مونتيني... مفكر في عصر الحروب المذهبية

لا يمكن فهم فلسفة ديكارت جيداً دون الاطلاع على فكره

مونتيني
مونتيني
TT

مونتيني... مفكر في عصر الحروب المذهبية

مونتيني
مونتيني

من يزور باريس لا بد أن يزور الشانزيليزيه أجمل شارع في العالم. وقد ينزلق إلى الأسفل على غير وعي منه حتى يصل إلى شارع جانبي متفرع عنه يدعى شارع مونتيني؛ هناك حيث عاشت في شقق فاخرة الممثلة الشهيرة مارلين ديتريش وإمبراطورة إيران السابقة ثريا وبعض المشاهير الآخرين. وقد يتساءل أحد: من هو مونتيني هذا؟ هنا بعض الإجابة عن هذا السؤال.
يعتبر مونتيني (1533 - 1592) أحد كبار مفكري عصر النهضة الأوروبية، بالإضافة إلى رابليه، وايراسم، وتوماس مور، وجيوردانو برينو، وآخرين كثيرين. ولا يمكن فهم فلسفة ديكارت جيداً دون الاطلاع على فكره لأنه أثر عليه كثيراً. ويمكن اعتبار مونتيني أحد حكماء الغرب كله وليس فقط فرنسا. وذلك لأن الدراسات المخصصة له كثيرة في كل اللغات الأوروبية. وقد اتسم فكره بالعمق، والمرونة، والاستخفاف بمظاهر الحياة الدنيا التي لا تستحق أن نهتم بها أو نتكالب عليها إلى مثل هذا الحد. يقول هذه العبارة الجميلة:
«الحياة ليست إلا عبوراً مؤقتاً، ولكن على الأقل لنزرع على هذا المعبر المؤقت قبل رحيلنا بعض الأزهار».
كان هذا المفكر الفذ قد ولد في مدينة بوردو الواقعة جنوب غربي فرنسا التي خلدها الشاعر الألماني هولدرلين بقصيدة مشهورة يوماً ما قبل أن يجن بقليل. وفيها مات فيلسوفنا عن عمر يقارب 60 عاماً. وكان مفكراً ورجلاً سياسياً في الوقت ذاته. فقد كان عمدة لمدينة بوردو مثل آلان جوبيه الديغولي الحالي. بمعنى أنه لم يكن يتفلسف في برجه العاجي. وبالتالي ففكره ليس تجريدياً أو نظرياً وإنما هو مرتبط بالممارسة العملية المحسوسة. وكان ينتمي إلى عائلة نبلاء أرستقراطيين يمتلكون الأراضي والقصور في منطقة بوردو الجميلة المليئة بالبساتين وكروم العنب. وهي المدينة الثانية التي حظيت بالإقامة فيها بعد وصولي إلى فرنسا عام 1976. أما المدينة الأولى فكانت بيزانسون القريبة من الحدود السويسرية.
ومعلوم أن عصره أي القرن السادس عشر - كان عصر الحروب الطائفية والمذهبية في كل أنحاء فرنسا. فقد اندلع الصراع بين المذهبين الأساسيين للمسيحية آنذاك، أي المذهب الكاثوليكي الأغلبي والمذهب البروتستانتي الأقلوي. وهجمت الأكثرية على الأقلية وحاولت إبادتها بعد أن كفرتها وزندقتها وأخرجتها من الدين. وارتكبت فيها مجازر دموية مرعبة كان أشهرها مجزرة سانت بارتيليمي التي حصلت بتاريخ 24 أغسطس (آب) من عام 1572 أي قبل أربعة قرون ونصف القرن تقريباً. نقول ذلك على الرغم من أنهما ينتميان إلى نفس الإنجيل ونفس المسيح، ولكن هناك خلافات لاهوتية تفصيلية كعدم اعتراف البروتستانتيين بالبابا مثلاً. و«الشيطان يكمن في التفاصيل» كما يقول المثل الشهير.
وبالتالي، ففلسفة مونتيني لا يمكن فصلها عن سياقها التاريخي وأهم الأحداث التي حصلت عندئذ. وفي نشأته الأولى اهتم فيلسوفنا بالدراسات النهضوية والإنسانية، أي الدراسات التي تركز على أعلام الفكر والأدب في العصور اليونانية والرومانية القديمة. ومعلوم أن هذه الدراسات الأدبية - الإنسانية انتشرت بشكل واسع إبان عصر النهضة كرد فعل على الدراسات اللاهوتية والكنسية الظلامية التي كانت الناس غارقة فيها إبان العصور الوسطى.
بهذا المعنى، فإن مونتيني كان كاتباً نهضوياً بامتياز. فقد شغف بدراسة مؤلفات أفلاطون وفيرجيل وشيشرون وغيرهم من كبار شعراء وأدباء وفلاسفة اليونان والرومان. ثم ابتدأ مونتيني بتأليف كتابه الكبير «المقالات» وهو كتابه الوحيد. وكان عمره عندما ابتدأ بتأليفه سبعة وثلاثين عاماً. وقد ظل يكتب فيه حتى مات. وبالتالي فهو كتاب العمر. ولا يزال هذا الكتاب يدهش الدارسين حتى الآن بسبب عمقه والجواهر الفكرية التي يحتوي عليها.
وكان هدفه في هذا الكتاب أن يدرس الإنسان في كل حالاته لكي يكتشف نقاط قوته ونقاط ضعفه ولكي يعرف نفسيته وردود أفعاله المختلفة. وقد طبق هذه الدراسة التحليلية على نفسه أولاً، لأنه إنسان من جملة خلق الله. وبالتالي فما ينطبق عليه ينطبق على غيره من بني البشر، على الرغم من خصوصية كل إنسان.
ولكن هناك صفات مشتركة تجمع بين البشر. وهذه الصفات هي التي يدرسها علم الإنسان أو ما يدعى باللغات الأجنبية: الأنثروبولوجيا. وهذا يعني أن مونتيني كان من أوائل الذين أسسوا هذا العلم في الغرب. وقد قال في مقدمة كتابه شارحاً مشروعه الكبير: «لقد أردت في هذا الكتاب أن أعرّي نفسي على حقيقتها دون مساحيق تجميلية أو اصطناعية».
وهذا ما فعله جان جاك روسو بعده بقرنين من الزمن عندما ألف كتاب «الاعترافات» الشهير، وتحدث عن حياته الشخصية والحميمية وحتى الجنسية بشكل جريء جداً، بل ومتهور، دون أن يخفي شيئاً من نواقصه أو عيوبه المخجلة. وهذا شيء صعب جداً ولا يتجرأ عليه الكتاب العرب الذين لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم...
وقد نجح مونتيني في مشروعه مثلما نجح روسو بعده، لأنه كان صادقاً ولم يحسّن صورته ولم يزيفها أو يمجدها كما يفعل الناس عادة عندما يكتبون عن أنفسهم. لقد وصفها بشكل موضوعي، بارد، وكأنه يتحدث عن شخص آخر. ولم يشأ أن يكذب على الناس في عصره ولا على الأجيال القادمة. ولهذا السبب، فإن تأثير مونتيني على الأدب الفرنسي والأوروبي بل وحتى العالمي كان كبيراً من هذه الناحية. فصدقه الكامل في الكتابة واعترافه بكل نقاط ضعفه فاجأ الجميع ونال إعجابهم.
وعندما اشتعلت الحروب المذهبية أو الطائفية في فرنسا بين الأغلبية الكاثوليكية التي ينتمي إليها شخصياً والأقلية البروتستانتية، لم يتصرف مونتيني كشخص متعصب لطائفته بشكل مسبق وإنما كوسيط معتدل بين الطرفين. وهكذا رضي عنه حتى أتباع المذهب المضاد لمذهبه، أي المذهب البروتستانتي الأقلوي. لماذا؟ لأنه بحكمته العميقة عرف كيف يتجاوز التعصب الديني ويتعالى عليه. وكان ذلك أمراً صعباً للغاية في تلك الفترة المليئة بالأحقاد الطائفية والمشتعلة بالنيران المذهبية. وقد كتب له صديقه الحميم دو بويسي رسالة يصرخ فيها قائلاً: «يا إلهي، لماذا خُلقنا في هذا العصر الرهيب، عصر المجازر الطائفية؟ الناس أصبحت مشوهة أو مبتورة. الناس تتساقط بالآلاف يومياً. الحياة لم تعد تطاق». هل يتحدث عن عصره أم عن عصرنا العربي الراهن؟
كان مونتيني يعرف أن عامة البشر لهم عقول ضيقة ومتعصبة بطبيعتها. وبالتالي فلا فائدة ترجى منهم إلا بعد أن يتعلموا ويتطوروا وتتهذب أخلاقهم وتخفّ حزازاتهم وعصبياتهم. وهذا يتطلب وقتاً طويلاً. والواقع أن فرنسا لم تخرج من العقلية الطائفية ولم تنتصر عليها إلا بعد عصر التنوير والثورة الفرنسية: أي بعد قرنين من عصر مونتيني وصديقه العزيز دو بويسي. والآن لم يعد الكاثوليكي يعرف فيما إذا كان جاره بروتستانتياً أم لا. ولا يهمه ذلك أصلاً. يكفي أنه مواطن فرنسي مثله. له الحقوق نفسها وعليه الواجبات نفسها. ومن يتقن عمله ويخدم المجتمع أكثر فهو الأفضل، سواء أكان من الأكثرية أو الأقلية. الجميع سواسية. أحياناً أتساءل: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ والجواب موجود هنا بالضبط. وهكذا حُلت المشكلة الطائفية حلاً راديكالياً جذرياً في أوروبا بفضل الأنوار الفلسفية وظهور تفسير جديد للدين مستضيء بنور العقل. فقليلاً من الصبر يا شباب! القصة طويلة ولن نرى نهاية النفق المظلم. ربما رآه أحفادنا أو أحفاد أحفادنا. هذه مسألة أجيال..
والواقع أن مونتيني لم يكن فيلسوفاً بالمعنى الاختصاصي أو التقني الحصري للكلمة، فهو لم يبلور نظاماً فلسفياً كما فعل ديكارت مثلاً. وإنما قام بتحليل الذات البشرية في أعماق أعماقها، لكي يعرف سرّ الدوافع والغرائز التي تحرك الإنسان. يضاف إلى ذلك أن مونتيني كان شكاكاً من الطراز الأول، ولم يكن يثق بالعقليات الدوغمائية السائدة في عصره.
فقد لاحظ مثلاً أن الكاثوليكي واثق من صحة عقيدته المذهبية كل الوثوق، وأن البروتستانتي، عدوه اللدود، يعتقد الشيء نفسه فيما يخص عقيدته. ولهذا السبب فإنهما يتحاربان حتى الموت. وعلى الرغم من أن كليهما مسيحيان، فإنهما كانا يكفران بعضهما. فالكاثوليكي كان ينعت البروتستانتي بالهرطيق الزنديق الخارج على المسيحية الحقة، والبروتستانتي كان يرد عليه بالصاع صاعين ويشتم البابا والبابوية، على الرغم من أنه ضعيف ومسحوق من قبله. ثم لاحظ مونتيني أن لا أحد منهما يطرح على نفسه هذا السؤال: وماذا يحصل لو كان مذهب الشخص الآخر يحتوي على جزء من الحقيقة؟ ولماذا أعتقد أن مذهبي يمثل الحقيقة المطلقة وأن مذهب خصومي هو الخطأ المطلق؟ ألا يعتقدون هم الشيء نفسه فيما يخصهم؟ ثم وهذا هو الأهم: لو أني ولدت وترعرعت في أحضان المذهب المعادي، أما كنت سأحقد على مذهبي الحالي الذي أنا فيه اليوم؟ وبالتالي فلماذا كل هذا العبث؟ لماذا كل هذا الدم المراق؟ لماذا لا أحاورهم بدلاً من أن أقتلهم أو يقتلونني؟ هذه هي بعض الأسئلة التي كان مونتيني يطرحها. وعندما درس كل المذاهب الدينية السائدة في عصره اكتشف أنها كلها تقوم على الانغلاق اللاهوتي والاعتقاد بامتلاك الحقيقة الإلهية المطلقة أو احتكارها. وعن هذا الاعتقاد الأعمى ينتج التعصب الطائفي أو المذهبي. عنه ينتج التكفير والذبح على الهوية. ولذلك نفر مونتيني من كل هذه الانغلاقات المذهبية والطائفية. ثم رفضها رفضاً قاطعاً وأصبح يخاف منها ويحذرها أشد الحذر. بل وأصبح يرى فيها أكبر خطر على حرية الفكر. كان يقول مثلاً: نحن مسيحيون بالصدفة. بمعنى: لو ولدنا في الشرق لكنا مسلمين أو بوذيين، إلخ. والعكس صحيح أيضاً. فخففوا من تزمتكم وتعصبكم أيها الناس! الأشياء نسبية أكثر مما تظنون. ونضيف من عندنا: «ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة». ولكنه لم يشأ. من هنا مشروعية التعددية الدينية والمذهبية بإرادة الله ذاته.
ولكن كرهه للدوغمائية العقائدية دفعه إلى الارتماء في الاتجاه المعاكس: أحضان الشك. وربما بالغ في الشك والارتياب. ويعترف مؤرخو الفكر بأنه كان الأستاذ المباشر لديكارت من هذه الناحية. بل إن ديكارت نفسه يعترف بذلك. وبالتالي فلولا مونتيني لما كان ديكارت. ومعلوم أن هذا الأخير اتخذ الشك وسيلة للوصول إلى اليقين. وسار على نهج أستاذه مونتيني الذي كان يدعو تلامذته إلى الشك بكل الأفكار والعقائد قبل القبول بها أو رفضها.
كما دعاهم إلى تمحيصها وغربلتها بشكل دقيق وصارم من أجل تفريق الصالح عن الطالح فيها. وهذه هي المنهجية العلمية التي سيطرت بعدئذ على أوروبا وجعلتها تتقدم وتتفوق على جميع شعوب العالم التي كانت مستسلمة ليقيناتها الدوغمائية القديمة ونائمة عليها نوم الدهور. بهذا المعنى فإن مونتيني هو أستاذ الغرب كله قبل ديكارت، بل إنه أستاذ ديكارت والغرب في آن معاً كما قلنا. فمذهب الشك الذي يؤدي إلى اليقين هو من أفضل المذاهب إن لم يكن أفضلها. وهو الذي يعطي نتائج إيجابية في مجال الفكر والممارسة العملية. وأما أولئك الجامدون المتحنطون فكرياً فلا خير يرجى منهم، لأن عقليتهم لا تعرف الشك المنهجي. وبالتالي فلا يمكن أن يتطوروا أو يتقدموا. وذلك لأنهم جامدون متحجرون يصدقون كل ما يقوله لهم آباؤهم وأجدادهم وكهنتهم وشيوخهم دون أي تشغيل لعقولهم ودون أي تمحيص.
أخيراً: لا ريب في أن مونتيني بالغ في الشك والتشاؤم بالطبيعة البشرية. ولكن لحسن الحظ، فإن القدر أرسل لفرنسا بعده ديكارت مباشرة لكي يخفّف من شكه ولكي يعيده إلى جادة الصواب. وبالتالي فبعد أن نقرأ مونتيني ينبغي أن نقرأ ديكارت فوراً، وإلا فإن قراءتنا ستكون ناقصة وسنظل أناساً ينهشهم الشك ولا يعرفون برد اليقين. هنا تكمن عظمة ديكارت. فبضربة عبقرية قل مثيلها في تاريخ الفكر، عرف كيف يوقف جنون الهوس أو هوس الجنون عند حده وينقذ فرنسا وأوروبا كلها من جحيم الشك. ولذلك دعاه هيغل مرة بأنه: البطل المقدام للفكر!



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».