حسابات إسرائيل... السورية

من بحيرة طبريّا حتى ما بعد الجولان

حسابات إسرائيل... السورية
TT

حسابات إسرائيل... السورية

حسابات إسرائيل... السورية

الطريقة التي تتصرف بها حكومة إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو بشأن الأزمة السورية، تفاجئ حتى الإسرائيليين. وليس صدفة أنه منذ أن اشتمّت هذه الحكومة اليمينية رائحة إمكانية التوصل إلى اتفاق سياسي يوقف نزيف الشام وأهلها، وهي تعقد اجتماعات لتقرر «موقفاً استراتيجياً» يخدم مصالحها. وفي كل مرة يستغرق الاجتماع الواحد عدة ساعات طويلة، وينتهي بلا قرار. إلا أن هذا لا يمنع نتنياهو من وضع «استراتيجية خاصة به»، يسعى لطرحها في كل محفل دولي وفي كل لقاء ثنائي مع زعماء العالم، خصوصا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأميركي دونالد ترمب ومساعديهما. فهو يطالب بالاعتراف بضم الجولان، وكذلك بحصة إسرائيلية دسمة من الكعكة السورية، تتجاوز هضبة الجولان، شرقاً وجنوباً، على شكل «حزام أمني» منزوع السلاح.
تبدو مطالب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومشاريعه في جنوب سوريا، هذه الأيام، غريبة بعض الشيء، وذلك لأنه كان قد خاض بنفسه مفاوضات متقدمة جدا مع النظام السوري بقيادة الرئيس السابق الراحل حافظ الأسد في أواسط التسعينيات من القرن الماضي، بواسطة صديقه الملياردير اليهودي الأميركي رون لاودر.
يومذاك أبدى الزعيم الإسرائيلي استعداده لتسليم الأسد «الأب» كل هضبة الجولان، مقابل التوقيع على معاهدة سلام وتطبيع كامل. بيد أن المفاوضات فشلت بسبب الخلاف حول بضعة كيلومترات من الحدود. وهو السبب نفسه الذي أفشل المفاوضات بين الأسد «الأب»، ثم الأسد «الابن»، وبين رؤساء الحكومات الذين سبقوا نتنياهو أو أعقبوه، وهم: إسحق رابين (1992 - 1995)، وإيهود باراك (1999 - 2001) وأريئيل شارون (2002 - 2004) وإيهود أولمرت (2005 - 2009).
وكان الخلاف يتمحوَر حول «الحدود التاريخية الدولية»، التي تطالب إسرائيل أن تكون أساساً لاتفاق السلام وبين «حدود الهدنة» التي فرضها واقع الحرب بينهما عام 1949، ففي حينه، احتلت إسرائيل كل المنطقة التي كان مقررا أن تمنح لـ«دولة فلسطين» في الشمال. وخلال مفاوضات الهدنة التي استغرقت ثلاثة أشهر وانتهت في 20 يوليو (تموز) 1949، اتضح أن سوريا احتلت 66 كيلومتراً مربعاً من أراضي فلسطين التاريخية، واستقرت قواتها على الضفة الشرقية من بحيرة طبريا. وتقرر أن تصبح هذه المنطقة «منطقة منزوعة السلاح»، ولكن تحت مسؤولية إسرائيل المدنية، بحيث يتاح للمدنيين السوريين فقط أن يدخلوها للزراعة.

بحيرة طبريّا ومحيطها
وخلال الصدامات العسكرية الكثيرة بين الجانبين الإسرائيلي والسوري، دخلت القوات السورية إلى منطقة الحِمّة وفرضت سيطرتها على منابع نهر الأردن. واستمر هذا الوضع إلى التاسع من يونيو (حزيران) 1967، حين داهمت إسرائيل الجولان واحتلت جزأه الغربي بالكامل، بما في ذلك جبل الشيخ ومزارع شبعا ومدينة القنيطرة، وبالطبع كل المناطق الخلافية حول بحيرة طبريا.
طوال جولات المفاوضات، منذ ذلك الحين، اقتصرت المطالب الإسرائيلية على الاحتفاظ بالأراضي المختلف عليها قرب البحيرة ومنابع الأردن ومنطقة الحِمّة. ولكن هذا الموقف بدأ يتغير عام 1980، عندما تورّطت سوريا في حرب لبنان. إذ قررت حكومة مناحيم بيغن، أن تحصل على حصة من سوريا مقابل سيطرة سوريا على لبنان. ويوم 14 ديسمبر (كانون الأول) 1981، أقرّ البرلمان الإسرائيلي قانوناً يتم بموجبه ضم هضبة الجولان إلى السيادة الإسرائيلية. ومن خرائط هذا القانون يتضح أن مساحة الأرض السورية المقصودة تبلغ 1200 كيلومتر مربع، وتشمل ليس فقط كل الأراضي الخلافية بمساحة 66 كيلومترا مربعا بل نحو 20 ضعفاً. ومنذ ذلك الوقت، تحاول الحكومات الإسرائيلية تعزيز الاستيطان اليهودي هناك (توجد حالياً 25 مستوطنة يهودية تضم 25 ألف مستوطن)، وبناء جدار أمني شديد يصلح لحدود دولية. ومع ذلك، في الوقت الذي تبدأ فيه مفاوضات جدية حول عملية سلام، كانت إسرائيل تعود إلى الواقعية وتطالب بالحدود الدولية.
ولكن كيف زحفت المطالب من 66 كيلومتراً مربعاً عند بحيرة طبريا إلى الجولان كله... وما بعد الجولان؟!
نتنياهو يقول إن الظروف قد تغيّرت جوهرياً، مما يوجب تغيير المصالح والمطالب. وحسب مصدر مقرّب من نتنياهو، فإن «سوريا لم تعد دولة مستقلة، بل لم تعد دولة طبيعية. ولقد أصبحت مرتعاً لأعداء إسرائيل اللدودين (يقصد إيران وحزب الله اللبناني). وهذا ما يعطي إسرائيل كل الحق في الدفاع عن نفسها وردع أعدائها بالطرق العسكرية. وليس سراً أن حكومة إسرائيل وقفت على الحياد في الحرب الأهلية السورية، وكان بإمكانها التدخل وإسقاط نظام الأسد». وأيضاً، حسب زعم المصدر الإسرائيلي... «وأصبح معروفا أن فئة من المعارضة السورية توجّهت إلى إسرائيل بهذا الخصوص وعرضت توقيع معاهدة سلام يتم خلالها تحويل الجولان إلى حديقة سلام دولية بإدارة إسرائيل، وأعربت عن موافقتها على كل الضمانات الأمنية التي تطلبها إسرائيل، لكننا لم نوافق. وبفضل موقفنا هذا استمر الأسد في الحكم، قبل أن يأتي الروس ويعزّزوا عرشه».
المعادلة مع موسكو
ووفق المصادر الإسرائيلية، بعد تفجر الثورة السورية عام 2011، وتحديداً عندما دخل الروس إلى سوريا، عرضت إسرائيل على الروس صفقة مضمونها «لا نتدخّل في معركتكم في سوريا ولا نشوّش على مصالحكم بل ننسّق وإيّاكم كل نشاطاتنا، مقابل دور لإسرائيل في التسوية وخروج إيران من سوريا». وبالفعل، التقى نتنياهو مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أربع مرات خلال سنة لمناقشة الصفقة، لكن شيئا لم يرشح عن مضمون اللقاءات.
رئيس صحيفة «يسرائيل ها يوم»، بوعزز بوسموط - الذي يعتبر ابن بيت لدى عائلة نتنياهو - قال يوم 24 مارس (آذار) 2017 «لقد اعتاد الجمهور في إسرائيل على التعامل مع دول العالم باللونين الأسود والأبيض: إما أنها تحبنا أو لا. إلا أن الروس هم فئة مختلفة. إسرائيل بالنسبة لهم هي جندي آخر على طاولة الشطرنج، وليست بالضرورة ضمن فريقهم. لا توجد لديهم أي مشاعر: لا تجاه الأسد، ولا تجاه الإيرانيين، ولا تجاه الأكراد في سوريا... الذين يغازلونهم الآن. بالأمس خنقوا (الرئيس التركي رجب طيب) إردوغان، واليوم يحتضنونه. كان يمكن لسلاح الجو الإسرائيلي مواصلة أعمال القصف في سوريا ما دام لا يضر هذا الأمر بالمصالح المباشرة لروسيا. وعندما فاجأتهم إسرائيل وقصفت في المنطقة التي تتمركز فيها قوات روسية وقيادة روسية لمراقبة هجمات القوات السورية في تدمر شعرت موسكو بأنها إذا لم تُظهر عضلاتها، حتى لو كانت دبلوماسية، ضد إسرائيل، فإن الأمر سيجعلها تبدو ضعيفة، ولذلك قامت بتحذير إسرائيل».
إسرائيل لم تصعّد التوتر مع الروس، في حينه، لأنها تريد الحفاظ على علاقة جيدة مع موسكو كعنصر قوي، «حتى تعتبر شريكاً غير هامشي... لا يمكن تجاهله عند إجراء المفاوضات حول مستقبل سوريا». وأضاف بوسموط شارحاً: «المشاكل الحقيقية في الصراع الإسرائيلي على هضبة الجولان هي التنسيق الأميركي - الروسي - التركي حيال مستقبل سوريا والمباحثات التي تجرى بين الأطراف الثلاثة من أجل التوصل إلى اتفاق تقاسم السيطرة، ومن يقف خارج اللعبة؟ بالنسبة لإسرائيل نتنياهو لم تثمر رحلات التنسيق إلى بوتين إجابة حقيقية حول المطلب الإسرائيلي بهضبة الجولان. لا توجد لبوتين مصلحة في الموافقة على إلحاق الضرر بحلفائه السوريين والإيرانيين وحزب الله».

... ومع المشهد الأميركي
ومن ثم، استطرد بوسموط بلهجة قريبة من اليأس «الاتصالات بين مكتب رئيس الحكومة وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) هي الأخرى لا تثمر حتى الآن عن أي شيء. إن سياسة الولايات المتحدة تتمحور الآن حول رئيس أميركي يتصرّف وكأنه تقليد أشقر لـ[باربي] (الدمية). إنه يغرّد ويتحرّك بين فضيحة وأخرى. والصحيح هو أن القصف الإسرائيلي خدم ترمب لجهة مساعدته على عرض عضلاته في نزاع امتنع سلفه الرئيس السابق باراك أوباما عن الخوض إليه. ولكن منذ متى تحول الجيش الإسرائيلي إلى جيش مرتزقة للولايات المتحدة؟».
وهنا يرمي الصحافي والكاتب الإسرائيلي المقرّب من نتنياهو موقفاً جديداً لم يطرح من قبل، قائلا: «ثمة حاجة إلى استمرار الصراع من أجل السيطرة على هضبة الجولان حينما تنزف سوريا، لكن هناك طرق أقل عنفاً وأكثر نجاعة... مثلاً، التوصل إلى اتفاق (خطوط حمراء) مع بشار الأسد كما حدث من قبل عبر التفاهمات بين إسحق رابين وحافظ الأسد».
ولكن، ماذا تطلب إسرائيل من دمشق؟

إنشاء «مناطق عازلة»
مصادر سياسية في تل أبيب، توصف بأنها مطلعة، أكدت بداية أن نتنياهو توجّه إلى كل من روسيا والولايات المتحدة بطلب الاعتراف بقرار ضم الجولان لإسرائيل وكذلك إقامة «مناطق عازلة» على طول حدود إسرائيل مع سوريا، وكذلك على طول حدود سوريا مع الأردن. وادعت هذه المصادر أن تفسير نتنياهو لهذا الطلب هو أن التسويات المطروحة للمسألة السورية حالياً تدل على أن النفوذ الإيراني سيبقى، بل وربما سيتعزز، ومن ثم فـ«إسرائيل لن تقبل بأن يقترب الإيرانيون أو حزب الله أو أي طرف مقرّب لهما من الحدود ويهدد أمن المنطقة». ولذا، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي «يطالب بأن تتضمن أي تسوية مستقبلية لإنهاء الحرب الأهلية في سوريا بنداً يضمن إنشاء منطقة فاصلة على الحدود بين سوريا وإسرائيل في هضبة الجولان، وكذلك على الحدود بين سوريا والأردن، منعا لوجود إيران وحزب الله في هذه المناطق».
ويشرح نتنياهو، في هذا السياق، أن حضور إيران و«حزب الله» على الحدود بين سوريا وإسرائيل وكذلك على الحدود بين سوريا والأردن من شأنه هزّ الاستقرار في المنطقة ككل، وتشكيل تهديد أمني لإسرائيل وأيضاً للأردن. وهو يعتبر أن إنشاء المناطق العازلة أو الفاصلة في الجانب السوري من الحدود سيمنع الإيرانيين و«حزب الله» من الوصول إلى الجدار ويجعل من الصعب عليهم المبادرة إلى الهجمات. ومع أن الزعيم الإسرائيلي لم يفصّل كيفية إنشاء هذه المناطق في الأراضي السورية، ومَن سيتولى الرقابة عليها أو الدخول إليها، أو ما سيجري فيها، فإنه أوضح أن ما يهمه هو أن تكون المناطق العازلة أو الفاصلة داخل الجانب السوري من الحدود، مضيفاً إنه ليس معنياً بوجود إسرائيلي فيها.
لا موقف واضحاً من التسوية
في هذه الأثناء، يدور الحديث عن تطور ذي مغزى في الموقف الإسرائيلي من التسوية المستقبلية في سوريا. فحتى اليوم، امتنعت إسرائيل عن عرض موقف مفصل حول طبيعة التسوية المستقبلية في سوريا، واكتفت بالإعراب عن رغبتها في تخليد احتلالها للجولان، وجعله جزءا من إسرائيل في التسويات المستقبلية. لكنها، ها هي تضيف طلباً آخر اليوم هو «المناطق العازلة»، والملاحظ أنه يأتي بالتزامن مع البحث الدولي في «مناطق تخفيف التصعيد». ولقد أكد ديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي بشكل غير مباشر هذا النبأ، إذ قالت مصادره معقبة إن «رئيس الوزراء نتنياهو طرح في محادثاته مع الرئيس ترمب ومع الرئيس بوتين معارضة إسرائيل لوجود إيران وفروعها في سوريا وعلى حدودنا الشمالية».
واستند نتنياهو في مواقفه هذه إلى تقديرات القيادات العسكرية والأمنية الإسرائيلية، التي تؤكد أن إيران «تغلغلت بشكل عميق جداً» في سوريا. وحسب مصادر سياسية شاركت في آخر اجتماع للمجلس الوزاري الأمني المصغّر في الحكومة (الكابينت)، في مطلع يونيو الجاري، فإن الحضور الإيراني في سوريا يصبح حقيقياً أكثر فأكثر بكل ما ينطوي عليه ذلك من معنى بالنسبة لإسرائيل. وأشار وزير كبير حضر الاجتماع إلى أن «إحدى المسائل التي طرحت في الجلسة كانت التخوف المتعاظم من أن حرية عمل سلاح الجو (الإسرائيلي) في سوريا تصبح أكثر إشكالية». ويتضح أن قيادة الجيش الإسرائيلي بحثت هذا الموضوع مع رئيس أركان القوات المشاركة للجيش الأميركي الجنرال جوزيف دانفورد خلال شهر مايو (أيار) الماضي، ومع الرئيس ترمب نفسه.
من جانب آخر، الجيش في إسرائيل لا يعارض التفاهمات مع روسيا لكنه يفضل أن يكون ذلك عن طريق الولايات المتحدة وبشراكتها الكاملة، لأنه يحبذ تناول الموضوع الإيراني وكل توابعه مع واشنطن «التي تفهم وتتفهم أكثر من موسكو ماهية المصالح والاحتياجات الأمنية الإسرائيلية»، وفق مصدر مطلع. ويعتقد قادة الجيش، كما يتضح من تحليلات «معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب»، الذي يضم مجموعة كبيرة من الجنرالات الإسرائيليين والباحثين الأميركيين، أن «انتخاب الرئيس دونالد ترمب أوجد بيئة جديدة ومختلفة تجاه الوضع السوري. فالأميركيون يعتمدون على روسيا لكي تنجز اتفاقاً في سوريا يأخذ مصالح واشنطن بالاعتبار. وينبغي على إسرائيل أن تتوصل إلى رزمة مصالح مشتركة مع الأميركيين تتجاوب مع المطالب الإسرائيلية». ومع أن هناك قناعة بأن المطالب الإسرائيلية «ذهبت بعيداً في طموحاتها»، فإنها - وفق المصادر - «تبدو نقطة بداية ملائمة».

«سيناريوهات» عسكرية سياسية
ثم إن نتنياهو من جهته، لا يسمح لنفسه بالدخول في تناقض مع الجيش لأنه يحتاج إلى استخدامه في عملية الضغط على اللاعبين في سوريا. وإذا كان النشاط العسكري الإسرائيلي في سوريا يقتصر حالياً على تنفيذ غارات محدودة موجّهة فقط إلى قوات «حزب الله» وبعض الأفراد الإيرانيين الذين يقتربون من الحدود وبعض مرافق جيش النظام السوري، فإن السيناريوهات المستقبلية قد تختلف. ومَن يتابع تدريبات الجيش الإسرائيلي في هضبة الجولان المحتلة، يلاحظ أنها صارت تأخذ بالاعتبار احتمال الدخول في مواجهة شاملة واحتلال بلدات أيضاً. ومن ضمن هذه «السيناريوهات» توسيع الحرب وتفجيرها في عدة جبهات في آن واحد. وهي تشمل أيضاً ضرب الميناء الذي تنوي إيران بناءه في مدينة اللاذقية، بل تتحدث المصادر عن تدميره قبل أن يكتمل بناؤه.
نتنياهو يقول عملياً إن على إسرائيل إظهار أنها جادة جداً في مطالبها إزاء سوريا. وإن لم ينفع الضغط السياسي «ينبغي توجيه ضغوط أشد حزماً». ولكي يجنّد الجيش إلى جانبه، فهو يواصل الحوار مع قادته بمشاركة وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان القريب من فكره.
إلا أن ليبرمان يتميّز أيضا بقربه من موسكو. وهو لا يريد أي مساس بالعلاقات معها ويؤمن بأن مصالح إسرائيل وروسيا في سوريا متقاربة أكثر من كل تصوّر. وهو - أي ليبرمان - يعتقد أن هناك بوادر كثيرة تؤشر لاصطدام مصالح روسيا مع إيران ومع «حزب الله». وحقاً، قدّمت المخابرات العسكرية في الجيش الإسرائيلي تقريراً بحثياً يلخص الانتقادات الشديدة التي تسمع في طهران ضد الروس واعتبرتها «تصدعاً غير عابر». ولذا يطلب وزير الدفاع التريث في اتخاذ موقف استراتيجي وتعميق الحوار مع الروس بموازاة الحوار مع واشنطن كي يصبح متاحاً التوصل إلى موقف أفضل.
في ضوء ما تقدم، لم يبلور الكابينت الإسرائيلي – على الأقل علانية بعد – موقفاً ثابتاً من الملف السوري. وهو يواصل الأبحاث بالتوازي مع محاورة موسكو وواشنطن.
أما بالنسبة للشارع الإسرائيلي، فكثرة من الإسرائيليين يخشون من الانزلاق إلى حرب لا يريدونها ويتمنون ألاّ يقع خطأ ما يجر إليها. ولكن، ليس كل الإسرائيليين ضد وقوع هذه الحرب. فالانطباع السائد عند بعضهم أن الوضع في سوريا يشكل فرصة لا يجوز لإسرائيل أن تضيعها من أجل الحصول على «حصتها» من الكعكة.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.