ماكرون... والتفويض التاريخي

إثر انتصاريه في انتخابات فرنسا الرئاسية والبرلمانية

ماكرون... والتفويض التاريخي
TT

ماكرون... والتفويض التاريخي

ماكرون... والتفويض التاريخي

في 27 من الشهر الحالي يجتمع مجلس النواب الفرنسي الجديد للمرة الأولى منذ انتهاء الانتخابات التشريعية (18 يونيو/ حزيران) التي حملت إلى الندوة البرلمانية جيلاً جديداً من النواب والنائبات على صورة رئيس الجمهورية الشاب إيمانويل ماكرون (39 سنة) ومثاله. 75 في المائة من نواب الندوة البرلمانية الجديدة يتخطون عتبة قاعة «الجمعية الوطنية» للمرة الأولى. إنهم يمثلون فرنسا وليس طبقة سياسية منغلقة على نفسها. وجوه جديدة غالبيتهم من المجتمع المدني الذين لم يسبق أن عملوا في حقل السياسة سابقاً ولم يسبق لهم أن شاركوا في انتخابات محلية، ولا مستوى الإقليم أو المناطق.
هكذا أرادهم ماكرون الذي دأب على القول منذ أن أعلن تأسيس حركته السياسية «إلى الأمام»، التي تحولت لاحقاً إلى حزب سياسي «الجمهورية إلى الأمام»، أنه يريد ضخ دماء جديدة إلى المشهد السياسي الفرنسي، ويريد كذلك تخطي الانقسامات التقليدية بين اليمين واليسار.
في شهر أبريل (نيسان) من العام الماضي. وحينذاك لم يكن أحد مستعداً للمراهنة يورو واحد على حظوظ إيمانويل ماكرون، وزير الاقتصاد الشاب، في أن يكون يوماً الرئيس الثامن للجمهورية الخامسة التي أسسها الجنرال شارل ديغول عام 1958 وفصل مؤسساتها على مقاسه.
وفي شهر أغسطس (آب) استقال ماكرون من الحكومة ليعلن بعدها سريعاً عن ترشحه لخوض المنافسة الرئاسية.
كان مرشحاً من نوع جديد: ذلك أنه لا يستند إلى حزب تاريخي ولا ماكينة انتخابية وراءه توفّر له التنظيم والتأطير والتمويل. ورغم ذلك، في 11 مايو (أيار)، فاز ماكرون بالجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية متغلباً على مارين لوبان، زعيمة حزب «الجبهة الوطنية» ومرشحة اليمين المتطرف، التي تأهلت كما والدها جان ماري لوبان في العام 1992 للجولة الثانية. غير أن «السقف الزجاجي» ما زال يحول دون أن يخطف اليمين المتطرف الرئاسة رغم التقدم الكبير الذي حققته آيديولوجيته في المجتمع الفرنسي.
في الجولة الحاسمة من الانتخابات الرئاسية حصلت مارين لوبان على 34 في المائة من الأصوات وعلى عشرة ملايين صوت. وفي الطريق إلى قصر الإليزيه الرئاسي، تخلّص ماكرون من رئيس الحكومة السابق فرنسوا فيّون مرشح اليمني المعتدل وحزب «الجمهوريون»، ومن بونوا هامون مرشح الحزب الاشتراكي، ناهيك عن مرشح اليسار المتشدد جان لوك ميلونشون.
الأول خرج من المنافسة منذ الدورة الأولى وهو أمر لم يعرفه اليمين الفرنسي في تاريخه الحديث. والثاني فشل في الوصول إلى عتبة الـ10 في المائة من الأصوات مع أن الاشتراكيين كانوا يحكمون فرنسا منذ خمس سنوات وكانوا يمسكون بكل مفاصل السلطة فيها باستثناء مجلس الشيوخ. أما الثالث، ورغم حملته الانتخابية الناجحة وبراعته الخطابية وقدرته على مخاطبة جيل الشباب، فإن حلمه في التأهل للجولة الثانية تبخّر يوم الامتحان.

مطلوب غالبية برلمانية
لم يكن الفوز بالرئاسة كافياً للرئيس الجديد، بل كان بحاجة إلى أكثرية نيابية يعتمد عليها لوضع برنامجه الانتخابي موضع التنفيذ. والحال أن المراهنين الذين كانوا يعتبرون أن إيمانويل ماكرون غير قادر على ضمان هذه الغالبية كثر. وكانت حجتهم الأبرز أن الانتخابات النيابية غير الرئاسية. فالأولى هي قصة علاقة بين المرشح والشعب بينما الثانية تعتمد على علاقة النائب أو المرشح بدائرته وبالخدمات التي يقدمها. كذلك ذهب البعض إلى اعتبار أن حركة «إلى الأمام» التي أصبحت حزبا قبل أيام قليلة من جولة الانتخابات النيابية الأولى ستعجز عن توفير عدد كافٍ من المرشحين في الدوائر النيابية الـ577، وأنها ستكون مضطرة لترشيح «مجهولين» سيتنافسون مع نواب لهم تجذّرهم العميق في مناطقهم.
أما الرأي الآخر فكان يدافع عن تحلي الفرنسيين بـ«المنطق». إذ إن مَن انتخب ماكرون وأوصله إلى أعلى منصب في الدولة من «المنطقي» أن يوفر له الأدوات التشريعية التي يحتاجها ليحكم فرنسا.
وشيئاً فشيئاً، تغير المزاج الانتخابي، خصوصاً، بعد الجولة الأولى التي وضعت «الجمهورية إلى الأمام» في المقدمة. وبعدما كان اليمين المعتدل بصوت رئيس حملته الانتخابية عضو مجلس الشيوخ فرنسوا باروان يدّعي أن «الجمهوريون» قادرون على الفوز بالأكثرية، وفي هذه الحالة فإنه يطالب بأن يكون هو شخصياً رئيس الحكومة القادمة، حصلت انعطافة حادة في الخطاب السياسي، بعدما أخذت استطلاعات الرأي تبيّن أن حزب ماكرون - متحالفاً مع حزب «الحركة الديمقراطية» (يمين الوسط) - يمكن أن يحصل على ما يزيد على 430 مقعداً في البرلمان الجديد، أو حتى على أربعة أخماس المقاعد. وعندها، أخذ المعارضون يحذرون من فوز «الحزب الواحد» ومخاطر ذلك على الحياة السياسية والديمقراطية وتهميش البرلمان وسحق الأحزاب الأخرى وتحويل فرنسا إلى جمهورية على مثال الجمهوريات الاشتراكية السابقة.

صدمة الانتصار
صدمة جديدة حلت على كل الساعين لوقف زحف ماكرون على الجمعية الوطنية. وجاءت نتائج الجولة الثانية لتؤكد مخاوفهم، ليس لأن ماكرون حصل على ما كانت تتوقعه معاهد استطلاع الرأي، بل لأن حزبه حصل بمفرده على أكثرية مريحة في البرلمان إذ إنه حصد 308 مقاعد بينما الأكثرية المطلقة هي 289 مقعداً. ومن ثم، إذا ما أضيفت إليه أصوات حليفه حزب «الحركة الديمقراطية» ومقاعده الـ42، فإن ذلك يؤمّن لماكرون قاعدة عريضة من 350 نائباً ستكون قادرة على تمرير كل مشاريع القوانين التي يرتئيها القصر والحكومة.
وفي المقابل، فإن حزب «الجمهوريون» وحلفاءهم حصلوا على 130 مقعدا (مقابل 201 مقعد في البرلمان السابق) وفاز الاشتراكيون وحلفاؤهم بـ40 دائرة فقط بينما كانت لهم الأكثرية في البرلمان السابق. أما مارين لوبان مع أصواتها العشرة ملايين، فقد نجحت هي شخصياً في الوصول إلى الندوة البرلمانية وفي إيصال سبعة آخرين وهي نتيجة تعد بالغة السوء رغم أن عدد نواب «الجبهة الوطنية» ارتفع من اثنين إلى ثمانية. والمآخذ على لوبان أنها أدارت بشكل سيئ حملتها الرئاسية، وأنها نيابياً لم تصل إلى العدد 15 الذي يتيح بها ولحزبها تشكيل مجموعة نيابية مستقلة في البرلمان. وبعكس ذلك، فإن حركة «فرنسا المتمردة» بزعامة ميلونشون اجتازت هذا الاختبار... لكنها أخفقت في إقناع النواب الشيوعيين وبقية اليسار، لأسباب تتعلق بتضخم «الأنا»، في الانضمام إليها لتكوين قوة مؤثرة تحت قبة البرلمان.

إنجاز تاريخي
هكذا، ما بين أبريل 2016 وحتى يونيو 2017، حقق إيمانويل ماكرون ما لم يحققه أي سياسي سابق، ربما منذ الإمبراطور نابليون الأول في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن الذي يليه... أي رئيس منتخب بنسبة عالية وأكثرية برلمانية مطواعة.
غير أن النقطة السوداء في هذا المشهد السعيد، كانت - بلا شك - ارتفاع نسبة مقاطعة الانتخابات التشريعية، حيث وصلت النسبة إلى نحو 58 في المائة وهي الأعلى منذ العام 1945. وثمة أسباب لذلك اتفق عليها المحللون: أولها «التخمة» الانتخابية التي عانى منها الفرنسيون في الأشهر الثمانية الأخير، إذ أجريت جولتان لانتخابات اليمين التمهيدية للرئاسيات (نوفمبر/ تشرين الثاني 2016) وكذلك جولتان للحزب لليسار الاشتراكي (يناير/ كانون الثاني 2017). ثم جاءت الانتخابات الرئاسية من جولتين (نهاية أبريل وبداية مايو) أعقبتها يومي 11 و18 يونيو الانتخابات التشريعية.
والشعور الذي طغى على الناخبين الفرنسيين هو «الملل» من تكرار الذهاب إلى مراكز الاقتراع. ولعل ما رفع من نسبة الامتناع عن المشاركة في الانتخابات - وهي طوعية في فرنسا بعكس ما هو حاصل مثلاً في اليونان أو في بلجيكا - أن الناخبين اعتبروا، بعد الجولة الأولى، أن الأمور «محسومة سلفاً» بعد الذي رأوه من استطلاعات الرأي.
لكن ثمة سبباً آخر لعله الأعمق، ومفاده أن «المعروض» السياسي لم يعد يتلاءم مع رغباتهم وتطلعاتهم السياسية. ولكن ضعف المشاركة لا يعني أبداً التشكيك بشرعية النتائج وقانونيتها رغم سعي بعض اليمين واليسار الاشتراكي والمتشدد - أي الذين سيكونون في المعارضة - إلى تفسير المقاطعة على أنها «تحذير» للرئيس الجديد وتهدف لإفهامه أنه «لا يملك شيكاً على بياض» أو تفويضاً مطلقاً ليسير بما يريده من السياسات.

حصة «الجنس اللطيف»
في اليوم التالي للجولة الانتخابية الثانية، بدأ النواب الجدد في التوافد على مقر البرلمان الواقع على ضفة نهر السين اليسرى مقابل ساحة الكونكورد ومسلّتها المصرية. وبدا على الكثيرين اندهاشهم لا بل تعجبهم من وجودهم في هذا المكان، إذ لم يتحققوا بعد من معنى كونهم نواب الأمة ومشرعيها. وحقاً، تدل الإحصائيات على أن 75 في المائة من النواب الحاليين هم من الجدد، وأن عدد النائبات ارتفع من 155 نائبة وفق انتخابات عام 2012 إلى 223 نائبة في الدورة الحالية.
ولعل ما يفسّر هذا الارتفاع الكبير أن 47 في المائة من مرشحي الحزب الرئاسي من النساء، ما يعطي المجلس الجديد بعضاً من ملامح الجنس اللطيف. ويذكر أن ماكرون كان قد التزم في حملته الانتخابية على العمل على تجديد الطبقة السياسية وتأنيثها، وقد نجح في ذلك إلى حد يفوق التوقعات. ولعل أبرز إنجاز له في التساوي بين الجنسين أن حكومته الجديدة التي تضم 30 نائباً منقسمة بالتساوي بين الرجال والنساء لا بل إن حصة النساء ليست الحقائب الثانوية، إذ عهد بوزارات الدفاع والعدل والصحة والعمل... ووزارات أساسية أخرى إلى نساء. وكان حلم ماكرون أن يعين امرأة رئيسة للحكومة لكن الحاجة للمحافظة على التوازنات السياسية الداخلية حالت دون ذلك. كذلك في الحكومة الثانية التي يرأسها النائب اليميني السابق إدوار فيليب تضم عناصر شابة كثيرة، خصوصاً كثيراً من الخبراء، الأمر الذي يقرّبها من اعتبارها «حكومة تكنوقراط» باستثناء بعض الوزراء السياسيين مثل وزير الخارجية جان إيف لو دريان ووزير الداخلية جيرار كولومب.

«مناطق الظل»
في قصة العهد القصيرة (أقل من شهرين) كثير من النجاحات، ولكن أيضاً بعض «مناطق الظل». ولعل أكثرها إزعاجاً للعهد تلك التي دارت حول فضائح فساد ارتبطت بها أسماء بعض النواب والوزراء. ووجه الإزعاج فيها أنها تسيء لما يريد ماكرون أن يحفره في نفوس مواطنيه، وهو أن عهده جديد بطاقم سياسي جديد وبممارسات جديدة.
والحال أن فضيحة أصابت ريشار فران، أحد أقرب المقرّبين إليه وهو أمين عام حزب «الجمهورية إلى الأمام» ووزير التخطيط المدني. وقصته أن اسمه ارتبط بصفقات عقارية عندما كان مديراً لمجموعة من شركات التأمين غرب فرنسا قبل تحوّله إلى نائب. ثم ظهرت فضيحة أخرى أصابت وزراء حليفه حزب «الحركة الديمقراطية» التي يرأسها فرنسوا بايرو. وكان ماكرون قد عين بايرو وزيراً للعدل، وكانت أولى مهامّه تقديم مشروع قانون لإرساء الشفافية والمناقبية في العمل السياسي. كذلك أصابت الفضيحة وزيرة الدفاع سيلفي غولارد وهي امرأة مشهود لها بالكفاءة المهنية، ووزيرة الشؤون الأوروبية مارييل دو سارنيز وهي أقرب المساعدين لبايرو.
كاد اندلاع هذه الفضائح التي تشبه ما أصاب مرشح اليمين فرنسوا فيّون وأعاقه في حملته الرئاسية، وأخيراً أطاح به وبحزبه، أن يدخل العهد الجديد في دوامة. وبالتالي، كان على ماكرون أن يتصرف سريعاً، وأن يختار بين حلين أحلاهما مرّ: إما أن يُبقي على هؤلاء الوزراء في مناصبهم، ومن ثم يخسر كل ما جناه من سمعة ومن رغبة في التحديث والتجديد. أو أن يتخلّى عنهم وعندها سينظر إليه على أنه «قليل الوفاء» في السياسة، لأن الوزير فران كان أول نائب اشتراكي ترك حزبه لينضم إليه ويساعده في تنظيم حركته السياسية. كذلك أسهم فران في جانب كبير من العمل الذي أوصل ماكرون إلى رئاسة الجمهورية. أما فيما يخصّ بايرو، فإنه ليس رجل سياسة عادياً. فهو من جهة، تخلى عن الترشح للرئاسة واصطف وراء ماكرون في لحظة كانت حملة الأخير تعاني من كثير من الصعوبات. ومن جهة أخرى، حماه سياسياً بجناحيه لأن خطة ماكرون في تخطّي اليمين واليسار والمراهنة على تيار وسطي هي في الأساس صلب تموضعه السياسي.
في أي حال، يُقال عن ماكرون إنه من دعاة الفعالية وسرعة الحسم وليس من طينة الرئيس السابق فرنسوا هولاند، الذي كان يناور ويجادل، ثم يمتنع عن اتخاذ القرار الحاسم. ولذا، فإن الرئيس الشاب استفاد من فرصة ما يأمر به الدستور، وهي استقالة الحكومة عقب الانتخابات وتشكيل حكومة جديدة ليخرج من مأزقه: فمن جهة، دفع بصديقه ريشار فران للخروج «طوعاً» من الحكومة، وقدّم له رئاسة المجموعة البرلمانية التي تحتاج لـ«مرشد» لها بسبب انعدام الخبرة لأكثريتها الساحقة. وظهر ذلك على أنه «ترقية» له. كذلك حصل بالنسبة لمارييل دو سارنيز التي ستصبح رئيسة مجموعة النواب «الديمقراطيين» في الجمعية الوطنية. أما بايرو، وبعد تردد، فقد حسم أمره وقرر ترك مقعده الوزاري من أجل «حماية العهد» معيداً التأكيد على براءته وبراءة حزبه من أي اتهامات باستخدام أموال الاتحاد الأوروبي لدفع رواتب موظفين يعملون لصالح الحزب، وهي بالمناسبة، التهمة الموجهة أيضاً لمارين لوبان وحزبها. وكانت وزيرة الدفاع السابقة سيلفي غولارد السبّاقة في إعلان تخليها عن منصبها من أجل «استعادة حريتها» و«الدفاع عن شرفها».

«تفجير» الحزبين الكبيرين
كُتِب الكثير عن رغبة ماكرون الأساسية في «تفجير» الحزب الاشتراكي وحزب «الجمهوريون». وحقيقة الأمر أنه نجح في ذلك إلى حد بعيد. فالاشتراكيون تقلّص حضورهم السياسي والحزبي والانتخابي، وانقساماتهم وصراعاتهم تحفل بها صفحات الجرائد بين تيارين: تيار أبدى رغبة في مساعدة ماكرون، وكثيرون التحقوا به بمن فيهم رئيس الوزراء السابق مانويل فالس، وآخرين يريدون التزام موقف المعارضة الجذرية وهم الجناح اليساري للحزب. لكن هؤلاء محشورون بين يمينهم وحركة «فرنسا المتمردة» التي يقودها جان لوك ميلونشون.
أما حزب «الجمهوريون» فهو في طور تصفية حساباته. ولعل أبلغ صورة تدل على عمق أزمتهم أن فريقاً من نوابهم انشق عن المجموعة الرسمية ليشكل مع نواب آخرين مجموعة منافسة تريد مساندة ماكرون، وأبدت استعدادها للتصويت مع الحكومة والعهد عندما يكون ذلك للصالح العام.
اليوم، يستطيع ماكرون القول إنه حقق الجزء الأول من خطته: الوصول إلى السلطة وتأمين الأكثرية وتشكيل حكومة مطواعة. لكن يبقى أمامه الكثير، ولعله الأساسي، وهو أن تنجح حكومته في تحقيق إنجازات اقتصادية واجتماعية هي المعيار الوحيد للنجاح والضمانة الأكيدة لاستمرار ماكرون في السلطة ليس فقط في هذه الولاية، وإنما لولاية ثانية سعى إليها جميع الرؤساء الذين تعاقبوا على السلطة في فرنسا. والأمر الآخر يتمثل في منهج العمل الذي يريد ماكرون أن يسير عليه، ولا سيما، فيما يتعلق بقانون العمل. وكان سبق له أن أعلن أنه يريد إصلاحه بمراسيم أي من غير المرور في الندوة البرلمانية. إلا أن هذا النهج تحيق به الكثير من المخاطر، والخطر الأساسي أن ينتقل الجدل من الندوة البرلمانية إلى الشارع. وسبق للرئيس هولاند أن جرب إصلاح القانون نفسه من غير الذهاب إلى الحد الذي يريد ماكرون الذهاب إليه، وكانت النتيجة أسابيع من الإضرابات والمظاهرات التي عمّت فرنسا... وفي ذلك ما يمكن اعتباره «تحذيرا» للرئيس الشاب من مغامرة غير محسوبة النتائج.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».