98 % من الموصل خارج «احتلال داعش»

بينما تقترب المدينة العراقية من شفير صراع سياسي وعسكري

98 % من الموصل خارج «احتلال داعش»
TT

98 % من الموصل خارج «احتلال داعش»

98 % من الموصل خارج «احتلال داعش»

تخوض القوات المسلحة العراقية، منذ نحو ثمانية أشهر، معارك ضارية لتحرير مدينة الموصل التي سيطر عليها تنظيم داعش يوم 10 يونيو (حزيران) عام 2014، وبينما تمكنت القوات الأمنية العراقية حتى الآن من تحرير 98 في المائة من مساحة المدينة، يُبدي مسلحو «داعش» المحاصَرِين في بعض أحياء «المدينة القديمة» وسط الموصل مقاومة شرسة ضد القوات المهاجمة التي تسعى إلى حسم المعارك بنهاية رمضان الحالي.
مؤشرات الوضع الميداني للمعارك تشير إلى أن معركة «المدينة القديمة» التي تعد القوات الأمنية لاقتحامها قريباً ستكون معركة صعبة. ويؤكد المسؤولون الأمنيون العراقيون أن المواجهة المقبلة ستكون للسيطرة على الجامع النوري الكبير ومنارته التاريخية التي تقع وسط «المدينة القديمة»، وهو الجامع الذي أعلن منه «داعش»... «خلافته» المزعومة، على مساحات واسعة من أراضي العراق وسوريا. ويقول المسؤولون إن السيطرة على الجامع النوري تعني حسم عملية تحرير الموصل وانتهاء التنظيم المتطرف ميدانياً، لكن فكره المتطرف سيظل وفق آرائهم موجوداً، ويحتاج إلى أكثر من عملية عسكرية لاقتلاعه من الجذور.
لم يعد أمام القوات المسلحة العراقية سوى «المدينة القديمة» وسط الجانب الأيمن من مدينة الموصل، ثاني حواضر العراق وكبرى مدن شماله، لحسم عملية تحرير المدينة من «احتلال» داعش التي انطلقت في 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. إلا أنه ما زال هناك أكثر من 100 ألف مدني محاصرين في المنطقة الخاضعة لاحتلال التنظيم. كذلك بلغت أعداد القتلى المدنيين منذ إطلاق عمليات التحرير وحتى الآن أكثر من 6000 شخص، قتل غالبيتهم مسلحو التنظيم بينما راح البقية منهم ضحية تبادل القصف والمعارك الدائرة في مدينتهم.
بعد استعادة القوات العراقية - المتمثلة بالشرطة الاتحادية والجيش العراقي وقوات جهاز مكافحة الإرهاب - السيطرة على غالبية مساحة الموصل، فإنها الآن تندفع باتجاه «المدينة القديمة» المحاصرة من ثلاث جهات هي الجنوبية والغربية والشمالية، بينما تسعى الشرطة الاتحادية التي تخوض معارك شرسة ضد مسلحي «داعش» في حيي باب سنجار والشفاء، إلى الوصول إلى الضفة الغربية لنهر دجلة لإحكام الحصار على «المدينة القديمة» من كل الجهات، والشروع باقتحامها لحسم المعركة.
مع هذا، يقر القادة الأمنيون بأن التقدم الميداني بطيء جدا، لعدة أسباب أبرزها عجز القوات العراقية عن استخدام ناقلات الجنود والمدّرعات والدبابات والأسلحة الثقيلة في العمليات. فالمعارك الدائرة فيما تبقى من أحياء الموصل مواجهات من منزل إلى منزل وزقاق إلى زقاق، تستخدم فيه الأسلحة الخفيفة والقنابل اليدوية والحراب في بعض الأحيان. ذلك أن بيوت الأحياء القديمة من الموصل متلاصقة وأزقتها ضيقة، فضلاً عن أحياء «المدينة القديمة» تتسم بكثافة سكانية عالية، وحسب إحصائيات الجهات الأمنية ما زال هناك أكثر من 100 ألف مدني محاصرين بين نيران داعش والقوات الأمنية، وسط ظروف إنسانية صعبة، وتتمثل في الجوع وانعدام الدواء ومياه الشرب وحليب الأطفال.
التنظيم المتطرّف يمنع المدنيين من الخروج من مناطق سيطرته مستخدماً إياهم دروعاً بشرية، ويحتجز كل عشر عوائل أو أكثر في منزل واحد يغلق عليهم الأبواب، كما يقتل يوميّاً العشرات من الذين يحاولون الخروج. العشرات من جثث المدنيين الذين قتلهم «داعش» تنتشر في شوارع حيي الشفاء وباب سنجار، بينما تفوح رائحة الجثث المتفسخة من كل مكان، ورغم فتح القوات العراقية عدة ممرّات آمنة لخروج المدنيين فإن قناصة «داعش» لا يتوانون عن قنص المدنيين الهاربين من المعارك والجوع.
* 500 داعشي يقاتلون
مسؤول إعلام قوات الشرطة الاتحادية العقيد عبد الرحمن الخزعلي أبلغ «الشرق الأوسط» خلال لقاء معه أن «المعارك تسير وفق الخطة المرسومة، حيث تتقدم وحدات من الشرطة الاتحادية في حي الشفاء بشمال المدينة القديمة بهدف السيطرة على ضفة نهر دجلة وإحكام الخناق على الجماعات الإرهابية في محيط الجامع النوري»، مشيراً إلى أن القوة الصاروخية التابعة للشرطة الاتحادية تواصل استهداف مقرات التنظيم ودفاعاته في جنوب «المدينة القديمة». وفي هذا السياق تشير معلومات القوات الأمنية العراقية إلى وجود أكثر من 500 مسلح من التنظيم «المدينة القديمة»، غالبيتهم من الانغماسيين (مسلحون يرتدون أحزمة ناسفة ينفذون هجمات على القوات المهاجمة ويشتبكون بشكل مباشر معها، ومن ثم يفجّرون أنفسهم)، إلا أن العقيد الخزعلي يحجم عن تحديد عدد مسلحي التنظيم، مفضّلاً القول: «نتوقع وجود بضعة مئات من الإرهابيين غالبيتهم العرب (غير العراقيين) والأجانب».
ويضيف أن «داعش» يعتمد في دفاعه على أسلحة القنص والمركبات المفخخة وتلغيم المباني ومفترقات الطرق والتحصن في المناطق المزدحمة بالمباني وفي الأزقة الضيقة.
هنا المدنيون المحاصرون داخل «المدينة القديمة» في الموصل يمثّلون العائق الأكبر أمام تقدّم القوات العراقية بسرعة، وحول هذا يشرح الخزعلي جهود القوات الأمنية في تحرير المحاصرين بالقول: «فتحنا أربعة ممرات رئيسية لخروج المدنيين من المدينة القديمة باتجاهاتها الأربع، ونحاول فتح ممرات أخرى. قوتنا تنقل المواطنين الهاربين من (داعش) ومن الحرب، الذين يصلون إلى خطوطنا الأمامية، بمركباتها العسكرية إلى الخطوط الخلفية، ومنها إلى مخيمات حمام العليل حيث ينهون التدقيق الأمني، ومن ثَم ينقلون إلى مخيمات جنوب الموصل وشرقها».
* مخاوف ما بعد التحرير
من ناحية ثانية، رغم سيطرة القوات العراقية على غالبية الأحياء والمناطق في جانبي الموصل الأيسر والأيمن، فإن أبناء المدينة ما زالوا يخشون من تدهور الأوضاع الأمنية مجدداً بعد التحرير. وهي مخاوف يرد عليها مسؤول إعلام الشرطة الاتحادية مطمئناً: «لقد كثفنا وجدنا الاستخباري في المناطق المحرّرة لمراقبة الخلايا النائمة المتوقعة للإرهابيين». ومع اقتراب المعركة من الحسم، تشتد ضراواتها يوم بعد يوم، وتطغى الطائرات المُسيّرة (الدرون) على الأسلحة الأخرى من حيث الاستخدام، فالقوات الأمنية باتت تستخدمها بكثافة لاستهداف قادة «داعش» ومسلحيه وقناصيه في الأحياء المكتظة بالسكان.
ومع أن المئات من المدنيين يخرجون يومياً عبر الممرّات الأمنية وغيرها من الطرق باتجاه الأحياء المحرّرة، فإن العشرات منهم فقط يصلون، إذ إن غالبيتهم أما يقعون في كمائن التنظيم المتطرف الذي يعدمهم فوراً، أو يقتلهم قنّاصته أو تنفجر بهم العبوات الناسفة التي فخّخ بها التنظيم الطرق والشوارع.
حول هذه الناحية يقول رضوان يونس، المواطن الموصلي الذي تمكن مع عائلته المكوّنة من تسعة أفراد من الخروج من «المدينة القديمة» لكنه أصيب مع اثنين من أطفاله بجروح نتيجة انفجار عبوة ناسفة بعائلة كانت تتقدمهم في السير: «خرجنا من منزلنا الثالثة فجراً بعدما علمنا أن مسلحي (داعش) غير موجودين في الشوارع. انتهزنا الفرصة... ولكن قبل الوصول إلى القوات الأمنية انفجرت بإحدى العوائل القريبة منا عبوة ناسفة، فقتل أفرادها جميعاً وأصبت أنا بشظية في قدمي كما أصيب اثنان من أطفالي بالشظايا أحدهما في رأسه والآخر في صدره... المهم أننا خرجنا من المناطق المحاصرة».
وروى رضوان بعد ذلك كيف كان التنظيم يُعدم كل من يعتقله أثناء محاولة الهروب «قتلوا قبل خروجنا من الحي بنحو عشرة أيام 40 رجلاً وشاباً بعدما ضبطوهم وهم يحاولون الهروب... أطلق مسلحو التنظيم على كل واحد منهم رصاصة في الرأس، وقالوا لنا نحن سكان الحي: (انظروا هذا جزاء كل من يخون (الدولة الإسلامية)».
ومن جهة ثانية، يوضح عبد الكريم العبيدي، المهندس العسكري في الجيش العراقي السابق وهو من مدينة الموصل٬ أن التقدم البطيء للقوات الأمنية في المعركة قد يؤدي إلى أن تستغرق عملية تحرير شهرين آخرين، ويردف لـ«الشرق الأوسط» في حوار معه: «نحن حذّرنا من البداية بأنه ستكون هناك كارثة بيئية وبشرية، وفعلا وقعت هذه الكارثة... لقد تجاوز عدد قتلى المدنيين منذ بدية انطلاق معركة الموصل في أكتوبر الماضي وحتى الآن 6000 شخص».
* تحذير من انهيار
ولا يخفي العبيدي مخاوفه من تدهور جديد للأوضاع في الموصل في مرحلة ما بعد التحرير، قائلاً: «نخشى من انهيار أمني قادم وعودة (داعش) باسم آخر وتحت قيادة جديدة... كما حدث من قبل مع (القاعدة) والمجاميع المسلحة الأخرى. هذا الانهيار قد يحدث في حال اكتمال التحرير وانسحاب القطعات العسكرية، وتسليم الملف الأمني للشرطة المحلية و(الحشود)، لأن هذه الحشود قوات غير مدرّبة، وغير قادرة على الإمساك بالأرض».
ويسلط العبيدي الضوء على أهم الأسباب التي يرى أنها ستُسهِم في الانهيار الأمني الجديد «مسلحو (داعش) اختلطوا بين المدنيين بهويّات مزورة، فالتنظيم كان يمتلك مطابع لكل شيء... مطابع هويات وجوازات سفر لجنسيات والكثير من المستمسكات، ونفذ عن طريق هذه المطابع عمليات تغيير الأسماء والوثائق لمسلحيه. واليوم كثيرون من مسلحيه طلقاء ومنتشرون في المناطق المحررة». ويلفت إلى أن كثرة من الناس يعرفونهم لكنهم يخشون من الذهاب إلى المحكمة للإبلاغ عنهم لأنهم يخافون انتقام المسلحين، ويضيف موضحاً: «السبب يكمن في انعدام ثقة المواطن الموصلي بالقضاة وبقسم من القطعات العسكرية و(الحشود الشعبية)، وفي الوقت ذاته يتمتع مسلحو (داعش) بالقدرة على دفع الرشى، والخروج من أي مشكلة يقعون فيها».
ويكشف العبيدي، الذي عمل لسنوات عدة ضابطاً سابقاً في الجيش، عن أسباب فقدان الثقة بين الموصلي والمؤسسات الأمنية والقضائية، فيقول: «كانت ستكون هناك ثقة لو كان أهل الموصل مساهمين في عملية التحرير بشكل يتناسب مع حجم المدينة، وكانت هناك مشاركة للمواطنين في مناصب الدولة العسكرية والمدنية، ولم تكن هناك قوانين كالمساءلة والعدالة واجتثاث البعث و(المادة 4 إرهاب)... لكن هذا لم يتحقق فتسبب بفقدان الثقة بين مختلف مكوّنات الشعب العراقي».
* البيشمركة و«الحشد»
وتزامناً مع معارك تحرير مركز الموصل، يشتد القتال بين ميليشيات «الحشد الشعبي» الشيعية ومسلحي «داعش» في القرى والبلدات التي تقع غرب الموصل والواقعة على الحدود العراقية السورية، إذ استطاع «الحشد الشعبي» بدعم من الحرس الثوري الإيراني من السيطرة على قضاءي الحضر والبعّاج، وبلدات القيروان والعدنانية والقحطانية، وكذلك السيطرة على الحدود بين العراق وسوريا... وفتح الطريق البرّي الرابط بين دمشق وطهران عبر الأراضي العراقية لنقل الجنود والأسلحة من إيران إلى الأراضي السورية دعماً لجيش نظام بشار الأسد. وفي المقابل، باتت مدينة سنجار وتوابعها على موعد مع حرب جديدة بين ميليشيا البيشمركة الكردية وميليشيات «الحشد» الشيعية التي بدأت خلال الشهرين الماضيين التوغل في القرى التابعة لقضاء سنجار، وشنّ قادتها هجمات إعلامية، وهدّدوا بأن الهدف من وجوهم في هذه المناطق هو قتال البيشمركة.
بدوره ندد مسعود بارزاني، رئيس إقليم كردستان العراق، خلال استقباله الجنرال جوزيف فوتيل، قائد القيادة الوسطى للقوات الأميركية في مدينة أربيل يوم 6 يونيو الحالي بتحركات «الحشد الشعبي» غرب الموصل، وحذر ‏من مغبة أن تكون تلك التحركات التي ‏لوحظت في الفترة الأخيرة في غربي الموصل وجنوب سنجار، «محاولات لتنفيذ أجندات أخرى عدا الحرب ضد الإرهاب». وبيّن بارزاني أن من شأن هذا الأمر أن يؤدي إلى ظهور مشكلات كثيرة ستكون سبباً ‏في ضياع كل المكتسبات والانتصارات التي تحققت في الحرب ضد الإرهاب. وشدد بارزاني على «‏اختراق حدود كردستان وفرض إرادات أخرى على سكان هذه المناطق من قبل أي قوة كانت أمراً مرفوضاً لا يمكن القبول به». واعتبر أن التزام كل الأطراف بالاتفاقية الثلاثية بين الإقليم والولايات المتحدة الأميركية والحكومة العراقية كان شرطاً أساسياً لتنفيذ عمليات تحرير الموصل، ثم كشف عن أن «الاتفاقية كانت تنص على تشكيل قوة مشتركة بين قوات البيشمركة والجيش العراقي لتطهير جنوب سنجار وغرب تلعفر من الإرهابيين»، لافتاً إلى أن «الحشد الشعبي» استغل انشغال الجيش العراقي بمعركة الموصل، والتزام البيشمركة بالاتفاقية، وبدأ تحركاته بمفرده في هذه المناطق من دون أي تنسيق مع أي طرف كان، وهذا ما أدى إلى خلق هذه الظروف المعقدة.
واختتم بارزاني قائلاً: «ما تشهده هذه المنطقة حالياً يؤكد على أن القلق والتخوف الذي أبداه إقليم كردستان حول عدم وجود اتفاق سياسي وإداري مسبق كان في محله».
بدوره، قال كفاح محمود، المستشار الإعلامي في مكتب رئيس الإقليم، لـ«الشرق الأوسط» عندما التقيناه: «قبل انطلاق عمليات تحرير الموصل، كان إقليم كردستان يؤكد دائماً على ضرورة وضع خطط عسكرية وسياسية وإدارية لمرحلة ما بعد (داعش) في الموصل، بسبب توقعاته المؤشرة لحدوث مشكلات جديدة. لكن مع الأسف الامتناع عن وضع هذه الخطط قد يقود المنطقة إلى نوع آخر من الصراعات، وهذا ما يخشاه الجميع. فبالتأكيد، سنفقد ما حققناه من مكاسب على مستوى العراق في محاربة الإرهاب»، مشيراً إلى أن هناك مؤشراً غير مريح من انتشار «الحشد الشعبي»، الذي يقع خارج الاتفاق والتنسيق.
* أقليات وبنى تحتية
على صعيد آخر، مَن يتجول اليوم في محيط مدينة الموصل، خصوصا مناطق سهل نينوى وسنجار (وهي موطن عدد من الأقليات الدينية في الشرق الأوسط)، وأيضاً في الجانب الأيمن للمدينة قد يظن نفسه وسط مدينة منكوبة. مدينة كتلك المدن التي دُمرت بالكامل خلال الحرب العالمية الثانية. الأبنية مدمرة وفي كان مكان حفر عميقة أحدثها انفجار العبوات الناسفة والقصف الجوي والمدفعي وقذائف الهواوين، وملايين الأطنان من الأنقاض تنتشر بين هذا الحي وذاك.
هنا البنى التحتية مدمرة بالكامل، وسط انعدام في الخدمات الرئيسة كالماء والكهرباء والخدمات البلدية. وهذا الوضع، حسب الجهات الحكومية المسؤولة، يحتاج إلى ملايين الدولارات لكي تُعمر وتعود كما كانت. وتشير إحصائيات دقيقة إلى أن عدد المباني والمنازل التي دُمرت حتى الآن جراء الحرب في الجانب الأيمن يبلغ أكثر من 150 ألف منزل ومبنى، بينما تؤكد المنظمات الغير الحكومية المحلية العاملة في هذه المناطق أنه لا وجود لأي خطط من جانب الحكومة العراقية حتى الآن للنهوض بالمدينة وإعادة إعمارها.
ومن جانبهم، يؤكد الناشطون المدنيّون من أبناء الموصل أن مدينتهم لا تحتاج إلى إعادة بناء فحسب، بل هناك حاجة ماسّة إلى «إعادة بناء الفرد» الموصلي الذي تعرّض على مدى السنوات الثلاث الماضية من احتلال «داعش» للمدينة إلى شتى أنواع العنف الجسدي والفكري، كما نفّذ التنظيم المتطرف عمليات غسل الأدمغة على مئات الآلاف من الأطفال والشباب الذين - وفق ما يقال - ما لم يُعالَجوا من الناحية النفسية سيكونون جيشاً متطرفاً في المدينة خلال السنوات المقبلة.
في غضون ذلك، يؤكد عبد الكريم الكيلاني، مسؤول إعلام مجلس محافظة نينوى، لـ«الشرق الأوسط» أن مجلس محافظة نينوى وضع خطة لإعادة إعمار المدينة بعد انتهاء الحرب، ويوضح: «أقرّ مجلس محافظة نينوى الخطة الخمسية التي وضعت لإعادة الإعمار في نينوى، إضافة إلى إقرارها لتقرير عملية التقصّي حول التصدّي لفكر (داعش)، وهاتان الخطتان تشتملان على ما يجب التركيز عليه في عملية إعادة الاستقرار وإعادة الإعمار».
ويشير الكيلاني إلى أن رئاسة مجلس محافظة نينوى عملت منذ الساعات الأولى بعد احتلال «داعش» للموصل على دعم وتأسيس فريق «مجلس السلام في نينوى»، وهي لجنة شبابية لتوثيق جرائم «داعش»، إضافة إلى تأسيس «شبكة صانعات السلام» وكثير من الفعاليات المتعلّقة بهذا الخصوص.
ويجزم الكيلاني بالقول: «المعوّقات التي تعرقل عمل الدوائر الخدمية في المناطق المحرّرة هي عدم صرف مستحقات نينوى من الميزانية الاتحادية للسنوات 2014/ 2015/ 2016، أما 2017 فلم تُصرف منها سوى ما يقارب 7 في المائة»، مبيناً أن ‎بخل الوزارات في صرف الميزانية التشغيلية للدوائر الخدمية، يؤثّر سلباً على إعادة الخدمات في نينوى، خصوصاً أن نسبة الدمار في نينوى يبلغ حتى الآن نحو 60 في المائة».
وهكذا، بعد ثلاث سنوات من سيطرة «داعش» على المدينة، ها هي الموصل اليوم مدينة منكوبة من كل الجوانب، وباتت على موعد مع نوع جديد من الصراعات السياسية والعسكرية بين الأطراف المتنازعة على المدينة في ظل انعدام التوافق السياسي بين هذه الأطراف.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.