50 عاما على حرب 67: إسرائيل بحثت في إقامة دولة فلسطينية قبل 50 عاماً وعرقلتها

وثائق حرب 1967 تؤكد استمرار الجدل نفسه حول ما طرح من خيارات بعدها

قوات إسرائيلية تتقدم في عمق صحراء سيناء المصرية في اليوم الثاني لحرب يونيو 1967 (أ.ب)
قوات إسرائيلية تتقدم في عمق صحراء سيناء المصرية في اليوم الثاني لحرب يونيو 1967 (أ.ب)
TT

50 عاما على حرب 67: إسرائيل بحثت في إقامة دولة فلسطينية قبل 50 عاماً وعرقلتها

قوات إسرائيلية تتقدم في عمق صحراء سيناء المصرية في اليوم الثاني لحرب يونيو 1967 (أ.ب)
قوات إسرائيلية تتقدم في عمق صحراء سيناء المصرية في اليوم الثاني لحرب يونيو 1967 (أ.ب)

تؤكد الوثائق التي كُشِف عنها في تل أبيب، بمناسبة مرور 50 عاماً على حرب الأيام الستة، أن إسرائيل درست بعد أيام من انتهاء الحرب، إمكانية إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، كواحدة من احتمالات عدة للتخلص من عبء السيطرة على الفلسطينيين، لكنها لم تفلح في التوصل إلى قرار. بل اتخذت إجراءات وقامت بممارسات تبعد هذا الحل وتعرقل إقامة الدولة الفلسطينية، وتغرقها في وحل الاحتلال.
وكانت الحكومة الإسرائيلية قد حررت مجموعة جديدة من الوثائق التي اعتبرتها طيلة 50 سنة «سرية للغاية»، وهي عبارة عن 1000 صفحة بروتوكول للجلسات التي عقدتها «اللجنة الوزارية للشؤون الأمنية» في الحكومة، وبلغ عددها 36 جلسة منذ بداية 1967 وحتى نهاية الحرب، في 10 يونيو (حزيران) 1967، وبعض الوثائق التي تدون الأبحاث التي جرت خلال بضعة أشهر أخرى من الحرب. ويبرز في نصوص البروتوكولات كيف انتقل قادة إسرائيل وبشكل حاد، من حالة الخوف الوجودي قبل الحرب إلى نشوة الانتصار بعدها، وكيف اختلفوا حول مستقبل البلاد، ونسوا أن هذه الحرب أسفرت عن مقتل 779 ضابطا وجنديا إسرائيليا.
ويتضح منها أن القيادة الإسرائيلية انشغلت في تلك الأيام، في عدد من الأمور، أهمها: ماذا تفعل في 1.2 مليون فلسطيني وقعوا تحت سيطرتها (الضفة الغربية وقطاع غزة). وقد عبر رئيس الحكومة ليفي اشكول، يومها عن ذلك في جلسة 10 يونيو، بالقول: «يجب بدء التفكير بما سنفعله مع العرب». وهي كلمة تجلجلت أصداؤها حتى اليوم، لأن حكومات إسرائيل عبر 50 سنة لاحقة، لم تعط جواباً.
بداية الحرب
المعروف أن إسرائيل شَنَّت الحرب يوم الخامس من يونيو 1967، بحجة الدفاع عن النفس. ففي حينه، دارت اشتباكات بوتائر عالية بين سوريا وإسرائيل أوقعت خسائر لدى الجانبين. وفي مرحلة معينة، هدد الرئيس المصري جمال عبد الناصر بالحرب تضامناً مع سوريا. ولكي يثبت جدية تهديده، طلب من قوات الأمم المتحدة أن تغادر سيناء، وأغلق مضايق تيران في وجه السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر. ودخل الإسرائيليون في نقاشات حادة حول التصرف المطلوب، وساد خلاف بين تيارين: يمثل أحدهما رئيس الوزراء، ليفي اشكول، ويرى أن الحرب غير ضرورية، ويعتقد أن مصر لم تقصد الحرب عندما أغلقت مضايق تيران، إنما أرادت تهديد إسرائيل ومن الممكن التفاهم معها عبر طرف ثالث. وتيار الجنرالات بالمقابل، الذي اعتبرها فرصة لتوجيه ضربة قاصمة للجيوش العربية.
وقد عبر الجنرال أرييل شارون يومها عن موقف الجنرالات، وكان يومها قائداً لكتيبة المدرعات في جيش الاحتياط، لكي يقنع الحكومة بإعلان الحرب. فقال: «قوات الجيش مستعدة بشكل غير مسبوق، وتستطيع تدمير وصد الهجوم المصري. هدفنا لا يقل عن التدمير الشامل للقوات المصرية. بسبب التردد والمماطلة في الوقت فقدنا عامل الردع الأساسي الذي امتلكناه، وكان هذا هو ما يخيف الدول العربية منا». وواصل شارون: «فهمت من أسئلة الوزراء أنه يسود الخوف من عدد الخسائر. أولاً، يمكن إبادة الجيش المصري ومواجهة الأردنيين والسوريين. يوجد مبرر أخلاقي للقيادة التي تقرر الخروج إلى حملة ترتبط بعدد أكبر من الخسائر. منذ حرب 1948 لم نواجه مثل هذا الوضع الخطير، ولذلك فإن هذه الحملة تنطوي على عدد أكبر من الخسائر، ويجب أن نخوضها، لأنه لا مفر من ذلك (...) الجيش مستعد أكثر من أي وقت للحرب. من غيرنا يمكنه أن يأتي إليكم ويقول لكم إن الجيش مستعد للحرب؟ كل محاولة للتأثير على تأجيل موعد الهجوم، على أمل أن نتلقى 100 دبابة أخرى، ستكون بمثابة خطأ من الدرجة الأولى».
وحسم الموقف بإعلان الحرب على مصر.
وفي صبيجة يوم الاثنين، الخامس من يونيو، فاجأ الطيران الإسرائيلي مصر بهجوم دمر فيه وخلال بضع ساعات، أسطول طائراتها المقاتلة، وهي جاثمة على أرض المطارات الحربية. وقد لوحظ أن إسرائيل كانت أول من أعلن عن الحرب وادعت كذباً أن مصر هي التي هاجمتها. ففي تمام الساعة 7:24، أصدر الناطق العسكري الإسرائيلي في تل أبيب، أن المصريين هاجموا إسرائيل باستخدام دبابات وطائرات في جنوب البلاد. ثم صدر بيان رسمي إسرائيلي يؤكد أن معارك عنيفة بدأت، وأن القوات الإسرائيلية تقوم بهجوم مضاد. دوت صفارات الإنذار في تل أبيب وفي مدن أخرى. وفقط بعد نحو نصف ساعة، قطعت إذاعة القاهرة برامجها لتعلن أن «القوات الإسرائيلية بدأت هذا الصباح عدوانها ضدنا». وفقط في اليوم الثالث للحرب، شنت إسرائيل هجوماً مماثلاً بالطائرات على سوريا. ثم اجتاحت الضفة الغربية وحاصرت القدس الشرقية.
وبانتهاء اليوم السادس، كانت إسرائيل قد احتلت الضفة الغربية والمدينة القديمة في القدس، وأكثر من 20 قرية عربية على الجانب الشرقي من المدينة، أي ما يعادل 5900 كيلومتر مربع، وعلى الجبهات الأخرى، احتلت مرتفعات الجولان من سوريا، وشبه جزيرة سيناء المصرية، وقطاع غزة الذي كان تحت إدارة مصر.
ما العمل؟
في اليوم الثالث لحرب الأيام الستة، اتضح لإسرائيل حجم انتصارها، لكنه اتضح لها أيضاً أنها تواجه مشكلة في السيطرة على السكان العرب في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وبعد انتهاء المعارك في 15 يونيو 1967، عقدت جلسة للمجلس الوزاري تم التكتم على مضمونها واعتُبِرت «بالغة السرية». وتخبط رئيس الحكومة والوزراء خلالها فيما يجب عمله. وتكشف هذه البروتوكولات أن هناك من كان يتمتع بالرؤية البعيدة، فيعتبر نتائج الحرب فرصة لتسوية الصراع بإقامة دولة فلسطينية، بعد نهاية الحرب مباشرة. ولكن هناك من أراد استثمار الانتصار لضم الأراضي الفلسطينية بأسرها إلى سيادة الدولة العبرية. وهناك «حلول وسط» طرحت، مثل «خطة ألون»، على اسم صاحبها الوزير يغئال ألون، الذي اقترح ضم القدس وغور الأردن ورؤوس الجبال المطلة على إسرائيل من الضفة الغربية وإعادة البقية إلى الأردن.
وفي المقابل، وضع كبار المسؤولين في وزارة الخارجية، مجموعة من سبعة احتمالات لما يمكن أن تفعله إسرائيل بالضفة الغربية وقطاع غزة. وقد أخذ المسؤولون بعين الاعتبار كل شيء، من إقامة دولة فلسطينية مستقلة منزوعة السلاح تكون عاصمتها أقرب ما يكون إلى القدس إلى ضم المنطقة بكاملها إلى إسرائيل أو تسليم معظمها للأردن. وشرح المسؤولون ضرورة التحرك بسرعة «لأن الانطباع قد ينشأ في غضون ذلك على المستوى الدولي، بأن إسرائيل تفرض حكماً استعمارياً على تلك الأراضي المحتلة». وكان هناك خيار رابع ورد تحت اسم «الحل التدريجي»، يبقي الوضع القائم في خطة لإقامة دولة فلسطينية في حال التوصل إلى اتفاق سلام بين إسرائيل والدول العربية.
وقد تقرر في النهاية بالإجماع، ضم القدس إلى تخوم إسرائيل، وأعلن رئيس الحكومة ليفي اشكول بأن المناطق «المحررة» ستخضع للحكم العسكري، وستسمى بـ«مناطق مُدارة». وتمحورت الأسئلة التي تم طرحها حول سكان الضفة الغربية والمثلث. ومن بين المقترحات التي طرحت، كان الإعلان عنها كمنطقة حكم ذاتي، إلا أن زعيم حزب حيروت اليميني، مناحيم بيغن، الذي دخل كوزير في حكومة الوحدة القومية، عارض ذلك. وقال رئيس الحكومة ليفي اشكول، حول المقترحات المختلفة: «مهما كان شكل النظام في الضفة، يمنع منح المواطنة الإسرائيلية لسكانها، لن نمنحهم بأي شكل من الأشكال حق التصويت للكنيست. لقد أصابنا الذعر جراء إضافة 1.2 مليون عربي، سيتزايدون ويتكاثرون (عدد سكان إسرائيل في حينه كان 3 ملايين نسمة)». وتم تقديم ثلاثة اقتراحات: منحهم مكانة سكان، وبعد سبع سنوات مناقشة مسألة مواطنتهم، أو فرض حكم عسكري من دون منح مكانة للسكان، وإنما تقديم الخدمات المطلوبة لهم فقط، أو منح مكانة لسكان المثلث، تنبع من الحكم الذاتي وضم بقية السكان إلى إسرائيل.
وأوضح بيغن من جهته: «ارض إسرائيل الغربية لنا كلها. لماذا تخافون من قول ذلك؟ فنحن من تعرض للهجوم. أين رأينا شعباً ينتصر ويسفك دمه ثم يتنازل؟ أي جيوش سيرسلونها ضدنا لخنقنا؟ ما هذا الإسراع لتسليم الملك حسين جزءاً من أرض إسرائيل الغربية؟ يحظر علينا استدعاء الضغط علينا، ويحظر علينا تسليم شبر من أرض إسرائيل لسلطة أجنبية. كل ذكر لاقتراح بإقامة دولة فلسطينية بهذه الطريقة أو تلك سينزل علينا كارثة». وواصل قائلاً: «لن نسلم القدس! سنحتفظ بمدينة الآباء لنا. وكذلك ببيت لحم مع قبر راحيل. يتضح أننا على استعداد لتسليم المثلث. من هذه التلال قصفوا تل أبيب، ويمكن تخريب نتانيا وتقسيم أرض إسرائيل إلى قسمين. من العبث الموافقة على ذلك أو التلميح لذلك. أنا أقترح التفكير بنظام كهذا: لا يمكن لهم جميعاً الحصول على المواطنة. سنمنحهم مكانة سكان. وهكذا تكون لهم كل الحقوق. هناك من سيحصلون على المواطنة بعد سبع سنوات. ماذا سنفعل خلال هذه السنوات السبع؟ يجب عدم الفزع من حقيقة أنه لن تكون لدينا غالبية يهودية. يجب الاهتمام بألا يتحولوا إلى أغلبية، يجب الإكثار من إحضار المهاجرين، إحضار مهاجرين من روسيا، وتشجيع الولادة».



هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.


ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.