن 5 ملايين نسمة. طبعا، نحن بالتأكيد لا نتمنى انفصال الإقليم عن العراق فهو جزء عزيز منه ونتمنى أن تصل الحكومة العراقية وساسة بغداد إلى تفاهم وتوافق مع رئاسة الإقليم.
* هل فوجئت بموقف ماكرون من الأسد؟ كيف تقرأ الموقف الفرنسي الجديد؟
- لم يصدر أي موقف رسمي من الخارجية الفرنسية عن سوريا. هناك توجه فرنسي لطرح مشروع بصدد الحل السياسي في سوريا وحتى الآن ما صدر عنه تسريبات عبر بعض النشطاء السوريين ووسائل التواصل الاجتماعي المتضاربة. ولا أعتقد أنها تقترب من صلب المشروع الفرنسي المرتقب. لنا اتصالاتنا بالأصدقاء الفرنسيين وعلاقتنا مع فرنسا قائمة على الود والاحترام المتبادل، وهي علاقة تاريخية وليست وليدة الظروف الحالية والدول الكبرى ومنها فرنسا تتعامل بالمصالح لا بالعواطف والأهواء.
من الأشياء التي تستدعي التدقيق أن تصريح الرئيس ماكرون جاء تماما بعد زيارة رياض حجاب (المنسق العام للهيئة العليا للمفاوضات السورية المعارضة) ولقائه الرئيس الفرنسي في قصر الإليزيه. ربما جاءت تصريحات ماكرون حول عدم وجود بديل للأسد كرد فعل على ما طرحه حجاب، الذي لم يتوقف يوماً عن الذهاب بعيدا في الشعارات الطنّانة والأوهام ظنا منه أن السياسة صناعة الوهم وليست التحليل والتشخيص للواقع الملموس.
* ما هو موقفك من بقاء الرئيس الأسد؟ هل مستعد للعودة إلى سوريا بوجوده؟
- موقفي واضح من الأسد وبقائه من عدمه، لكن السياسة تعلمنا كل يوم بأنها ليست أحلاماً ورغبات، وإنما هي ممكنات ووقائع متبدلة مثلها مثل الحياة. سوريا ليست الأسد ولم تكن في يوم من الأيام، رغم استماتته في اختصارها لنفسه منذ أن رفع أنصاره شعارهم سيئ الصيت «الأسد أو نحرق البلد». ولقد وفوا بوعدهم، لكن «نيرون مات ولم تمت روما»، كما قال الشاعر الذي أحبه. نحن بقبولنا «بيان جنيف» والقرارات الدولية ذات الصلة والتي اكتنفها الغموض حول مصير الأسد، بالتأكيد أن تنفيذ هذه القرارات على أرض الواقع وانطلاق الحل السياسي في سوريا سيؤدي بطبيعة تطور الأمور إلى مغادرة الأسد للسلطة. لا يمكن وضع العربة أمام الحصان تلك هي طبيعة الأمور، سوريا الديمقراطية التعددية هي مسعانا ونسعى إليها في كل ما نملك من إمكانات. سوريا هذه (التي نسعى إليها)، تتناقض كليا مع «سوريا الأسد». والأسد في رهانه على الحل الأمني في مواجهة انتفاضة شعبية سلمية في بداية الثورة، يتحمل بصفته ومنصبه المسؤولية الكبرى في المقتلة السورية.
* ماذا لمست في لقائك مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في موسكو؟ ما هو التصور السياسي لموسكو؟
- روسيا دولة كبرى ولها مصالح كبرى في سوريا. الحل في سوريا يبدأ باتفاق روسي-أميركي. أما تصفية حسابات الكبار على الأرض السورية، يدفع ثمنه السوريون فقط. ونحن في «تيار الغد» في تواصل وتشاور مع القيادة الروسية. ومن هذا المنطلق أستطيع أن أقول نعم. إن الروس يريدون التوصل إلى حل سياسي في سوريا.
التدخل العسكري الروسي في سوريا منع سقوط النظام وسقوط العاصمة دمشق. لكن الروس يعلمون جيدا أن قواعد اللعبة لن تسمح بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. لذا فهم يحاولون الوصول إلى حل سياسي في مساري جنيف وآستانة. لا شك أن هناك تعقيدات كبيرة في المشهد السوري، لكن الوصول إلى حل سياسي ليس بعيد المنال والاتفاق الروسي-الأميركي إن حصل، فهو سيضع قطار الحل على السكة.
* كيف تصف علاقتكم بالسعودية وموقفها من سوريا؟
- علاقتنا بالمملكة العربية السعودية، علاقة الشقيق بالشقيق الأكبر. لم تكن يوماً من الأيام غير ذلك. هذا ما تفرضه الشروط الموضوعية والتاريخية بيننا وبين السعودية. وما يجمعنا هو ما يجمع أفراد العائلة الواحدة.
هذا على الصعيد الجغرافي والاجتماعي، أما على الصعيد السياسي، فالمجال الحيوي وبعدنا التاريخي عربي. ونجد أنفسنا تماما في تلك المنطقة التي ينطلق منها أشقاؤنا في الحلف العربي المتمثل في المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية والإمارات العربية المتحدة. انطلقنا منذ تأسيسنا لـ«تيار الغد السوري» من أن الخروج من الاستعصاء السياسي الحاصل في سوريا، لا يمكن أن يتم إلا في العودة إلى مرجعية عربية تمثلها هذه الدول بقياداتها السياسية وفي مقدمتهم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس عبد الفتاح السيسي والشيخ محمد بن زايد ولي عهد الإمارات والأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي. وإننا إذ نهنئ ولي العهد السعودي بالثقة الملكية لاختياره لهذا المنصب، نتوقع منه كل الخير على مستوى المملكة العربية السعودية والمنطقة.
* ماذا تريدون من الموقف العربي؟
- إننا نراهن على مشروع وطني سوري يتكئ على التحالف مع محور عربي فاعل وقوي وموضوعي، ولا يسعى إلا لخير سوريا والمنطقة عموما. محور عربي أثبتت التجارب الماضية، أنه من دون ضمانات منه لا يمكن الوصول إلى حل سياسي في بلادنا، إذ هم شركاؤنا في التاريخ والمستقبل.



تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)

يزداد المشهد على الساحة السياسية بالصومال تعقيداً مع تمسُّك الرئيس حسن شيخ محمود بإجراء الانتخابات المباشرة التي كانت مقرَّرة هذا العام، رغم وجود معارضة لهذا التوجه وعدم حسمه، رغم إجراء حوارات وطنية على مدى نحو عام، وسط صعوبات أمام الحكومة؛ أبرزها خلافات مع بعض الولايات واعتراف إسرائيلي بأحد الأقاليم.

ويشير خبير في الشؤون الصومالية، تحدَّث لـ«الشرق الأوسط»، إلى تأزم الوضع الصومالي بالفعل داخلياً وخارجياً، داعياً لعقد حوار جاد للوصول لحلول.

والتقى الرئيس الصومالي زعماء تقليديين من مختلف أنحاء البلاد بالقصر الرئاسي، بحسب ما ذكرته «وكالة الأنباء الصومالية» الرسمية، الثلاثاء، مشيداً بدورهم في تحقيق السلام والمصالحة وبناء الدولة والحفاظ على وحدة الشعب.

وأكد شيخ محمود، خلال اللقاء، أنَّه لا يمكن التنازل أبداً عن إعادة السلطة للشعب في اختيار قادته السياسيين، داعياً الزعماء التقليديين إلى دعم إجراء الانتخابات المباشرة لضمان الوصول إلى تمثيل حقيقي ونظام ديمقراطي شفاف.

وقال: «نحن مصممون على أن يحصل الشعب الصومالي على حقوقه الدستورية في اختيار مَن يمثله في السلطة بعد 57 عاماً، حيث سبَّبت الانتخابات غير المباشرة التي جرت في البلاد كثيراً من المشكلات، وعلى رأسها الأمنية».

يأتي ذلك وسط خلافات مع المعارضة بشأن الانتخابات المباشرة، واعتماد الدستور في مارس (آذار) الماضي دون تغيير ما يتعلق بالانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي، أو الحد من صلاحيات الولايات.

ووسط خلافات ممتدة منذ نحو عام، لم تُنهها جولات الحوار، تَشكَّل «مجلس مستقبل الصومال» المعارض في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عقب اجتماع في نيروبي، وأسَّسه رئيسا جوبالاند وبونتلاند أحمد مدوبي وسعيد دني، وزعيما «منتدى الإنقاذ» المعارض، وهم رئيسا الوزراء السابقان حسن علي خيري وسعد شردون، وعضو البرلمان عبد الرحمن عبد الشكور، وآخرون.

وامتدت الخلافات على مستوى قادة الأقاليم بصورة غير مسبوقة. وأواخر مارس الماضي أعلنت الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة» على مدينة بيدوا، العاصمة المؤقتة لولاية جنوب غرب، ووصول قوات مسلحة للعاصمة «استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين، مؤكدة «أن جهوداً لحلّ مشكلات الولاية قوبلت بمعارضة من الإدارة السابقة».

وبعد تلك الأحداث، نجا شيخ محمود، دون أن يُصاب بأذى، من حادث تعرض فيه هو ومرافقوه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا بجنوب البلاد، مطلع أبريل (نيسان) عقب الإطاحة برئيس الإقليم، في ثاني استهداف تدبره «حركة الشباب» المتشددة وينجو منه رئيس الصومال في غضون عام تقريباً، وفق ما أفادت «وكالة بلومبرغ».

ويعتقد المحلل والكاتب الصومالي، حسن محمد حاج، أن التمسك الرئاسي يزيد من حدة الانقسام مع الولايات المعارضة، في وقت يمنح الدستور الجديد الذي تم إقراره في مارس 2026 الرئيس عاماً إضافياً برفع الولاية لـ5 سنوات، لتنتهي في مايو (أيار) 2027 بدلاً من العام الحالي.

وأمام هذا الإصرار الرئاسي، يرى المحلل الصومالي أنَّ الحل يمكن في إطلاق حوار وطني جاد وشامل يضمن مشاركة الولايات المعارضة، بما فيها بونتلاند وجوبالاند، والاتفاق على نموذج انتخابي هجين يجمع بين الاقتراع المباشر والتوافق العشائري لضمان شرعية الاستحقاقات المقبلة.

ووسط تعقيدات المشهد الداخلي، وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي على تعيين مايكل لوتيم سفيراً لدى الإقليم الانفصالي، أرض الصومال، في إطار عملية توسيع العلاقات مع هذه المنطقة، عقب اعتراف إسرائيل بأرض الصومال في أواخر عام 2025، وفقاً لبيان وزارة الخارجية، الأسبوع الماضي.

وتحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر خاص وجيش، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من انعكاسات ذلك على الصومال، وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وليس أمام مقديشو، بحسب المحلل محمد حاج، سوى التحشيد الدبلوماسي والتحالف مع مصر وتركيا لعزل الانفصال دولياً، مضيفاً: «الخطر السيادي ربما يدفع الحكومة والمعارضة لتفاهمات اضطرارية تُعلي المصلحة الوطنية فوق الخلافات الداخلية».


البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
TT

البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)

أعلن رئيس نيابة الجرائم الإرهابية في البحرين أن المحكمة الكبرى الجنائية أصدرت، الثلاثاء، حكمها في قضيتين منفصلتين تتعلقان بالتخابر مع جهات أجنبية، اتهم فيهما ستة متهمين، من بينهم اثنان يحملان الجنسية الأفغانية، وأربعة مواطنين، بالتخابر مع «الحرس الثوري» الإيراني، وذلك للقيام بأعمال إرهابية وعدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وقضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد، وبراءة متهم واحد، وأمرت بمصادرة المضبوطات، وإبعاد المتهمين الأفغانيين من البلاد نهائياً بعد تنفيذ العقوبة.

وبحسب «وكالة الأنباء البحرينية»؛ تعود تفاصيل هذه الواقعة إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية، تفيد بقيام «الحرس الثوري» الإيراني بالتواصل مع أحد المتهمين (أفغاني الجنسية)، وتجنيده لتنفيذ مخططاته الإرهابية في مملكة البحرين، حيث كُلف بمهام استخباراتية للقيام بأعمال عدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وتمثلت المهمة الموكلة للمتهمين في مراقبة وتصوير المنشآت الحيوية والمهمة داخل البلاد، وجمع المعلومات بشأنها، ونفاذاً لذلك قام المتهم برصد إحدى المنشآت الحيوية، وجمع معلومات عنها مقابل مبالغ مالية تلقاها من «الحرس الثوري» الإيراني، كما قام هذا المتهم بتجنيد المتهم الثاني، وهو من ذات الجنسية، لمعاونته في تلك العمليات الاستخباراتية لصالح المنظمة المشار إليها، وعلى أثر ذلك تم ضبط المتهمَيْن وبحوزتهما أدوات استُخدمت في ارتكاب الجريمة.

كما تعود تفاصيل الواقعة الثانية إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية بشأن قيام بعض عناصر «الحرس الثوري» الإيراني بتجنيد أحد المتهمين (مواطن بحريني هارب وموجود في إيران)، وإقناعه بالعمل لصالحهم ضد مملكة البحرين، وكُلف بالبحث عن عناصر محلية داخل المملكة لتجنيدها، وتسخيرها لتنفيذ مخططات المنظمة الإرهابية المشار إليها.

وذكرت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه نفاذاً لذلك تمكن المتهم من تجنيد المتهمين الثلاثة الآخرين (وهم مواطنون بحرينيون) في ذات الواقعة، وأسندت إليهم مهام تستهدف الإضرار بأمن البلاد، ومصالحها، شملت رصد ومراقبة وتصوير المنشآت الحيوية، وجمع المعلومات عنها، وتزويد «الحرس الثوري» الإيراني بها.

وقد باشرت النيابة العامة التحقيق في الواقعتين فور تلقي البلاغين، حيث استجوبت المتهمين المضبوطين، وندبت الخبراء الفنيين لفحص الأجهزة الإلكترونية المضبوطة، كما استمعت إلى أقوال الشهود، ومن بينهم مجري التحريات الذي أفاد بأن تحرياته توصلت إلى أن البيانات والمعلومات التي قدمها المتهمون لمنظمة «الحرس الثوري» الإيراني شكلت ركيزة أساسية في الأعمال العدائية الإرهابية التي استهدفت عدداً من المنشآت الحيوية داخل المملكة، بما عرض أمن البلاد واستقرارها للخطر.

وأضافت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه على ضوء ذلك، أمرت النيابة العامة بإحالة المتهمين إلى المحكمة الكبرى الجنائية، وقد نُظرت الدعويان المنفصلتان على عدة جلسات روعيت خلالها كافة الضمانات القانونية المقررة، بما في ذلك حضور محامي المتهمين، وتمكينهم من إبداء دفاعهم، حتى أصدرت المحكمة حكمها المتقدم بجلسة اليوم. كما كانت المحكمة قد أصدرت قراراً بحظر النشر في الدعويين، نظراً لما تنطويان عليه من معلومات تتعلق بالأمن القومي.

وتعكف النيابة العامة على دراسة الحكم فيما قُضي به من براءة المتهم، والنظر بالطعن فيه بالاستئناف استناداً إلى الأدلة القائمة ضده.

وأكدت النيابة العامة أن جريمة التخابر مع الجهات الأجنبية المعادية لمملكة البحرين تُعد من أخطر الجرائم الماسة بالأمن الوطني، لما تنطوي عليه من تمكين تلك الجهات من الحصول على معلومات تُستغل في تنفيذ أعمال عدائية تستهدف المملكة، ومصالحها.

وشددت النيابة العامة على مضيّها، في إطار ما خولها القانون، في التصدي بحزم لكل من يرتكب مثل هذه الأفعال المجرمة، واتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحقه، صوناً لأمن البلاد واستقرارها.


الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
TT

الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)

دقّت المنظمات الإنسانية العاملة في اليمن ناقوس الخطر، محذّرةً للمرة الأولى من التداعيات المباشرة للحرب في إيران على الوضع الإنساني الهش في البلاد، في وقت يواجه فيه ملايين اليمنيين مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي، بينما تتعرض سلاسل الإمداد الدولية، التي تمثل شريان الحياة للمساعدات الإنسانية، لضغوط متزايدة تهدد بانهيار الاستجابة المحدودة أصلاً.

ووفق تقرير إنساني حديث، فإن تصاعد الصراع الإقليمي ألقى بظلال ثقيلة على طرق الإمدادات الرئيسية للمساعدات، مما تسبب في تأخر وصول أكثر من 150 طناً من الشحنات الإنسانية المصنفة على أنها مواد منقذة للحياة، تشمل معدات طبية ثقيلة، وأدوية، ومستلزمات خاصة بالبنية التحتية للمياه، في وقت لا تزال فيه مواعيد وصول هذه الشحنات غير واضحة، وسط اضطرابات متواصلة في الممرات البحرية وارتفاع كبير في تكاليف الشحن.

ويشير التقرير إلى أن استمرار حالة عدم اليقين في خطوط الملاحة الدولية انعكس بصورة مباشرة على قدرة المنظمات الدولية غير الحكومية على إيصال الإغاثة الطارئة، إذ أصبحت عمليات الإنقاذ تواجه مخاطر التأخير الحاد أو التوقف، بما يهدد بتوسيع رقعة الاحتياجات الإنسانية في بلد يعتمد ملايين من سكانه على المساعدات الخارجية لتأمين الحد الأدنى من مقومات البقاء.

وعلى الرغم من أن الموانئ الوطنية الرئيسية في اليمن ما زالت تعمل من الناحية الفنية، فإن المنظمات الإنسانية أكدت أن الاضطرابات التي طالت خطوط الملاحة الإقليمية والدولية تسببت فعلياً في تعطيل وصول الإمدادات، وأدت إلى تكدس شحنات حيوية في نقاط انتظار غير معلومة المصير.

41 ألف شخص في اليمن معرضون لمخاطر كارثية تشبه المجاعة (الأمم المتحدة)

ووفقاً لما أوردته أربع من أصل 12 منظمة دولية غير حكومية شملها الاستطلاع وتعمل في اليمن، فإن هذه التأخيرات تسببت بصورة مباشرة في انقطاع مساعدات حيوية عن أكثر من 130 ألف مستفيد، بينما رجح التقرير أن يكون التأثير الحقيقي على مستوى البلاد أكبر بكثير، بالنظر إلى أن هذه البيانات تمثل شريحة محدودة فقط من إجمالي المنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني.

ويعني ذلك عملياً أن آلاف الأسر التي تعتمد على الأدوية، ومشروعات المياه، والخدمات الصحية المدعومة، باتت مهددة بانقطاعات متزايدة في الخدمات الأساسية، في وقت تتراجع فيه قدرة القطاعين الصحي والخدمي على امتصاص أي صدمات إضافية، نتيجة سنوات الحرب الطويلة وما خلّفته من هشاشة هيكلية واسعة.

فاتورة التصعيد

ولم تتوقف انعكاسات الأزمة عند حدود العمليات الإنسانية، بل امتدت سريعاً إلى الأسواق المحلية في مختلف أنحاء اليمن، حيث بدأت مؤشرات التضخم بالتصاعد بوتيرة لافتة، مدفوعةً بتراجع الواردات التجارية والإنسانية، وارتفاع تكلفة النقل والشحن والتأمين.

وأكدت المنظمات الإنسانية أن أسعار المياه المعبأة قفزت خلال شهر واحد بنسبة 50 في المائة، فيما ارتفع سعر كل من زيت الطهي والغاز المسال بنحو 80 سنتاً، في حين واصلت أسعار الوقود صعودها بوتيرة متسارعة بلغت 24 في المائة، وهو ما انعكس فوراً على تكاليف النقل، وأسعار السلع الأساسية، وسلسلة توريد المواد الغذائية والاستهلاكية.

ويرى العاملون في المجال الإنساني أن هذا الارتفاع الحاد في أسعار الوقود يمثل مؤشراً على ضغوط تضخمية متنامية ستنعكس بصورة مباشرة على مستويات الأمن الغذائي، خصوصاً في بلد يعاني فيه السكان أصلاً من تآكل القدرة الشرائية، وتراجع مصادر الدخل، واتساع رقعة الفقر، مما يجعل أي زيادة إضافية في أسعار السلع الأساسية عبئاً يفوق قدرة ملايين الأسر على الاحتمال.

المعدات الثقيلة والأدوية والبنية التحتية للمياه تأخرت في الوصول جراء اضطرابات الشحن (إعلام محلي)

وفي ظل هذه التطورات، تزداد المخاوف من انتقال مزيد من المجتمعات المحلية إلى مراحل أكثر حدة في التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهو المؤشر العالمي الذي تعتمد عليه منظمات الإغاثة في قياس مستويات الجوع وتتبع مخاطر المجاعة.

وتكشف بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي عن صورة شديدة القتامة، إذ يشير أحدث التقديرات إلى أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن سيواجهون مستويات أزمة جوع أو ما هو أسوأ خلال النصف الأول من العام الجاري، ضمن المرحلة الثالثة وما فوق في سلم التصنيف الغذائي.

كما يوجد أكثر من 5.5 مليون شخص في حالة طوارئ غذائية، وهي المرحلة الرابعة التي تسبق المجاعة، فيما يواجه ما لا يقل عن 41 ألف شخص ظروفاً كارثية تشبه المجاعة، ضمن المرحلة الخامسة، وهي أعلى درجات الخطر الغذائي، حيث يصبح البقاء نفسه مهدداً.

ويؤكد التقرير أن أي اضطراب إضافي في تدفق المساعدات أو استمرار الارتفاع في أسعار السلع الأساسية والوقود سيضاعف من حجم هذه الأرقام، ويدفع مزيداً من السكان إلى حافة الانهيار المعيشي، خصوصاً في المناطق الأشد هشاشة، التي تعتمد بشكل شبه كامل على التدخلات الإنسانية المباشرة.

ضغط مزدوج

إلى جانب التداعيات المعيشية، عبّرت المنظمات الإنسانية عن خشيتها من أن يؤدي تصاعد التوترات الإقليمية إلى تقويض فرص السلام في اليمن، من خلال تحويل الانتباه السياسي والدبلوماسي بعيداً عن الملف اليمني، وإعادة ترتيب أولويات القوى الإقليمية والدولية الفاعلة.

وأكدت المنظمات أن استدامة الحوار بين الأطراف اليمنية تتطلب انخراطاً إقليمياً فاعلاً، فيما يؤدي المناخ المتقلب الحالي إلى زيادة حالة عدم اليقين، وتراجع الزخم السياسي اللازم لدفع مسار التسوية، بما يهدد بإطالة أمد الأزمة الإنسانية والاقتصادية.

في السياق نفسه، تواجه المنظمات الإنسانية قيوداً حوثية متزايدة على حركة موظفيها، حيث أظهرت نتائج دراسة استقصائية حديثة أن 91 في المائة من المنظمات غير الحكومية الدولية تعاني من تأخيرات أو اضطرابات شديدة في حركة كوادرها، سواء في الدخول إلى البلاد أو التنقل داخلها أو مغادرتها، وهو ما ينعكس مباشرةً على قدرة هذه المنظمات على إدارة عملياتها بكفاءة.

العاملون في المجال الإنساني في اليمن يواجهون قيوداً حوثية على الحركة (إعلام محلي)

ودعت المنظمات إلى تحرك عاجل لتسهيل حركة العاملين في المجال الإنساني بصورة آمنة، وتسريع إصدار التصاريح اللازمة لنقل الإمدادات الحيوية، وإعطاء الأولوية لخفض التصعيد في المنطقة، وضمان حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، مع دعم قنوات الشراء الوطنية والإقليمية لتخفيف الاعتماد على سلاسل الإمداد الدولية، وتعزيز القدرة المحلية على مواجهة الصدمات المستقبلية.

وشددت المنظمات في ختام تقريرها على أن عمليات إنقاذ الأرواح يجب أن تبقى بمنأى عن النزاعات الإقليمية والداخلية، محذرةً من أن أي إخفاق في حماية الاستجابة الإنسانية من مزيد من الاضطرابات ستكون تكلفته البشرية كارثية على اليمنيين الذين يواجهون بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.