عرب أميركا اللاتينية في الواجهة

حاضرون في مختلف المرافق... وعلى رأسها السياسة

عرب أميركا اللاتينية في الواجهة
TT

عرب أميركا اللاتينية في الواجهة

عرب أميركا اللاتينية في الواجهة

طغت الأوضاع الأمنية المتوترة في فنزويلا وحالة الاضطراب السياسي في البرازيل على المشهد السياسي في دول أميركا الجنوبية خلال الأسبوعين الأخيرين. ولئن كانت الحالة في فنزويلا قد تفضي إلى مواجهات تسقط كامل النظام السياسي للرئيس اليساري نيكولاس مادورو و«خليفته» المحتمل طارق العيسمي - العربي الأصل -، فإن الوضع في البرازيل لن يهدد على الأرجح سوى رئيس الجمهورية ميشال تامر - العربي الأصل أيضاً - الذي تنشط مساعي معارضيه السياسية والدستورية لإسقاطه، على غرار ما حدث للرئيسة السابقة ديلما روسيف في العام الماضي. وكان تامر الذي انتخب نائباً لها، بين من عملوا على إسقاطها.
وفيما يلي، انطلاقاً من حالتي فنزويلا والبرازيل نبحث الدور الناشط الذي لعبه ويلعبه المتحدرون من أصول عربية، ولا سيما في مجال السياسة.
من المحتمل أن تكون قد سمعت عن شاكيرا (شاكرة)، المغنية الكولومبية الشهيرة ومن نجوم هوليوود المشاهير أيضاً الممثلة المعروفة سلمى حايك. وقد تكون قد قرأت عن رجل الأعمال المكسيكي البارز كارلوس سليم الحلو (في أميركا اللاتينية الاسم الأخيرة هو اسم عائلة الأم، فأم كارلوس سليم من آل الحلو)، وهو من أغنى أقطاب الأعمال على مستوى العالم.
هؤلاء لا يمثلون، في الواقع، سوى عدد قليل من أصحاب النفوذ والتأثير مثل الرؤساء والساسة والمشاهير من الفنانين والرياضيين ورجال الأعمال المولودين في قارة أميركا اللاتينية، ولديهم صلات ثقافية وروابط عائلية مع منطقة الشرق الأوسط. ومن المحتمل أن يكون في قارة أميركا اللاتينية أكبر نسبة سكان من ذوي الأصول العربية خارج منطقة الشرق الأوسط. ولقد اعترفت شعوب دول أميركا اللاتينية منذ بضع سنوات بأهمية المساهمات الثقافية في الشرق الأوسط في كثير من المجالات مثل الهندسة المعمارية واللغات والغذاء والموسيقى. وتكيّفت الجاليات المهاجرة من الشرق الأوسط بشكل مريح مع العادات المحلية، ثم امتزجت بصورة جيدة للغاية مع السكان المحليين. ونتيجة لذلك، خرجت أجيال جديدة تمثل مزيجاً من أفضل السمات لدى الثقافتين.

أثروا الثقافة اللاتينية
ولتوضيح مدى أهمية هذا التبادل الثقافي في غالبية بلدان أميركا اللاتينية هناك على الأقل جالية عربية واحدة معروفة قد ساعدت على إثراء الثقافة اللاتينية. إذ يوجد في البرازيل، وهي أكبر وأقوى دولة في أميركا اللاتينية، أكبر جالية من السكان العرب في القارة بأسرها. وتتحدّر هذه الجالية العربية الكبيرة، التي يقارب تعدادها 12 مليون نسمة، من سوريا ولبنان. ومن الأمثلة على ذلك الرئيس البرازيلي الحالي ميشال تامر، الذي يحمل الإرث اللبناني من والديه اللذين غادروا قريتهم (بتعبورة، في قضاء الكورة بشمال لبنان) من أجل حياة جديدة في البرازيل. إلا أن الرئيس تامر ليس السياسي الوحيد على هذه القائمة.
ففي الأرجنتين، وهي من الدول الكبرى المؤثرة أيضاً في أميركا اللاتينية، فإن السيدة جوليانا عواضة، زوجة الرئيس الحالي موريسيو ماكري، لبنانية الأصل. و«سيدة الأرجنتين الأولى» معروفة على نطاق واسع بحسها الثقافي الراقي، وشاركت ولا تزال في كثير من الفعاليات الخيرية. وللعلم، يقدّر عدد المتحدرين من أصول عربية في الأرجنتين بنحو 3 ملايين نسمة، ولقد انتخب أحد هؤلاء الرئيس كارلوس منعم رئيساً للجمهورية، كما أن محاولة التمرد العسكرية الأبرز ضده قادها الجنرال محمد علي زين الدين... العربي الأصل أيضاً.
وتعيش في تشيلي كذلك جالية شرق أوسطية كبيرة، ويعتقد بأن في هذه الجمهورية الواقعة في أقصى جنوب غربي قارة أميركا الجنوبية ما يصل إلى نصف مليون مواطن تشيلي من أصول فلسطينية. ومن الدول الأخرى ذات الجاليات العربية الكبيرة هي المكسيك وكولومبيا وفنزويلا والسلفادور وهندوراس وكوبا. وحقيقة انتشار هذه الجاليات العربية على نطاق كبير تشير إلى التأثير العميق الذي أحدثوه في تلك الدول.
مدير مركز الدراسات اللبنانية في أميركا اللاتينية سيرغيو خليل (وخليل اسم جده، واسم العائلة أصلاً مخلوف، وهو من بلدة تنورين في شمال لبنان)، يقول إن الهجرات الشرق أوسطية التي يممت شطر أميركا اللاتينية قد بدأت في منتصف القرن التاسع عشر.
ويشرح خليل الأنماط التاريخية للهجرة، قائلاً: «كانت موجة الهجرة الأولى من الدول العربية نحو عام 1840 و1860 وبدأت في الأساس من فلسطين ولبنان وسوريا. وترجع في أسبابها الأولى إلى تراجع صناعة الحرير نتيجة التصنيع السريع في أوروبا وآثاره على الإنتاج الفني المحلي في هذه الدول. ثم ومع نهاية الإمبراطورية العثمانية وبداية القرن العشرين، أدى التدهور السريع في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية جنبا إلى جنب مع المعاملة القاسية التي عانت منها الأقليات إلى فترة مطولة من الهجرة الجماعية، وأغلبهم من المسيحيين، ومعظمهم من الأرمن من تركيا، وأشخاصا من لبنان، وفلسطين، وسوريا».
ولقد جاء كثير من العرب الذين وصلوا إلى أميركا اللاتينية بسبب فرارهم من الصراعات هناك ولأنهم كانوا يبحثون عن أرض جديدة لتوسيع أعمالهم وللقيام على شؤون أسرهم.

موجودون في عموم القارة
خليل، وهو من الشخصيات اللبنانية الأرجنتينية المعروفة في المنطقة لأبحاثه المتعددة حول هذا الموضوع، يتابع موضحاً: «يمكن العثور على المهاجرين العرب وذريتهم في كل بلد من بلدان الأميركيتين، ولكن بلدان الاختيار الرئيسية كانت هي التي ظهرت فيها الفرص الاقتصادية السانحة مثل الولايات المتحدة والبرازيل والأرجنتين، والتي يوجد فيها مؤسسات سياسية ليبرالية التي تضمن المساواة، والانفتاح الاقتصادي، والعمليات الصناعية الأولى، إلى جانب التنمية الثقافية. وكانت دول المكسيك وكولومبيا وتشيلي من البلدان المقصودة للهجرة على نطاق كبير». ومن الجدير بالذكر في هذا السياق أن نلاحظ أنه في كثير من الحالات ذهب المهاجرون إلى أي مكان تذهب إليه سفن الهجرة، ثم انتقلوا في أوقات لاحقة إلى كل أنحاء القارة، واستقروا حيث وجدوا الفرصة الجيدة لكسب لقمة العيش وتكوين الأسرة. ولم يكن من غير المألوف أن يذهب المهاجرون اللبنانيون والسوريون إلى البلدات والقرى النائية حيث كانوا يشاركون في التجارة الوسيطة وافتتاح المتاجر العامة، ثم الانتقال في نهاية المطاف إلى الصناعات والشركات الكبرى.

تقديرات أعدادهم تقريبية
ولا يعرف أحد على وجه التحديد عدد العرب الأصليين أو المنحدرين من أصول عربية في قارة أميركا اللاتينية، ولكن هناك بعض التقديرات حول هذا الشأن. وحسب سيرجيو خليل: «سمعت عن أعداد تقترب من 6 ملايين لبناني في البرازيل، ومليون لبناني في الأرجنتين. ولقد اطلعت على تقارير تزعم أن هناك ما يقرب من 15 مليون عربي في أميركا اللاتينية وهو ما يساوي نسبة 4 في المائة من تعداد السكان، وهو أمر يقترب من الصحة بالمعنى الواسع. ومن أحد المشكلات القائمة هي مستوى الوعي لكون المرء ينحدر من أصول عربية. وهي ليست نفس مشكلة الهوية للجيل الأول أو الجيل الثاني وحتى الجيلين الرابع أو الخامس والذين يبتعد عنهم أسلافهم بصورة كبيرة من الناحية التاريخية، وكانوا أيضاً عرضة للاستيعاب وامتزاج الزيجات مع أحفاد المهاجرين من أجزاء أخرى من العالم». ومن الواضح أن البرازيل، والأرجنتين، وتشيلي لديهم أكبر عدد من السكان المنحدرين من أصول عربية. وفي البرازيل، بالذات، لمعوا في شتى المجالات، من السياسة (باولو سليم معلوف المرشح الرئاسي والبرلماني وحاكم ولاية ساوباولو وعمدة مدينة ساو باولو، وتاسو جريصاتي السناتور والحاكم السابق لولاية سيارا) إلى الاقتصاد، ومن الفن إلى إدارة كرة القدم حيث ترأس متحدّرون من أصول عربية بعض أضخم الأندية مثل فلامنغو (فاضل فاضل وجورج هلال) وأتلتيكو مينيرو (الياس والكسندر خليل).

فلسطين.. في تشيلي
في تشيلي، التي تولّى العربي الأصل باولو زلاقط سعيد منصب عمدة عاصمتها سانتياغو، كانت وجهة المهاجرين الفلسطينيين لفترات طويلة. ولعل ما يؤشر لأهمية الجالية الفلسطينية فيها أن أحد أبرز وأشهر فرق كرة القدم التشيلية هو فريق نادي «كلوب ديبورتيفو بالستينو» أو «النادي الرياضي الفلسطيني». ولقد أسس هذا الفريق أول الأمر عام 1920 على أيدي المهاجرين الفلسطينيين - ولا سيما من مدينتي رام الله وبيت لحم وبلدتي بيت جالا وبيت ساحور - وهو يتخذ من العاصمة سانتياغو مقراً له، وفاز ببطولة الدوري عامي 1955 و1978، وفاز بالكأس عامي 1975 و1977.

مع الذكريات
وفي مقابلة أجريت مع صحيفة «الشرق الأوسط»، تذكر خوان الغصين (أمه من آل عبد الله)، وهو أحد الصحافيين الكبار في كولومبيا، القصص التي كان يخبره والده بها حول السنوات الأولى من هجرته إلى المنطقة الساحلية من كولومبيا. ويتذكر الغصين: «كان هذا المزيج عسير للغاية: اللغة والتقاليد العادات والحنين بعيداً عن العائلة. لقد اعتاد والدي أن يكرّر أنه عندما وصل إلى هذه البلاد، لم يكن يعرف هل الحرف «O» اللاتيني يُكتب بشكله الدائري أم المربع. ولم تكن اللغة هي أول ما يجب تعلمه، بل كانت الأبجدية. ولكن في نهاية الأمر حصل التآلف اللطيف مع البيئة الجديدة الجميلة. لقد انتهى بهم المطاف في اتحاد وثيق مع الناس ومع الأرض. وفي سان برناردو ديل فيينتو، البلدة الصغيرة على ساحل البحر الكاريبي، حيث ولدت، صار والدي صديقاً للجميع في البلدة، وكان الأب الروحي لكل أطفال البلدة، ومستشار الزواج فيها».

في مضمار السياسة
إن عدد المشتغلين بالسياسة في أميركا اللاتينية من أصول عربية كبير جداً. وثمة عدد من المتحدرين من المشرق العربي نجحوا في بلوغ مناصب الرئاسة في عدد كبير من بلدان أميركا اللاتينية.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، في جمهورية الإكوادور انتخب اللبناني الأصل جميل معوّض رئيساً للبلاد في الفترة بين عام 1998 حتى عام 2000، وقبله كان الرئيس عبد الله بوكرم في الفترة بين عام 1996 و1997. ولكل منهما أصوله العربية اللبنانية. ويذكر أن عبد الله بوكرم لم يكن أول من لمع من عائلته في مضمار السياسة الإكوادورية بل سبقه عمه أسعد أبو كرم، الذي انتخب رئيساً لمجلس النواب، وكان أيضاً عمدة لمدينة غواياكيل كبرى مدن الإكوادور وميناؤها الأول. وخارج أسرة بوكرم، ترشحت للرئاسة إيفون خويص عبد الباقي (زوجها سامي محمد عبد الباقي) للرئاسة، وكانت قبلاً سفيرة الإكوادور لدى واشنطن، وبعد الانتخابات تولت منصب وزيرة التجارة والصناعة، ثم انتخبت رئيسة لبرلمان دول جبال الآنديز. وبجانب، إيفون خويص عبد الباقي، برزت سيدة أخرى من أصل عربي هي ليلى رشيد التي تولت منصب وزيرة الخارجية في باراغواي، وكانت سفيرة لباراغواي في واشنطن.

كارلوس منعم
وفي الأرجنتين، كما سبقت الإشارة، برز الرئيس الأسبق كارلوس منعم، الزعيم «البيروني» الذي تولّى رئاسة الجمهورية عشر سنوات من عام 1989 حتى عام 1999، وتعود أصول منعم إلى بلدة يبرود في منطقة القلمون السورية، شمالي دمشق، أما والداه فهما مهيبة عقيل وشاول منعم، وأما زوجته فهي فاطمة جمعة. أما الضابط الذي تحدّاه وتمرد عليه، الجنرال محمد علي زين الدين فهو لبناني الأصل من آل الأعور في قضاء المتن الجنوبي بجبل لبنان.
وفي كولومبيا، كان والد خوليو سيزار طربيه أيالا (أيالا اسم عائلة أمه)، الذي شغل منصب رئيس البلاد من عام 1978 إلى 1982، من أصول لبنانية تعود إلى بلدة تنورين بشمال لبنان. وكان للرئيس طربيه حياة طويلة في السياسة الكولومبية وخدم في منصب وزير خارجية البلاد وسفيرها إلى منظمة الأمم المتحدة. وقبله، برز قريبه جبرائيل طربيه (1901 - 1947) الذي تولى منصب وزير الخارجية وكان عضواً في مجلسي الشيوخ والنواب.

... عرب فنزويلا
واليوم في فنزويلا، يحمل نائب الرئيس المعين في منصبه حديثاً، طارق زيدان العيسمي، وهو يتحدّر من عائلة الأب فيها سوري الأصل من بلدة امتان في جنوب شرقي السويداء، والأم لبنانية (أمه من آل مداح) من بلدة ميمس بجنوب شرق لبنان. ومن بين المسؤولين الحكوميين المنحدرين من أصول عربية في فنزويلا هناك إلياس جاوا (هوا) الذي خدم في منصب نائب الرئيس الأسبق، وطارق ويليام صعب، وهو أمين مظالم حقوق الإنسان في فنزويلا، وتعود أصوله إلى بلدة الشويفات قرب العاصمة اللبنانية بيروت. وفي المقابل، من قادة المعارضة لنظام الحكم في فنزويلا هناك هنري راموس (غصن) آلوب (أيّوب) عضو الجمعية الوطنية (البرلمان) وصاحب الأصول اللبنانية.
وفي بوليفيا، كان والد نائب الرئيس الأسبق في البلاد، خوان لاشين (أمه من عائلة أوكيندو)، من المهاجرين اللبنانيين (من قضاء جزّين بجنوب لبنان). وقبل أن يشغل منصب نائب الرئيس كان أبرز قادة في نقابات العمال الشهيرة في البلاد. كما انتخب إلياس أنطونيو السقّا، وهو سياسي يميني فلسطيني الأصل، رئيساً للجمهورية في السلفادور عام 2004 واحتفظ بالمنصب حتى 2009، والطريف أنه تغلب في الانتخابات الرئاسية يومذاك على منافس يساري هو شفيق حنظل، المتحدر أيضاً من أصل فلسطيني.

الموسيقى والثقافة

أصبحت شاكيرا من المشاهير في عالم الغناء بفضل موهبتها الفذة، وصوتها القوي. أما أصولها اللبنانية (تتحدر عائلتها من مدينة زحلة بشرق لبنان) فواضحة في جمالها وطريقة أدائها.
ولدت شاكيرا (شاكرة) إيزابيل مبارك في بارانكييا، واحدة من أكبر المدن في كولومبيا وهي معروفة بمينائها الأكبر في البلاد ولكونها مركزا للمهاجرين العرب. والحقيقة أن ثمة جالية كبيرة في هذه المدينة تتحدر من أصول عربية. وهذه هي الحالة في كثير من الأماكن على طول ساحل كولومبيا في منطقة البحر الكاريبي، وكذلك في «جاراتها» فنزويلا ولا سيما مدينة ماراكايبو. وكانت بارانكييا من أولى الأماكن التي بدأ فيها المهاجرون من الشرق الأوسط حياتهم الجديدة. وفي هذه الأيام، أصبح هؤلاء العرب وذريتهم في غالب الأمر من رجال الأعمال البارزين في كثير من الصناعات المختلفة.
ولكن هذه المجموعة من المهاجرين ليست مؤثرة فقط في مجالات السياسة والمال والأعمال في أميركا اللاتينية، فهناك تبادل بين ثقافتين مختلفتين تماما، الأمر الذي يظهر في اللغة والمطبخ. ويوضح السيد سيرغيو خليل الأمر بقوله: «إن الثقافة والتاريخ العربي هما محل تقدير كبير لدينا بسبب الإسهام الرائع في الإنسانية ولا سيما باعتبارهما من أدوات التنوير خلال الفترات المظلمة من العصور الوسطى في أوروبا والتي لم تعيد ربط أوروبا بإرثها الثقافي والفلسفي اليوناني السابق فحسب، وإنما استفادت كذلك من الفكر والعلوم العربية. كما أن الشرق الأوسط ليس مهدا للحضارات فحسب، ولكنه مسقط رأس الأديان التوحيدية الثلاثة مما يجعل من تلك المنطقة نقطة مرجعية شديدة الأهمية للمؤمنين بهذه الأديان».

عامل اللغة
يقول أحدهم إذا استطعت التحدث باللغة العربية فسوف تستطيع تعلم اللغة الإسبانية بسهولة بسبب وجود بعض الروابط والكلمات التي تنبع من اللغة العربية، ولكن معظم المتحدثين باللغة الإسبانية لا يدركون مدى أهمية الاتصال بين اللغتين. وبعض هذه الكلمات هي جزء من المفردات المستخدمة يوميا. على سبيل المثال، عندما تتحدث حول قطعة معينة من الملابس مثل البلوزة، فهي في اللغة العربية بنفس المنطوق، أو كلمة ديفان (ديوان)، أو الموهادا أي (المخدة)، أو أزافران (الزعفران)، أو طبق البايلا (البقية / البقايا)، أو أزايتي (الزيت)، أو أزايتونا (الزيتون).
يقول خوان أنطونيو الغصين، الخبير في اللغة الإسبانية: «يمكنني أن أمضي اليوم بطوله في ضرب الأمثلة على تأثير اللغة العربية على اللغة الإسبانية. وفي هذه اللحظة أمسك في يدي بقاموس عربيات اللغة الإسبانية، والذي يبلغ 500 صفحة. ويقدر اليوم أن نسبة 25 في المائة من الكلمات التي نستعملها في اللغة الإسبانية تنبع من اللغة العربية. لقد عاش العرب لمدة ثمانية قرون كاملة في إسبانيا، وإنني، الذي أفخر بكوني عضوا في الأكاديمية اللغوية الكولومبية، الابن الشرعي لهاتين اللغتين. وهذا من دواعي غبطتي وسروري». وبالتأكيد، فإن أكبر تأثير على اللغة الإسبانية، بعد اللاتينية، هو للغة العربية.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.